أطفال السودان يحصلون على شريان حياة لعودة التعليم

مبادرة من «اليونيسيف» بقيمة 22 مليون دولار لمساعدة 200 ألف تلميذ

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
TT

أطفال السودان يحصلون على شريان حياة لعودة التعليم

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)
طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (سونا)

لا يزال الوصول إلى الفصول الدراسية متعذراً أمام ملايين الأطفال في السودان، حيث تواصل الحرب الأهلية في البلاد تعطيل مسيرتهم التعليمية. وللمساعدة في معالجة هذه المشكلة الهائلة، أعلن «الصندوق العالمي للتعليم» التابع لـ«هيئة الأمم المتحدة»، يوم الاثنين، عن مبادرة بقيمة 22 مليون دولار لمساعدة 200 ألف طفل وشاب وشابة على العودة إلى مقاعد الدراسة.

والولايات السودانية الثلاث التي ستتلقى الدعم هي: غرب دارفور، وجنوب كردفان، والقضارف؛ حيث يهدف المشروع إلى استعادة «تعليم آمن وجيد وشامل»، وذلك في ظل أكبر أزمة إنسانية وأزمة نزوح يشهدها العالم حالياً.

وشددت ميساء جلبوط، مديرة برنامج «التعليم لا يمكن أن ينتظر» على أن التعليم يظل من أقوى الأدوات في العمل الإنساني لحماية ملايين الأطفال ودعم التعافي. وقالت، على موقع «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف)»، إن «هذا الاستثمار يتجاوز مجرد إعادة فتح الفصول الدراسية، فهو يهدف إلى مساعدة الأطفال على استعادة الشعور بالأمان والحياة الطبيعية، مع تعزيز أنظمة التعليم لتتمكن من مواصلة خدمة المجتمعات خلال الأزمات وحتى مرحلة التعافي».

برنامج يمتد 3 سنوات

معظم مدارس السودان أصابها الدمار جراء الحرب (أ.ف.ب)

وفي معرض الإعلان عن هذه المبادرة الاستثمارية متعددة السنوات، ذكر برنامج «التعليم لا يمكن أن ينتظر» أن من لا يقلون عن 8 ملايين طفل؛ أي نحو نصف الأطفال في سن الدراسة بالسودان البالغ عددهم 17 مليوناً، لا يزالون خارج المدارس.

وأوضح أنه «لا تزال أعداد كبيرة من المدارس متوقفة عن العمل في جميع أنحاء البلاد، في حين عانى ملايين الأطفال من انقطاع طويل الأمد في تعليمهم، حيث فات بعضهم نحو 500 يوم من الدراسة».

وستصل المبادرة، التي ستمتد 3 سنوات، إلى الفئات الأكبر تهميشاً في البلاد، بمن فيهم الأطفال، وإلى النازحين داخلياً واللاجئين والمجتمعات المضيفة المستضعفة، مع ضمان أن تشكل الفتيات نسبة لا تقل عن 60 في المائة من المستفيدين، والأطفال ذوو الإعاقة 10 في المائة على الأقل.

وستعمل المبادرة على تهيئة بيئات تعليمية آمنة، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز قدرات المعلمين، وتحسين فرص الحصول على المواد التعليمية، ومعالجة العوائق التي تواجه الفتيات والأطفال ذوي الإعاقة.

كما ستتولى منظمة «إنقاذ الطفولة» قيادة التنفيذ بالشراكة مع منظمة «بلان إنترناشيونال»، ومنظمة «إل إم إنترناشيونال»، بالإضافة إلى شريكين محليين هما «منظمة السلام للإغاثة والتنمية» ومؤسسة «صداقات».

ومنذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في السودان، أُجبر 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم، وأصبح 33.7 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية.

التعليم العالي

صورة متداولة لأساتذة جامعة كسلا في شرق السودان

وكانت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية، قد قررت مؤخراً إعادة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية.

وكانت الوزارة قرَّرت في أغسطس (آب) الحالي إنهاء العمل بالمراكز البديلة والمؤقتة لمؤسسات التعليم العالي خارج السودان، وإعادة المؤسسات إلى مقارها الأصلية، في خطوة قالت إنها تستهدف استعادة انتظام العملية التعليمية.

