فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

حكومة سيباستيان لوكورنو تواجه برلماناً منقسماً وضغوطاً متزايدة من أسواق السندات

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو الأقلية لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم، في وقت تتزايد فيه ضغوط المستثمرين للسيطرة على العجز والدين العام، بينما تقترب الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين.

وتأتي المعركة المالية في توقيت بالغ الحساسية، إذ تعاني فرنسا بالفعل أحد أعلى مستويات العجز في منطقة اليورو، بينما قد تجعل الحسابات الانتخابية خفض الإنفاق والإصلاحات المالية أكثر صعوبة. ويزيد من المخاطر أن الانتخابات الرئاسية المقبلة قد تضع السياسة المالية تحت ضغط أكبر، في ظل صعود مرشحين من أقصى اليمين واليسار، بينما تطرح القوى السياسية برامج قد تزيد الضغوط على المالية العامة.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو يستعرض حرس الشرف خلال مراسم استقباله لدى وصوله إلى مامودزو في جزيرة مايوت الفرنسية (أ.ف.ب)

وتستعد الحكومة لتحديد هدف عجز الموازنة لعام 2027 خلال الأسابيع المقبلة، على أن تقدم مشروع قانون الموازنة إلى الجمعية الوطنية (البرلمان) بحلول 6 أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة يُتوقع أن تطلق أسابيع من التجاذبات السياسية والقلق في أسواق السندات.

وكانت الحكومة قد تعهَّدت بإجراءات كبيرة لخفض الإنفاق عندما يصل مشروع الموازنة إلى النواب في أكتوبر، بينما طرح وزير المالية رولان ليسكوير تجميد جزء من إنفاق المعاشات التقاعدية العام المقبل بهدف تحقيق وفورات، لكن تفاصيل الخطة لا تزال محدودة.

وتواجه باريس في الوقت نفسه صعوبة في تحقيق هدف خفض العجز هذا العام إلى 5.0 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنةً بـ5.1 في المائة العام الماضي، في ظل ضعف النمو والإنفاق الطارئ المرتبط بموجات الحر، بينما تزيد أزمة الطاقة الضغوط على المالية العامة.

الأسواق تراقب فرنسا من كثب

لم تعد معركة الموازنة شأناً سياسياً داخلياً فقط، إذ بدأ المستثمرون خلال الصيف إعادة تسعير الديون الفرنسية تحسباً لمزيد من التقلبات قبل الانتخابات. وارتفع الفارق بين عائد السندات الفرنسية لأجل 10 سنوات ونظيرتها الألمانية، التي تحمل تصنيفاً ائتمانياً ممتازاً، للشهر الثالث على التوالي، ليصل إلى نحو 88 نقطة أساس، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2024.

وقال كيفن توزيت، من شركة إدارة الأصول الفرنسية «كارميغناك»، إن الفارق قد يصل إلى 100 نقطة أساس، مع وجود مجال لمزيد من الاتساع بعد ذلك.

وساعدت الشكوك بشأن التزام السياسيين الفرنسيين بخفض العجز على دفع عوائد السندات الفرنسية إلى مستويات تتجاوز نظيرتها الإيطالية، رغم ارتفاع عبء الدين في إيطاليا.

وتواجه فرنسا أيضاً استحقاقات ائتمانية مهمة، إذ تستعد وكالات التصنيف لتحديث تقييماتها للبلاد خلال الأسابيع المقبلة، بدءاً من «فيتش» يوم الجمعة، بعدما خفضت تصنيف فرنسا قبل عام إلى مستوى «إيه +»، وهو الأدنى في تاريخ التصنيف السيادي للبلاد لدى الوكالة.

ولا تقتصر الضغوط على خفض العجز الحالي، إذ ستحتاج الحكومة إلى الاقتراض بمبالغ أكبر خلال السنوات الخمس المقبلة لإعادة تمويل مئات المليارات من اليوروهات من السندات التي أصدرتها خلال جائحة «كوفيد-19» عندما كانت أسعار الفائدة منخفضة للغاية.

