إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

أداة عمرها قرون تستعيد وهجها وتنتعش مبيعاتها بين النساء والرجال

رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)
رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)
TT

إسبانيا تفتح مراوحها في وجه الحرّ القياسي

رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)
رفّة صغيرة تروّض صيفاً ثقيلاً (أ.ب)

في عربات مترو الأنفاق المزدحمة والميادين التي تغمرها أشعة الشمس، تظهر مروحة اليد القديمة القابلة للطي في إسبانيا في كلّ مكان، بفضل حرارة الصيف الحارقة.

وتُفتح مروحة اليد الإسبانية التقليدية، التي تتميّز بصغر حجمها بما يكفي لحملها في حقيبة صغيرة، على شكل نصف دائرة. وبمجرّد تحريك المعصم، تُحدث نسيماً قوياً مفاجئاً.

ذاكرة إسبانية ترفرف في الشوارع (أ.ب)

وفي ظلّ موجات الحرّ المتعاقبة في غرب أوروبا، التي دفعت درجات الحرارة هذا الصيف إلى مستويات قياسية، أصبحت المروحة أداة أساسية يستخدمها الصغار والكبار في إسبانيا وفي كلّ مكان، إذ تستخدمها النساء وأعداد متزايدة من الرجال في وسائل النقل العامة والحفلات والحفلات الموسيقية. وفي يوليو (تموز) الماضي، شُوهدت مراوح اليد الملوّنة في كلّ مكان خلال الاحتفالات الصاخبة بمناسبة شهر الفخر في مدريد.

وفي يوم من أيام أغسطس (آب) الماضي، استخدمت آنا فيلو (20 عاماً) مروحة مصنوعة من الورق حصلت عليها هديةً في مهرجان بفالنسيا. وقالت إنها تحملها في كلّ مكان خلال الصيف.

وقالت لوكالة «أسوشييتد برس»، بالقرب من ميدان بويرتا ديل سول في مدريد، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية»: «هذه هي المفضّلة بالنسبة إليّ، ولكني أمتلك كثيراً منها». ومن المتوقّع أن تبلغ درجات الحرارة في العاصمة الإسبانية 39 درجة مئوية يومَي الخميس والجمعة المقبلَين.

كما يُلوّح ديفيد جونزاليز (53 عاماً) بمروحة يد بألوان الوردي والأرجواني والأحمر. وقال: «في البداية، كنتُ أشعر بالخجل، لأنه أمر مرتبط أساساً بالنساء، ولكن عليَّ أن أعترف بأنها تؤدّي المهمّة وتُضفي بهجة على يومي».

ويعتقد المؤرّخون أن المروحة القابلة للطي وصلت إلى أوروبا عبر التجارة البحرية البرتغالية مع آسيا في القرنَين الـ15 والـ16.

بين الأصابع... نسمة قابلة للطي (أ.ب)

ومع حلول منتصف القرن الـ17، رسم الرسام الإسباني دييغو فيلاثكيث لوحته الغامضة «المرأة ذات المروحة»، التي تظهر فيها سيدة، ربما تكون فرنسية، وهي تحمل ما يبدو أنها مروحة خشبية رقيقة.

ومع تزايد شهرتها في البلاط الأوروبي، أصبح لإسبانيا ذوق وصناعة خاصان بها. وأصبحت مدريد مركزاً مهمّاً للإنتاج، وبحلول القرن الـ18، أصبحت فالنسيا عاصمة تصنيع المروحة الإسبانية.

وترسَّخت المراوح في المجتمع الأرستقراطي الإسباني بحلول القرن الـ19، إذ أصبحت النساء يستخدمنها للتعبير بشكل سرّي عن المغازلة أو الاهتمام أو عدم الموافقة، من خلال ما يُطلق عليه «لغة المروحة».

ومن إسبانيا، اتجهت مروحة اليد إلى أميركا اللاتينية. وفي القرن الـ19، بدأ راقصو الفلامنكو استخدام مراوح اليد أداةً تعبيرية، متأثّرين بأساليب الغناء والرقص في كوبا. ومع الوقت، ساعد ارتباط المروحة برقصة الفلامنكو في تحولها إلى رمز إسباني راسخ.

وقالت كارمين توريس (44 عاماً)، راقصة الفلامنكو في جنوب إسبانيا، إن «المروحة تُعد عنصراً مثالياً، لأنها، من ناحية، تستحضر حرارة ورطوبة كوبا، هذا الشعور الثقيل والخانق». وأضافت: «وفي الوقت نفسه، تمنحنا وسيلة لإبراز الجانب الذي يتّسم بالإغراء والدلال».

ولأكثر من قرن ونصف القرن، تبيع أسرة خافيير ليراندي المراوح في «كاسا دي دياجو»، المتجر الخشبي في مدريد. وقال: «نحن نقتات من الحرارة».