وفي تأكيد رسمي على عودة التعليم الجامعي تدريجياً، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أحمد مضوي موسى، يوم الخميس الماضي، إنَّ عودة مؤسسات التعليم العالي إلى مقارها الأصلية أصبحت «واقعاً ماثلاً».

لكن الطريق إلى استعادة قطاع التعليم لا تزال طويلة، بعدما تركت الحرب آثاراً واسعة على المدارس والجامعات؛ إذ وثَّقت الأمم المتحدة منذ عام 2024 أكثر من 67 هجوماً على المدارس في أنحاء السودان، إلى جانب الإبلاغ عن أكثر من 154 حالة استخدام عسكري للمدارس.

كما قدرت أضرار مؤسسات التعليم العالي بنحو 3 مليارات دولار؛ جراء عمليات التخريب والنهب، وشملت المباني الجامعية والقاعات الدراسية والمختبرات والمكتبات والأجهزة والمستلزمات التعليمية، مما عمَّق أزمة قطاع كان يعاني أصلاً من ضعف البنية التحتية.

احتياجات عالمية

من داخل مدرسة في تعز تعمل «اليونيسيف» على إعادة إلحاق الطالبات المتسربات للدراسة فيها (الأمم المتحدة)

في تقريرها نصف السنوي بشأن السودان، أفادت «اليونيسيف» بأن 81 في المائة من المدارس في دارفور لا تزال مغلقة، وأن 70 في المائة من الأطفال هناك لا يرتادون المدارس، في حين تُستخدم 5.8 في المائة من المدارس مراكزَ إيواء. كما أشارت المنظمة إلى تعرض المدارس لهجمات مباشرة خلال هذا العام.

ووفقاً لمبادرة «التعليم لا يمكن أن ينتظر»، فإن هناك 258 مليون طفل ومراهق في سن الدراسة حول العالم يعانون من تعطل مسيرتهم التعليمية بسبب الأزمات؛ ومن بين هؤلاء يوجد 93 مليون طفل خارج المدارس تماماً. وكشف تقرير حديث صادر عن «الصندوق العالمي للتعليم» أن نحو 80 في المائة من الأطفال غير القادرين على الذهاب إلى المدرسة بسبب الأزمات أو النزاعات يعيشون في 20 دولة فقط.

وغالباً ما تكون الفئات الأكبر تهميشاً هي الأعلى عرضة للإقصاء، لا سيما الفتيات والشباب النازحين والأطفال ذوي الإعاقة.

ويأتي هذا الإعلان بشأن السودان بالتزامن مع إطلاق مبادرة عالمية بعنوان: «الأمل يبدأ من هنا»؛ وذلك بهدف حشد 600 مليون دولار للوصول إلى 10 ملايين طفل لا تزال مسيرتهم التعليمية متأثرة بأشد الأزمات العالمية وطأة.

وتقول «اليونيسيف» إن التعليم في ظل الأزمات يتطلب هيكلية جديدة في عالم أعادت تشكيله التكنولوجيا وعدم الاستقرار الجيوسياسي والتغيرات الثقافية المتسارعة، حيث تواجه الافتراضات التقليدية بشأن كيفية تعليم الأطفال ضغوطاً متصاعدة.

وفي هذا الصدد، تقول إيفجينيا لازاريفا، من مؤسسة «كولاب إديوكيشن»، إن «الأسر الأكبر استعداداً لهذه المرحلة هي التي ستتعامل مع التعليم بوصفه استراتيجية تمتد مدى الحياة، وتُبنى بوعي وتخطيط مسبق منذ البداية».


مقالات ذات صلة

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

شمال افريقيا جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز) p-circle

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

قُتلت 26 امرأة و4 أطفال بضربة بطائرة مسيّرة تابعة لـ"قوات الدعم السريع" في جنوب شرق السودان، الجمعة، بحسب ما أفاد مسؤول وشهود عيان "وكالة الصحافة الفرنسية".

