سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

كنائس في دمشق تلغي الاحتفال بـ«أحد الشعانين»

سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)
سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)
TT

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)
سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

على الرغم من عودة الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة الغربي، بعد ليلة من التوتر وأعمال الشغب، فإن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين عشية «أحد الشعانين» الذي يسبق أحد «عيد الفصح» وفق التقويم الغربي. وألغت العديد من الكنائس في العاصمة دمشق الاحتفالات، وأبلغت رعاياها بالاقتصار على الصلوات داخل الكنيسة، وسط مطالبات بضبط السلاح المنفلت ومنع تكرار الاعتداءات ومعاقبة المعتدين.

وكانت مديرية الإعلام في محافظة حماة أوضحت، في بيان الجمعة، أن ما جرى في مدينة السقيلبية هو «شجار فردي بين عدد من الشبان، تطور بشكل محدود قبل أن تتدخل قوى الأمن الداخلي وتعمل على احتواء الوضع بشكل فوري».

وانتشرت قوى الأمن الداخلي في المنطقة، وألقت القبض على ستة أشخاص من المشتبه بتورطهم فيما حصل، مع مواصلة ملاحقة بقية المتورطين، وفق قناة «الإخبارية» السورية الرسمية.

رجل وامرأة في سيارتهما التي حُطّم زجاجها في السقيلبية (أ.ب)

وأكدت مصادر محلية في السقيلبية لـ«الشرق الأوسط» عودة الهدوء التام إلى المدينة السبت. ونفى الناشط المدني منذر حنا الصبغة الطائفية للاعتداء الذي حصل، وقال إن التوتر نجم عن احتكاكات تحصل بين فترة وأخرى بين شباب متحمس من أبناء المدينة، وشبان من بلدات مجاورة ممن لا يدركون حساسية مجتمع السقيلبية ويجهلون عاداته، أو ممن يقومون بسلوك استفزازي، لافتاً إلى أن مجتمع السقيلبية يضم طوائف عدة تتعايش بسلام وإن كانت الغالبية من المسيحيين. ورأى أن سياسات النظام السابق أورثت المنطقة شروخاً عميقة، ومنها وضع دباباته التي قصفت البلدات المنتفضة ضده في مواقع قريبة من المناطق المسيحية. وقال إن ذلك الإرث مع وجود مجموعات مسلحة منفلتة وشباب موتور كلها عوامل تؤدي إلى انفجار التوترات وإثارة الفتن بين حين وآخر، على غرار ما حصل ليلة الجمعة في شارع «المشوار» في السقيلبية الذي تتركز فيه المقاهي وترتاده العائلات والشبان والشابات. ويحرص الأهالي، لا سيما الشباب، على ألا يرتاد هذا الشارع شباب من خارج المدينة دون عائلاتهم، مما يؤدي إلى مشاجرات بين حين وآخر.

وأوضح منذر حنا، وهو عضو لجنة سلم أهلي تشكلت عام 2011 من نشطاء في السقيلبية والبلدات المجاورة بهدف نبذ الطائفية، أنه عقب مشاجرة مع شابين من بلدة قلعة المضيق دخل إلى السقيلبية نحو مائتي شخص مسلحين على دراجات نارية من البلدات المجاورة واستباحوا المدينة وأحرقوا المحلات وحطّموا السيارات. وعبّر حنا عن استغرابه من عدم توقيف أي من المعتدين أو المتسببين بالاعتداء، وقال إن الأشخاص الستة الذين تم توقيفهم من أبناء السقيلبية أُطلق سراحهم بعد ساعات قليلة.

رجلان يزيلان أثاثاً تعرّض للحرق خلال الأحداث التي شهدتها السقيلبية ليلة الجمعة (أ.ب)

وطالب حنا بفرض القانون على الجميع، وقال إن احتواء التوترات عبر رجال الدين والوجهاء، بوصفهم ممثلين عن المجتمع وعقد الصلح، لا يعالج جذور المشكلة ولا يمنع تكرار هذه الحوادث والفتن، معتبراً أن جذر المشكلة هو السلاح المنفلت وغياب القانون.

