سيلين ديون 2026... عودة تاريخية تروّض المرض وتُشعل ليل باريس

قيثارة كيبك تهزم الصمت على عتبات الثامنة والخمسين... تروِّض «متلازمة الشخص المتصلب» وتستعيد عرشها الباريسي

أيقونة الغناء العالمي الكندية سيلين ديون (أ.ف.ب)
أيقونة الغناء العالمي الكندية سيلين ديون (أ.ف.ب)
TT

سيلين ديون 2026... عودة تاريخية تروّض المرض وتُشعل ليل باريس

أيقونة الغناء العالمي الكندية سيلين ديون (أ.ف.ب)
أيقونة الغناء العالمي الكندية سيلين ديون (أ.ف.ب)

تحت غمام باريسي يشي ببدء الخريف، وتحديداً في سبتمبر (أيلول) 2026، لا تستقبل العاصمة الفرنسية باريس أيقونة الغناء العالمي سيلين ديون، كفنانة عابرة تؤدي طقوس جولة موسيقية، بل تحتضنها كجزء من أسطورة حية تُكتب فصولها المعقدة بدموع الصمود الإنساني. هنا والآن، وهي تقف على أعتاب الثامنة والخمسين من عمرها، يتحول قلب باريس إلى تظاهرة وفاء غير مسبوقة تسبق صعود الديفا الكندية إلى مسرح «بلينيتود أرينا» في نانتير لإطلاق سلسلتها التاريخية المكونة من 16 حفلاً متتالياً بيعت تذاكرها بالكامل في غضون دقائق.

أيقونة الغناء العالمي الكندية سيلين ديون (أ.ف.ب)

المشهد الحاضر في شوارع باريس يبدو أشبه بملحمة غنائية شعبية، فالمدينة التي أعلنت بلديتها رسمياً عن تنظيم «كاراوكي عملاق» ومجاني يوم الجمعة المقبل في ساحة «معركة ستالينغراد»، تستعد لاستقبال أكثر من 10 آلاف حنجرة ستصدح بأغانيها في الفضاء المفتوح.

طقس جماهيري باريسي وُصف بأنه ديباجة شعبية صاخبة لتعويض الآلاف ممن لم يسعفهم الحظ في اقتناص مقعد داخل الصالة المغلقة، حيث دعت المدينة عشاقها للحضور متدثرين بأكثر إطلالات ديون أيقونية وغرابة: من فساتين السهرة البراقة والنظارات السوداء إلى الشعر المستعار، في دلالة واضحة على أن هذه المرأة، لم تفقد شيئاً من عنفوان حضورها الطاغي، ولا يزال صدى آخر ظهور علني وتاريخي لها في افتتاح أولمبياد باريس 2024 يتردد في الأذهان، حين فاجأت العالم بوقوفها شامخة فوق برج إيفل تشدو بـ«نشيد الحب» لإديث بياف، وسط دموع الملايين، معلنةً هزيمة المرض الذي حاول إسكاتها.

 

كما تجمّع أكثر من 2600 شخص في قاعة «غراند ريكس» (Grand Rex) في باريس، يوم الأربعاء 9 سبتمبر، لغناء أشهر أغاني سيلين ديون في حفل ضخم. وقبل ثلاثة أيام من الحفل الموسيقي الأول للنجمة الكيبيكية في القاعة الضخمة «بلينيتود أرينا» (Plenitude Arena) في نانتير، وتمكن المعجبون من ترديد روائع سيلين ديون الكلاسيكية مثل: «J'irai où tu iras» (سأذهب حيث تذهب)، و«My heart will go on» (قلبي سيستمر)، وغيرها الكثير.

ليلة الأولمبياد الإعجازية: ذروة التحدي فوق برج إيفل 2024

لم يكن ظهور سيلين ديون في صيف عام 2024 مجرد فقرة فنية في حدث رياضي كوني، بل كان آخر وأعظم ظهور علني لها صدم البشرية بعد سنوات من العزلة الاختيارية المفروضة بسبب مرضها. في تلك الليلة الماطرة، وتحت أنظار المليارات خلف الشاشات، صعدت ديون المسرح وهي مثقلة بآلام «متلازمة الشخص المتصلب» التي تهاجم عضلاتها وأحبالها الصوتية. لكن بمجرد أن صدحت بالنوتة الأولى من أغنية إديث بياف الخالدة، بدا كأن الجسد قد امتثل لأمر الروح.

