إيزابيل لامرز: أُعبر عن انتمائي لثقافتين مختلفتين عبر «كايا»

المخرجة الفلبينية - الألمانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن فيلمها الروائي الأول

خاضت الفنانة الفلبينية تجربتها الإخراجية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
خاضت الفنانة الفلبينية تجربتها الإخراجية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

إيزابيل لامرز: أُعبر عن انتمائي لثقافتين مختلفتين عبر «كايا»

خاضت الفنانة الفلبينية تجربتها الإخراجية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)
خاضت الفنانة الفلبينية تجربتها الإخراجية الأولى من خلال الفيلم (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الفلبينية - الألمانية إيزابيل لامرز إن رغبتها في صناعة فيلمها الأول جاءت من خلفيتها كممثلة ومن بحثها عن قصة تعبّر عن الأشخاص الذين نشأوا بين ثقافات مختلفة، موضحة أنها تنتمي إلى ثقافتين؛ إذ نشأت في الفلبين وألمانيا، ولذلك أرادت أن تقدم حكاية يمكن لمن عاشوا تجربة مماثلة أن يجدوا أنفسهم فيها.

وأضافت إيزابيل لامرز في مقابلة مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم» أنها قررت أن تكتب قصة قريبة من خلفيتها الشخصية، خصوصاً أنها ترى أن تجربة النمو بين الفلبين وألمانيا ليست معروفة بالقدر الكافي لدى الآخرين، وكانت ترغب في مشاركتها مع الجمهور، موضحة أن اكتشافها لفنون القتال الفلبينية خلال وجودها في الولايات المتحدة منحها المدخل الأساسي إلى قصة الفيلم.

وتدور أحداث فيلم «كايا» الذي عرض في النسخة الماضية من مهرجان «ترابيكيا السينمائي» في نيويورك حول شابة ذات أصول فلبينية تحاول استعادة علاقتها بجذورها وثقافتها من خلال فنون القتال الفلبينية، لتتحول رحلة التدريب إلى رحلة أعمق في اكتشاف الهوية والانتماء.

وقالت لامرز إن تمويل الفيلم كان تحدياً حقيقياً، ولجأت في النهاية إلى حملة تمويل جماعي بعدما أعدت فيديو يشرح الشكل الذي تتخيله للفيلم والأسباب التي تجعل موضوعه مهماً بالنسبة إليها، لافتة إلى أنها حاولت الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص الذين يمكن أن يتفاعلوا مع القضية التي يطرحها الفيلم ويرغبون في رؤيتها تتحول إلى عمل سينمائي، ووجدت دعماً لافتاً من المهتمين بفنون القتال.

مخرجة الفيلم (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن جمع التمويل كان عملية شاقة؛ لأن الميزانية اعتمدت على عدد كبير من التبرعات الصغيرة، لكن كل مساهمة كانت مهمة في النهاية لتجميع ميزانية الفيلم مشيرة إلى أن فريق العمل امتلك ميزانية جيدة بالنسبة إلى طبيعة المشروع، لكنها كانت محدودة مقارنة بميزانيات الأفلام القصيرة الأخرى التي شاهدتها في المهرجان مع التأكيد على أن التصوير في الفلبين ساعد على جعل الإنتاج أكثر قابلية للتنفيذ من الناحية الاقتصادية.

وأكدت لامرز أن الهوية السينمائية للفيلم تأثرت بخلفيتها المتعددة؛ لأن أسلوب التمثيل والتصوير في الفلبين يختلف عما قدمته في الفيلم، ولذلك شعرت في النهاية بأنها صنعت فيلماً يحمل تأثيراً أميركياً واضحاً، خصوصاً من حيث السرعة وكثرة القطع والإيقاع السريع، لافتة إلى أنها في الوقت نفسه ترى أن الفيلم لا يزال فلبينياً، لكونه يجمع هذه التأثيرات مع مساحات عاطفية أقوى ترى أنها أقرب إلى السينما الفلبينية.

وأوضحت لامرز أن اختيار الممثلين كان عملية طويلة ومعقدة، بدأت خلال مرحلة ما قبل الإنتاج بالولايات المتحدة عبر البحث عن ممثلين داخل الفلبين، قبل أن تضطر إلى إعادة اختيار بعض الأدوار بسبب عدم توافق مواعيد التصوير معتبرة أن عملية الاختيار كانت أشبه بتركيب أحجية؛ إذ كان عليها أن تجد لكل شخصية الممثل المناسب وفق متطلباتها الخاصة.