ورداً على أحداث الشغب في السقيلبية، تظاهر عدد من الأهالي الغاضبين بحي باب توما في دمشق، في مؤشر أثار مخاوف من اتساع دائرة التوتر ليشمل مناطق مسيحية أخرى. وقال الناشط المدني والحقوقي في حي باب توما جورج اسطفان لـ«الشرق الأوسط» إن المشكلة ليست في الحادثة بحد ذاتها وإنما في تكرارها. وعدم الجدية في العمل على منع التكرار وكبح الانزلاق نحو الطائفية، مشيراً إلى أن التوتر موجود، لكنه يتفاعل ويطفو على السطح مع كل حادثة، لعدم محاسبة الفاعلين، ومعالجة الإشكالات ضمن «إطار المجاملة». وتابع أن اختزال المجتمع المسيحي في رجال الدين يعقد المشكلة أكثر، مطالباً بتوسيع التمثيل، ليشمل المجتمع المدني المسيحي الذي لديه رؤية وطنية لبناء شراكة مجتمعية على أساس وطني.

وأكد اسطفان نبأ إلغاء عدد من الكنائس الاحتفالات بـ«أحد الشعانين»، محذراً من انعكاساته السلبية لجهة تعزيز حالة القلق والانكفاء لدى المسيحيين، في الوقت الذي شهدت فيه أعيادهم خلال العام الماضي تعاوناً مثمراً وجيداً بين لجان الأحياء وقوى الأمن العام فيما يخص حماية الاحتفالات وإشاعة الشعور بالأمان.

زجاج سيارة تعرّض للتهشيم خلال الأحداث في السقيلبية ليلة الجمعة (أ.ب)

وألغت كنائس تتبع التقويم الغربي الاحتفالات بـ«أحد الشعانين» و«أسبوع الآلام» و«عيد الفصح»، رغم عدم صدور قرار كنسي رسمي بذلك. فقد أعلنت أبرشية السريان الكاثوليك في دمشق، عبر حسابها في «فيسبوك»، أنه «نظراً لما تمر به البلاد من ظروفٍ، وحرصاً على أمن وأمان رعايا أبرشيتنا، فإنّ الاحتفالات بـ(عيد الشعانين والفصح) تقتصر على الصلوات في الكنائس». كما نشرت الصفحة الرسمية لكنيسة «سيّدة دمشق» إعلاناً لأهالي رعيتها في حيي القصور وساحة العباسيين قالت فيه: «نظراً إلى الأوضاع المستجدَّة التي تحمل توترات وتخوُّفاً عند الناس على أبنائها، نأسف لإعلان اكتفائنا بإقامة الصلوات داخل الكنيسة فقط، وإلغاء كل مظاهر الاحتفالات والدورات الكشفية والعزف الموسيقي ابتداءً من يوم (أحد الشعانين)».

وتداعى رجال دين ووجهاء في السقيلبية وبلدة قلعة المضيق ومدينة حماة لاحتواء التوتر. وقالت مصادر في حماة لـ«الشرق الأوسط» إن اجتماعاً عُقد في مقر إدارة منطقة الغاب، السبت، حضره وجهاء من السقيلبية وبلدة قلعة المضيق، وممثلون عن إدارة المنطقة ومجلسي الصلح والعشائر، وتم الاتفاق على إنهاء التوتر، ووأد الفتنة.

وأعلن مدير مديرية الإعلام في محافظة حماة، قصي شبيب، انتهاء حالة التوتر في مدينة السقيلبية. وقال في تصريح لقناة «الإخبارية» السورية الرسمية إن إدارة المنطقة تعهدت بإخراج الموقوفين في إطار الحل التصالحي الذي تم التوافق عليه خلال اجتماع الوجهاء. وأكد أن الأوضاع عادت إلى طبيعتها في المدينة، مع استمرار عمل المؤسسات الخدمية وحركة المواطنين بشكل طبيعي. وجاء ذلك فيما خرجت مظاهرة شعبية في السقيلبية، السبت، تطالب بضبط السلاح المنفلت وسيادة القانون ومحاسبة المتورطين في الاشتباكات، رافعة شعارات ترفض الطائفية.


مقالات ذات صلة

محكمة الجنايات الرابعة تجرد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية

المشرق العربي عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)

محكمة الجنايات الرابعة تجرد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية

بدأت محكمة الجنايات السورية، الأحد، الجلسة الثانية للمحاكمة العلنية لكبار رموز نظام بشار الأسد...