وتزداد حساسية الأسواق الفرنسية أيضاً أمام التطورات العالمية، بعدما وصلت تكاليف الاقتراض في الولايات المتحدة واليابان أخيراً إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، مع تنامي المخاوف بشأن ارتفاع أعباء الديون. وعادةً ما تنتقل التحركات الحادة في سندات الخزانة الأميركية إلى أسواق السندات الرئيسية الأخرى.

وزير الاقتصاد والمالية والصناعة والطاقة والسيادة الرقمية الفرنسي رولان ليسكيور (إ.ب.أ)

الانتخابات تزيد صعوبة خفض العجز

تتداخل معركة موازنة 2027 بصورة مباشرة مع الانتخابات الرئاسية المقررة في جولتين يومي 18 أبريل و2 مايو، مما يقلل هامش المناورة أمام الحكومة ويزيد احتمالات تأجيل القرارات المالية الصعبة.

وأظهر استطلاع أجرته «هاريس تولونا» أن خمسة سيناريوهات انتخابية من أصل أربعة، بحسب التقديرات الواردة في الاستطلاع، قد تقود إلى جولة إعادة بين زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون ومرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، بينما أظهر الاستطلاع تقدم لوبان أمام جميع منافسيها، مع بقاء احتمال حدوث مفاجآت متأخرة قائماً كما جرت العادة في الانتخابات الرئاسية الفرنسية.

ويمثل كل من ميلانشون ولوبان تحولاً كبيراً في السياسة الاقتصادية. فقد دعا ميلانشون إلى إلغاء الدين الذي يحمله البنك المركزي، بينما تؤيد لوبان خفض سن التقاعد إلى 60 عاماً لبعض الفئات.

وقال ديفيد زان، رئيس الدخل الثابت الأوروبي لدى «فرانكلين تمبلتون»، إن المشهد لا يزال شديد الضبابية، لكن المرشحين يميلون عموماً إلى سياسات مالية أكثر مرونة، بدلاً من تبني برامج تركز على إصلاح العجز وخفض الدين.

هل تعود المادة 49.3؟

ومن المتوقع أن تصبح المادة 49.3 من الدستور الفرنسي إحدى الأدوات الرئيسية في معركة الموازنة، وهي آلية تتيح لرئيس الوزراء تمرير مشروع قانون في الجمعية الوطنية من دون طرحه للتصويت، بعد أن يربط الحكومة بمسؤوليتها السياسية عن النص.

ومنذ الانتخابات التشريعية المبكرة في 2024 التي أفرزت جمعية وطنية بلا أغلبية واضحة، اعتمدت حكومات الأقلية المتعاقبة على هذه المادة لتمرير قوانين الموازنة من دون تصويت برلماني.

لكن استخدام المادة يفتح الباب أمام المعارضة لتقديم مذكرة حجب ثقة، مما يجبر الحكومة على تقديم تنازلات، عادةً إلى الاشتراكيين أو الوسطيين أو المحافظين، لضمان بقائها.

وقد تكون مساحة التسوية أضيق هذه المرة، مع استعداد الأحزاب للانتخابات الرئاسية ومحاولتها ترسيخ مواقعها السياسية قبل بدء الحملة الانتخابية رسمياً.

وسبق أن أدَّت الموازنة إلى إسقاط رئيسي وزراء منذ انتخابات 2024، مما يعكس حجم المخاطر السياسية المحيطة بالملف المالي.

رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره اجتماعاً عاماً لفريق العمل المعني بمكافحة الهجرة غير الشرعية (أ.ف.ب)

ماذا لو لم تمر الموازنة؟

إذا فشل البرلمان في إقرار موازنة 2027 بحلول نهاية العام ولم تلجأ الحكومة إلى المادة 49.3، يمكنها تمرير قانون طوارئ قصير الأجل يمدد العمل بموازنة 2026 إلى حين إقرار موازنة كاملة بعد الانتخابات.