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد الجيش رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أثناء زيارته منطقة أمري الثلاثاء (إعلام مجلس السيادة)

البرهان يجدد رفضه التفاوض مع «الدعم السريع» و«أي جهة أخرى»

جدّد رئيس مجلس السيادة السوداني، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، رفضه التفاوض مع «قوات الدعم السريع»، و«أي جهة أخرى»، وتمسك بمواصلة العمليات العسكرية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا وزير الصحة السوداني الدكتور هيثم محمد إبراهيم (أرشيفية-وكالة السودان للأنباء)

وزير الصحة لـ«الشرق الأوسط»: السودان استعاد 75 % من خدمات المرافق الصحية

أعلن وزير الصحة الاتحادي هيثم محمد انتقال السودان من مرحلة الاستجابة الطارئة في القطاع إلى مرحلة التعافي، وأعلن عودة 75 % من المرافق التابعة للخدمة.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (إعلام مجلس السيادة)

حاكم دارفور يعلن استعادة مناطق في غرب الإقليم

شن الجيش السوداني و«القوة المشتركة» المتحالفة معه هجمات ضد «قوات الدعم السريع» في محاور عدة في غرب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا كبير المستشارين الأميركيين للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس (أ.ب)

مبعوث أميركي يلتقي بقائد الجيش السوداني في مصر

التقى مبعوث للرئيس الأميركي بقائد الجيش السوداني مطلع الأسبوع في مصر، حيث تسعى واشنطن ووسطاء آخرون إلى إنهاء حرب تسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز)
جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز)
TT

السودان: مقتل 26 امرأة و4 أطفال في ضربة بمسيّرة تابعة لـ«الدعم السريع»

جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز)
جدار مسجد انهار بعد غارة بطائرة مسيّرة في مدينة الخرطوم بحري بالسودان (رويترز)

قُتلت 26 امرأة و4 أطفال بضربة بطائرة مسيّرة تابعة لـ«قوات الدعم السريع» في جنوب شرقي السودان، الجمعة، بحسب ما أفاد مسؤول وشهود عيان «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووقع الهجوم في محافظة ود الماحي شرق الدمازين عاصمة ولاية النيل الأزرق قرب الحدود مع إثيوبيا، وفقاً لما أفاد به المحافظ محجوب الشيخ. وكان الضحايا يعملون في تصفية الذهب في مكان غير بعيد من مخيم أبا شندي. وقال شاهد عيان مقيم في المخيم: «قبرنا 26 امرأة وأربعة أطفال».

وأدان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الاثنين، الضربات العشوائية بالطائرات المسيّرة والهجمات على المدنيين في السودان، مندداً بقوى خارجية تؤجج النزاع بالأسلحة والمرتزقة.

وقرر مجلس حقوق الإنسان، وهو أعلى هيئة لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة، تمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان لعام إضافي.

وخلص تحقيق للبعثة في فبراير (شباط) إلى أن حصار مدينة الفاشر والسيطرة عليها يحملان «سمات إبادة جماعية».

وتبنى المجلس مشروع قرار الإدانة بأغلبية 28 صوتاً مقابل 10، فيما امتنعت تسع دول عن التصويت في المجلس المؤلف من 47 دولة.

وقال السودان إن القرار لم يأخذ تحفظاته في الاعتبار. وكان السودان دعا كل الدول إلى التصويت ضده.

وأسفرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» عن مقتل أكثر من 200 ألف شخص، وفق تقديرات عاملين في المجال الإنساني، إلى جانب نزوح أكثر من 13 مليوناً، كما تسببت في أكبر أزمتي جوع ونزوح في العالم.

وذكر قرار مجلس حقوق الإنسان أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة» في السودان. ودعا القرار إلى «وقف فوري وكامل لإطلاق النار من جانب جميع الأطراف من دون شروط مسبقة، وإنشاء آلية مستقلة لمراقبة وقف إطلاق النار، وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية الحيوية، والتوصل إلى حل تفاوضي وسلمي للنزاع».

كما أدان القرار انتهاكات القانون الدولي الإنساني وانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها جميع أطراف النزاع.

وأدان القرار أيضاً «الهجمات العشوائية على المدنيين وعمليات القصف الجوي وضربات الطائرات المسيّرة العشوائية التي أسفرت عن مقتل مدنيين وتدمير بنى تحتية حيوية»، بينها مدارس ومستشفيات.