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع (أ.ف.ب)

سوريا: الشرع يستبعد شقيقه من «أمانة الرئاسة» في أول تعديل وزاري

أجرى الرئيس السوري أحمد الشرع تعديلاً وزارياً، السبت، شمل عدداً من الوزراء والمسؤولين، من بينهم شقيقه، وفق ما أفادت وسائل إعلام رسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام في دمشق (رئاسة الحكومة اللبنانية)

سلام يلتقي الشرع في دمشق لمعالجة القضايا العالقة مع لبنان

أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بعد لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، أن البلدين أحرزا تقدماً كبيراً في معالجة القضايا العالقة بينهما.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري داخل المحكمة الجنائية في دمشق يحضر أولى جلسات محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

خاص سوريا: استئناف محاكمة «مجرم درعا» عاطف نجيب الأحد

ستخصص جلسة المحاكمة لاستجواب عاطف نجيب، وهو قريب الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتولى سابقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا، حيث اندلعت شرارة الاحتجاجات عام 2011.

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قوات تتبع الأمن الداخلي السوري (الداخلية السورية)

سوريا: توقيف ضابط من عهد الأسد متّهم بالضلوع في هجوم كيميائي

أعلنت وزارة الداخلية السورية توقيف ضابط من عهد الرئيس المخلوع بشار الأسد، واتّهمته بالضلوع في عام 2013 بهجوم بسلاح كيميائي في الغوطة الشرقية لدمشق.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
TT

صمت رسمي وتسريبات غربية... قوة إسرائيلية نفذت مهام عسكرية في العراق

صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)
صورة من الأعلى لمرور نهر الفرات في مدينة النجف جنوب العراق (رويترز)

تصدرت حادثة تمركز قوة عسكرية في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء مطلع مارس (آذار) الماضي، واجهة التعليقات والأحداث العراقية، بعد أن كشفت تقارير إخبارية غربية أنها كانت قوة إسرائيلية، وفي مقابل هذا الكشف ما زالت السلطات الرسمية العراقية تلتزم الصمت حيال ما حدث، وتكتفي ببيان خلية الإعلام الأمني وتصريحات لنائب قائد العمليات المشتركة قيس المحمداوي وقتذاك، لكن خبيراً أمنياً كشف لـ«الشرق الأوسط» عن أن تواجد القوة «الإسرائيلية» استمر لنحو أسبوع قبل أن تغادر الأراضي العراقية.

وقالت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، السبت، إن إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير (شباط) 2026.

وذكرت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران، وأنها شنت غارات جوية على قوات عراقية كادت أن تكتشف الموقع العسكري السري في وقت مبكر من الحرب».

وكشفت صحيفة «معاريف» العبرية، الأحد، عن كواليس مهام ما سمتها بـ«قاعدة إسرائيل السرية في صحراء العراق»، مشيرة إلى أنها تضمنت تشكيلاً من وحدات «الكوماندوز»، وأوكلت لها مهام متنوعة.

خلل أمني جسيم

تعرضت السلطات العراقية إلى انتقادات شعبية واسعة خلال اليومين الأخيرين، وطبقاً لمصدر مقرب من الحكومة العراقية، فإن «المعطيات الجديدة تظهر الخلل الجسيم في قدرة القوات الأمنية العراقية بكل صنوفها على حماية البلاد، وتأمين حدودها السيادية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إنه «رغم عديد تلك القوات الذي يزيد على مليون ونصف المليون منتسب، إلى الأموال الطائلة التي تنفق عليها والتي تقدر بأكثر من 6 مليارات دولار سنوياً، لكنها أخفقت في حماية البلاد».

وذَكَّرَ المسؤول إلى جانب «الخرق الإسرائيلي» على الأرض بـ«الأجواء العراقية التي تحولت خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران إلى فضاء مستباح من قبل طيران وصواريخ القوى المتقاتلة من دون أن تكون للعراق القدرة على مواجهة ذلك».

وتعود قصة الخرق الإسرائيلي إلى مطلع مارس (آذار) الماضي، حين قام أحد الرعاة بإبلاغ الجهات الأمنية بوجود قوة عسكرية «غير معروفة» في الصحراء.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني الرسمية في حينها عن تعرض قوة أمنية عراقية لهجوم مسلح في بادية النجف فجر الرابع من مارس في المنطقة الصحراوية بين محافظتي النجف وكربلاء (بادية النجف/منطقة الشنانة).

وذكرت الخلية أن «اللواء 41» تعرض لقصف جوي وإطلاق نار من قبل «جهة مجهولة» في أثناء تنفيذ مهمة تفتيش في المنطقة. وأدى القصف إلى مقتل جندي وإصابة آخرين.

