«البديل» الألماني يستعد لفوز تاريخي قد يوصله إلى الحكم في ساكسونيا أنهالت للمرة الأولى

فوزه بأكثر من 40 % من الأصوات سيتسبب بهزة سياسية... ومهاجرون يستعدون للمغادرة

أولريش سيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» يلتقط صوراً مع مناصريه في تجمع انتخابي بمدينة موزير (أ.ب)
أولريش سيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» يلتقط صوراً مع مناصريه في تجمع انتخابي بمدينة موزير (أ.ب)
TT

«البديل» الألماني يستعد لفوز تاريخي قد يوصله إلى الحكم في ساكسونيا أنهالت للمرة الأولى

أولريش سيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» يلتقط صوراً مع مناصريه في تجمع انتخابي بمدينة موزير (أ.ب)
أولريش سيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» يلتقط صوراً مع مناصريه في تجمع انتخابي بمدينة موزير (أ.ب)

للمرة الأولى منذ هزيمة النازيين في الحرب العالمية الثانية، يبدو احتمال عودة حزب يميني متطرف للسلطة في ألمانيا أقرب من أي وقت مضى، وإن كانت هذه العودة متواضعة وعلى صعيد محلي. فحزب «البديل من أجل ألمانيا» يستعد الأحد ليوم تاريخي، احتفالاً بالفوز في الانتخابات المحلية في ولاية ساكسونيا أنهالت، الواقعة شرقي ألمانيا، والتي كانت قريبة من الاتحاد السوفياتي حتى الوحدة الألمانية عام 1990.

أولريش سيغموند مرشح حزب «البديل من أجل ألمانيا» في ولاية ساكسونيا أنهالت الذي قد يصبح رئيس حكومة الولاية بعد انتخابات الأحد (د.ب.أ)

ولم يعد السؤال ما إذا كان الحزب المصنف يمينياً متطرفاً سيفوز، بل ما إذا كان سيتمكن من الفوز بأغلبية تمكنه من الحكم منفرداً. حتى الآن تضعه استطلاعات الرأي في الطليعة بفارق كبير عن الأحزاب الأخرى. وبحسب آخر استطلاع أجرته «إنسا»، فإن «البديل من أجل ألمانيا» يحظى بـ42 في المائة من نسبة الأصوات، في حين أن أقرب قوة سياسية منافسة له، وهو الحزب «المسيحي الديمقراطي» المحافظ الذي يرأسه المستشار فريدريش ميرتس، والذي يحكم الولاية حالياً، يتخلف عنه بـ20 نقطة، ولا يحظى بأكثر من 22 في المائة من نسبة الأصوات.

وما زال من غير المؤكد ما إذا كان الحزب المتطرف سينجح ويحكم الولاية، بعد أن رفضت كل الأحزاب الأخرى التحالف معه في حكومة واحدة، ما يعني أنه عليه الفوز بالأغلبية. مرشحه الرئيسي أولريش سيغموند، وهو شاب يبلغ من العمر 35 عاماً، يبدو واثقاً من أن حزبه سيحقق الأغلبية، وأنه هو سيصبح أول رئيس حكومة محلية. ولكن بغض النظر عن قدرته على تشكيل حكومة محلية، فإن فوزه بأكثر من 40 في المائة من الأصوات سيتسبب في هزة سياسية في ألمانيا، ويفتح من جديد الجدل حول مدى إمكانية إبقائه خارج السلطة رغم فوزه بنسبة كبيرة من التأييد.

مؤيد لحزب «البديل من أجل ألمانيا» يحمل لافتة للحزب مع صورة مرشحه الأساسي وعليها مكتوب: «إنقاذ البلاد» (أ.ف.ب)

ومنذ سنوات ترتفع حظوظ الحزب بشكل ثابت، خاصة في الولايات الشرقية التي تحولت إلى معقل له. ورغم أن ولاية ساكسونيا أنهالت صغيرة بعدد سكان لا يتجاوز المليونين، وقرابة مليون و700 ألف منهم يحق لهم التصويت، فإن فوزه قد يشكل أول تجربة حكم للحزب ضمن طموحه للوصول إلى السلطة المركزية.