غنت بكامل طاقتها الأوبرالية المعهودة كأنها تطرد الأرواح الشريرة للمرض من جسدها، ليتحول البرج الباريسي الشهير إلى منارة للأمل، ويصبح ذلك الأداء الأيقوني بمنزلة الجسر البشري والفني السحري الذي عبرت فوقه سيلين بثقة لتصل إلى مواعيد حفلاتها الحالية في عام 2026.

زلزال 1999: أول امرأة تروض وحش «ستاد دو فرانس» بكامل سعتِه

هذه الهستيريا العاطفية التي تبديها الجماهير الفرنسية اليوم تجد بذورها في صفحات التاريخ التي لم تُطوَ بعد. فرنسا لم ولن تنسى صيف عام 1999، حين سُجلت واحدة من أعظم الملاحم في تاريخ العروض الحية، عندما أصبحت سيلين ديون أول فنانة امرأة في التاريخ تعتلي مسرح «ستاد دو فرانس» (Stade de France) بسعة استيعابية كاملة لليلتين متتاليتين.

في تلك الليلة التاريخية، اختارت ديون تصميماً جريئاً بوضع مسرح دائري يتوسط الملعب تماماً، لتقف عارية من المبررات الاستعراضية أمام طوفان بشري مرعب تخطى 90 ألف متفرج في الليلة الواحدة (بإجمالي 180 ألفاً).

كان الملعب يغص بالبشر حتى ضاقت به المدرجات، بينما كانت سيلين تخوض حرباً نفسية مدمرة خلف الكواليس؛ ممزقة بين واجبها المهني كنجمة عالمية، ووجع الفقدان الشديد وهي تتابع المعركة الأولى والشرسة لزوجها وتوأم روحها رينيه أنجيليل ضد مرض السرطان. هناك، صهرت ديون ألمها الخاص وتحول في تلك الليلة إلى طاقة صوتية زلزلت أركان باريس.

أيقونة الغناء العالمي سيلين ديون (أسوشييتد برس)

من طفولة «تشارلمان» الفقيرة إلى بريق «يوروفيجن» والعالمية

بدأت الحكاية من بلدة «تشارلمان» الصغيرة في إقليم كيبك الكندي، حيث وُلدت سيلين كابنة رابعة عشرة لعائلة فنانين يعتصرها الفقر. من صلب ذلك الضيق الشديد، انبعثت حنجرة ماسية لم تكن بحاجة إلا لصياد لآلئ يدرك قيمتها الفطرية. وكان ذلك الرجل هو رينيه أنجيليل، الذي بكى تأثراً فور استماعه لشريطها التجريبي الأول، ورهن منزله الوحيد ليمول أولى خطواتها، ليتحول مع الوقت من مدير أعمال عبقري إلى شريك العمر وقصة الحب الأبدية التي تُوِّجت بزواج أسطوري رصّعته الصحافة العالمية.

أيقونة الغناء العالمي الكندية سيلين ديون (أ.ف.ب)

وجاء عام 1988 ليمثل المنعطف الدولي الأبرز، حين مثلت سويسرا في مسابقة «يوروفيجن» وأبهرت القارة الأوروبية بأغنية «Ne partez pas sans moi». لكن الطموح الفرنكوفوني لم يكن ليرضى بحدود الجغرافيا، ففي التسعينات، أعادت سيلين صياغة مفهوم الأغنية العالمية، وبلغت الذروة الفنية الكونية عندما التقت مع رؤية المخرج جيمس كاميرون والملحن جيمس هورنر في فيلم «تايتانيك».

تحولت أغنيتها «My Heart Will Go On» إلى نشيد كوني للحب العابر للأزمنة، محطمةً أرقام المبيعات القياسية، لتصبح ديون الصوت الرسمي لأشهر تراجيديا رومانسية في تاريخ السينما.

 

العصر الفرنكوفوني الذهبي: ثنائية «غولمان» وهندسة الشجن

وإذا كانت العالمية قد صبغت سيلين باللون الإنجليزي والأداء الضخم، فإن هويتها الحقيقية ظل يغذيها الشجن الفرنكوفوني العميق. هذا الجانب الروحي تجسد في تعاونها التاريخي مع الموسيقار الفرنسي العبقري جان جاك غولمان. هذا اللقاء أسفر عن ألبوم «D'eux» عام 1995، والذي لا يزال حتى يومنا هذا الألبوم الناطق بالفرنسية الأكثر مبيعاً في تاريخ الموسيقى على الإطلاق.

