الانقسام اللبناني حول التفاوض مع إسرائيل يصل إلى المراجع الروحية

البطريرك الماروني يدعم موقف الدولة... والمفتي الجعفري يتهمها بـ«التواطؤ»

لبناني ببلدة زوطر الغربية يشاهد الدخان الناتج عن غارات إسرائيلية تستهدف بلدة في جنوب لبنان (رويترز)
لبناني ببلدة زوطر الغربية يشاهد الدخان الناتج عن غارات إسرائيلية تستهدف بلدة في جنوب لبنان (رويترز)
TT

الانقسام اللبناني حول التفاوض مع إسرائيل يصل إلى المراجع الروحية

لبناني ببلدة زوطر الغربية يشاهد الدخان الناتج عن غارات إسرائيلية تستهدف بلدة في جنوب لبنان (رويترز)
لبناني ببلدة زوطر الغربية يشاهد الدخان الناتج عن غارات إسرائيلية تستهدف بلدة في جنوب لبنان (رويترز)

وصل الانقسام اللبناني حول المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل إلى المرجعيات الروحية؛ إذ أعلن رأس الكنيسة المارونية البطريرك بشارة الراعي دعمه إجراءات الدولة لتنفيذ حصرية السلاح والمضي بالتفاوض، في حين شنّ المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان هجوماً كبيراً على الدولة، متهماً إياها بالتواطؤ على جنوب لبنان ومحاصرته وخنقه.

ويمثل هذا الانقسام تحولاً في المواقف من التباينات السياسية حول إجراءات الدولة ومسارها التفاوضي، إلى الانقسام ذي الطابع المذهبي، وذلك في ظل تعثر المفاوضات التي أُرجِئت جلستها الثامنة في روما حتى مطلع الشهر المقبل، في وقت تواصل فيه إسرائيل التفجيرات والقصف في الجنوب.

ولطالما كانت المؤسسة الدينية الشيعية (المجلس الشيعي) وثنائي «حزب الله» و«حركة أمل» يرفضون المفاوضات المباشرة، لكن الهجوم السياسي بهذا الحجم، الذي شنه قبلان، هو الأول من نوعه منذ إطلاق المفاوضات.

الدخان يتصاعد في جنوب لبنان إثر غارات إسرائيلية (رويترز)

ويكرر الرئيس اللبناني جوزيف عون عزمه على حماية السيادة وتأمين الانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان إلى المناطق المحتلة في الجنوب عبر المسار التفاوضي؛ كونه المسار الوحيد المتاح والبديل عن الحرب.

وجدّد عون موقفه الأحد، في ذكرى اغتيال الرئيس اللبناني الأسبق بشير الجميل، بالقول: «نجدد العهد بالعمل على استكمال بناء الدولة القوية العادلة، الدولة الضامنة وحدها لاستقلال قرارها، ولسيادتها الكاملة على كامل أراضيها، ولكرامة مواطنيها».

دعم مسيحي للموقف الرسمي

وفي موقف واضح من مسألة السيادة، أكد البطريرك الراعي في عظة الأحد أن «حصر السلاح بيد الدولة ليس غلبة فريق على آخر، ولا مواجهة مع طائفة أو جماعة، بل تثبيت لمرجعية وطنية واحدة»، مشدداً على أن «الدولة لا تستقيم بقرارين، ولا تكتمل السيادة مع تعدد المرجعيات».

واعتبر أن «الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة القرار السيادي والمسؤولة عن حماية جميع أبنائها؛ لأن لبنان لا يستطيع مطالبة الآخرين باحترام سيادته إذا لم تكن هذه السيادة مكتملة في الداخل».

وتبنى الراعي وجهة نظر الرئاسة اللبنانية تجاه حفظ السيادة اللبنانية وتأمين الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات؛ إذ دعا إلى «انتقال المفاوضات والوساطات من دائرة الاتصالات إلى نتائج فعلية على الأرض، في مقدمها وقف الاعتداءات وتحقيق الانسحاب وتثبيت الاستقرار، ضمن ضمانات جدية تحفظ حقوق لبنان وسيادته وتمنع تكرار التصعيد»، معتبراً أن المفاوضات «لا يجوز أن تتحول إلى مسار مفتوح بلا أفق، بل إلى وسيلة تعيد إلى اللبنانيين الأمن والاستقرار».