للمروحة خطوتها الخاصة في «الفلامنكو» (أ.ب)

ومع تزايد شعبية مدريد وجهةً سياحية، أصبح الزوار الأجانب يبحثون أيضاً عن المراوح التي يبيعها ليراندي، والتي يقول إنها أكثر اعتمادية من نظيرتها الكهربائية القابلة للحمل.

وتابع ليراندي: «المراوح التي تعمل بالبطارية تنفد طاقتها، ودائماً ما يحدث ذلك في أسوأ لحظة ممكنة»، مضيفاً وهو يبتسم: «من دون شكّ، موجات الحرّ مفيدة لنشاطنا التجاري».

وللزبائن الأقل رغبة في الحصول على مراوح مميزة، توجد مراوح بلاستيكية تحمل تصاميم مطبوعة تُباع بالقليل من عملة اليورو في متاجر الهدايا، ومنها متجر على بُعد مئات الأمتار من متجر ليراندي. وقد تحدَّث بائع في هذا المتجر أيضاً عن ارتفاع المبيعات خلال هذا الصيف.

إرث يفتح جناحيه كلما اشتدَّ الحرّ (أ.ب)

وخارج حلبة لمصارعة الثيران في مدريد، تبيع خواني دوران مراوح يد خشبية تحمل تصاميم وردية مقابل 5 يوروات. ويُشار إلى أنّ مصارعة الثيران تُقام في أماكن مفتوحة، وعادةً ما يتأنق الحاضرون لحضور هذه الفعاليات، مما يجعل المراوح الأنيقة الإكسسوار المناسب.

وقالت دوران قبل مصارعة للثيران في أواخر أغسطس: «عادةً ما ستجدون مروحة يد في حقيبة كل سيدة، وبحوزة بعض الرجال أيضاً».

وأضافت: «هذه المراوح ليست أفضل نوع، لكنها ستجعل المرء يتغلب على فصل الصيف».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«أرواح في المدينة» تُنقب عن الذاكرة والهوية المصرية

يوميات الشرق مبادرة «أرواح في المدينة» أبرزت جوانب عدة من كواليس حياة «كوكب الشرق» (حساب التميمي على «فيسبوك»)

«أرواح في المدينة» تُنقب عن الذاكرة والهوية المصرية

تسعى مبادرة «أرواح في المدينة» إلى حفظ الذاكرة الوطنية المصرية، واستعادة حكايات الشخصيات التي تركت أثراً في القاهرة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق للجدار ذاكرة لا يغطّيها الطلاء بسهولة (إنستغرام)

صاحب مقهى يستعين بالسكان لإعادة رسم جدارية عمرها 30 عاماً

لأكثر من 3 عقود، زيَّنت أعمال فنية زاهية الألوان جانب حانة «بريدج بار» السابقة في شارع بريدج بمدينة بانبوري، في مقاطعة أوكسفوردشاير الإنجليزية...

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق الفنان محمد السلطان خلال أدائه أغاني من إرث الراحل الفني خلال الأمسية (الشرق الأوسط)

في جدة... أمسية تستعيد إرث فوزي محسون وحكاياته الإنسانية والفنية

في ليلة موسيقية استثنائية لـ«سيد الشجن» الراحل فوزي محسون، كانت المدينة الساحلية جدة حاضرة بكل تفاصيلها، عبر الكلمة الجميلة واللحن العذب.

إبراهيم القرشي (جدة)
يوميات الشرق جانب من العمل الميداني الذي يجمع بين توثيق الحرفة ورصد واقع ممارسيها (الشرق الأوسط)

«كليم فُوّه»... إنقاذ حرفة من ذاكرة تتناقص أيدي المشتغلين بها

يتميّز الكليم الفُوهي بتصميمات تستلهم صورها ورموزها من البيئة المحيطة، من الطيور والعصافير والأراضي الزراعية والخيول...

نادية عبد الحليم (القاهرة)

«التغريبة النجدية»... كيف تُروى ملحمة «العقيلات» درامياً؟

واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
TT

«التغريبة النجدية»... كيف تُروى ملحمة «العقيلات» درامياً؟

واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
واجه رجال العقيلات وحشة الصحراء وخطر الموت بالتجارة والترحال (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

بعدما حمل رجال العقيلات تجارتهم من وسط نجد إلى العراق والشام ومصر، تستعد حكايتهم اليوم لرحلة جديدة، من صفحات رواية «التغريبة النجدية» إلى الشاشة الصغيرة، في مشروع درامي ضخم تعمل عليه «إم بي سي».

ويترقب الروائي السعودي محمد المزيني هذا الانتقال بمزيج من الحماسة والحذر؛ فروايته، التي استغرق بناؤها سنوات، وتقاطعت فيها ذاكرة الصحراء مع التحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة، تواجه الآن اختباراً آخر: كيف يمكن لمسلسل أن يحتوي هذا العالم المترامي ويحفظ روحه؟

و«العقيلات» تسمية عُرف بها تجار قُدامى من نجد، غالبيتهم من القصيم (وسط السعودية)، اشتهروا بقوافل الإبل والخيل والسلع التي جابت الجزيرة العربية وخارجها، واستقر بعضهم في البلدان التي وصلوا إليها.

