تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

عبد العاطي يستقبل هافيستو

وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

تنسيق مصري - أممي لدعم جهود إنهاء الصراع في السودان

وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري يستقبل المبعوث الأممي للسودان الاثنين (الخارجية المصرية)

أكدت مصر مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان وسيادة وسلامة أراضيه، وذلك خلال اجتماع عقده وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للسودان، بيكا هافيستو، الاثنين.

وهذا ثاني لقاء بين مصر والأمم المتحدة يتطرق إلى الأزمة السودانية خلال بضعة أيام، إذ أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، السبت، على هامش القمة الـ18 لتجمع «بريكس» في نيودلهي، أن «المساس بأمن ووحدة وسيادة السودان يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه».

وتناول لقاء عبد العاطي وهافيستو مستجدات الأزمة السودانية والجهود الإقليمية والدولية المبذولة لوقف التصعيد ودعم مسارات التهدئة.

وشدد عبد العاطي خلال اللقاء على أهمية دعم الاستقرار وإنهاء الصراع «بما يسهم في الوصول إلى تسوية سياسية شاملة تحفظ سيادة السودان وتلبي تطلعات شعبه نحو الأمن والاستقرار والتنمية»، حسب بيان صادر عن الخارجية المصرية.

كما أكد الجانبان أهمية احترام سيادة السودان ودعم الجهود الرامية إلى التهدئة، فضلاً عن نفاذ المساعدات الإنسانية وتخفيف معاناة الشعب السوداني.

تنسيق مصري - أممي بشـأن الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

وأشاد هافيستو بدور مصر وجهودها على المستويين الإقليمي والدولي للمساهمة في إنهاء الأزمة، مؤكداً حرص الأمم المتحدة على مواصلة التنسيق والتشاور معها بما يسهم في إنهاء الصراع.

كانت مصر قد رسمت «خطوطاً حمراء» بشأن الأزمة في السودان، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وحذرت من تجاوزها بوصفها تمس أمنها القومي، ولوّحت آنذاك باتخاذ التدابير كافة التي تكفلها «اتفاقية الدفاع المشترك» بين البلدين.

وتضمنت المحاذير المصرية «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، وعدم العبث بمقدرات الشعب السوداني، وعدم السماح بانفصال أي جزء من أراضي السودان».

ويوم الخميس الماضي، شدد عبد العاطي خلال لقائه عدداً من المراسلين الأجانب على أن «وحدة السودان خط أحمر لمصر»، مشيراً إلى أنه تواصل مع مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، ودول الجوار عدة مرات لوقف التصعيد.

وأكد عبد العاطي «رفض مصر الكامل لأي كيانات موازية»، وقال في لقاء تلفزيوني: «لا يمكن وضع أي ميليشيات أو كيانات موازية على نفس الكفة مع الجيش الوطني السوداني أو مع مؤسسات الدولة السودانية».

وذكر أن هناك تعليمات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بالحرص على التحرك على المستويات الثنائية والإقليمية والدولية لوضع حد لهذه الحرب، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه «لا يوجد حل عسكري في السودان».

وقال: «تقسيم السودان ليس مطروحاً على الإطلاق ولن نسمح بحدوثه. إذا انقسم السودان -لا قدَّر الله- فإنه سينقسم لعدة دويلات وليس إلى دولتين فقط»، مؤكداً أن هذه المسألة «خطيرة جداً وتمس مصالح السودانيين أنفسهم».

وخلال لقائه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الجمعة، أكد السيسي مجدداً أن المساس بأمن السودان ووحدته وسيادته «يمثل خطاً أحمر لن تسمح مصر بتجاوزه».