كما شدد على أن تكون الدولة «مرجعية الجميع، والسيادة واحدة، وكرامة الإنسان فوق الحسابات والانقسامات».

المفتي الجعفري يهاجم الدولة

غير أن هذا الموقف يعارضه المفتي الجعفري أحمد قبلان الذي شن هجوماً كبيراً على الدولة، غداة زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى النبطية في جنوب لبنان، وتعهده بوقوف الدولة إلى جانب أهالي الجنوب، وتأكيده أن «انسحاب إسرائيل وعودة الأسرى وأهلنا النازحين وإعادة الإعمار هي بمنزلة ثوابت وطنية تلتزم الدولة بالعمل على تنفيذها، وهدف واحد للجميع لا أحد يختلف بشأنه».

الرئيس اللبناني جوزيف عون والوفد المرافق خلال جولته بمدينة النبطية في جنوب لبنان السبت (إ.ب.أ)

وقال قبلان في رسالة، نشرتها «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية، وجّهها للشعب اللبناني: «لا يمكن الحديث عن لبنان بلا الحديث عن جنوبه الذي ينزف تحت عين السلطة التنفيذية التي تخنقه وتحاصره وتتواطأ عليه وتتعامل معه كدعاية إعلامية، ورشوة سيادية، وصفقة بخسة بعالم الالتزامات الجانبية».

وأضاف: «لا بدّ من تدارك فتنة السلطة التنفيذية التي تضع البلد فوق حد السيف وترمي الشراكة الوطنية والصيغة التاريخية بكل أسباب التمزيق والتحريض والانقسام، وتعمل بكل ما أوتيت من قوة للخلاص من جبهة الجنوب السيادية التي تمثّل القضية الأم للبنان ووجوده». كما رأى أن «القضية اليوم ليست أنّ السلطة التنفيذية لا تريد الدفاع عن الجنوب، بل مجموع السياسات التي تخنق الجنوب وتحاصره وتستنزفه وتمنع عليه كل أسباب الحياة».

وقال قبلان في البيان: «أمن لبنان لا يتجزأ، وجنوب لبنان يختبر لبنانية كل لبناني والتزام كل قوة سياسية بسياق الصيغة الوطنية، والحل بإطلاق صرخة وطنية وورشة عملانية تمنع السلطة المجنونة من أسوأ فتنة داخلية وأخطر كارثة سيادية، لا سيما أنها تعطي إسرائيل الإرهابية المدة الكافية للخلاص من تدمير الجنوب وجرفه».

وتابع: «من ينسى مذابح جنوبه والتزامات السلطة الجانبية خائن، والسلطة التنفيذية الحالية شريك كامل بما يجري بالجنوب من قتل وإبادة وفظاعات وتفجير وتدمير وتجريف وغارات، ولن تشفع لها لعبة الشوفانية الإعلامية المنسقة مع أعداء هذا الوطن».

تفجيرات متواصلة

في هذا الوقت، تستكمل إسرائيل تفجيراتها وغاراتها في جنوب لبنان، واللافت أنها جددت الغارات على محيط مرتفعات علي الطاهر التي فجّرتها مساء الخميس بنحو 1100 طن من المتفجرات.

وأغار الطيران الإسرائيلي على النبطية الفوقا وكفرتبنيت بشكل متكرر الأحد، كما أغار على مرتفعات علي الطاهر، والمنطقة الواقعة بين الدبشة و«علي الطاهر»، إضافة إلى قصف مدفعي لبلدة زوطر الشرقية، وهي مناطق تقع بمحيط مدينة النبطية، كما نفذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً في القنطرة.

أما في القطاع الغربي، فأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بوقوع أربعة تفجيرات في بلدة المنصوري، ترافقت مع قصف مدفعي من البياضة باتجاه المنصوري. وتحدثت وسائل إعلام لبنانية عن أن زوارق إسرائيلية جابت شاطئ المنصوري.