واعترف نائب قائد العمليات المشتركة الفريق أول ركن قيس المحمداوي، وقتذاك بوجود «قوة معينة» في صحراء النجف، وأشاد بالإبلاغ الذي قدمه أحد المواطنين على وجود القوة، وناشد «المزارعين والرعاة بالأخبار عن تواجد أي قوة في المنطقة».

واعترف المحمداوي كذلك بأن قِطَعَهُ العسكرية «خارج إمكانية القوة التي تم إسنادها جوياً»، في إشارة إلى القوة التي اتضحت لاحقاً من خلال التقارير الصحافية أنها إسرائيلية.

وتحدث عن أن «جهاز مكافحة الإرهاب قام بتطويق منطقة الحادث» التي كانت القوة الأجنبية قد غادرتها.

البقاء أسبوعاً كاملاً

بدوره، كشف الخبير الأمني مخلد حازم، أن «القوة (الإسرائيلية) استمر تمركزها داخل الأراضي العراقية من 5 إلى 7 أيام، قبل أن تُجري القيادات الأمنية العراقية اتصالات مكثفة بالجانب الأميركي للطلب من القوة مغادرة الأراضي العراقية».

وقال الخبير الأمني لـ«الشرق الأوسط» إنه تابع موضوع التمركز العسكري المجهول في حينها مع قيادات عسكرية بارزة في وزارة الدفاع العراقية، «وكانت هناك حقيقة عدم معرفة من هي الجهة التي تمركزت، وقامت بهذا العمل، وقد تم الاتصال بقوات التحالف الدولي، ونفت هي الأخرى علمها بهذه العملية».

ويفسر حازم القيام بخطوة من هذا النوع بوصفها «محاولة لإيجاد مركز عمليات متقدم بالنسبة للجهة الفاعلة يهدف إلى تأمين مسار الطائرات التي تمر في هذه المنطقة، وكذلك لتأمين اتصالات تكنولوجية للطائرات التي أيضاً تمر، وتتخذ من هذا المسار ممراً للوصول إلى الجانب الإيراني».

ويؤكد وجود «حوامات عسكرية في ذلك التاريخ، وحين توجد في هذه الأماكن النائية والبعيدة عن مراكز المدن، تكون هناك أيضاً احتمالية لسقوط إحدى طائراتها، وإمكانية إنقاذ طياريها عبر هذه الطائرات والحوامات العسكرية».

ويشير أيضاً إلى أن احتمال «تأسيس مراكز عمليات متنقلة وغير ثابتة من هذا النوع يهدف لتحقيق كل هذه الأغراض، خصوصاً وهو يقع في منطقة صحراوية نائية وغير محمية عسكرياً وأمنياً في كثير من الأحيان إلا من خلال عمليات الرصد والاستمكان الجوي، وكان هناك حظر على الطيران العراقي والطائرات المسيرة؛ لذلك استغلت القوة المعادية هذه الفرصة».

ورأى حازم أن «ما حدث يعد انتهاكاً خطيراً للسيادة العراقية، ونحن بحاجة إلى رؤية أمنية متكاملة للمرحلة المقبلة للتعامل مع حالات مماثلة من هذا النوع».


«فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
TT

«فيتو» إيراني مفاجئ يعطّل تشكيل الحكومة العراقية

قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)
قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني (رويترز)

قال مسؤولان عراقيان، الأحد، إن «فيتو» إيرانياً، لمنع إقصاء الفصائل المسلحة من الحكومة العراقية، عرقل مفاوضات تشكيلها، مؤكدين أن طهران طالبت ممثلي «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الشيعي الحاكم، بعدم التصويت لصالح حكومة «تمسّ بنفوذ حلفائها وتركيبة حضورهم داخل الدولة».

تأتي هذه التطورات بالتزامن مع معلومات عن وصول إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، بشكل مفاجئ إلى بغداد، في وقت بلغت فيه مفاوضات رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي مراحل متقدمة، وسط تصاعد التنافس الأميركي ـ الإيراني على شكل الحكومة المقبلة.

وقالت مصادر متقاطعة إن «قاآني وصل إلى بغداد بالفعل خلال الساعات الماضية، والتقى بضالعين في تشكيل الحكومة، مبدياً اعتراض طهران على الانصياع التام لواشنطن». وشبّه مسؤول تحدث إلى «الشرق الأوسط» المفاوضات الجارية في بغداد بـ«الحصار والحصار المضاد في مضيق هرمز».