 

نجح غولمان في تجريد سيلين من الأداء الاستعراضي الصاخب، وعلَّمها كيف تغني بهمس وعاطفة ملامسة للروح، مما منح الجمهور روائع مثل «Pour que tu m'aimes encore» التي خلدت اسمها في وجدان الثقافة الفرنسية.

«لنرقص»: نبوءة غولمان المنسية وبيان الصمود الجديد

في حاضر عام 2026، يتجسد الامتداد الطبيعي لهذه التوأمة الموسيقية مع غولمان في روائعها الأحدث، وتحديداً من خلال أغنية «Dansons» (لنرقص) التي أُطلقت في أبريل (نيسان) الماضي لتصبح النشيد الرسمي لهذه العودة التاريخية.

قصة هذه الأغنية تبدو كنوع من النبوءة الفنية المذهلة، إذ صاغ كلماتها وألحانها غولمان في عام 2020 خلال فترة العزل الشامل إبان جائحة كورونا، لتتحدث عن رغبة البشر في الرقص في منازلهم. لكن بقاء الأغنية حبيسة الأدراج لسنوات بسبب أزمة سيلين الصحية، جعل طرحها اليوم يبدو كمصادقة أسطورية مع القدر. فالكلمات التي كُتبت قبل سنوات لتصف حجر العالم (مثل: التصلب، والدوار، والرقص وقوفاً)، تحولت فجأة عند خروجها للنور إلى مرآة شعرية حية وتشخيص دقيق لمعركة سيلين ضد متلازمة الشخص المتصلب.

 

هذه الأغنية، التي تمثل أول عمل أصلي بالفرنسية للديفا منذ عقد كامل، جاءت بأسلوب الـ«بالاد» الدافئ والهادئ، لتعيد صياغة العهد الإنساني مع الجمهور، حيث تصدح سيلين بهمس عميق ملامس للروح: «لنرقص قبل أن نتصلب، وقبل أن يصيبنا الدوار... لأننا لا يمكننا الرقص إلا وقوفاً».

تحولت الأغنية إلى مانيفستو فني تعلن فيه الديفا أن الموسيقى هي القوة الوحيدة القادرة على ترويض حصار الجسد، وهي ذاتها الأغنية التي ستتناقلها حناجر الآلاف في كاراوكي ساحة ستالينغراد.

معركة الجسد: عندما ترفض الروح روتين الغياب

بين بريق الماضي وتحديات الحاضر، عاشت سيلين ديون فاجعة مزدوجة بفقدان زوجها رينيه ثم بإصابتها بمرضها العصبي القاسي الذي أعلنت عنه عام 2022. غيَّبها المرض لسنوات، وظن كثير من النقاد أن الستار قد أُسدل نهائياً على قيثارة كيبك. إلا أن المقاتلة التي تبلغ من العمر اليوم 58 عاماً، أثبتت في إطلالتها الأسطورية الأخيرة من أعلى برج إيفل، ومن ثم في استعداداتها الحالية، أن الروح لا تصاب بالصلابة.

واجهت الألم، وظهرت في وثائقياتها الأخيرة بلا مساحيق تجميل، لتؤكد لجمهورها أنها تحارب من أجل العودة.

فعودتها في خريف هذا العام عبر بوابة «نانتير» ليست مجرد جولة فنية، بل هي إعلان لانتصار الفن على قسوة البيولوجيا. باريس التي تشدو في الكاراوكي، الجمعة، تستعد، السبت، لتشهد فصلاً جديداً من فصول الخلود، فصلاً تثبت فيه الطفلة الفقيرة القادمة من كيبك، أن الصوت الصادق لا يشيخ، وأن النجم لا ينزل إلا عندما تقرر المَلكة ذلك بنفسها.


مقالات ذات صلة

دي كيتيلاري يكشف تفاصيل فشل انتقاله إلى سان جيرمان

رياضة عالمية البلجيكي شارل دي كيتيلاري (أ.ف.ب)

دي كيتيلاري يكشف تفاصيل فشل انتقاله إلى سان جيرمان

أكد البلجيكي شارل دي كيتيلاري أنه أجرى محادثات مع باريس سان جيرمان الفرنسي بشأن انتقال محتمل خلال مرحلة الانتقالات الصيفية.