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

يمدد الاتحاد الأوروبي تنفيذ التزاماته بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، عبر استحداث بعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي من اليسار: سفير أميركا لدى إسرائيل مايك هاكابي وكبير موظفي الخارجية الأميركية دان هولر ونائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام وسفير أميركا لدى لبنان ميشال عيسى يشاركون في جلسة التفاوض الثلاثاء (أ.ب)

مخاوف لبنانية من تأجيل المفاوضات مع إسرائيل لما بعد انتخابات الكنيست

يأمل لبنان أن يتوصل إلى إقناع الولايات المتحدة الأميركية بتثبيت استضافتها الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي بفلوريدا قبل حلول موعد إجراء انتخابات الكنيست.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي  سوق ساحة التل فر طرابلس بشمال لبنان (الشرق الأوسط)

لبنان: العثور على صهر رئيس الوزراء الأسبق عمر كرامي مقتولاً داخل مكتبه

عثر، اليوم (الجمعة)، على رجل الأعمال عبد الله كرامي مقتولاً داخل مكتبه في مدينة طرابلس شمال لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مبانٍ متضررة جراء غارات إسرائيلية على القنطرة كما تبدو من برج قلاويه في جنوب لبنان يوم 5 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف مناطق في جنوب لبنان

قصفت المدفعية الإسرائيلية فجر الجمعة وادي زبقين وأطراف برعشيت وحداثا، بعد قصف ليلي استهدف المنصوري ومجدل زون والأودية المجاورة لهما.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس (الرئاسة اللبنانية)

أوروبا تدفع للتمديد لـ«اليونيفيل» وتنشئ بعثة لتدريب القوى المسلحة اللبنانية

شهدت بيروت، الخميس، حركة دبلوماسية أوروبية وأميركية، تمحورت حول مستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، ومصير القوات الدولية العاملة فيه، ومسار تنفيذ «اتفاق الإطار».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
TT

الاتحاد الأوروبي يمهد لبقاء قواته في لبنان بعد «اليونيفيل»

دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)
دورية لقوات «اليونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (اليونيفيل)

يواصل الاتحاد الأوروبي تنفيذ التزاماته بدعم المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل»، عبر استحداث بعثة جديدة لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، لن تكون بديلاً عن «اليونيفيل»، وتضطلع بمهمة المساعدة لـ«تعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها» على كامل الأراضي اللبنانية.

وأعلنت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائبة رئيس المفوضية الأوروبية كايا كالاس من بيروت الخميس، «التخطيط لبعثتنا الجديدة التابعة للاتحاد الأوروبي لتقديم التدريب والاستشارات للجيش اللبناني»، مشيرة إلى أنه «يوم الاثنين المقبل، أتوقّع أن ينشئ وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي البعثة رسمياً، مما سيشكل مساهمة أساسية في أمن لبنان».

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس (د.ب.أ)

وتقدم هذه البعثة الاستشارات والمساعدة للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي لتعزيز سلطاتهما على أراضي لبنان وأمن حدوده وأمنه الداخلي. وقالت كالاس: «سيتماشى كل ذلك مع قرار مجلس الأمن الدولي 1701»، مشيرة إلى أن هذه البعثة «لن تحل محل (اليونيفيل) ولن تحصر تركيزها بجنوب لبنان».

وتنتهي ولاية «اليونيفيل»، التي تتصدر الدول الأوروبية قائمة داعميها والمشاركين فيها، وفي مقدمتها فرنسا وإيطاليا وإسبانيا وألمانيا وآيرلندا.. ومع قرب انتهاء ولايتها، طُرحت فكرة تشكيل قوة أوروبية بديلة تضطلع بالمهام نفسها، لكن هذا المسعى اصطدم برفض أميركي وإسرائيلي، ما أدى إلى تعثر المقترح.

عدة أدوار

وفي هذه البعثة الجديدة، يواصل الاتحاد الأوروبي التزاماته بدعم القوى المسلحة اللبنانية، وتمكين الدولة اللبنانية من تنفيذ تعهداتها، وخصوصاً الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتطبيق القرارات التي اتخذتها وتحديداً لناحية «حصر السلاح» وبسط سيطرة الدولة على كامل أراضيها بقواها الشرعية حصراً.

وقال مصدر وزاري لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن هذه البعثة «غير مرتبطة بـ(اليونيفيل) ولا سواها»، لافتاً إلى أن مهمتها «غير عسكرية، ولن تتولى المهام التي كانت تضطلع بها (اليونيفيل)، بل ستكون مهمتها لوجستية، وستشمل تدريب القوى العسكرية اللبنانية، إضافة إلى مهام اجتماعية وصحية وتربوية، ما يعني أن لها أكثر من دور».