مقالات ذات صلة

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شمال افريقيا وزير الخارجية المصري خلال محادثات الأربعاء مع نظيره البريطاني إيد ميليباند (صفحة وزارة الخارجية على «فيسبوك»)

تشديد مصري - بريطاني على ضرورة وقف الاعتداءات ضد السعودية

شددت محادثات مصرية - بريطانية على «ضرورة وقف الاعتداءات ضد المملكة العربية السعودية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
تحليل إخباري جانب من المضبوطات خلال حملة للجيش المصري في 22 يونيو الماضي (المتحدث العسكري)

تحليل إخباري «الدهّابة» على الحدود المصرية-السودانية... مخاطر أمنية وتشابكات معقّدة

ثلاث مراحل دشَّنها الجيش المصري، منذ يونيو (حزيران) حتى أكتوبر (تشرين الأول) في مواجهة ظاهرة «الدهّابة» على الحدود مع السودان، مع تنامي التنقيب غير المشروع هناك

محمد محمود (القاهرة)
يوميات الشرق جانب من الاكتشاف الأثري في قرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية (الصفحة الرسمية لوزارة السياحة والآثار المصرية)

بلاغ مواطن يقود إلى كشف أثري بارز في مصر

قاد إبلاغ مواطن مصري عن كتلة حجرية تحمل نقوشاً عُثر عليها في قطعة أرض يمتلكها أمام منزله بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، إلى كشف أثري ضخم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة مطلاً على نهر النيل (وزارة الخارجية)

تجدد التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية «مظاهرات السفارات»

تجددت التوترات الدبلوماسية بين القاهرة وأمستردام على خلفية توقيف الناشط أحمد ناصر، نائب رئيس اتحاد شباب المصريين بالخارج، وزميل له في هولندا.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود المصرية - السودانية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
TT

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، أن الاتفاق الذي توسطت فيه لإنهاء الجمود السياسي في هذا البلد العربي الأفريقي يحظى بدعم واسع. غير أنها حذرت من أن رفضه من إحدى الهيئتين التشريعيتين يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات، المقررة في غضون السنتين المقبلتين.

«مسار قابل للتطبيق»

جاء ذلك خلال تقديم تيتيه إحاطتها الدورية أمام أعضاء المجلس في نيويورك، والتي أفادت فيها بأن الاتفاق الذي وقع في طرابلس في 30 من أغسطس (آب) الماضي، بعد أربعة أشهر من المحادثات بين الأطراف المختلفة، يمثل نهاية سنوات من الشلل المؤسسي، ويحدد «مساراً قابلاً للتطبيق» لإجراء انتخابات تشريعية، ورئاسية، تحت سلطة تنفيذية موحدة في غضون 24 شهراً.

وأوضحت تيتيه أن الاتفاق ينص على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية القضايا المتنازع عليها في الإطار الدستوري والقانوني للتصويت، مبرزة أن كلاً من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والجيش الوطني الليبي المتمركز في الشرق، ومجلس النواب، ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني وافقوا جميعاً على الاتفاق.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

بيد أن المجلس الأعلى للدولة في طرابلس رفضه في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بذريعة أن الاتفاق والقوانين ذات الصلة -التي أقرها مجلس النواب- تجاوزا الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية، التي تحكم العملية السياسية.

وحذرت من أن هذا الرفض يعكس «الاستعداد المحدود» لبعض أعضاء المجلس للمشاركة بشكل بناء، واعتبرت أن «ليبيا لا تستطيع السماح للمفسدين بعرقلة العملية».

في سياق ذلك كشفت تيتيه أنها ستلتقي أطراف «الاجتماع الأصغر» هذا الشهر، وقالت إن أحد الخيارات التي سينظرون فيها هو الانتقال إلى آلية وطنية ذات تمثيل واسع النطاق، على النحو المنصوص عليه في المادة الخامسة من الاتفاق.

وجاءت إحاطة المبعوثة الأممية بعد تغيير القيادة في مجلس النواب. ففي 5 من أكتوبر الجاري، صوت المشرعون لصالح تطبيق نظام الرئاسة الدورية لمدة 12 شهراً. وفي اليوم التالي انتخبوا الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس، ليحل محل عقيلة صالح، الذي شغل هذا المنصب لمدة 12 عاماً.