«الشرق الأوسط» (توبيز (بلجيكا))
يوميات الشرق برج مونبارناس كما يبدو من كاتدرائية نوتردام في باريس في 19 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

مصير مجهول لـ«أبشع مبنى» في باريس بعد رفض مشروع تجديده

يواجه «برج مونبارناس»، الموصوف بأنه «أبشع مبنى» في باريس، مصيراً مجهولاً بعد رفض غالبية مالكيه مشروعاً لتجديده بكلفة 800 مليون يورو.

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عالمية عثمان ديمبيلي (أ.ف.ب)

ديمبيلي يكشف عن التغيير الذي قاده إلى الكرة الذهبية

كشف الفرنسي عثمان ديمبيلي، المُتوَّج بجائزة الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم لعام 2025، عن التغييرات التي أدخلها على أسلوبه في السنوات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق عشرون متراً تفتح ألفَي عام من الأسئلة (أ.ف.ب)

سور تحت مستشفى في باريس قد يحسم سرّ نشأة المدينة!

قد يُعيد سور قديم اكتُشف في باريس رسم خريطة البدايات الأولى للعاصمة الفرنسية، بعدما أعلنت السلطات أنّ العثور عليه يمثّل «إنجازاً كبيراً»...

«الشرق الأوسط» (باريس)
رياضة عربية النجم الدولي المغربي أشرف حكيمي (أ.ف.ب)

إحالة أشرف حكيمي للمحاكمة الجنائية بتهمة الاغتصاب

أيّدت محكمة النقض، الأربعاء، قرار إحالة النجم الدولي المغربي أشرف حكيمي إلى المحاكمة بتهمة الاغتصاب.

«الشرق الأوسط» (باريس)

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
TT

بعد غياب... أعمال لفان جوخ وسيزان للبيع في مزاد بقيمة 450 مليون دولار

لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)
لوحة كاميل بيسارو «ساحة المسرح الفرنسي وشارع الأوبرا» (إ.ب.أ)

«مجموعة أسطورية»، هكذا عدَّ أحد خبراء الفن الانطباعي المجموعةَ التي أعلنت دار سوذبيز عن بيعها وقدرت لها مبلغاً يقارب نصف مليار دولار. المجموعة تضم اثني عشر عملاً فنياً من المدرسة الانطباعية وما بعد الانطباعية ظلت بعيدة عن الأنظار لعقود داخل مجموعة خاصة شهيرة في أميركا الجنوبية، بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

وأعلنت دار «سوذبيز» للمزادات أنه من المتوقع أن تسجل أعمال لفنسنت فان جوخ وبول سيزان أرقاماً قياسية لهذين الفنانين خلال المزاد المقررة إقامته في نيويورك يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني). وفي حال تحقق ذلك، فسيكون مؤشراً جديداً على أن جامعي الأعمال الفنية يسعون - في ظل الأوقات التي تتسم بعدم اليقين - إلى إيجاد ملاذ آمن لاستثماراتهم في روائع الفن.

لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» لفان جوخ تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار (سوذبيز)

تأتي هذه اللوحات من مجموعة الراحلة الأرجنتينية «نيلي أرييتا دي بلاكير» وزوجها «كارلوس بيدرو بلاكير» - قطب صناعة السكر - ويقوم أبناؤهما حالياً ببيعها. وتشمل المجموعة لوحة بعنوان «أشجار الكستناء المزهرة» (Châtaigniers en fleurs) لفان جوخ، والتي تُقدر قيمتها بـ180 مليون دولار، ولوحة «هارلكين» (Arlequin) لسيزان، التي تبلغ قيمتها التقديرية 120 مليون دولار؛ علماً بأن أياً من هاتين اللوحتين لم تُعرض أمام الجمهور منذ نصف قرن.

ووصفت هيلينا نيومان، رئيسة قسم الفن الانطباعي والحديث في «سوذبيز»، المجموعة بأنها أشبه بـ«متحف أورسي مصغر»؛ في إشارة إلى المتحف الباريسي الذي يضم واحدة من أعظم مجموعات الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي في العالم.