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كلاس في بيروت الخميس (الرئاسة اللبنانية)

وأكدت المصادر أن مهمة البعثة الأوروبية تتمثل في «تعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها وتمكين الأجهزة الأمنية اللبنانية على الانتشار وتنفيذ مهامها»، وهو ما يمكن استنتاجه من حديث كالاس عن أن مهمتها تتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي 1701 كعنوان سياسي للبعثة.

وخصص الاتحاد الأوروبي مبلغ 505 ملايين يورو للبنان لعامي 2026 و2027، تمثل الجزء الثاني من حزمة المليار يورو المعلنة عام 2024، لدعم التعافي الاقتصادي والإصلاحات والأمن والخدمات الأساسية.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كلاس (إ.ب.أ)

وبلغت قيمة المساعدات الأوروبية المقدمة للجيش عبر مرفق السلام الأوروبي 182 مليون يورو منذ عام 2022.

وأعرب الاتحاد عن استعداده لتقديم المساعدات اللازمة للبنان، ولا سيما للجيش وقوى الأمن الداخلي والمؤسسات الاجتماعية والإنسانية. كما يدعم قرارات الدولة اللبنانية لبسط سيطرة الدولة الكاملة على أراضيها، والمضي قدماً في نزع سلاح «حزب الله».

وإلى جانب هذا الدور، يدفع الاتحاد الأوروبي نحو تمديد ولاية «اليونيفيل» لتجنب أي فراغ أمني بعد مغادرة البعثة الدولية. وقالت كالاس من بيروت: «لقد أدّت (اليونيفيل) دوراً مهماً طوال نحو 50 عاماً. وإنَّ استمرار وجود الأمم المتحدة في جنوب لبنان قيد النقاش، ونحن سنبقى مستعدين للعمل مع لبنان والأمم المتحدة وأعضاء مجلس الأمن بشأن المرحلة التالية».


عام على وقف النار... إسرائيل تشن حرباً مصغرة في غزة

فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)
فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)
TT

عام على وقف النار... إسرائيل تشن حرباً مصغرة في غزة

فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)
فلسطينية تبكي خلال تشييع طفل في الثامنة من العمر قتل بغارة إسرائيلية بمدينة غزة الجمعة (إ.ب.أ)

يصادف غداً، في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2026، مرور عام على إعلان وقف الحرب في قطاع غزة، في وقت ما زالت فيه إسرائيل تواصل حربها بطريقة مصغرة بقتل مزيد من الفلسطينيين، وتدمير منازلهم بحجة رفض حركة «حماس» نزع سلاحها.

تدمير مربعات سكنية

وعشية مرور أول عام على وقف إطلاق النار الهش، شهد قطاع غزة ليلة ساخنة ذكَّرت الآلاف من سكانها بأيام الحرب الصعبة، بعدما طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء مربعات سكنية ليلاً، بهدف قصف منازل وبنايات سكنية وتدميرها في مدينتَي غزة وخان يونس، ما تسبب بمقتل طفل وسيدة خلال محاولتهما إخلاء منازل لجأت عائلات إليها.

فلسطينيون يعاينون الأضرار في شقتهم بعد غارة جوية إسرائيلية بحي صبرا جنوب قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

وقبيل منتصف ليل الخميس - الجمعة، قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية على مرتين منازل في مربع سكني بمنطقة الكتيبة شمال حي الأمل، في خان يونس، جنوب قطاع غزة، ما أدى لتدمير وإحداث أضرار بالغة بمنازل عدة، وتسبب بتشريد مئات الفلسطينيين بعدما فقدوا مأواهم الوحيد.

كما دمَّرت طائرات حربية إسرائيلية، مبنيين سكنيين، أحدهما يضم شققاً تحوي نازحين في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، بعد أن طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء المربع السكني بمحيط المبنى بالكامل، إلا أن بعض العائلات لم يسعفها الوقت للإخلاء ما أدى لمقتل طفل وسيدة من عائلة أبو عصر، النازحة من حي الشجاعية، وإصابة ما لا يقل عن 7 مواطنين بينهم صحافي ترك كاميرته ولجأ لمساعدة السكان على إخلاء منازلهم.