في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، يحيط المزيني تفاصيل التحضيرات الإنتاجية بسياج من التحفظ، لكنه يتحدث بحرية أكبر عن رهانه على العمل، وأمنيته في أن يلتقط صنّاع المسلسل ما وراء الرحلات والمعارك والأسماء. فحكاية العقيلات، في نظره، تتجاوز قوافل التجارة إلى ملحمة عن الجوع والنجاة والغياب، وعن رجال عبروا الصحراء بحثاً عن الرزق، ونساء وجدن أنفسهن وحيدات في مواجهة الخوف.

وتتسع الحكاية، في رؤيته، لتشمل المملكة كلها؛ فالعقيلات تنقلوا بين مناطقها في مراحل مختلفة، ومثّلوا وسط الجزيرة العربية في البلدان التي بلغوها، كما بنوا سمعة ارتبطت بالصدق والأمانة.

ويستحضر المزيني هذا المعنى عبر أحد مشاهد الرواية، حين ائتمن رجل يهودي أحد العقيلات على الذهب بعدما عرف هويته، مستنداً إلى سمعتهم الراسخة في الأمانة وحفظ الحقوق.

بناء عالم الملحمة

بدأ افتتان المزيني بعالم العقيلات قبل «التغريبة النجدية» بسنوات، وتحديداً خلال كتابته ثلاثية «ضرب الرمل»، التي تحولت مسلسلاً تلفزيونياً عُرض في رمضان 2020. وكان آنذاك منكبّاً على البحث، حين اتضح له أن قصة العقيلات تنطوي على مادة روائية ثرية تجمع المغامرة بالتجارة، والجوع بالبحث عن الرزق، والرحلات الفردية بالتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة.

ومن هنا، رأى فيهم ما يصفها بـ«روح الدولة المتحركة»؛ جماعة منظمة يقود قوافلها أمراء، ويمتد حضورها عبر مناطق عربية وأجنبية متعددة. وقد أصبح لبعض رجالها شأن وصيت، وشاركوا في أحداث وتحولات شهدتها البلدان التي مروا بها.

خرج العقيلات من وسط نجد، وتحديداً من القصيم ومناطق مجاورة، واتجهوا شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، حاملين تجارتهم إلى مسافات بعيدة. وكانوا يعودون أحياناً بالمكاسب، ويواجهون أحياناً أخرى خسائر الصحراء ومخاطرها؛ إذ امتلأت الطرق بقطاع الطرق والجيوش والمتنفذين المسيطرين على الأراضي، إلى جانب الصراعات السياسية بين أطراف متعددة.

ويلفت المزيني إلى مهارة العقيلات في التعامل مع هذه المخاطر؛ فقد استطاعوا، بخبرتهم وذكائهم، عبور وحشة الصحراء والتعامل مع القوى المسيطرة على طرقها «بطريقة احترافية جداً»، والوصول إلى وجهاتهم في كثير من الرحلات. وبالنسبة إليه، شكّل هذا التاريخ حمولة ذهنية ومرجعية دفعته إلى تحويله عملاً روائياً.

جغرافيا ممتدة

تتحرك «التغريبة النجدية» ضمن مرحلة تبدأ في نحو عام 1867، اختارها المزيني لما شهدته من تحولات فارقة في تاريخ الجزيرة العربية والمنطقة. فالرواية تتابع العقيلات في زمن سبق تشكُّل الدولة السعودية الحديثة، وتربط مساراتهم بأحداث سياسية وعسكرية واقتصادية شهدتها الشام والعراق والجزيرة العربية.

ويشير المزيني إلى حضورهم في محيط «معركة ميسلون»، وإلى دورهم خلال التحولات التي رافقت جهود الملك عبد العزيز في توحيد البلاد وتأسيس الدولة السعودية. فقد أسهم رجال العقيلات في الإمداد بالسلاح والمال، وكانت الزكاة تُؤخذ منهم، كما قدّموا، في مراحل الشدة، دعماً مادياً أسهم في تجهيز الجيوش.

ويصف المزيني رحلة هؤلاء الرجال بأنها انتقال بين نوعين من الخطر: «هو هروب من الموت، ربما إلى موت آخر أحياناً». ومن خلال الجزأين الصادرين، يلاحق الكاتب هذه الرحلات عبر الشام والعراق، في حين يُحضِّر حالياً الجزء الثالث من الرواية.

النساء في مواجهة الغياب

يحضر الرجال في الواجهة الظاهرة لرحلات العقيلات، لكن المزيني يمنح النساء قلب الملحمة؛ فخروج الرجال مُدداً طويلة ترك المرأة أمام مسؤوليات البيت والأطفال والمزرعة والماشية، ووضعها في مواجهة مباشرة مع الفقر والاعتداءات والخوف.