وقالت نيومان: «خلال مسيرتي المهنية التي امتدت لأكثر من 30 عاماً في دار سوذبيز، لم أحظَ قط بشرف التعامل مع مجموعة بهذا المستوى من الجودة والقيمة الفنية».

وأشارت نيومان إلى أن لوحة فان جوخ التي تصور أشجار الكستناء المزهرة تجسد «انفجار الطاقة والحيوية» الذي شعر به الفنان عقب خروجه من المصحة النفسية في مايو (أيار) 1890، قبل أن يضع حداً لحياته بعد ذلك بشهرين. أما لوحة سيزان (هارلكين)، فهي واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه وهو يرتدي زي شخصية «هارلكين» (المهرج)، في حين توجد اللوحات الثلاث الأخرى في متاحف كبرى.

لوحة بول سيزان (هارلكين) المعروضة في المزاد واحدة من أربع لوحات رسمها الفنان لابنه (إ.ب.أ)

وتضم المجموعة أيضاً لوحات لمناظر مدينة باريس بريشة كلود مونيه وكاميل بيسارو، ولوحة لسباق خيول لإدغار ديغا، ومشهداً لركوب القوارب لبيير أوغست رينوار؛ وتبلغ قيمة هذه الأعمال جميعها عشرات الملايين من الدولارات.

وقال خبير الفنون فيليب هوك، وهو مُنظِّم مزادات سابق في دار «سوذبيز»، إن هذه المجموعة «تُعدّ بالفعل أسطورية»، نظراً لأن مقتنيها لم يعيروا هذه الأعمال للمشاركة في أي معارض. وأضاف هوك: «لم يكن أحد يعلم حقيقة ما تحتويه المجموعة؛ لذا فإن الكشف عنها الآن يمثل أمراً مثيراً للغاية».

وتابع قائلاً: «لقد نجحوا في تكوين مجموعة تركز بذكاء شديد على اقتناء عمل فني واحد يمثل كل اسم من الأسماء البارزة (في الفن الانطباعي وما بعد الانطباعي)، وهو أمر بالغ الصعوبة؛ لقد حققوا ذلك بأسلوب رائع ونجاح باهر».

لوحة رينوار «فتاة صغيرة في قارب» (سوذبيز)

وأشارت نيومان إلى أن عملية البيع ستجذب على الأرجح اهتماماً عالمياً؛ إذ تتراوح قائمة المشترين المحتملين بين أثرياء قطاع التكنولوجيا الأميركيين ومؤسسات مرموقة في الشرق الأوسط، فضلاً عن هواة جمع الأعمال الفنية الأثرياء من أميركا الشمالية وأوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

وقالت: «في ظل حالة عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي العالمي السائدة، يبدو الأمر وكأن هناك عودة للأعمال الفنية الراسخة والموثوقة والمُختبرة عبر الزمن»، والتي تُعد «عظيمة بلا منازع». وأضاف: «إن هذه المجموعة الانطباعية - التي تضاهي في جودتها مقتنيات المتاحف - تُعد نادرة للغاية».


بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
TT

بيع قميص «الرقصة الأخيرة» لمايكل جوردان برقم قياسي تخطى 12 مليون دولار

نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)
نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان (أرشيفية - رويترز)

بيع قميص ارتداه نجم كرة السلة الأميركي مايكل جوردان خلال أحد أشهر مواسم مسيرته المهنية في مزاد علني، الثلاثاء، مقابل 12.26 مليون دولار، ليصبح بذلك أغلى قميص للاعب كرة سلة يُباع في مزاد على الإطلاق، وفق ما ذكرته شبكة «سي إن إن» الأميركية.

وارتدى جوردان هذا القميص الأبيض، المصنوع من نسيج شبكي والمُزين برقمه الشهير «23»، خلال المباراة الثالثة من سلسلة نهائيات «الدوري الأميركي للمحترفين (NBA)» عام 1998.

وقد مثلت تلك الفترة ختام مسيرة جوردان مع فريق «شيكاغو بولز»، وهي الحقبة التي عُرفت باسم «الرقصة الأخيرة» أو «The Last Dance»، ووُثقت في سلسلة وثائقية تحمل الاسم نفسه أنتجتها شبكتا «إي إس بي إن» و«نتفليكس» عام 2020.