ورغم أن التغييرات التي يمكن للحزب أن يدخلها في حال فوزه محدودة، فإنها تبقى مخيفة للكثيرين. فالولاية مسؤولة عن سياسات محلية مثل التعليم والهجرة ضمن حدود معينة، وفي هذين المجالين يخطط الحزب لتغييرات جذرية يريد أن يبدأ بتنفيذها فور تشكيله الحكومة.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يستعد لخسارة مُرة لحزبه «المسيحي الديمقراطي» في انتخابات محلية يوم الأحد (إ.ب.أ)

ومن بين ما تطرحه الوثيقة الانتخابية للحزب في مجال التعليم، فصل الأولاد من أصول مهاجرة وذوي الإعاقات وإدخالهم إلى مدارس خاصة منفصلة، ما يذكّر بسياسة الفصل التي اعتمدها النازيون أيام حكمهم. وتعهد الحزب أيضاً بتعديل مناهج التعليم، وتخفيف التركيز على تاريخ النازيين و«الهولوكوست».

وفي سياسات الهجرة، يريد الحزب كذلك أن يرحّل كل من «ليس لديه حق دائم» في البقاء بألمانيا؛ أي من يحملون مثلاً إقامات لجوء مؤقتة. وتثير هذه الخطط مخاوف كبيرة لدى الأجانب في الولاية، ورغم أن نسبتهم لا تزيد على 9 في المائة من السكان، مقارنة بـ10 في المائة على المستوى الوطني، فإن جزءاً كبيراً منهم يعمل في وظائف أساسية في الولاية مثل الطبابة ورعاية المسنين والضيافة.

وبحسب رابطة الطب في الولاية، فإن أكثر من واحد من أصل كل 4 أطباء في ولاية ساكسونيا أنهالت لا يحمل الجنسية الألمانية، وحذرت من أن مغادرة هؤلاء ستؤدي إلى تراجع كبير في الخدمات الصحية المقدمة، خاصة في المناطق النائية. وقد أظهر استطلاع للرأي أن قرابة 80 في المائة من الأجانب وذوي الخلفية المهاجرة سيغادرون الولاية في حال فوز الحزب.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس مترئساً الاجتماع الحكومي... ويبدو إلى جانبه نائبه ووزير الداخلية (أ.ف.ب)

كما يريد الحزب الطلب من الحكومة الفيدرالية التوقف عن اعتبار الأوكرانيين لاجئي حرب. فالحزب يعتمد سياسة خارجية مقربة من روسيا، وينتقد دعم الحكومة الفيدرالية لأوكرانيا، ويدعو لإعادة العلاقات مع موسكو.

ورغم عدم قدرة الحزب على التأثير على السياسة الخارجية الفيدرالية من خلال حكم ولاية واحدة، فإن سياسته تلك تثير توترات في برلين، فهو سيكون قادراً على الوصول إلى معلومات استخباراتية من جهاز المخابرات الداخلي التابع للولاية، والذي يصنف أحد أجنحته بأنه «يميني متطرف بشكل مؤكد» داخل الحزب بشكل عام. وتعهد الحزب أصلاً بمراجعة دور وعمل جهاز المخابرات ذاك في حال وصوله للسلطة.

وأكثر ما يثير قلق برلين أن ولاية ساكسونيا أنهالت تستضيف عدداً من الثكنات العسكرية التي يدرب فيها الجيش الألماني جنوداً من أوكرانيا، ويُخشى أن تصبح تلك مكشوفة أمنياً.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس يستعد لخسارة مُرة لحزبه «المسيحي الديمقراطي» في انتخابات محلية يوم الأحد (إ.ب.أ)

ويمكن للحزب التأثير كذلك على سياسة البيئة؛ فهو ينكر وجود التغيّر المناخي، ويعارض توسيع مزارع الطاقة الهوائية، ويريد إعادة العمل بمناجم الفحم الشديدة التلوث.