غلاف رواية «التغريبة النجدية» (الشرق الأوسط)

وبحماسة واضحة، يتحدث عن رغبته في إظهار بطولة المرأة في وسط الجزيرة العربية خلال تلك المرحلة. ويستعيد وقائع عن نساء تعلمن استخدام البارود، وارتدين ملابس الرجال، وتولين حماية البيوت والممتلكات، وواجهن العسكر الذين نهبوا الماشية. كما يستحضر رجالاً وضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف النساء في أوقات الضيق، لتتشكل من هذه الوقائع صورة مجتمع يقاوم الانهيار بما أتيح له من أدوات.

التاريخ... مادة للخيال

احتاج المزيني، خلال كتابة العمل، إلى التعامل مع منطقة دقيقة بين التاريخي والمتخيل. وعندما يُسأل عن ذلك، يشير إلى أن العقيلات مرتبطون بأسماء وأسر ووقائع وأمكنة محددة، وأن كثيراً من الحكايات انتقل شفهياً، فيما توزعت مادتها بين الكتب والمراجع وذاكرة الرواة.

وحين عاد إلى المصادر واستمع إلى الأحاديث المتداولة، وجد حكايات تناقلها الرواة عبر أسانيد يصعب تتبعها وصولاً إلى الواقعة الأولى أو صاحبها. وعن الشخصيات، يوضح أن بناءها جاء من مزج قصص متعددة وملامح متفرقة؛ ولهذا؛ فقد يعثر بعض القراء على صدى آبائهم وأجدادهم في شخصية بعينها، أو يربطون واقعة روائية بحادثة تناقلتها أسرهم.

الكتابة بأسلوب الصناديق

استغرق بناء «التغريبة النجدية» سنوات من القراءة وجمع الحكايات والمراجع، فيما استغرقت كتابة الجزء الأول وحده نحو عامين. ويشرح المزيني طريقته من خلال مفهوم يسميه «لغة الصناديق»؛ إذ يخصص لكل مشروع صندوقاً تتراكم فيه الشخصيات والأحداث والأزمنة والأمكنة والملاحظات.

وفي أثناء القراءة والبحث والعمل اليومي، تتوارد إلى ذهنه أحداث يرى أنها تستحق التدوين، فيضعها في الصندوق المخصص للرواية. وقد يبقى المشروع في هذه المرحلة وقتاً طويلاً، إلى أن يحين وقت فتح الصندوق وبدء ترتيب مواده وصوغ النسق الروائي.

جاء الجزء الأول في أكثر من 350 صفحة، والثاني في أكثر من 400 صفحة، فيما يواصل المزيني إعداد المادة التي يراها جديرة باستكمال هذا العمل الملحمي. وقد يقود اتساع المشروع إلى 3 أو 4 أجزاء، وفق المساحة التي تحتاج إليها الرحلة وتفرعاتها الجغرافية والتاريخية.

الكتابة البصرية

يبدو العالم الروائي في «التغريبة النجدية» قريباً من حركة الكاميرا؛ انتقالات بين الأماكن، وتحولات بين الشخصيات، ومشاهد للصحراء والقوافل والمعارك والبيوت المنتظرة. وعندما يُسأل المزيني عما إذا كان قد تعمّد هذا البناء تمهيداً لانتقال الرواية إلى الشاشة، يربط الأمر بطبيعة تجربته في الكتابة.

ويوضح أن الأحداث تتحرك لديه بإيقاع درامي، وتنتقل من منطقة إلى أخرى، ومن شخصية إلى أخرى، كأن القارئ يشاهد فيلماً أو عملاً تلفزيونياً. وقد طوّر هذه اللغة البصرية في أعماله حتى باتت المشاهد تتشكل أمامه في أثناء الكتابة، وأصبح المكان جزءاً من الفعل الروائي.

ومع ذلك، فإن إحساسه بقابلية العمل للتحول إلى دراما يرتبط، قبل كل شيء، بأهمية موضوع العقيلات. يقول: «كان ينتابني شعور بأن هذا العمل سيصبح دراما»، ويعزو ذلك إلى استشعاره قيمة الحكاية، وإلى الحدث السردي الداخلي الذي بدا له مهيأً للوصول إلى الشاشة يوماً ما.

الرواية بوصفها أصلاً للدراما

يقود الحديث عن «العقيلات» إلى سؤال أوسع عن العلاقة بين الرواية والدراما السعودية، خصوصاً بعد النجاح الذي حققه مسلسل «شارع الأعشى»، المأخوذ من رواية الدكتورة بدرية البشر.

ويرى المزيني أن تحويل الرواية مسلسلاً يحتاج إلى كتّاب مختصين يمتلكون أدوات المعالجة الدرامية؛ فالنص الأدبي يأتي بلغة رصينة وإيقاع سردي خاص، فيما تحتاج الشاشة إلى إعادة ترتيب الأحداث وتوزيعها على الحلقات، وصناعة حركة درامية تتناسب مع الصورة والزمن التلفزيوني.