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» تظهر من اليسار رئيس الحكومة المكلف علي الزيدي وهادي العامري ومحمد شياع السوداني

حكومة أميركية بالكامل

وقال المسؤولان إن الهدف الرئيسي للتحرك الإيراني يتمثل في منع تشكيل حكومة عراقية «مصنوعة بالكامل من قبل واشنطن»، خصوصاً بعد تصاعد الضغوط المرتبطة بحظر الفصائل المسلحة داخل التشكيلة الوزارية.

وكان الزيدي قد حاز دعماً أميركياً غير مسبوق منذ لحظة تكليفه في 27 أبريل (نيسان) 2026، واعتبر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن وصوله إلى السلطة في بغداد «انتصار عظيم» للإدارة الأميركية.

ومن المتوقع أن يصل مسؤولون أميركيون إلى بغداد خلال الأيام المقبلة، في حين تقول مصادر إن واشنطن لا تسعى فقط إلى إخراج ممثلي الفصائل من أبواب الحكومة، بل إلى ضمان عدم عودتهم لاحقاً عبر «شباك الترتيبات البديلة»، الأمر الذي استدعى إيران إلى استخدام ورقة «الفيتو».

إلى حد بعيد، تعكس المناورات غير المعلنة بين واشنطن وطهران في بغداد صورة مصغرة عن مفاوضاتهما المتعثرة في ملفات إقليمية أخرى؛ إذ يتبادل الطرفان الرسائل والضغوط من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة أو تسوية نهائية.

ونقل أحد المسؤولين عن قيادي بارز في «الإطار التنسيقي» قوله إن «الحضور الأميركي في تفاصيل تشكيل الحكومة الجديدة غير مسبوق»، محذراً من أن يتحول الملف الحكومي إلى «بؤرة صراع مفتوح» بين واشنطن وطهران، خصوصاً مع وصول قاآني ومسؤولين أميركيين إلى بغداد في توقيت متزامن.

وسيوازي لجوء طهران إلى منع نواب «الإطار التنسيقي» من التصويت لصالح حكومة الزيدي، فرضها حصاراً على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وقال مستشار كبير في حزب شيعي متنفذ، لـ«الشرق الأوسط»، إن الضغط الإيراني سيدفع واشنطن إلى «حصار مماثل لبغداد». قد يصل إلى «قطع الدعم عن بغداد وفرض عقوبات». وأضاف: «هذه مناورة صعبة، تحتمل صفقة بين الطرفين الإقليميين، أو الدخول في مواجهة قد تنهي ترشيح الزيدي من الأساس».

وأكد المسؤولان، وهما منخرطان في مفاوضات تشكيل الحكومة، أن الزيدي تلقى خلال الأيام الأخيرة رسائل من أطراف عدة، بينها أميركية، تشدد على ضرورة تشكيل الحكومة «بعيداً عن النفوذ الإيراني»، في وقت يلاحظ فيه مفاوضون عراقيون أن «واشنطن باتت تتدخل في أدق تفاصيل التشكيل، وفي أيديهم معلومات دقيقة عن كيفية احتيال الفصائل على شروطهم».

ولا تقتصر الشروط الأميركية، بحسب مصادر سياسية، على تقليص تمثيل الفصائل المسلحة داخل الحكومة، بل تشمل تقليص ارتباطاتها الاقتصادية والسياسية بطهران، خصوصاً في ما يتعلق بالموارد المالية وملف النفط واستقلال القرار السياسي.

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد يوم 27 أبريل الماضي (أ.ب)

مقاربة الحقائب الشاغرة

تعقدت المفاوضات بين الزيدي وأجنحة سياسية تمتلك أذرعاً مسلحة بعدما حاول رئيس الحكومة المكلف إبعاد هذه الجماعات عن الوزارات السيادية، مع طرح مقاربة تمنح بعضها حقائب أقل تأثيراً مع إبقائها شاغرة مؤقتاً إلى حين تهدئة الضغوط الأميركية.

وأثارت هذه المقاربة غضب قوى موالية لإيران كانت تراهن على الاحتفاظ بحصصها داخل الوزارات السيادية بانتظار «انجلاء العاصفة الأميركية»، وفق ما قاله أحد قيادات «الإطار التنسيقي».