وفي كل الأحوال، ستكون نتيجة الانتخابات في ولاية ساكسونيا أنهالت اختباراً جديداً للحكومة الفيدرالية وللمستشار نفسه، وخاصة أن نسبة التأييد له تراجعت لمستويات غير مسبوقة. وهو كان تعهد في حملته الانتخابية قبل عامين بأن يكافح ضد صعود «البديل من أجل ألمانيا»، ولكن عوضاً عن تراجع الحزب المتطرف فقد ازدادت شعبيته، وليس فقط في الولايات الشرقية، بل على المستوى الوطني كذلك.

ورغم أن الكثير من سياسات الحزب اليميني المتطرف قد تكون مخالفة للقانون، ويكون تطبيقها صعباً، فإن المحللين يقولون إن ولاية ساكسونيا أنهالت ستكون «اختباراً للحكم»؛ إذ يعتمدها الحزب لكي يرى إلى أي مدى يمكن أن يذهب في سياساته، وينقلها إلى مستوى وطني في السنوات القادمة.


مقالات ذات صلة

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

شمال افريقيا وزير الحكم المحلي المكلف في حكومة «الوحدة» محمد بن غلبون ونائبة مبعوثة الأمم المتحدة ستيفاني خوري خلال لقاء في طرابلس الخميس (وزارة الحكم المحلي)

«الوحدة» الليبية تعوّل على مشاركة «البلديات» بالمسار الأممي

تعوّل حكومة «الوحدة الوطنية» (المؤقتة) في غرب ليبيا على إشراك عمداء البلديات ومجالسها المنتخبة في العملية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر ونجله ونائبه صدام خلال إحياء الذكرى الثانية عشرة لدخول الجيش إلى بنغازي (إعلام القيادة العامة)

محادثات ليبية لبحث جهود توحيد المؤسسة العسكرية

تتواصل في العاصمة التونسية، لليوم الثاني، السبت، محادثات ليبية تستهدف توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام العسكري والمؤسسي

خالد محمود (القاهرة )
الولايات المتحدة​ رجل يضع قبعة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» خلال مناسبة انتخابية في مونرو بميشيغان يوم الخميس (أ.ف.ب)

الأميركيون يتطلعون إلى «تغيير جذري» في الانتخابات

أفاد استطلاع أن الأميركيين يرغبون في تغيير جذري خلال الانتخابات النصفية للكونغرس، وسط اعتقاد بتقصير داخلي وخارجي من الرئيس دونالد ترمب.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب في حدث انتخابي في مونتانا في 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

ترمب ومعركة مجلس النواب... اختبار للأغلبية الجمهورية

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، الولايات التي ستحسم معركة مجلس النواب، وكيف لإعادة رسم الخرائط الانتخابية أن تغيّر موازين القوى

رنا أبتر (واشنطن)
العالم العربي الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

«الشرق الأوسط» (مقديشو)

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
TT

رومانيا تُسقط طائرتين مسيّرتين في مجالها الجوي فوق البحر الأسود

مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)
مقاتلتان من طراز «إف- 16» تابعتان لسلاح الجو الروماني ترافقان طائرة نقل عسكرية من طراز «سبارتان» خلال عملية مراقبة جوية لشرق رومانيا (أ.ب)

أعلنت رومانيا السبت إسقاط طائرتين مسيّرتين فوق البحر الأسود، وسط تصاعد هجمات المسيّرات على سفن في المنطقة في إطار تداعيات الحرب في أوكرانيا.