لكن هذا السيناريو قد يؤدي إلى حالة من الشلل المالي غير المسبوقة، وفق تحذير سابق لوزارة المالية الفرنسية، مع تجميد الاستثمارات والزيادات المخطط لها في الإنفاق الدفاعي، في وقت تستمر فيه تكاليف برامج الرعاية الاجتماعية في الارتفاع.

وقد يؤدي تمديد الموازنة إلى زيادة العجز بما لا يقل عن نصف نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ما سيضعف ثقة المستثمرين ويدفع تكاليف الاقتراض إلى الارتفاع.

كما أن الانتخابات قد تؤدي إلى حل الجمعية الوطنية والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة، ما يعني أن إقرار موازنة كاملة لعام 2027 قد يتأخر إلى النصف الثاني من العام، بالتزامن مع بدء العمل على موازنة 2028.

الموازنة بمرسوم؟

وإذا تمكنت الحكومة من البقاء حتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) من دون إقرار قانون للموازنة، فقد تحاول تمريرها بمرسوم، متجاوزةً البرلمان في أهم تشريع مالي سنوي. ولم يُستخدم هذا الخيار مطلقاً في ظل الجمهورية الخامسة، بينما يرى خبراء قانونيون أنه سيكون خياراً بالغ الخطورة وقد يؤدي إلى تصويت جديد بحجب الثقة عن الحكومة.

وعلى خلاف المسار المنصوص عليه في المادة 49.3، فإن سقوط الحكومة بعد إقرار موازنة بمرسوم لا يؤدي تلقائياً إلى إلغاء الموازنة.

لكن قدرة الرئيس إيمانويل ماكرون على تشكيل حكومة جديدة قبل الانتخابات ستكون محدودة، ما قد يترك حكومة لوكورنو لتصريف الأعمال. وفي هذه الحالة، قد تصبح موازنة المرسوم حلاً مؤقتاً إلى حين تشكيل حكومة جديدة تتمكن في أواخر 2027 من الحصول على دعم برلماني لخطتها المالية.

الدين يفرض حساباته

حتى في حال نجاح الحكومة الحالية في خفض العجز، ستظل فرنسا أمام تحدٍ طويل الأجل يتمثل في إعادة تمويل كميات ضخمة من الديون التي أُصدرت خلال سنوات الفائدة شديدة الانخفاض.

ويرى مستثمرون أن قدرة الرئيس الحالي أو المقبل على تنفيذ الإصلاحات الهيكلية اللازمة لخفض العجز لا تزال موضع شك، بينما تزيد الانتخابات من صعوبة اتخاذ إجراءات قد تكون مكلفة سياسياً.

وبذلك، تتحول موازنة 2027 إلى اختبار مزدوج لفرنسا: اختبار لقدرة النظام السياسي على إنتاج توافق مالي في ظل برلمان منقسم، واختبار لثقة الأسواق في قدرة باريس على السيطرة على العجز والدين قبل أن تصبح تكاليف الاقتراض عبئاً أكبر على المالية العامة.


مقالات ذات صلة

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

شمال افريقيا العاهل المغربي دعا إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة (ماب)

العاهل المغربي يشدد على وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية

دعا العاهل المغربي، الملك محمد السادس، إلى أن تُشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا  عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

أعاد إنفاق المؤسسات الليبية الجدل بشأن أولويات توزيع المال العام، وسط انتقادات للبذخ الحكومي وشكاوى معيشية تتزامن مع إضراب المعلمين للمطالبة بحقوقهم المالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

تواجه صناعة السلع الفاخرة العالمية ضغوطاً متزايدة مع تشديد الصين إجراءاتها الضريبية على الأثرياء، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على ضعف الإنفاق الاستهلاكي في أميركا.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد محطة الحاويات في ميناء نانجينغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تعزز التحفيز المالي لإنقاذ النمو الاقتصادي