وخلال تلك المباراة الحاسمة ضد فريق «يوتا جاز»، قدم جوردان أداءً مذهلاً أمام جماهير فريقه؛ مما أسهم في تحويل مسار «شيكاغو بولز» خلال البطولة، والفوز بلقبه الـ6 في غضون 8 مواسم.

ويُعدّ هذا القميص القطعة الوحيدة من بين القمصان البيضاء التي ارتداها جوردان في مباريات حاسمة خلال نهائيات 1998 التي تُعرض للبيع؛ مما يجعله قطعة تذكارية نادرة للغاية، وذلك وفقاً لدار المزادات الإلكترونية «جوبيتر» التي نظمت عملية البيع.

وبهذا البيع أصبح القميص الأغلى في تاريخ مزادات قمصان كرة السلة، محطماً الرقم القياسي السابق الذي سجله قميص آخر لجوردان كان قد ارتداه في المباراة الأولى من السلسلة النهائية ذاتها.

وكانت شبكة «سي إن إن» قد أفادت سابقاً بأن القميص الأحمر اللون الذي ارتداه جوردان في المواجهة التي خسرها «شيكاغو بولز» قد بيع عام 2022 مقابل 10.1 مليون دولار.

ويحمل قميص أسطورة «كرة القاعدة (البيسبول)» الأميركية، بيب روث، الرقم القياسي الحالي لأغلى قطعة تذكارية رياضية بيعت على الإطلاق، حيث بيع مقابل 24.12 مليون دولار عام 2024. وارتدى روث هذا القميص خلال بطولة العالم للبيسبول عام 1932.


ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
TT

ألفرد طرزي يُعيد لبنان إلى ذاكرته... تاريخٌ صُنِع أيضاً من الصوَر

المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)
المعدن مثقوب بما يكفي لتمرَّ بيروت منه (الشرق الأوسط)

على سطح «استوديو ألفرد طرزي» في منطقة برج حمود، تتوزَّع الصورة على ثلاث شاشات عمودية كبيرة. فوقها سماء بيروت ليلاً، وخلف المكان مدينة تُواصل حياتها فيما تستعيد الشاشات مدينة أخرى عرفها المكان ذات يوم. يتعاقب هتلر مُحاطاً بطوابع الرايخ، واستعراض راقص تُحيط به رسوم الأسطوانات، وصُوَر وملصقات وصحف ووجوه. تسعون دقيقة من تاريخ لبنان تراكمت طبقاتها كما تتراكم الذاكرة، بما حفظته وما أسقطته وما أعادت صياغته كلّما تغيَّر الحاضر.

البلد الذي كان يناقش مصيره كان يرقص أيضاً (الشرق الأوسط)

«التجربة اللبنانية» هي الفصل الثاني من مشروع الفنان ألفرد طرزي «بيان عاشق»، الذي يتألَّف من خمسة أجزاء تتعقَّب بيروت منذ صعودها مدينةً حديثةً عام 1860، حتى الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. يتوقّف هذا الفصل عند السنوات الممتدّة من 1920 إلى 1958؛ من تشكُّل لبنان الحديث، إلى الاستقلال وما تلاه، يوم كانت بيروت تخوض إحدى أوسع مراحلها الثقافية والسياسية حراكاً، وتُشارك في صياغة حداثة امتدَّ أثرها إلى العالم العربي.

وجوه السينما يوم كانت تُحدّق في المارّة (الشرق الأوسط)

عند طرزي، لا يسير التاريخ وحده... تُرافقه الصحيفة والأغنية والصورة والفيلم والإعلان، وكلّ ما كان الناس يقرأونه ويسمعونه ويرونه وهم يعيشون ذلك التاريخ. قبل أن تصبح المرحلة فصلاً مكتوباً، كانت حاضراً تتنقّل فيه الأفكار عبر مطبوعة أو أغنية أو شاشة سينما. من هذه المواد يقترب الفيلم من سنواته الـ38، فيُعيد إلى الصورة مكانها داخل الحدث وقدرتها على حَمْل الأفكار ومَنْح القضايا وجوهاً وشعارات تصل إلى الناس وتسكن في ذاكرتهم.