وقال وزير الدفاع الروماني رادو ميروتا في منشور عبر «فيسبوك»: «استهدف طيارون في الجيش الروماني طائرتين مسيّرتين وأسقطوهما قبل دقائق فوق البحر الأسود، بعد لحظات من دخولهما أراضينا بشكل غير قانوني»، من دون تحديد نوع المسيّرتين.

وكتب ميروتا: «دخلت المسيّرة الأولى المجال الجوي الروماني في تمام الساعة 17:59 بالتوقيت المحلي (14:59 بتوقيت غرينيتش)، وأُسقطت في أقل من دقيقتين، على بُعد 25 كيلومتراً جنوب شرق مدينة سولينا الساحلية على البحر الأسود».

وأضاف أن «المسيّرة الثانية كانت في المنطقة نفسها، واستُهدفت وأُسقطت في الساعة 18:05 بالتوقيت المحلي (15:05 بتوقيت غرينيتش)، بعد خمس دقائق من دخولها المجال الجوي الروماني، على بُعد 20 كيلومتراً شرق سولينا».

وأوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن مقاتلات من طراز «إف-16» تابعة لسلاح الجو الروماني أسقطت طائرتين مسيّرتين بعد أن رصدت أنظمة الرادار مجموعة من الأهداف الجوية تتحرك على بعد نحو 120 كيلومتراً شرق جزيرة سيربنت، متجهة نحو الجنوب الغربي.

وسبق لـ«حلف شمال الأطلسي» أن أسقط أربع طائرات مسيّرة في المجال الجوي الروماني هذا العام.


بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
TT

بريطانيا ترحّل رومانياً أدين بإشعال ممتلكات مرتبطة بستارمر

 كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)
كير ستارمر يلقي كلمة لدى مغادرته «10 داونينغ ستريت» (أ.ب)

أعلنت وزارة الداخلية البريطانية ترحيل روماني حُكم عليه في يونيو (حزيران) الماضي بالسجن عامين في لندن بتهمة إضرام النار في ممتلكات على صلة برئيس الوزراء السابق كير ستارمر.

وأدين ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني من أصل أوكراني، ورومان لافرينوفيتش، وهو أوكراني، بتورطهما في هجمات استهدفت ممتلكات مرتبطة بكير ستارمر يوم كان رئيساً للوزراء في مايو (أيار) 2025.

حُكم على كاربيوك بالسجن عامين وعلى لافرينوفيتش بالسجن 7 سنوات.

وقال عدد من وسائل الإعلام البريطانية إن لروسيا صلة بالحرائق، رغم أن القاضي الذي تولى القضية لم يشر إلى ذلك في حكمه الصادر في يونيو.

عناصر من الشرطة البريطانية (أرشيفية - رويترز)

وقال ناطق باسم وزارة الداخلية، السبت: «رُحّل هذا الشخص من المملكة المتحدة»، في إشارة إلى كاربيوك، من دون تحديد الدولة التي رحل اليها.

وأضاف: «كان هجوماً مشيناً. إن إدانة هذين الرجلين وسجنهما ينبغي أن يكون رسالة واضحة إلى كل من قد يُخدع بوعود المال من مجهولين».

وتوصلت المحكمة إلى أن رومان لافرينوفيتش وستانيسلاف كاربيوك تصرفا بناءً على أوامر من شخص يتحدث الروسية على تطبيق «تلغرام».

كما خلصت إلى أن كاربيوك لم يكن متورطاً «بشكل مباشر» في عمليات إحراق الممتلكات، بل اقتصر دوره على «تكليفه محاولة استرداد الأموال المعروضة مقابل ارتكاب هذه الجرائم».


المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
TT

المظاهرات الاحتجاجية تجتاح المدن الفرنسية والعنف يضرب باريس وليون ومرسيليا

الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)
الحرائق تبرز جانباً من مظاهر العنف في باريس العاصمة يوم السبت بمناسبة يوم التعبئة العامة (أ.ف.ب)

لم ينفع قرار وزارة الداخلية ومديرية الشرطة في باريس بمنع التظاهر والتجمع في محيط المقرات الحكومية الرئيسية مثل قصر الإليزيه ورئاسة الحكومة وساحة الكونكورد وجادة الشانزيليزيه وغيرها من المناطق «الحساسة»؛ ذلك أن المتظاهرين نجحوا في الوصول إلى جادة الشانزليزيه، حيث استبق الكثير من المحلات وصولهم من خلال تحصين واجهاتها الزجاجية فيما أغلق بعضها أبوابه مخافة أعمال السلب والنهب والتكسير والحرائق.

وسبق لوزارة الداخلية والقوى الأمنية أن استبقت «يوم التعبئة» الذي جاء ليتوج حراك تلامذة التعليم الثانوي احتجاجاً على الظروف التعليمية الذي انطلق منذ نحو الشهر، وشهد خمس محطات تعبئة. والجديد فيما حصل السبت أن التداخل بين الحراك الطلابي والاحتجاجات التي عمت غالبية المدن الفرنسية على غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية خصوصاً للطبقات الدنيا والارتفاع غير المسبوق لأسعار المشتقات النفطية، ما أرجع «السترات الصفراء» إلى الشوارع والمستديرات وإلى جوار محطات البنزين والديزل وخلافها.

اللافت أن الحكومة استبقت يوم التعبئة بالتحذير من اللجوء إلى العنف، وبإبراز رغبتها في التشدد في معاملة المخلين بالأمن، وهو ما شدد عليه وزير الداخلية لوران نونيز الذي أباح العودة إلى استخدام القنابل الصوتية والوسائل الأخرى لتفريق المتظاهرين.

متظاهرون تسلقوا التمثال الذي يتوسط ساحة الجمهورية في باريس وشعارهم «الناس في حالة غضب» (رويترز)

من جانبه، دعا جيرالد درامانان، وزير العدل، المدعين العامين في البلاد إلى التشدد قضائياً مع الأشخاص الذين يتم توقيفهم. وفي المحصلة، فإن مجموعات اليسار المتشدد المسماة «بلاك بلوكز» نجحت مرة أخرى في حرف المظاهرات عن أهدافها الحقيقية وتحويل العديد منها إلى ساحات كر وفر بينها وبين القوى الأمنية من شرطة ودرك وفرق مكافحة الشغب. والجمعة، دعا أركان الدولة، بدءاً برئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلى التظاهر السلمي والتحذير من استغلال الحراك لأهداف سياسية.

وفيما اليسار الفرنسي يؤيد الحراك والمطالب الاجتماعية والطلابية، فإن اليمين بجناحيه التقليدي والمتطرف، يركز على ضرورة المحافظة على الأمن والتنديد بالمحتجين وبأعمال العنف. وبعكس ما حصل في باريس ومرسيليا وليون واستراسبورغ، وهي المدن الأربع الكبرى في فرنسا، «إضافة إلى مدن رين وتولوز وأنجيه» التي شهدت أعمال عنف ذكّرت بما عرفته البلاد عامي 2018 و2019 بمناسبة احتجاجات «السترات الصفراء»، فإن «مسيرات سلمية» حصلت في مدن عديدة مثل بريست وروان وبايون وكان ومونبيليه.

إلا أن الأنظار تركزت على «عنف المدن» الذي تجلى بإشعال الحرائق وتحطيم العديد من الواجهات والدخول في معارك كر وفر مع القوى الأمنية التي عمدت، بالمقابل، إلى إلقاء القبض على المئات من المحتجين والمشاغبين ومواجهتهم بالغاز المسيل للدموع والهراوات وخراطيم المياه واستدعاء فرق مكافحة الشغب المؤللة. وقالت وزارة الداخلية إن محتجين حاولوا في مرسيليا اقتحام مركز للشرطة ونهبوا متاجر وحطموا واجهات.