كثفت الصين إجراءات دعم اقتصادها، الجمعة، عبر تخصيص 550 مليار يوان (82 مليار دولار) من حصص إصدار الدين الحكومي غير المستخدمة، بهدف تخفيف الضغوط المالية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي في جلسة برلمانية سابقة (رويترز)

اليابان تراجع إنفاقها لاحتواء ضغوط الين والدين

تسعى الحكومة اليابانية إلى إعادة صياغة سياستها الاقتصادية والمالية تحت ضغط الأسواق، مع تعهد رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بمراقبة تحركات الين والتضخم من كثب

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسهم الأميركية تتجه بحذر نحو ختام أسبوع قياسي

لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» خارج بورصة نيويورك (رويترز)

أسهم تراجع أسعار النفط في دفع الأسهم الأميركية إلى الارتفاع خلال تعاملات يوم الجمعة، مع اقتراب السوق من اختتام أسبوع شهد تسجيل مستويات قياسية، غير أن الأسواق المالية لا تزال تتحرك وسط حالة من التردد وعدم اليقين.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، مستعيداً بذلك جزءاً من خسائره التي تكبّدها على مدى يومين متتاليين عقب تسجيله مستوى قياسياً غير مسبوق. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 116 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المجمع بنسبة 0.5 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وجاءت هذه التحركات الحذرة في ظل استمرار تقلبات أسعار النفط، وسط حالة من عدم اليقين بشأن موعد عودة قطاع الطاقة العالمي إلى أوضاعه الطبيعية في ظل الحرب مع إيران. وتأرجح سعر برميل خام برنت بين 102.50 دولار و104 دولارات عدة مرات خلال الليل وصباح الجمعة، قبل أن يستقر عند 103.13 دولار، منخفضاً بنسبة 1.1 في المائة.

وفي سوق السندات، تذبذبت عوائد سندات الخزانة الأميركية صعوداً وهبوطاً، عقب التحركات الحادة التي شهدتها في وقت سابق من الأسبوع. وبلغ عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات 5.25 في المائة، مرتفعاً من 5.22 في المائة في أواخر تعاملات يوم الخميس.

وكان العائد قد لامس مؤخراً أعلى مستوياته منذ عام 2002، وسط مخاوف بشأن ارتفاع التضخم، وضخامة الدين الحكومي الأميركي، ومؤشرات على استمرار نمو الاقتصاد الأميركي، إلى جانب عوامل أخرى.

وتنذر العوائد المرتفعة بإبطاء النشاط الاقتصادي، إذ تزيد تكاليف الاقتراض على مختلف فئات المقترضين. وقد ارتفع بالفعل متوسط سعر الفائدة على القروض العقارية ذات الفائدة الثابتة لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ نحو ثلاث سنوات.

كما ترتفع العوائد بوتيرة متسارعة في أسواق السندات حول العالم، ما يقلّص استعداد المستثمرين لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم وغيرها من الاستثمارات. ومع ذلك، اجتذبت العوائد المرتفعة المستثمرين إلى شراء سندات الخزانة في المزادات الأخيرة، وهو ما يُسهم في الحد من المزيد من ارتفاع العوائد.

وفي «وول ستريت»، سجلت أسهم الشركات المالكة لأبراج الاتصالات الخلوية بعضاً من أكبر المكاسب، إذ قفز سهم «كراون كاسل» بنسبة 12 في المائة، وسهم «أميركان تاور» بنسبة 7.4 في المائة.