تأثيرات الانقسام السياسي

بخصوص الوضع الاقتصادي في ليبيا، قالت تيتيه إن الانقسام السياسي لا يزال يضر بالاقتصاد، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط العالمية كان ينبغي أن يحقق مكاسب غير متوقعة للإيرادات العامة. لكن بدلاً من ذلك، يواجه العديد من الليبيين ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف الدينار، وتضخماً يتجاوز 14 في المائة.

وخصت بالذكر نظام دعم الوقود، حيث استوردت ليبيا في الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) الماضيين 8.15 مليون طن متري من الوقود بتكلفة 8.9 مليار دولار.

تيتيه حذرت من أن رفض إحدى الهيئتين التشريعيتين للاتفاق يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات (مفوضية الانتخابات الليبية)

وأوضحت أن ما يقدر بنحو 30 إلى 50 في المائة من تلك الواردات فقدت بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 إلى 4.4 مليار دولار. ولفتت إلى تعطل إنتاج النفط بعدما أغلق حرس المنشآت النفطية من الزنتان خط أنابيب الحمادة - الزاوية في سبتمبر الماضي، وخط أنابيب الشرارة - الزاوية في الفترة ذاتها تقريباً.

أما بخصوص الوضع الأمني، فقد أكدت تيتيه أنه لا يزال هشاً، لكنها أشارت إلى خطوات نحو التعاون بين القوات الشرقية والغربية، حيث التقى رئيسا الأركان المتنافسان في سرت في يوليو (تموز) الماضي.

كما عقد قادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي اجتماعاً للمتابعة هناك في 9 من سبتمبر الماضي. كما أمرا أيضاً بفتح مراكز مشتركة لأمن الحدود في بنغازي، وطرابلس.

من جهة ثانية، أعربت تيتيه عن قلقها من إعدام 58 شخصاً في بنغازي خلال الشهرين الماضيين، بعد إدانتهم بجرائم تتعلق بالإرهاب، وحثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على وقف تنفيذ المزيد من عمليات الإعدام، ومراجعة الإجراءات. كما أدانت موجة التضليل، وخطاب الكراهية، والتحريض ضد المهاجرين، واللاجئين، والعاملين في مجال الإغاثة، وموظفي الأمم المتحدة.

كما حضت تيتيه المجلس على دعم خريطة الطريق بحوافز، وضمانات، ومحاسبة من يُعرقلونها. وقالت: «لا يزال الطريق إلى ليبيا مستقرة وموحدة ومزدهرة طويلاً، لكن هدفنا لا يزال في متناول اليد».


بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)

قام ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا بزيارة مليلية، الأربعاء، غداة زيارتهما جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، حيث دافع عن السيادة الإسبانية على المدينتين الواقعتين في شمال المغرب، واللتين تطالب بهما الرباط، حسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستقبلت حشود الزوجين وسط هتافات وأعلام إسبانية، وفقاً لما أظهرته لقطات التلفزيون العام، في امتداد لاستقبالهما الحاشد في سبتة، الثلاثاء.

وتعد هذه الزيارة الأولى لعاهل إسباني منذ زيارة خوان كارلوس، والد فيليبي السادس، عام 2007، التي أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع الرباط. وتأتي بعد تدفّق غير مسبوق لأكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، ما أدى إلى أزمة هجرة في المدينة الصغيرة.

كما تأتي هذه الزيارة قبل أقل من سبعة أسابيع من الانتخابات المبكرة، المقرر إجراؤها في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما يُتوقع أن تكون مسألة الهجرة أحد أهم المحاور الرئيسية في الحملة الانتخابية.

وقال الملك فيليبي، الثلاثاء، إن سبتة ومليلية «جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي تمثله إسبانيا. وسيادة بلادنا ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض».