وألقت شرطة باريس القبض على نحو 100 شخص لحيازتهم أسلحة ومواد أخرى محظورة. ودخل متظاهرون إلى مقر بلدية مرسيليا الواقعة في الجزء التاريخي من المدينة، ما حمل عمدتها، بونوا بايان، على طلب تعزيز حضور الشرطة لحماية البلدية.

كذلك هاجم متظاهرون فرعاً للشرطة في المدينة وحطموا بعض موجوداته. وبسبب التجاوزات، عمدت مديرية الشرطة في العاصمة إلى استدعاء «الفرقة رقم 8» المتخصصة في مكافحة الشغب لوسط المدينة المسمى «لي هال»، ما يعكس صعوبة سيطرة السلطات على الحركة الاحتجاجية التي شهدت نزول «السترات الصفراء» إلى بعض الأماكن.

أما في ليون، فقد هاجم محتجون المكتب السياحي للمدينة ونجحوا في اجتياحه وإحراقه ومنع رجال الإطفاء من الوصول إليه.

وفي باريس، سمحت مديرية الشرطة بمسيرتين بعيدتين عن المراكز «الاستراتيجية» في العاصمة وتحويلهما باتجاه المناطق الشعبية القائمة شمال العاصمة. إلا أن هذه الخطة لم يتم العمل بها. وفي أكثر من حي باريسي حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات.

وأفادت الشرطة بالقبض على 163 شخصاً في العاصمة وحدها. وأدان عمدة باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، «أعمال التخريب والتكسير» التي شهدتها العاصمة، مشيراً إلى أن الغالبية العظمى من المتظاهرين «كانت ترغب في التظاهر في أجواء هادئة وسلمية».

في باريس حصلت المواجهات مع رجال الشرطة بدءاً بساحة الريبوبليك «ساحة الجمهورية» وصولاً إلى جادة الشانزيليزيه التي لم ينجح الأمن في إبقائها بعيدة عن المواجهات (أ.ب)

وعمد محتجون إلى تحطيم واجهة محل كبير «مونوبري» ومطعم للوجبات السريعة «ماكدونالدز» في شارع سيباستوبول، شمال العاصمة وسرقة محتوياته، لكن المظاهرات في باريس في أحياء أخرى كانت هادئة وسلمية. واعتبر غريغوار أن أعمال التكسير تصرف الانتباه عن مطالب طلاب المدارس الثانوية، الذين نزلوا إلى الشوارع إلى جانب طلاب الجامعات وأصحاب السترات الصفراء ومختلف النشطاء، كما تسيء إلى صورة تحركهم الاحتجاجي.

وبالمقابل، رأى أنه «لا يتعين أن يكون أي تحرك احتجاجي ذريعة لارتكاب أعمال عنف ضد المتظاهرين». وكذلك، نددت وزارة الداخلية بـ«التحشيد القوي» من جانب اليسار المتطرف، وبالمساعي الهادفة لإثارة الاضطرابات، وبالهجمات العنيفة التي قامت بها جماعات من الملثمين، وبالاعتداء على عناصر إنفاذ القانون وإضرام الحرائق ومحاولات النهب والاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة، وتحدثت عن «أعمال خطيرة للغاية» لا سيما في مرسيليا وليون. وفي مدينة أفينيون، تم اقتحام ساحة مقر محافظة «فوكلوز»، بينما شهدت مدينة غرونوبل «أعمال تخريب طالت مبنى البلدية. كذلك، تعرضت محال تجارية للتخريب في مدن بو ومونبلييه وتولوز وفالانس.

كما في كل مناسبة، تتضارب الأرقام وتميل النقابات والجهات الداعية لها لتضخيمها، فيما تميل الجهات الرسمية لتخفيض أعداها. وقالت «نقابة كونفدرالية العمل»، القريبة من الحزب الشيوعي، إن نصف مليون شخص شاكوا في المظاهرات التي عمت غالبية المدن الفرنسية.