وجاء هذا الارتفاع عقب إعلان شركة «سبايس إكس» صفقة استحواذ قد تمهّد الطريق أمامها للتحول إلى مشغل رئيسي لخدمات الهاتف المحمول في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الصفقة لا تزال بحاجة إلى موافقة الجهات التنظيمية الأميركية، أوضحت «سبايس إكس» أن الاستحواذ على طيف ترددي منخفض النطاق سيسمح لخدمة «ستارلينك موبايل» التابعة لها ببث إشارة قادرة على اختراق الجدران والوصول إلى العملاء داخل المباني، ممن قد يتعذر عليهم الاتصال مباشرة بأقمارها الاصطناعية.

في المقابل، تراجع سهم شركة «تي-موبايل يو إس» بنسبة 8.9 في المائة، وسهم «إيه تي آند تي» بنسبة 7.5 في المائة، وسهم «فيريزون» بنسبة 5.5 في المائة، وسط مخاوف من دخول منافس قوي جديد إلى سوق الاتصالات اللاسلكية.

وانخفض سهم «دلتا إيرلاينز» بنسبة 3.3 في المائة، بعدما أعلنت الشركة أرباحاً وإيرادات لفصل الصيف جاءت دون توقعات المحللين. وقال الرئيس التنفيذي للشركة، إد باستيان، إن الطلب لا يزال قوياً، وإن العملاء يواصلون الإقبال على السفر، لكنه أشار إلى أن الشركة تواجه أيضاً زيادة قدرها 6 مليارات دولار في تكاليف الوقود خلال العام الحالي.

وتواجه الشركات ضغوطاً لتحقيق نمو قوي في الأرباح، بعدما دفعت مكاسب الأسهم المؤشرات إلى مستويات قياسية، رغم الضغوط التي تفرضها العوائد المرتفعة في سوق السندات. ومن المقرر أن تصدر أكبر البنوك الأميركية تقارير أرباح مهمة خلال الأسبوع المقبل.

وفي الأسواق الخارجية، ارتفعت المؤشرات الأوروبية، إذ سجلت أسهم فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة مكاسب بلغت 1 في المائة على الأقل.

أما الأسواق الآسيوية، فجاء أداؤها متبايناً؛ إذ أنهى مؤشر «نيكي 225» الياباني تعاملاته دون تغير يُذكر، في حين قفز مؤشر «هانغ سنغ» في «هونغ كونغ» بنسبة 1.8 في المائة.


السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)
ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)
TT

السندات الحكومية الهندية تسجل خسائر أسبوعية للأسبوع الثامن توالياً

ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)
ورقة نقدية من الروبية الهندية في صورة توضيحية (رويترز)

تراجعت السندات الحكومية الهندية للأسبوع الثامن على التوالي؛ إذ أدى ارتفاع أسعار النفط وتحول البنك المركزي نحو سياسة نقدية أكثر تشدداً إلى إضعاف شهية المستثمرين، ما دفع العائد على السندات القياسية لأجل عشر سنوات إلى الارتفاع.

وأغلقت السندات القياسية، ذات معدل الفائدة البالغ 6.94 في المائة والمستحقة في عام 2036، يوم الجمعة عند عائد بلغ 7.2994 في المائة، ارتفاعاً من 7.2868 في المائة يوم الخميس. وارتفع العائد بمقدار 9 نقاط أساس خلال الأسبوع، ليضاف إلى زيادة تراكمية بلغت 45 نقطة أساس على مدى الأسابيع السبعة السابقة، منذ 17 أغسطس (آب)، وفق «رويترز».

وكان بنك الاحتياطي الهندي (البنك المركزي) قد رفع سعر إعادة الشراء (ريبو) بمقدار 25 نقطة أساس إلى 5.50 في المائة هذا الأسبوع، كما غيّر موقفه من السياسة النقدية من «الحياد» إلى «التشديد المدروس»، في إشارة إلى احتمال إجراء مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة.