ويشيد المزيني بتجربة «شارع الأعشى»، ويرى أن الوقت الطويل الذي استغرقه تطوير العمل أسهم في خروجه بصورة جعلته نموذجاً للدراما السعودية المأخوذة من الأدب. وبالنسبة إليه، تكمن قيمة النص الروائي في ثرائه الداخلي، في حين تتطلب معالجته كتّاباً قادرين على التقاط هذا الثراء وتحويله فعلاً درامياً.

وبينما تمضي التحضيرات التلفزيونية، فإن المزيني يواصل إعداد الجزء الثالث. وهكذا، يصل «العقيلات» إلى التلفزيون في وقت تواصل فيه روايتهم اتساعها على الورق؛ فالمسلسل يفتح نافذة على العالم الذي بناه المزيني، في حين تقود الأجزاء المقبلة القوافل إلى محطات أبعد.


حين يصبح الحديث أصعب من السكوت... ما أسباب الصمت الزوجي؟

عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)
عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)
TT

حين يصبح الحديث أصعب من السكوت... ما أسباب الصمت الزوجي؟

عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)
عندما يتوقف الزوجان عن التحدث بصدق وعمق يبدأ الزواج بالتدهور تدريجياً (بيكسلز)

في بداية الزواج، يبدو الحديث بين الزوجين أمراً طبيعياً وعفوياً؛ فهناك دائماً ما يُروى، وما يُناقش، وما يُضحكهما، وما يثير فضول أحدهما تجاه الآخر. لكن مع مرور السنوات، قد يتغير هذا المشهد تدريجياً. لا يحدث الأمر بالضرورة بسبب خلاف كبير أو أزمة واضحة، وإنما قد يتسلل الصمت إلى العلاقة شيئاً فشيئاً، حتى يصبح الزوجان، رغم وجودهما تحت سقف واحد، أقل قدرة على مشاركة أفكارهما ومشاعرهما كما كانا يفعلان من قبل.

ولا تبدو كل تحديات العلاقات على شكل صراع؛ فأحياناً، تبدو على شكل صمت.

لا تزالان تتشاركان المساحة نفسها، وتتبادلان المواعيد، وقائمة مشتريات البقالة، وترتيبات تربية الأبناء، وتفاصيل الحياة اليومية. لكن في الخفاء، قد يغيب شيء أكثر أهمية: تلك الشرارة المشتركة، وتلك النكات الخاصة، وتلك اللحظات البسيطة من التواصل التي كانت تحدث بصورة عفوية وتجعل كل طرف يشعر بأنه قريب من الآخر.

وعندما يتوقف الزوجان عن الكلام، لا يكون السبب دائماً الغضب. أحياناً يكون الأمر انسحاباً هادئاً وتدريجياً، وهذا ما قد يجعل الموقف أكثر إرباكاً من الجدال الصريح. فغياب الكلمات يتحول بحد ذاته إلى نوع من التوتر، وغالباً ما يكون هذا الصمت مؤلماً أكثر مما يبدو.

وهذا النوع من تراجع التواصل أكثر شيوعاً مما يدركه كثيرون. ورغم أنه قد يبدو أحياناً علامة على وجود مسافة عاطفية يصعب تجاوزها، فإن العلاج النفسي يمكن أن يساعد الزوجين على استعادة الظروف التي تجعل إعادة التواصل ممكنة.

لماذا يتوقف الأزواج عن الكلام؟

نادراً ما يبدأ الصمت داخل العلاقة فجأة. ففي معظم الحالات، يحدث ببطء وهدوء، ويتسلل إلى المساحات التي كان التواصل ينبض فيها في السابق.

قد يكون أحد الزوجين، أو كلاهما، منشغلاً بساعات طويلة من التنقل والعمل، ويحاول الموازنة بين ضغوط الوظيفة ورعاية الأطفال والوالدين المسنين، أو العمل بنظام المناوبات. ومع كثرة المسؤوليات، يأتي الإرهاق الذي يجعل الإنسان مستنزفاً من كثرة العطاء خارج العلاقة، فلا يتبقى لديه الكثير ليعود به إلى المنزل.

ومع مرور الوقت، تتحول فترات الصمت القصيرة أثناء الحديث إلى نمط متكرر. ثم يأتي يوم يدرك فيه الزوجان أن أسابيع ربما مرت منذ آخر مرة تحدثا فيها بصدق وعمق عن نفسيهما أو عن علاقتهما.

وهناك مجموعة من الأسباب الشائعة التي قد تدفع الأزواج إلى التوقف عن الحديث، من أبرزها:

تجنب الصراع: قد يشعر أحد الشريكين، أو كلاهما، بأن الصمت أكثر أماناً من المخاطرة بالدخول في خلاف أو نقاش قد يتحول إلى مشكلة.

الإرهاق والإجهاد المفرط: وهما أمران شائعان، خصوصاً بين الأزواج الذين لديهم أطفال صغار أو يعملون في وظائف تتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً.

الخجل أو الخوف من الرفض: فقد يعتقد أحد الشريكين أن التعبير عن رأيه أو مشاعره سيقابله الطرف الآخر بالتجاهل أو سوء الفهم أو الرفض.