كما شدد الملك الإسباني، الذي نادراً ما يدلي بمواقف سياسية، على ضرورة أن تحافظ إسبانيا على «علاقات حسن الجوار» مع الرباط، وتعهد ألّا تترك الدولة الإسبانية سكان سبتة، البالغ عددهم 80 ألف نسمة، «بمفردهم أو بلا حماية».

وتضع هذه الزيارة العلاقات مع المغرب على المحك، إذ كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد دافع الجمعة عن «الشراكة» مع إسبانيا، مع رفضه القاطع لأي محاولة «للضغط» أو «الابتزاز». وأكد أمام البرلمان أن الشراكة مع مدريد شهدت «تطورات مهمة»، بما في ذلك في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنها تواجه اليوم «تحديات كبيرة».


عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب، لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام «عمال اليومية» الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه في نهاية كل يوم.

فغياب العمل هنا لا يعني مجرد يوم من دون دخل، بل قد يعني أسرة من دون طعام، أو طفلاً يذهب للمدرسة دون مصروف، أو مريضاً يتوقف عن العلاج لأن تكلفة الدواء أصبحت خارج المتناول.

على الأرصفة والأسواق وورش الحرف، يبحث عمال اليومية عن فرصة صغيرة «تسند يومهم»، لكن عدد الباحثين عن العمل ارتفع في وقت تقلصت الأعمال المتاحة وانكمشت قيمة الأجور مع ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

وبينما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، يجد كثير من العمال أنفسهم أمام خيار صعب: قبول أجور أقل أم العودة إلى منازلهم خاليي الوفاض.

أعباء متشابكة

يقول النقابي العمالي عبد الله يوسف إن الأغلبية العظمى من العمال «فقدت وظائفها بسبب الحرب والنزوح والتشرد»، مشيراً إلى أن العمل اليومي الذي كان متاحاً قبل اندلاع الحرب أصبح شحيحاً.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية العمال يعيلون أسراً تضم خمسة أو ستة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، في حين دفع تدهور الوضع الاقتصادي بعض الأسر إلى الاستدانة، بل إن البعض دخل السجن لعجزه عن الوفاء بالتزاماته.

سودانية تغرس بذوراً في حقل بولاية القضارف بشرق السودان يوم 18 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

وبالنسبة للعامل اليومي، لا يرتبط الأجر بعدد ساعات العمل فقط، وإنما بقدرته على تغطية احتياجات أسرة كاملة. ومع ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، يكون ما يحصل عليه في نهاية يومه قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته قبل أن يصل إلى المنزل.

ويقول بابكر خليفة، وهو عامل باليومية وأب لثلاثة أطفال، إن الحرب «دمرت الاقتصاد»، وإن أسرته تعتمد بصورة أساسية على وجبات محدودة من الفول والعدس، من دون قدرة على شراء اللحوم أو الفواكه والخضراوات بصورة منتظمة.

العامل بابكر خليفة قال إن أطفاله يبكون من الجوع في بعض الليالي (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أبناءه يحتاجون إلى مصروفات يومية للمدرسة، بينما لا يكفي الطعام المتاح في المنزل احتياجاتهم؛ مضيفاً أن أطفاله «يبكون من الجوع في بعض الليالي».

ولا يختلف حال بابكر الطاهر كثيراً، فقد نزح إلى القضارف عقب اندلاع الحرب قبل أن يعود إلى الخرطوم، لكنه وجد نفسه أمام واقع اقتصادي أشد قسوة.

يقول عن أسرته المكونة من أربعة أطفال: «أحياناً نأكل ومرات أخرى لا نأكل»؛ موضحاً أن ارتفاع الأسعار والتضخم قللا بصورة كبيرة من القيمة الحقيقية لأجر العامل اليومي.

العامل بابكر الطاهر أجبرته الظروف على العمل بأجر أقل لإطعام أسرته (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن ارتفاع عدد الباحثين عن العمل جعل العامل مضطراً في أحيان كثيرة إلى قبول أجور أقل، حتى لا يعود إلى أسرته بخُفيّ حُنين.