وقالت لافانيا فينكاتيسواران، المديرة التنفيذية وكبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيان والهند في بنك «أو سي بي سي»: «لطالما أشارت توقعاتنا إلى أن بنك الاحتياطي الهندي سيتجه نحو سياسة نقدية متشددة مع بدء تصاعد الضغوط التضخمية، ولذلك فإن هذا التحول يتماشى مع توقعاتنا. وتشمل توقعاتنا رفعاً إضافياً لأسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس بحلول مارس (آذار) 2027، مع ترجيح المخاطر احتمال إجراء زيادات أكبر، لا أقل».

ويتوقع معظم الاقتصاديين الآن أن يبلغ سعر الفائدة النهائي (ريبو) في الهند 6 في المائة على الأقل، فيما يتوقع كل من بنك «ستاندرد تشارترد» و«غولدمان ساكس» أن يصل إلى 6.25 في المائة.

وارتفع خام برنت إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل خلال الأسبوع، مع تصاعد الهجمات على السفن، قبل أن يتراجع قليلاً عقب تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن تجري محادثات مثمرة مع إيران.

وتشكّل أسعار النفط المرتفعة مخاطر على الهند، باعتبارها دولة مستوردة للطاقة؛ إذ تهدد المالية العامة للحكومة، وقد تدفع معدل التضخم العام إلى الارتفاع، بما يتجاوز الأثر المباشر لزيادة تكاليف الوقود.

أسعار الفائدة

وظلت معدلات عقود مبادلة أسعار الفائدة لليلة واحدة (OIS) في الهند دون تغيير يُذكر خلال الأسبوع؛ إذ عادل تراجع عوائد السندات الأميركية أثر التحول في موقف السياسة النقدية.

وأنهى معدل العقود لأجل عام واحد التعاملات عند 6.24 في المائة، فيما أغلق معدل العامين عند 6.44 في المائة، واستقر معدل السنوات الخمس، الذي يشهد نشاطاً ملحوظاً في التداول، عند 6.7250 في المائة.


ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
TT

ضرائب الصين تضاعف أزمة العلامات الفاخرة عالمياً

مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)
مشاة أمام متجر «لوي فيتون» للسلع الفاخرة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

تواجه صناعة السلع الفاخرة العالمية ضغوطاً متزايدة مع تشديد الصين إجراءاتها الضريبية على الأثرياء، بالتزامن مع ظهور مؤشرات على ضعف الإنفاق الاستهلاكي في الولايات المتحدة، ما يهدد بتعميق أزمة قطاع تبلغ قيمته نحو 350 مليار دولار، ويعاني تباطؤاً مستمراً منذ 3 سنوات.

وتترقب الأسواق نتائج أعمال كبرى المجموعات الأوروبية خلال الأيام المقبلة، وسط مخاوف من أن تؤدي الضرائب الصينية الجديدة، وتداعيات الحرب على إيران، وتراجع ثقة المستهلك الأميركي، إلى تأخير التعافي الذي كانت الشركات والمستثمرون يأملون في تحقيقه خلال النصف الثاني من العام.

وتستهدف الإجراءات الصينية الجديدة الأثرياء الذين استخدموا صناديق ائتمانية خارج البلاد لحماية أصولهم، إذ ألزمتهم السلطات بالإفصاح عن التزاماتهم الضريبية، وتسديد ضرائب متراكمة عن سنوات سابقة بحلول 22 أكتوبر (تشرين الأول).

ويرى محللون أن الضريبة البالغة 20 في المائة قد تضغط على إنفاق شريحة الأثرياء جداً، التي ظلت أكثر قدرة على شراء المنتجات الفاخرة مقارنة بالطبقة المتوسطة المتضررة من أزمة العقارات الصينية.

وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة؛ لأن المستهلكين الصينيين يمثلون نحو خُمس المشتريات العالمية للسلع الفاخرة، بعدما كانوا لسنوات المحرك الرئيسي لنمو العلامات الأوروبية الكبرى.