الانفصال المعتاد: ويحدث عندما تبدو العلاقة مع مرور الوقت أقرب إلى مجرد سكن مشترك منها إلى شراكة عاطفية حقيقية.

ولا يتعلق الأمر دائماً بعدم الاهتمام؛ بل قد يكون العكس تماماً. ففي بعض الأحيان، يصبح الصمت استراتيجية للبقاء عندما يبدأ الشعور بالضعف أو عدم الأمان في التواصل. فيفضّل الشخص الصمت على أن يخاطر بالتعبير عن نفسه ثم يشعر بأنه لم يُفهم أو لم يُقدَّر.

ألم الصمت: عندما يصبح السكوت أثقل من الخلاف

عندما يتوقف الزوجان عن الحديث، قد يكون الصمت أشد وطأة من الصراع المفتوح. فلا توجد مشاجرات واضحة، ولا انسحابات مفاجئة، ولا أحداث كبيرة يمكن الإشارة إليها باعتبارها سبب المشكلة؛ بل يوجد ألم خافت ومستمر يتسلل إلى الحياة اليومية.

وقد يبدأ أحد الزوجين أو كلاهما في ملاحظة بعض العلامات، مثل:

- شعور عميق بالوحدة، حتى أثناء جلوس أحدهما بجانب الآخر.

- الانفعال بسبب أمور يومية بسيطة، نتيجة عدم وجود نقاش حقيقي حول المشكلات الأعمق.

- تجنب التواصل البصري، واللمس الجسدي، والحديث.

- تكوّن اعتقاد متزايد بأن هذا هو الوضع الطبيعي للعلاقة الآن، وأن قلة الكلام أصبحت جزءاً لا يمكن تغييره من الحياة الزوجية.

وكثير من الأزواج لا يطلبون الدعم إلا بعد حدوث مشكلة واضحة. لكن بحلول ذلك الوقت، قد يكون الصمت قد ترك أثراً عاطفياً عميقاً في العلاقة وفي مشاعر كل طرف تجاه الآخر.

نادراً ما يبدأ الصمت داخل العلاقة فجأة (بيكسلز)

عندما تتحول المحادثات إلى «اجتماعات عمل»

من الأسباب الأكثر خطورة التي قد تدفع الأزواج إلى التوقف عن التواصل انشغالهم المفرط بإدارة شؤون الزواج والأسرة.

فقد يقع الزوجان، من دون أن ينتبها، في نمط متكرر ومدمر؛ إذ يقضيان الوقت المحدود الذي يجتمعان فيه في الحديث عن العمل، والميزانية، والأطفال، والأعمال المنزلية، والمواعيد، والمهمات والمسؤوليات المختلفة.

وهكذا تتحول المحادثات تدريجياً إلى مجرد «معاملات».

وبالطبع، هناك حاجة حقيقية إلى مناقشة شؤون المنزل والأسرة وتنظيم الحياة اليومية، لكن المشكلة تبدأ عندما تسمح العلاقة بأن تسيطر هذه «الاجتماعات الإدارية» على جميع الأحاديث بين الزوجين، فلا يبقى مكان للحديث عن المشاعر، والأفكار، والاهتمامات، والأحلام، وما يعيشه كل طرف من تجارب.

وغالباً ما تؤدي هذه الأحاديث الإدارية إلى جدالات، ومع تكرار التجربة، قد يتعود الزوجان على الاعتقاد بأن «التحدث» سيؤدي حتماً إلى الخلاف والانفصال.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق: فالزوجان، من دون قصد، قد يهيئ كل منهما الآخر للشعور بأن الحوار ليس ممتعاً ولا آمناً. وعندما يصبح الحديث مرتبطاً في ذهن الطرفين بالمشكلات والجدالات والضغط، يصبح الصمت الخيار الأسهل، فيتوقفان عن الكلام.

كيف يمكن استعادة التواصل؟

يكمن مفتاح التواصل الإيجابي في معرفة الآخر وفهمه. وهذا يعني أن تكون مهتماً بشريك حياتك، وأن تبقى فضولياً تجاه عالمه الداخلي، بدل أن تفترض أنك تعرف بالفعل ما يفكر فيه أو يشعر به.

استمع جيداً عندما يتحدث شريكك، ولا تجعل هدفك من الحديث مجرد الرد أو الدفاع عن نفسك. اطرح أسئلة مفتوحة تساعده على التعبير عن أفكاره ومشاعره وتجربته بصورة أعمق.

فشريكك يتوق، بدرجة كبيرة، إلى أن يعرفك، لكنه يتوق أيضاً إلى أن يشعر بأنك تريد أن تعرفه هو الآخر.

والجانب الآخر من هذه المسألة هو أن تسمح لشريك حياتك بأن يعرف ما يجري في حياتك أنت أيضاً. شاركه أفكارك ومعتقداتك ومشاعرك وآمالك ورغباتك، ولا تحصر التواصل بينكما في تفاصيل العمل والأطفال والفواتير والأعمال المنزلية.