وأضافت أنها بحثت بنفسها عن ممثلة تؤدي مشاهد الحركة، ووصلت إلى أنجل بعد البحث عن ممثلات متخصصات في الأعمال الخطرة داخل الفلبين، ثم أجرت معها تجربة وأعقبها تدريب، قبل أن تقتنع بأنهما مناسبتان للعمل معاً موضحة أن الشخصية كانت مكتوبة في الأصل لامرأة أكبر سناً، في أواخر الأربعينيات أو الخمسينيات، لكن العثور على امرأة في هذا العمر تمتلك المستوى المطلوب من المهارة القتالية كان صعباً.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في الولايات المتحدة (الشركة المنتجة)

وقالت لامرز إن توجيه الممثلين كان من أصعب جوانب تجربتها الأولى في الإخراج؛ لأنها لم تتلقَّ تدريباً متخصصاً كمخرجة، ولذلك حاولت أن تنطلق من خبرتها كممثلة، وتسأل نفسها عما كانت تحتاج إلى سماعه من المخرج لو كانت في موقع الممثل، لافتة إلى أنها لم تكن تفرض دائماً طريقة محددة على الممثلين، وإنما كانت تترك لهم مساحة لأداء أدوارهم، وعندما تحتاج إلى تغيير معين كانت تناقشهم فيما يحاولون الوصول إليه وما الذي تراه هي في المشهد.

وكشفت لامرز أن التصوير نفسه كان من أكثر مراحل المشروع تحدياً؛ لأن يوم التصوير في الفلبين قد يمتد إلى 16 ساعة، وهو ما كان صعباً عليها خصوصاً أن أول يوم لها كمخرجة شهد تصوير مشاهد القتال منذ السادسة صباحاً مؤكدة أنها دخلت موقع التصوير وهي تشعر بالإرهاق والارتباك، وواجه الفريق منذ البداية مشكلات عملية، من بينها عدم وجود فرشات رياضية في موقع التصوير، ما اضطرهم إلى التعامل مع أرضية خشبية تحتوي على شظايا خشبية كانت تمثل خطراً على سلامة الممثلين أثناء تنفيذ مشاهد الحركة.

صورت المخرجة الفيلم في الفلبين (الشركة المنتجة)

وأكدت أن الفريق واجه أيضاً مشكلات في الصوت، خصوصاً أن الميزانية لم تسمح باستئجار صالة التدريب إلا ليوم واحد، ولذلك كان عليهم تصوير كل المشاهد الداخلية المتعلقة بها خلال هذا اليوم، ثم تصوير المشاهد الخارجية في اليوم التالي.

وأوضحت أن ذلك تسبب في أصوات مفاجئة أثناء التصوير، مثل سقوط الأوزان، وكان عليهم التعامل مع الموقف وطلب الهدوء من الموجودين، وهو ما أدى إلى إطالة وقت التصوير أكثر مما توقعوا، لافتة إلى أن الفريق كان أمام يومين فقط لتصوير عدد كبير من المشاهد، وكان الفيلم يحتاج إلى إظهار مرور نحو ثلاثة أشهر داخل القصة؛ لأن تعلم فنون القتال والوصول إلى مستوى جيد فيها لا يمكن أن يحدث خلال يوم واحد، ما تطلب استخدام تغييرات متعددة في الملابس والمظهر حتى يشعر المشاهد بمرور الوقت وتطور الشخصية تدريجياً، وهو ما زاد من التحديات التنظيمية في ظل ضيق جدول التصوير.


مقالات ذات صلة

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

يوميات الشرق تيم روبنز ومورغان فريمان في مشهد من الفيلم (imdb)

من ذاكرة المنازل إلى الشاشة الكبيرة... «الخلاص من شاوشانك» في صالات السعودية

قبل أكثر من 3 عقود، خرج فيلم «الخلاص من شاوشانك» إلى دور العرض العالمية، فيما عاش الجمهور السعودي تلك المرحلة في غياب صالات السينما.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق المخرجون الشباب المتقدّمون إلى منصة مهرجان طرابلس لتمويل الأفلام القصيرة (الشرق الأوسط)

الفيلم القصير عملٌ شاقّ... ومهرجان طرابلس يساعد على اختصار الطريق الطويل

مهرجان طرابلس للأفلام يساعد المخرجين الشباب على الانتقال بأفلامهم القصيرة من الورق إلى الشاشة الكبيرة.