وقال مصدر مطلع إن الأزمة لا تتعلق فقط بحركة «عصائب أهل الحق»، رغم أنها أصبحت المثال الأوضح داخل المفاوضات بسبب امتلاكها ثقلاً برلمانياً يصل إلى 27 مقعداً، ما يدفعها للمطالبة بحصة حكومية تتناسب مع وزنها.

وأضاف المصدر أن الخلاف يشمل أيضاً شخصيات وفصائل أخرى، من بينها أحمد الأسدي الذي يمتلك نحو 10 مقاعد، إلا أن حجم تمثيلها البرلماني الأقل جعل التركيز ينصب بصورة أكبر على «العصائب»، خصوصاً مع مطالبتها بالحصول على وزارة النفط، وهو ما يثير حساسية أميركية كبيرة.

ويبدو أن الزيدي، بحسب مصادر، أمام مهمة أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً، في ظل الانقسامات داخل «الإطار التنسيقي»، وتضارب الضغوط الإقليمية والدولية المؤثرة على شكل الحكومة المقبلة.

ويتعين على رئيس الحكومة المكلف تشكيل حكومته خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً قبل عرضها على مجلس النواب لنيل الثقة، إلا أن عامل الوقت بات يشكل ضغطاً إضافياً مع سفر عشرات النواب إلى السعودية لأداء مناسك الحج، ما قد يهدد اكتمال النصاب البرلماني المطلوب لعقد جلسة منح الثقة.


توقيف عراقي في بيروت ادّعى صفة مسؤول أمني وخدع ضباطاً لبنانيين

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
TT

توقيف عراقي في بيروت ادّعى صفة مسؤول أمني وخدع ضباطاً لبنانيين

صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)
صورة عامة لمدينة بيروت (أرشيفية-رويترز)

أوقفت الاستخبارات اللبنانية عاملاً عراقياً انتحل صفة مسؤول أمني في سفارة بغداد في بيروت، بعدما تمكّن من نسج علاقات وعقد لقاءات مع مسؤولين أمنيين لبنانيين رفيعي المستوى، بحسب ما أفاد الجيش ومصدر عسكري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» اليوم الأحد.

وتسلّط هذه القضية، وهي ثاني فضيحة انتحال صفة من نوعها في لبنان خلال أشهر، الضوء على هشاشة المؤسسات في بلاد يقوم نظامها السياسي على المحاصصة بين الطوائف، وحيث يعدّ التدخل الخارجي أمراً شائعاً، وغالباً ما تؤدي العلاقات الشخصية دوراً أساسياً في كسب النفوذ والمال والحظوة.

وأورد الجيش اللبناني في بيان أن مديرية المخابرات التابعة له أوقفت مواطناً عراقياً «لانتحاله صفة مسؤول أمني عراقي داخل الأراضي اللبنانية، وذلك نتيجة عملية رصد ومتابعة أمنية».

وأوضح التحقيق الأولي أن الموقوف «استعان بمستندات مزورة»، بحسب البيان الذي أكد أنه تمّ ضبط «البزّة العسكرية التي كان يستخدمها».

من جهته، قال مصدر عسكري للوكالة إن الموقوف متزوج لبنانية ويقيم في البلاد منذ سنوات، وكان لدى توقيفه يعمل مساعداً لمالك مقهى شعبي في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث كان بدأ العمل في خدمة ركن السيارات. إلا أنه «تمكّن من التقرب من مسؤول استخبارات في بيروت وقدّم نفسه كضابط عراقي في فرع مكافحة الإرهاب وملحق أمني بالسفارة العراقية في بيروت»، بحسب المصدر الذي طلب عدم كشف اسمه.

وأشار إلى أن المسؤول الأمني ساعد العراقي «على التواصل مع مسؤولين أمنيين وعسكريين واللقاء بهم، ما مكّنه من خلق حيثية» في لبنان.

وبحسب التحقيق الأولي مع الموقوف ومع ضباط التقوا به، لم يتبين بعد، وفق المصدر العسكري، «هدفه من انتحال صفة ضابط عراقي في لبنان».

وفي حين أشار المصدر إلى أن الموقوف «قدّم خلال لقاءاته وعوداً بتوفير مساعدات مالية من العراق»، رأى أن «خطورة القضية تكمن في إقناعه ضباط استخبارات بشخصيته الوهمية في حين أنه عامل» في مقهى.