فالتواصل الجيد يتطلب جهداً واعياً ومستمراً، لكنه جهد يمكن أن يساعدكما على بناء زواج قوي، خصوصاً عندما يكون كل طرف حريصاً على معرفة شريكه والسماح له، في الوقت نفسه، بأن يعرفه ويفهم عالمه الداخلي.

كيف تكسران الروتين وتعيدان مساحة الحديث؟

استعادة التواصل لا تتطلب دائماً تغييرات كبيرة أو حلولاً معقدة. أحياناً، تبدأ الخطوة الأولى بإعادة تخصيص وقت منتظم للحديث، بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية.

موعد أسبوعي مميز

يمكن تخصيص موعد ثابت أسبوعياً للزوجين، بحيث يصبح وقتاً خاصاً لا تسيطر عليه الأعمال المنزلية أو المسؤوليات اليومية.

والاستراتيجية العملية لتحقيق ذلك هي اختيار موعد ثابت والالتزام به. على سبيل المثال، يمكن اختيار مساء الجمعة في الساعة السابعة، إذا كان هذا الوقت مناسباً لكليكما؛ لأن نهاية الأسبوع قد تكون أقل ازدحاماً بالالتزامات التي يمكن أن تتعارض مع الموعد.

المهم ليس اليوم أو الساعة بحد ذاتهما، وإنما وجود وقت منتظم يشعر فيه الزوجان بأن علاقتهما تستحق أن يُخصص لها موعد مستقل.

نزهة أسبوعية للحديث عن أحوالكما

يمكن أيضاً الخروج في نزهة أسبوعية، واستغلال هذا الوقت للحديث عن أحوال كل منكما خلال الأسبوع.

يمكن أن يتناول الحديث أسئلة بسيطة، لكنها مهمة: كيف يشعر كل منا؟ كيف كان أسبوعه؟ هل مرّ بشيء أثّر فيه؟ وهل هناك أي ملاحظات يرغب أحد الطرفين في تقديمها للآخر، سواء كانت إيجابية أو سلبية؟

مثل هذه الأحاديث المنتظمة تساعد على منع المشاعر والملاحظات الصغيرة من التراكم، كما تتيح لكل طرف فرصة للتعبير عن نفسه والاستماع إلى الآخر قبل أن تتحول الأمور البسيطة إلى مشكلات أكبر.

اجتماع شهري لتقييم الحياة الأسرية والمنزلية

إلى جانب الوقت المخصص للتواصل العاطفي، يمكن تخصيص اجتماع شهري لمراجعة حياة الأسرة والمنزل.

وقد يشمل ذلك وضع خطة للشهر أو الربع القادم، ومناقشة المسؤوليات والاحتياجات المختلفة، وإجراء تغييرات جوهرية في طريقة إدارة الحياة الأسرية.

والفكرة الأساسية هي الفصل، قدر الإمكان، بين الحديث الذي تحتاج إليه الأسرة لإدارة شؤونها، والحديث الذي يحتاج إليه الزوجان للحفاظ على علاقتهما وقربهما العاطفي.

فحين يجد كل جانب مساحته الخاصة، لا تعود كل محادثة بين الزوجين اجتماعاً لإدارة المنزل، ولا يصبح التواصل مرتبطاً دائماً بالمشكلات والمهام والمسؤوليات.


نجلاء فتحي تتكئ على حفيدتها لتجاوز أحزان الفقدان

عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)
عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)
TT

نجلاء فتحي تتكئ على حفيدتها لتجاوز أحزان الفقدان

عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)
عبد الحكيم عبد الناصر يواسي نجلاء فتحي (الشرق الأوسط)

بعد مرور نحو ربع قرن من ابتعادها عن الأضواء، وجدت الفنانة المصرية نجلاء فتحي نفسها أمام فصل بالغ القسوة في حياتها، مع وفاة ابنتها الوحيدة ياسمين قبل ساعات إثر أزمة قلبية مفاجئة، وذلك بعد مرور 8 سنوات على رحيل زوجها الإعلامي حمدي قنديل.

غيابان يأتيان في مرحلتين مختلفتين، لكنهما يتركان خلفهما مساحة كبيرة من الأحزان في حياة فنانة اختارت منذ سنوات أن تعيش بعيداً عن صخب الشهرة والكاميرات، لكنها فوجئت بهذه الكاميرات وهي تقتحم مراسم تشييع جنازة وحيدتها، وقد اقتربت منها العدسات إلى حد أن أظهرت دموعها المنهمرة من خلف النظارة السوداء.