في حين دُمِّر المبنى الثاني بالبلدة القديمة من مدينة غزة، غرب حي الشجاعية، وشمال حي الزيتون، بعد طلب إخلائه ومحيطه بالكامل.

فلسطينيون يعاينون الأضرار بعد غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمعاً سكنياً في حي صبرا جنوب قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

ولاحظ فلسطينيون أن الطائرات الحربية الإسرائيلية أطلقت صواريخ عدة اتجاه المباني المستهدفة بمدينة غزة تحديداً، دون أن تنفجر ما أدى لتكرار الهجوم مرات عدة، وتسبب ذلك بحالة من الخوف والهلع الشديد في صفوف السكان وسط التحليق المكثف للطائرات التي كانت تصدر ضجيجاً كبيراً.

وتسببت الغارات بتشريد ونزوح المئات من الفلسطينيين القاطنين في تلك المربعات السكنية، من دون أن تجد مأوى آخر لها، فاضطرت للمبيت في ساحات المستشفيات ومراكز الإيواء أو عند أقاربهم.

وزعم الجيش الإسرائيلي أن هدف الغارات كان تدمير 4 مخازن أسلحة لحركتَي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، وهي الرواية نفسها التي كان يعتمدها في بياناته بغارات مماثلة سابقاً، الأمر الذي كانت تنفيه الفصائل الفلسطينية باستمرار، وتتهم إسرائيل بتعمد تدمير ما تبقَّى من منازل وبنايات بالقطاع.

فلسطينيون يعاينون الأضرار بعد غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمعاً سكنياً في حي صبرا جنوب قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

اغتيالات... وعمليات برية

وجاءت الغارات ليلاً، بعد ساعات على سقوط 6 فلسطينيِّين في سلسلة من الغارات، في حدثين منفصلين، بينهم سيدة، وناشطَان من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، هاجمت طائرة مسيرة إسرائيلية مركبة كانا على متنها في منطقة الصناعة جنوب مدينة غزة، بينما اغتيل ناشط ثالث داخل خيمة كان يوجد بها بمنطقة التوام شمال غربي مدينة غزة.

وصباح الجمعة، قُتل فلسطيني وأُصيب 5 آخرون بينهم سيدتان وطفل، بإطلاق نار من آليات إسرائيلية توغلت في منطقتَي المصدر ومخيم المغازي شرق وسط قطاع غزة. بينما أُصيب فلسطينيان بغارة استهدفت مواصي خان يونس.

وللمرة الثالثة خلال أقل من أسبوع، تتوغل آليات عسكرية إسرائيلية انطلاقاً من موقع أبو حمام العسكري، شرق دير البلح، وتتجه إلى مناطق شمال قرية المصدر، وسط إطلاق نار وعمليات تجريف من آليات هندسية.

وتقوم إسرائيل بحفر خندق واسع، وتضع ساتراً ترابياً في تلك المنطقة بالقرب من الخط الأصفر، في إطار خطة واسعة يتم تنفيذها على طول حدود قطاع غزة.

فلسطينيون يعاينون الأضرار بعد غارة جوية إسرائيلية استهدفت مجمعاً سكنياً في حي صبرا جنوب قطاع غزة الجمعة (د.ب.أ)

ويظهر من إحصاءات العام الأول لوقف إطلاق النار الهش، أن حصيلة الضحايا في القطاع منذ ذلك الحين ارتفعت إلى أكثر من 1478 فلسطينياً، في حين أُصيب أكثر من 5 آلاف. كما تظهر إحصاءات وزارة الصحة، والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة.

ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي بغزة، فإن إسرائيل ارتكبت 5223 خرقاً ميدانياً منذ بدء الاتفاق، شملت القصف وإطلاق النار ونسف المنازل والمباني والتوغل، بالإضافة إلى اعتقال أكثر من 200 فلسطيني.

وتسيطر إسرائيل على أكثر من 63 في المائة من مساحة قطاع غزة بعدما وسَّعت خلال العام الأخير من وقف إطلاق النار ما عرف باسم «الخط الأصفر» الذي حدَّده الاتفاق المعلن حينه بوصفه خط انسحاب أولياً.

وذكر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (أوتشا) أن 196 فلسطينياً بينهم 18 سيدة و43 طفلاً قُتلوا قرب ذلك الخط منذ وقف إطلاق النار وحتى مطلع أبريل (نيسان) 2026.