«نحتاج إلى معجزة»

ولا تقتصر الأزمة على العمال الذين ينتظرون فرصة عمل يومية، فحتى أصحاب المهن والحرف الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكلفة مستلزمات المعيشة والإنتاج.

يقول عبد الكريم إبراهيم، وهو ترزي يعول أسرة مكونة من ولدين وبنتين، إن العمل اليومي لم يعد كافياً لتلبية متطلبات أسرته.

الترزي عبد الكريم إبراهيم يروي كيف أصبح علاج أسرته عبئاً إضافياً (الشرق الأوسط)

ويصف الوضع الاقتصادي بأنه «يحتاج إلى معجزة»، مشيراً إلى أن أسعار المواد الغذائية أصبحت خارج متناول كثير من الأسر، بينما أصبح الحصول على العلاج عبئاً إضافياً.

ويواجه الحلاق الشاب عثمان علي واقعاً مشابهاً، ويقول إن دخله لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة.

ولا تتوقف مشكلاته عند تراجع القدرة الشرائية، إذ يشير إلى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وتعطل التطبيقات البنكية التي يعتمد عليها في تحويلات عملائه، ما يزيد صعوبة الحصول على مستحقاته.

الشاب عثمان علي اضطر إلى ترك دراسته وممارسة الحلاقة بسبب الحرب (الشرق الأوسط)

عثمان نفسه اضطر إلى ترك الدراسة في المرحلة الثانوية بسبب ظروف الحرب، والتوجه إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته الكبيرة، ليصبح واحداً من جيل دفع ثمناً مباشراً للحرب من مستقبله التعليمي.

والضغوط على المواطنين لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، كما يقول النقابي العمالي يوسف، وإنما تفاقمت مع زيادة الجبايات والرسوم وارتفاع الدولار الجمركي وحظر بعض السلع المستوردة، وهي عوامل يقول إنها أسهمت في اتساع الفجوة داخل الأسواق.

ويطالب يوسف بتحسين أجور العاملين وأوضاع أرباب المعاشات، مشيراً إلى أن بعض الموظفين يتقاضون مستحقات محدودة للغاية، بينما يحصل بعض المتقاعدين، حسب قوله، على مبالغ لا تتناسب مع سنوات خدمتهم.

كما يطالب بتدخل حكومي عاجل لمعالجة أوضاع العاملين وأسرهم، عادّاً أن استمرار الفجوة بين الأجور والأسعار يضع ملايين الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.

«الأكثر هشاشة»

ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير إن العمالة اليومية تُعد من أكثر الفئات تضرراً من الحرب في السودان، جراء توقف أعمال البناء والتشييد وتراجع الأنشطة الحرفية، ما أفقد أعداداً كبيرة منهم مصادر رزقهم.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الفئات تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل فقدان فرص العمل والارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر».

وأشار إلى أن انطلاق برنامج متكامل لإعادة الإعمار يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد كبيرة من العمالة اليومية من خلال توفير فرص عمل في قطاعات البناء والتشييد والأنشطة المرتبطة بها، لكنه شدد على أن هذه الفئات لا تزال الأشد تضرراً نظراً لاستمرار تعطل مصادر دخلها.

وأكد الناير ضرورة اضطلاع الدولة بمسؤولياتها في حماية الشرائح الضعيفة والفقيرة، داعياً إلى وضع برنامج متكامل للحماية الاجتماعية يستجيب للتحديات الاقتصادية الراهنة، ويوفر الدعم اللازم للفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الحرب.

وتتوافق هذه الشهادات مع تحذيرات منظمة العمل الدولية من التأثيرات العميقة للحرب على سوق العمل في السودان، إذ أدت إلى فقدان وظائف وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطيل سبل كسب العيش، فيما يُعد العاملون في الاقتصاد غير الرسمي من أكثر الفئات هشاشة.