هذه الأوراق قطعت طريقاً أطول مما توحي به خزائنها (الشرق الأوسط)

يهتم طرزي بالطريقة التي استخدمت بها الحركات السياسية والاجتماعية وسائل عصرها لنشر أفكارها، وبالدور الذي لعبه الفنانون والمصمّمون والموسيقيون في إعطائها لغة بصرية وصوتاً. هكذا يمتدّ المشروع إلى تاريخ الأفكار من خلال الأشكال التي خرجت بها إلى العلن وعاشت في المجال العام.

وجوه أكثر من أن تتّفق على صورة (الشرق الأوسط)

في «التجربة اللبنانية»، يُكبِّر طرزي بعض المواد الأرشيفية أمام العين حتى تستولي على الشاشة، ويُكرّر بعضها الآخر، أو يضعه في علاقة بصورة آتية من مصدر مختلف. تتوزَّع المادة أحياناً على الشاشات الثلاث، ويحتلّ مشهدٌ واحد وسطَها فيما تُواصل الصور حركتها على الجانبين. صحافة وتصميم وإعلان وسينما وتسجيلات تدخل المونتاج، فتتقارب مواد لم تولد معاً، وتظهر روابط لم تكن مرئية وهي موزَّعة في مصادرها الأصلية. كثافة الصور جزء من التجربة؛ فالفيلم يضع المُشاهد أمام وفرة ما أنتجته تلك العقود، ويطلب منه أن يرى التاريخ في ما كان يُحيط بالحدث أيضاً.

على ثلاث شاشات... لبنان كما التقطته عين عصره (الشرق الأوسط)

داخل الاستوديو، تظهر المواد التي رافقت طرزي طيلة سنوات عمله على الأرشيف. ملصقات سينمائية ومجلات وكتب ووثائق وملفات بقيت من مؤسّسات ثقافية أغلقت أبوابها أو تفرَّقت مقتنياتها. تحمل الأوراق آثار العُمر والاستعمال، فيما وجد بعضها طريقه إلى أعمال طرزي بعد القصّ والتركيب وإعادة الجمع. يلفت كولاج كبير يحتشد بالوجوه والشخصيات والرموز، حتى تضيق المسافات بينها ويصبح فصل رواية عن أخرى أصعب. ويستمرّ المعرض على السطح بتشكيلات معدنية مثقوبة ينساب الضوء من داخلها، وخلفها أبنية بيروت وأضواؤها.

ثلاثة إطارات لما تركته الحياة وراءها ولم يأخذه الغياب (الشرق الأوسط)

ألفرد طرزي، المولود في العاصمة عام 1980، درس التصميم الغرافيكي في الجامعة الأميركية، وأمضى أكثر من عقدين في جمع مواد من الذاكرة الثقافية اللبنانية وحفظها. واستعان «بيان عاشق» أيضاً بأرشيفات «مؤسّسة الدراسات الفلسطينية» و«الجامعة الأميركية» في بيروت و«جامعة الروح القدس - الكسليك»، إضافة إلى مجموعات خاصة. وهو أول أفلام طرزي؛ تولّى علاء فليفل قيادة التحريك، فيما أنجز فادي طبّال العمل الصوتي.

هتلر محاصراً بطوابعه... صفحة أوروبية داخل السرد اللبناني (الشرق الأوسط)

وراء هذا الاشتغال تاريخ لبناني وصل إلى أجيال لاحقة بروايات مختلفة، حملت كلّ منها ما حفظته وأسقطت أشياء أخرى. تمنح المواد التي جمعها طرزي فرصة للعودة إلى ما بقي خارج الروايات الأكثر حضوراً، ورؤية المرحلة من مصادر لم تتّفق دائماً في ما تقوله عن البلد والأحداث التي مرَّ بها.

ما بقي هنا كان يمكن بسهولة ألّا يبقى (الشرق الأوسط)

ومع انتهاء الدقائق التسعين، تختفي بيروت القديمة عن الشاشات وتبقى المدينة ممتدّة خلفها. تغيّرت الأبنية والوجوه، وغابت مؤسّسات وصحف ودُور سينما وأصوات كانت في يوم ما جزءاً من حياتها. إنما الصور التي خلّفتها تلك السنوات استطاعت أن تعبُر كلّ هذا الغياب. يُعيدها طرزي إلى الضوء، فتظهر بيروت في لحظة كانت لا تزال تصنع فيها ملامحها، من دون أن تعرف ما ينتظرها.