ضغوط على كبار المشترين

قال أليكسيس بونهوم، رئيس شركة «ترينيتي آسيا» للاستشارات المتخصصة في السلع الفاخرة ومقرها شنغهاي، إن الإجراءات الضريبية بدأت تؤثر على قرارات الإنفاق لدى أصحاب الثروات الكبيرة.

وأوضح أن بعض الأثرياء قد يواجهون ضغوطاً مؤقتة على السيولة قبل الموعد النهائي لتسوية الضرائب، ما يدفعهم إلى تأجيل مشتريات مرتفعة القيمة. وأضاف أن هذا لا يعني توقفهم نهائياً عن شراء السلع الفاخرة، لكن المزاج الاستهلاكي الحالي لا يشجع على الإنفاق.

وتأتي هذه الضغوط بعد سنوات من تراجع الطلب الصيني منذ جائحة «كوفيد-19»، نتيجة تباطؤ الاقتصاد وتراجع الثقة المرتبط باستمرار أزمة القطاع العقاري.

وأظهرت بيانات مراكز التسوق في البر الرئيسي الصيني خلال الصيف تباطؤاً حادّاً في نمو المبيعات، وفق مذكرة لمحللي «برنشتاين».

ونقلت «رويترز» عن مصدرين مطلعين على أداء مراكز التسوق خلال الربع الثالث أن ظروف السوق ظلت ضعيفة إجمالاً، مع تباين كبير بين العلامات التجارية، فقد حققت العلامات التي تركز على الفخامة الهادئة، مثل «برونيلو كوتشينيلي» المتخصصة في الكشمير و«لورو بيانا» التابعة لمجموعة «إل في إم إتش»، أداءً أفضل من العلامات الأكثر بروزاً في إظهار شعاراتها، مثل «لويس فويتون» و«غوتشي».

ويعكس هذا التحول تغيراً في تفضيلات بعض المشترين الأثرياء الذين باتوا يميلون إلى المنتجات الأقل لفتاً للأنظار، بدلاً من المظاهر التقليدية للترف.

خسائر حادة للأسهم الأوروبية

انعكس ضعف الطلب على أداء أسهم الشركات الكبرى، إذ فقد سهما «إل في إم إتش» و«هيرميس»، المصنعة لحقائب «بيركين»، نحو 40 في المائة من قيمتهما منذ بداية العام، ليتداولا قرب أدنى مستوياتهما منذ سنوات.

كما تراجع سهم مجموعة «كيرينغ»، المالكة لعلامة «غوتشي»، بنسبة 29 في المائة، وسط تصاعد المخاوف بشأن قدرتها على استعادة النمو.

وتواجه «غوتشي» تحديات خاصة، بعدما حذرت «كيرينغ» المحللين من توقع انكماش إضافي في مبيعات العلامة، ما دفع عدداً من المؤسسات المالية إلى خفض الأسعار المستهدفة لسهم المجموعة. وتشير هذه التطورات إلى أن الضغوط لم تعد تقتصر على ضعف المبيعات في الصين، بل امتدت إلى تقييمات الشركات الأوروبية وتوقعات أرباحها المستقبلية.

السوق الأميركية تفقد زخمها

وتزداد صعوبة المشهد مع ظهور مؤشرات على تباطؤ الطلب في الولايات المتحدة، أكبر سوق للسلع الفاخرة في العالم، والتي شكَّلت حتى وقت قريب أحد أبرز مصادر الدعم للقطاع.

وكانت مكاسب الأسهم الأميركية، خصوصاً شركات التكنولوجيا، قد عززت ثروات المستهلكين ودعمت مشتريات المنتجات الفاخرة.

لكن بيانات الإنفاق باستخدام بطاقات الائتمان، التي يتتبعها «سيتي»، أظهرت تراجع مشتريات السلع الفاخرة للشهر الثالث على التوالي خلال أغسطس (آب). وتزامن ذلك مع استطلاعات تشير إلى تنامي القلق بشأن آفاق الاقتصاد الأميركي قبل انتخابات التجديد النصفي، ما يُهدد بإضعاف الإنفاق التقديري حتى بين المستهلكين الأعلى دخلاً.