وفي الأشهر الأخيرة، زاد كل من الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» استخدام الطائرات المسيّرة، ما أسفر عن مقتل أكثر من 1100 شخص خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي، وفق أرقام الأمم المتحدة.


ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

 عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)
عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)
TT

ليبيا: نفقات المؤسسات التشريعية والتنفيذية في مرمى الانتقادات الشعبية

 عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)
عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي مجتمعا مع وزير المالية راشد أبوغفة (إلى اليمين) ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك (المصرف)

أعادت بيانات «مصرف ليبيا المركزي»، المتعلقة بالإنفاق العام خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي، تسليط الضوء على حجم النفقات المخصصة للمؤسسات التشريعية والتنفيذية والجهات التابعة لها، وسط انتقادات شعبية لما يُوصف بـ«البذخ الحكومي»، وشكاوى من صعوبات المعيشة وضعف الرواتب، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول أولويات توزيع الموارد العامة في البلاد.

واجهة البنك المركزي في طرابلس (رويترز)

وأظهرت البيانات التفصيلية للإيرادات والنفقات، التي نشرها «المصرف المركزي» مساء الخميس، أن إجمالي الإنفاق العام للدولة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي وصل إلى نحو 88.6 مليار دينار، مقابل إيرادات بلغت 114.5 مليار دينار. (الدولار يساوي 6.42 دينار في السوق الرسمية، بينما يبلغ 9.71 دينار في السوق الموازية).

وقال المصرف المركزي إن نفقات الباب الأول (الرواتب) بلغت 60.6 مليار دينار، فيما بلغت نفقات الباب الثاني (النفقات التسييرية) 12.1 مليار دينار، التي تشمل رواتب بعض الجهات والهيئات.

وأوضح المصرف أنه تم تخصيص ما يزيد على 5 مليارات دينار للمؤسسات التشريعية والتنفيذية والجهات التابعة لها، خلال الفترة الممتدة من أول يناير (كانون الثاني) إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2026، وهو ما يعيد ملف الإنفاق على مؤسسات الدولة إلى دائرة الجدل بخصوص مدى تناسب نفقاتها مع الأوضاع المعيشية للمواطنين.

وأفاد البيان المصرفي بأن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة حصلت على ما يزيد على 180 مليون دينار خلال الفترة المذكورة، فيما بلغت مخصصات الجهات التابعة لها أكثر من 3 مليارات دينار، كما تجاوز إنفاق المجلس الرئاسي 31 مليون دينار، فيما بلغت نفقات الجهات التابعة له 456 مليون دينار.

وفي الجانب التشريعي، تجاوز الإنفاق على مجلس النواب 61 مليون دينار، بينما تخطت نفقات الجهات التابعة له ملياراً و638 مليون دينار، كما تجاوز الإنفاق على «المجلس الأعلى للدولة» 48 مليون دينار خلال الفترة نفسها من العام.

كما أظهرت البيانات أيضاً أن الإنفاق على هيئة الرقابة الإدارية بلغ أكثر من 655 مليون دينار، من بينها 618 مليوناً و567 ألف دينار للرواتب.

وتكتسب هذه الأرقام دلالتها في ظل شكاوى تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة وعدم كفاية الأجور لتلبية الاحتياجات الأساسية، وهي أوضاع تجعل الإنفاق على المؤسسات العامة موضع تساؤل لدى قطاعات واسعة من الليبيين، خصوصاً عندما تتعلق المخصصات بأجهزة إدارية وتشريعية وتنفيذية، في مقابل مطالب بتحسين الخدمات والظروف المعيشية.

تزداد شكاوى الليبيين من ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم كفاية الأجور لتلبية الاحتياجات الأساسية (أ.ف.ب)

وفي موازاة أرقام الإنفاق المحلي، كشف المصرف المركزي عن عجز في استخدامات النقد الأجنبي، بلغ نحو 4.7 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مبرزاً أن إجمالي الاستخدامات والالتزامات القائمة بالنقد الأجنبي بلغ 22.3 مليار دولار، مقابل إيرادات نفطية وإتاوات بلغت 17.6 مليار دولار.