وأكد «أوتشا» أن المناطق الخاضعة لقيود الوصول وصلت إلى نحو 64.9 في المائة من مساحة القطاع، مبيناً أنها تقع تحت سيطرة إسرائيلية أكثر تشدداً ومباشرة، وأن غالبيتها محظور على الفلسطينيين الوصول إليها، في حين يتطلب وصول المنظمات الإنسانية إليها تنسيقاً مسبقاً.


الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)
رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)
TT

الزيدي يدافع عن خفض الدينار وسط انتقادات نيابية

رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)
رجل يسير أمام مكتب للصرافة في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 بعد خفض البنك المركزي العراقي قيمة الدينار مقابل الدولار (أ.ف.ب)

دافع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي عن قرار تغيير سعر صرف الدولار، قائلاً إن الحكومة اتخذته في ظل أزمة مالية تفاقمت بسبب انقطاع صادرات النفط وإغلاق مضيق هرمز، في حين أثار القرار انتقادات من نواب وخبراء اقتصاديين وسط مخاوف من تأثيره على القدرة الشرائية للمواطنين.

وقال الزيدي، خلال جلسة متأخرة لمجلس النواب ليل الخميس - الجمعة، إن حكومته وجدت نفسها أمام ثلاثة خيارات لتأمين الرواتب وتجاوز الأزمة المالية، هي «الادخار الإجباري وترك الموظف يعيش بالوعود، أو توزيع الرواتب كل 45 يوماً، أو الاقتراض وإغراق البلد بالديون».

وأضاف، بحسب بيان لمكتبه الإعلامي، أن حكومته «تسلّمت المهمة والاقتصاد محاصر»، موضحاً أن الاقتراض لم يكن خياراً مناسباً في ظل حجم الديون القائمة.

وأشار الزيدي إلى أن العراق يمر بـ«ظرف قاهر وحصار غير معلن» بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز، مؤكداً أن الحكومة لا تريد اللجوء إلى مزيد من الاقتراض لتجنب إرهاق الاقتصاد.

وقال إن الفارق في سعر صرف الدولار سابقاً «كان يستحوذ عليه المضاربون»، مشدداً على أن الحكومة ماضية في مواجهة الفساد، وأن الاقتصاد يجب أن يُعامل بـ«عقلية اقتصادية».

وبشأن توافر العملة الأجنبية، أعلن الزيدي أن «كميات جيدة» من العملة الصعبة ستصل خلال الأيام القريبة المقبلة، مؤكداً أن الحكومة ستضخها في التداول.

رئيس الوزراء علي الزيدي خلال جلسة منح الثقة لحكومته في مايو الماضي (واع)

إيرادات غير نفطية

من جانبه، قال وزير المالية فالح الساري، خلال استضافته في مجلس النواب، إن الحكومة ملزمة بتأمين رواتب الموظفين التي تبلغ 7.7 تريليون دينار شهرياً.

وأضاف الساري، بحسب ما نقلته الوكالة الرسمية العراقية، أن الحكومة اتخذت إجراءات لمعالجة الوضع المالي، من بينها تخصيص تريليون دينار من البنك المركزي لدعم قطاع السكن.

وأوضح أن نسبة الإيرادات غير النفطية في الموازنة المقبلة سترتفع إلى 19 بالمائة، مقارنة بـ11 بالمائة في الموازنة السابقة، في إطار مساعي الحكومة لتعزيز مواردها المالية وتقليل الاعتماد على النفط.

في المقابل، قال النائب عن كتلة «بدر» النيابية عبد الله الخيكاني إن كتلته لن تصوت على الموازنة ما لم تضمن الحفاظ على سعر صرف الدولار، والسيطرة على الأموال الناتجة عن فرق السعر، والتي قدّرها بنحو 18 تريليون دينار.

وقال الخيكاني، في تصريح متلفز، إن «موافقة (بدر) على الموازنة مشروطة بالمحافظة على فرق السعر». وأضاف: «مستحيل أن يأخذ العامري قراراً لا يصب في مصلحة الشعب، وأقسم إنني لن أصوت على الموازنة إذا لم تكن تصب في مصلحة الشعب».