وتزيد تداعيات الحرب على إيران من حالة عدم اليقين، في ظل تأثيرها على أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي، ما يجعل استعادة الطلب أكثر صعوبة بالنسبة إلى الشركات التي تعتمد على ثقة المستهلكين الأثرياء.

المجوهرات تستفيد من البحث عن القيمة

وسط هذه الضغوط، برزت المجوهرات الراقية بوصفها من المجالات القليلة التي حافظت على أداء أفضل نسبياً. واستفادت علامات مثل «كارتييه»، التابعة لمجموعة «ريتشمونت»، من تزايد اهتمام المستهلكين الأثرياء بالذهب والمعادن النفيسة، التي ينظر إليها بوصفها منتجات تحتفظ بقيمتها بصورة أفضل على المدى الطويل.

ويشير هذا الاتجاه إلى تحول في سلوك المشترين من الإنفاق على المنتجات المرتبطة بالموضة والشعارات التجارية إلى اقتناء قطع تجمع بين الاستخدام الشخصي والقيمة المادية المستمرة.

وفي بكين، قال دنغ تشي، البالغ 51 عاماً، ويعمل في تصدير مكونات البناء الخزفية، إنه يتوقع خفض إنفاقه على السلع الفاخرة بنسبة 20 في المائة مقارنة بالسنوات السابقة. وأوضح أن الإجراءات الضريبية لا تعني بالضرورة أن الأثرياء الخاضعين لها سيتوقفون عن شراء المنتجات الفاخرة، لأن المبالغ التي ينفقونها على هذه المشتريات ليست كبيرة قياساً إلى ثرواتهم.

لكنه عدّ أن المشكلة الأهم تتمثل في التأثير الأوسع لهذه الإجراءات على الثقة، إذ قد يخشى أصحاب الدخول والثروات الأقل نسبياً أن تمتد إليهم تدابير مماثلة مستقبلاً.

نتائج الشركات تختبر آفاق التعافي

سيحصل المستثمرون على أول مؤشر رئيسي بشأن أداء القطاع عندما تعلن «إل في إم إتش» نتائج أعمالها الاثنين المقبل. ويتوقع المحللون أن تسجل المجموعة مبيعات فصلية تبلغ 18.5 مليار يورو (20.7 مليار دولار)، بزيادة واحد في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.

ومن المقرر أن تعلن «كيرينغ» و«هيرميس» نتائجهما في 22 أكتوبر، بالتزامن مع الموعد النهائي المحدد في الصين لتسوية الالتزامات الضريبية المستحقة على الأصول المحتفظ بها عبر الصناديق الخارجية.

وستركز الأسواق على أداء المبيعات في الصين والولايات المتحدة، إلى جانب مؤشرات تحسن الطلب لدى العملاء الأثرياء وقدرة الشركات على الحفاظ على هوامش أرباحها.

وتواجه صناعة الرفاهية بذلك اختباراً مزدوجاً؛ يتمثل الأول في استعادة ثقة المستهلك الصيني وسط تشديد الرقابة الضريبية وتباطؤ الاقتصاد، في حين يتعلق الثاني بقدرتها على تجاوز ضعف الإنفاق الأميركي.

ومع استمرار التباين بين العلامات التجارية، قد تتجه الشركات إلى إعادة تقييم استراتيجيات التسعير والتوسع والتسويق، والتركيز بصورة أكبر على المنتجات التي تجمع بين الجودة والقيمة طويلة الأجل. لكن النتائج الفصلية المقبلة ستحدد ما إذا كانت الضغوط الحالية تمثل مرحلة مؤقتة من التراجع، أم بداية فترة أطول من النمو الضعيف في صناعة اعتادت الاعتماد على الإنفاق القوي للأثرياء في أكبر اقتصادين في العالم.