وقال المصرف إن العجز جرى تغطيته من عوائد استثماراته من الودائع والذهب، وتصدرت الاعتمادات استخدامات النقد الأجنبي بقيمة 10.1 مليار دولار، تلتها الأغراض الشخصية بنحو 6.5 مليار دولار، ثم الحوالات بقيمة 2.6 مليار دولار، فيما بلغت مخصصات صغار التجار 39 مليون دولار.

وجاءت البيانات التفصيلية للإيرادات والنفقات في وقت يواصل فيه قطاع واسع من معلمي ليبيا الإضراب عن العمل وإغلاق المدارس، بسبب ضعف الرواتب والمطالبة بـ«مستحقاتهم المشروعة».

جانب من احتجاج المعلمين في غرب ليبيا 8 أكتوبر (حراك المعلمين في ليبيا)

وأكد «حراك المعلمين» في ليبيا «رفضه التام لأي إجراءات أو دعوات تستهدف العودة إلى الدراسة، قبل الاستجابة الكاملة لحقوق المعلمين»، محمّلاً الجهات التنفيذية والتشريعية «مسؤولية استمرار هذه الأزمة، نتيجة عدم اتخاذ خطوات عملية تضمن إنصاف المعلم وتحقيق مطالبه المستحقة».

وقال الحراك إن العودة إلى العمل «قرار المعلمين أنفسهم، ولن يُعلن عن استئناف الدراسة إلا المعلمون، بعد حصولهم على حقوقهم كاملة، وتنفيذ مطالبهم بصورة واضحة وجادة، وليس من خلال بيانات إدارية أو تعليمات تصدرها هذه الجهة أو تلك، في تجاهل لموقف المعلمين وإرادتهم».


الحكومة الموريتانية تقدم استقالتها للرئيس

من اجتماع سابق لأعضاء الحكومة قبل تقديم استقالتها (الحكومة)
من اجتماع سابق لأعضاء الحكومة قبل تقديم استقالتها (الحكومة)
TT

الحكومة الموريتانية تقدم استقالتها للرئيس

من اجتماع سابق لأعضاء الحكومة قبل تقديم استقالتها (الحكومة)
من اجتماع سابق لأعضاء الحكومة قبل تقديم استقالتها (الحكومة)

قدّم الوزير الأول الموريتاني المختار ولد أجاي، اليوم (الجمعة)، استقالة حكومته إلى الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، وذلك بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على تسلّم الرئيس تقرير لجنة التحقيق في حريقَي محطتَي التحويل الكهربائي بنواكشوط، وهو تقرير حمّل المسؤولية لمستويات عليا في الجهاز الحكومي.

وخرج ولد أجاي من القصر الرئاسي بتصريح مقتضب، أعلن فيه أن «ما كان من نجاحات طوال هذه الفترة يعود أولاً وأخيراً لوضوح التوجهات التي ما فتئ صاحب الفخامة يوجهنا بها، ومواكبته الدائمة للعمل الذي قيم به، وعلى تفاني وتضحية الفرق الحكومية والفرق الإدارية». مضيفاً: «وطبعاً ما كان من نقص فتلك مسؤوليتي».

الرئيس الموريتاني خلال تسلم التقرير من الوزير الأول ورئيس لجنة التحقيق مساء أمس الخميس (الرئاسة الموريتانية)

واستهل الوزير الأول تصريحه بالقول: «تشرفت قبل قليل بلقاء كريم خصني به صاحب الفخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وخلال هذا اللقاء قدمت لفخامته استقالة الحكومة». مبرزاً أن استقبال الرئيس كان «فرصة لأتوجه إلى فخامته بأخلص وأصدق تشكراتي على الثقة الغالية، التي منحني إياها بأن كلفني منذ الثاني من أغسطس (آب) 2024 بتنسيق العمل الحكومي».

وأشاد ولد أجاي بما وجده لدى الرئيس من «توجيهات سديدة، ودعم ومواكبة دائمين، وتفهم كريم طوال هذه الفترة». وشكر «كل السادة الوزراء، وكل الفرق الإدارية التي كان لي الشرف بالعمل معها»، وهنأهم على «ما بذلوه من جهد كبير وتضحيات جسام، وما حققوه من نتائج معتبرة»، تنفيذاً لبرنامج الرئيس «وخدمة لبلدنا الحبيب».