وخلال الجنازة كانت نجلاء تسأل عن زين حفيدتها، كلما غابت عن عينها، فهي آخر سلوى لها في الحياة ومتكأها لتجاوز أحزان الفقدان والوحدة، وفق مقربين منها، أكدوا لـ«الشرق الأوسط» تعلق نجلاء بحفيدتها الوحيدة. وكانت ياسمين ابنتها من زوجها السابق سيف أبو النجا، الذي أدى شخصية «مصطفى» أكبر أبناء فاتن حمامة في فيلم «إمبراطورية ميم»، تمثل حضوراً عائلياً بالغ الخصوصية في حياتها، وقد صدمت فاطمة الزهراء حسين أحمد فتحي، الشهيرة بنجلاء فتحي، باكتشاف مشكلة طبية في قلب ابنتها الصغيرة التي تعالجت في حينها وكبرت وتزوجت وأنجبت زين.

وفي تسجيل نادر لنجلاء فتحي مع الإعلامي الراحل مفيد فوزي، لمّحت نجلاء إلى أنها حين علمت أن ابنتها مصابة بعيب خُلقي في القلب وأنها تحتاج إلى جراحة صعبة كادت تقدم على إنهاء حياتها، لولا أن والدة نجلاء شعرت بما يدور في عقل ابنتها فقالت لها أنت تريدين ابنتك وأنا أريد ابنتي، ووصفت نجلاء هذه الفترة بأنها كانت من أصعب أيام حياتها، غير أنها الآن تعيش ما هو أصعب منها.

نجلاء فتحي في شبابها مع أبناء عائلتها (فيسبوك)

كانت ياسمين هي القلب الذي احتوى نجلاء فتحي بعد رحيل رفيق حياتها الإعلامي حمدي قنديل الذي قررت ذات يوم أن تتزوجه وفاجأته بقرار زواجها منه، بعدما وجدت فيه الإنسان الذي تكمل معه حياتها، وقد أبدت لها ياسمين أنه الرجل المناسب بالفعل.

وكان حمدي قنديل أكثر من مجرد زوج في حياة نجلاء؛ فقد جمعتهما صداقة امتدت سنوات طويلة قبل زواجهما عام 1992 وانتهت بوفاته عام 2018، وخلال تلك السنوات، شَكل الإعلامي الراحل رفيقاً لحياتها الخاصة، ومع رحيله، فقدت نجلاء شريكاً رافق جزءاً طويلاً من حياتها، فيما واصلت الابتعاد عن المجال العام وانحصرت حياتها في ابنتها وحفيدتها، ولم تظهر نجلاء إلا حينما تم سرقة لوحة «عاش هنا» التي تحمل اسم زوجها والمُعلقة من قبل وزارة الثقافة في مدخل البناية التي تسكن بها، ولم تهدأ حتى تم تركيب لوحة أخرى توثق لسنوات عاشها في بيتها.

ياسمين أبو النجا وابنتها زين (حساب ياسمين على فيسبوك)

وترى الفنانة إلهام شاهين، جارتها بحي مصر الجديدة وصديقتها التي رافقتها خلال وداع ابنتها، أن فقدان كل عزيز على الإنسان يكون صعباً، إلا فقد الابن أو الابنة يكون أكثر صعوبة وألماً.

وتضيف إلهام شاهين قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «هذا أصعب موقف يمكن أن يواجهه إنسان، فما بالك أنها ابنتها الوحيدة التي كرست لها كل حياتها، وقد كانت ياسمين هي الحياة بالنسبة لها، لذلك أردد منذ إعلان الخبر... كان الله في عون نجلاء، فالابنة كانت مثل ملاك هبط على الأرض ورحلت في عز شبابها؛ لذا أدعو الله أن تتجاوز نجلاء هذه الأزمة وتواصل دورها مع حفيدتها الوحيدة». وتؤكد إلهام شاهين: «لقد أحببت نجلاء على المستوى الفني والشخصي؛ فهي من أصدق الناس الذين عرفتهم في حياتي».

نجلاء فتحي مع زوجها الراحل حمدي قنديل (فيسبوك)

وتعبر الفنانة نبيلة عبيد عن حزنها العميق لرحيل ياسمين، قائلة في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن قلبي يؤلمني بسبب ما تمر به نجلاء، لقد كانت حياتها تدور في فلك ياسمين منذ ولادتها، وكانت ياسمين هي روحها، وقد غابت عنها فجأة، ولا شك أن الصدمة كبيرة عليها وعلى والدها سيف أبو النجا، وأدعو الله أن يلهمهما الصبر، ويربط على قلب أمها». وتلفت نبيلة عبيد إلى قوة صداقتها بنجلاء فتحي، مؤكدة أن «التواصل بينهما لم ينقطع قط».

وتشير الناقدة ماجدة خير الله إلى أن «ما يؤلم حقاً أن تفقد نجلاء ابنتها الوحيدة في وقت هي أشد احتياجاً إليها، وندعو الله أن يُلهمها الصبر كأم مكلومة ونجمة شباك تركت أثراً في الفن المصري والعربي، وقد كانت أفلامها توزع في لبنان أكثر من نجوم جيلها، وقد أنهت مسيرتها الفنية بشكل يليق بها، فأنتجت فيلم (سوبر ماركت)، كما كانت (أول شهر زاد) في حلقات (ألف ليلة وليلة)».