وأشار إلى أن كتلته اشترطت على الحكومة السيطرة على الأموال التي قال إن المصارف والجهات المستفيدة تحصل عليها من فرق سعر الصرف، متسائلاً: «أين تذهب هذه الأموال؟ ولمن تذهب؟».

وقال إن الدولار يُشترى في السوق بنحو 160 ألف دينار لكل 100 دولار، مضيفاً: «إذا حافظتم على سعر الصرف بـ155 ألف دينار مقابل كل 100 دولار، أقسم إننا سنصوت».

انتقادات خبراء

وانتقد الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، يوم الجمعة، خطاب رئيس الوزراء بشأن تبرير قرار خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار، قائلاً إن الحكومة اختارت الحل الأسهل على حساب المواطنين لتجنب الخيارات المالية الصعبة.

وقال الهاشمي إن رئيس الوزراء حصر الخيارات المالية بين الاقتراض والادخار الإجباري وتأخير الرواتب، ثم اتجه إلى تعديل سعر الصرف بدلاً من معالجة الأسباب التي وصفها بأنها جوهر الأزمة، وفي مقدمتها الهدر والترهل الوظيفي والفساد الذي يستنزف المالية العامة.

وأضاف أن الحكومة لم تتطرق، بحسب رأيه، إلى هذه العوامل بصورة كافية في عرضها لمبررات القرار.

وقالت نائبة سابقة في البرلمان العراقي لـ«الشرق الأوسط»، طالبة عدم الكشف عن اسمها أو الكتلة التي تنتمي إليها، إن «كلام رئيس الوزراء علي الزيدي عن تحمله المسؤولية وحده لا يعد حلاً لمواجهة الأزمة ما دام أنه لا يزال بشكل أو بآخر يحاول عدم الاصطدام بالكتل السياسية الرئيسية».

وأضافت أن «هناك نوعاً من عدم الفهم في التعبير عما يجري إن كان على مستوى الديون أو الدخل من مبيعات النفط أو الموازنة التخطيطية التي تبدو مبالغاً فيها لو نظرنا إلى طبيعة أوجه الإنفاق، وهي في الغالب رواتب وأجور تشغيلية، مما يعني أن هناك فروقات مالية كبيرة تبدو غامضة وغير مسيطر عليها، مما يؤكد أن هناك شبهات في هذا السياق».

صرَّاف عملات يعدّ رزماً من الدينار العراقي خلال خدمة أحد الزبائن بكشك لتبديل العملات على جانب الطريق في بغداد يوم 7 أكتوبر 2026 (أ.ب)

خيارات صعبة لضبط السوق

من جهته، قال المسؤول السابق في البنك المركزي العراقي والخبير الاقتصادي محمود داغر لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة الاقتصادية العميقة التي يمر بها العراق حالياً هي نتيجة أخطاء متتالية من حكومات سابقة فيما يخص التعيينات ورفع فاتورة الموازنة التشغيلية والرواتب، والتي رافقتها عند استلام الحكومة الجديدة أزمة (هرمز)، ما جعل الخيارات أمام القيادة السياسية للبلد ضيقة جداً».

وأضاف داغر أنه «في سياق ذلك أصبح اللجوء إلى خفض قيمة العملة هو خيار متعب من بين كل الخيارات المتعبة الأخرى»، مبيناً أنه «يبقى خياراً لا بد منه خلال الفترة القصيرة التي يمر بها العراق حالياً».

في سياق متصل، أعلن «الإطار التنسيقي»، في بيان، أنه طرح حزمة مقترحات دعا الحكومة والبنك المركزي إلى البدء بتنفيذها فوراً لمعالجة تداعيات تغيير سعر الصرف.

ودعا «الإطار» الحكومة والبنك المركزي إلى السيطرة على السوق الموازية والحد من المضاربة بالعملة، بما يضمن استقرار سعر الصرف، ويمنع التلاعب واستغلال القرار لرفع أسعار السلع والخدمات.

كما طالب باعتماد سلة أسعار محمية تشمل السلع الأساسية من الغذاء والدواء والمواد الإنشائية، مع إعفائها من الرسوم الجمركية لمدة ستة أشهر من تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء.

ودعا البيان إلى نشر الأسعار المرجعية لهذه السلع بصورة دورية على منصة علنية، وإلزام الجهات الرقابية المختصة بالتعامل الفوري مع أي تلاعب أو زيادة غير مبررة في أسعارها.