وختم بعبارة توحي بأن صفحة حكومته طُويت: «أتمنى للحكومة الجديدة التوفيق والنجاح، ولبلدنا الحبيب مزيد التطور والازدهار».

ولم يذكر الوزير الأول أسباب الاستقالة، ولم يأت على ذكر تقرير لجنة التحقيق. كما لم يصدر عن الرئاسة حتى الآن ما يفيد بقبول الاستقالة، أو بتكليف الحكومة بتسيير الأعمال الجارية، أو بموعد تعيين خلف لولد أجاي.

* من إدارة الأزمة إلى الاستقالة

قبل ساعات فقط من الاستقالة، كان ولد أجاي في واجهة إدارة أزمة حرائق محطات الكهرباء، حيث رافق رئيس لجنة التحقيق، الوزير السابق عثمان مامودو كان، لتسليم التقرير إلى الرئيس (الخميس)، ثم ترأس اجتماع اللجنة الوزارية المكلفة بتسيير الأزمة، وهنأ خلاله القطاعات الحكومية على «إعادة الخدمة في وقت قياسي».

من اجتماع اللجنة الوزارية مع رئيس لجنة التحقيق لنقاش تنفيذ توصيات التقرير (الوزارة الأولى)

وأعلن الوزير الأول في الاجتماع نفسه أن الرئيس «ألزم الحكومة على الفور» بتنفيذ التوصيات. وتشمل هذه التوصيات إجراءات إدارية «بحسب جدول المسؤوليات» الوارد في التقرير، و«متابعات قانونية» ضد كل مخالفة، ونشر التقرير «بكل شفافية» للرأي العام.

ولم يقف جدول المسؤوليات عند المقاول والمكتب الاستشاري، بل صعد في الهرم الحكومي إلى وزير الطاقة والنفط، الذي سجّل عليه «قصوراً في منظومة متابعة الاتفاقية ومراقبتها، وفي الإشراف على الهياكل المكلفة بتنفيذها». وشمل أيضاً الأمين العام للوزارة، والمدير العام للكهرباء، والمديرين العامين السابق والحالي للشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك)، إضافة إلى لجان الصفقات.

وكان حريقان قد اندلعا يومَي 21 و22 أغسطس الماضي في محطتَي التحويل الشرقية والشمالية بالعاصمة، وتسببا في انقطاع الكهرباء عن أحياء واسعة لفترات تراوحت بين ثلاثة وخمسة أيام. وقدّر التقرير الكلفة المباشرة بأكثر من 220 مليون أوقية جديدة، إضافة إلى 143.9 مليون أوقية لإعادة تأهيل المحطتين.

وربط التقرير الحريقين بثلاث وصلات كهربائية جديدة، أُسندت صفقتها إلى شركة وصفها بأنها «غير مؤهلة»، وشُغّلت رغم تحفظات المكتب الاستشاري. وأوصى بفسخ الصفقة، وبإحالة شهادة «مطعون في صحتها» قدمتها الشركة إلى القضاء.

* ثالث وزير أول في عهد الغزواني

عُيّن ولد أجاي وزيراً أول في الثاني من أغسطس (آب) 2024، مع انطلاق الولاية الثانية للرئيس الغزواني، بعد أن شغل منصب مدير ديوان رئيس الجمهورية. وعرفت حكومته تعديلين خلال عامين وشهرين في السلطة. وهو ثالث وزير أول في عهد الغزواني، بعد إسماعيل ولد بده ولد الشيخ سيديا ومحمد ولد بلال.

وتفتح الاستقالة الباب أمام تشكيل حكومة جديدة سيكون أولى مهامها تنفيذ توصيات التقرير، ومنها إعادة هيكلة «صوملك»، وتوضيح علاقتها المالية مع الدولة.

وتترقب الأوساط السياسية في نواكشوط اسم الوزير الأول المقبل، وما إذا كانت الحكومة الجديدة ستحمل تغييرات تطول القطاعات التي أشار إليها التقرير.