كريستين حبيب (طرابلس (شمال لبنان))
يوميات الشرق من «المواطن أسامة» (فيلكام)

في ختام مهرجان تورنتو: 430 فيلماً وعشرة أعمال تستحق المشاهدة

يصل مهرجان تورنتو السينمائي، اليوم (الأحد)، إلى ختام دورته الحادية والخمسين، في نسخة استثنائية يصعب وصفها إلا بأنها أكبر من قدرة حتى أكثر عشاق السينما شغفاً…

محمد رُضا (تورنتو - كندا)
يوميات الشرق نجوم في التمثيل اللبناني حضروا حفل الافتتاح (المهرجان)

«مهرجان طرابلس للأفلام» يضيء على تراث المدينة العمراني الفريد

للمرة الثالثة عشرة على التوالي، يجتمع أهل الفن من أجل الاحتفاء بالسينما في طرابلس. هذه المرة كان الجمع أكبر في افتتاح «مهرجان طرابلس للأفلام».

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق صورة تجمع الفائزين بلجنة التحكيم والقنصل الفرنسي في جدة وفيصل بالطيور (البحر الأحمر السينمائي)

فرنسا تتطلع إلى مشاريع سينمائية مشتركة مع السعودية بعد 6 أعوام من «تحدي 48 ساعة»

يكتسب هذا التوجه الفرنسي أهمية خاصة لأنه يأتي بعد ستة أعوام من الشراكة في «تحدي صناعة فيلم في 48 ساعة»، الذي تنظمه مؤسسة البحر الأحمر السينمائي.

أسماء الغابري (جدة)

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
TT

سرقة 800 ألف نحلة في أستراليا بعملية «معقدة»

سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)
سُرقت الإطارات وحضنة النحل والنحل نفسه من 41 خلية (توم بيدنر- شبكة إيه بي سي)

سُرق ما يُقدر بنحو 800 ألف نحلة -تصل قيمتها إلى عشرات آلاف الدولارات- من مواقع في أقصى شمال كوينزلاند في أستراليا.

ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه قطاع تربية النحل بالفعل من وطأة وصول طفيلي «عث الفاروا» هذا الشهر.

وقال توم بيدنر، وهو مربي نحل من منطقة أثرتون تيبلاندز، الواقعة غرب مدينة كيرنز، إن 44 مسعمرة نحل قد سُرقت من 3 مربين مختلفين، وأضاف قائلاً: «الأمر لم ينتهِ بعد؛ فلا يزال أمامنا كثير من طوائف النحل التي يتعين علينا تفقدها، ونحن نواصل التنقل بين مواقعنا المختلفة وفحصها».

وقد قدَّر بيدنر أن كل خلية تحتوي على ما لا يقل عن 20 ألف نحلة، مما يعني أن إجمالي عدد النحل المسروق يتجاوز 800 ألف نحلة، وفق ما أفادت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

يُذكر أن عمليات السرقة المزعومة هذه قد وقعت في مواقع متعددة ومناطق متفرقة، وتطلبت تنفيذ عملية معقدة، واستخدام معدات متخصصة.

وبدلاً من المخاطرة باكتشاف أمرهم مبكراً عن طريق سرقة الصندوق كله، قاموا بإخراج ما يُعرف بـ«صندوق الحضنة» (brood box)؛ مما يجعل الخلية تبدو وكأنها لم تتغير عند النظر إليها من بعيد.

وقال بيدنر: «إنهم يأتون ومعهم شاحنة محملة بالمعدات؛ حيث يقومون بنقل إطاراتنا إلى صناديقهم... ثم يعيدون تجميع خلايانا، بحيث لا يثير ذلك شكوك المزارعين، ولا يوحي بأن أحداً قد دخل المكان وأقدم على فعل كهذا»، كما أن اللصوص لم يأخذوا أي عسل؛ بل تركوه داخل الخلية.

ويعتقد بيدنر أن الجناة هم على الأرجح أشخاص من العاملين في هذا المجال. وأشار إلى أن مربي النحل لم يخسروا الحشرات المسروقة فحسب؛ بل سيفقدون أيضاً قيمة عقود التلقيح التي قد تصل إلى آلاف الدولارات؛ كما سيتضرر المزارعون نتيجة انخفاض جودة الإزهار.

وذكر بيدنر أن هذه الحادثة تُعد الأكبر من نوعها في الذاكرة القريبة، وإن لم تكن الأولى، وتشهد منطقة أقصى شمال كوينزلاند حالياً ذروة موسم الأفوكادو، ولذا تنتشر خلايا النحل في مزارع المنطقة بموجب عقود تلقيح لصالح المزارعين المحليين، بينما تُترك خلايا أخرى على جوانب الطرق السريعة.

وقال: «من الناحية الأمنية، كنا نعتمد في الماضي على النحل للقيام بمعظم العمل... وبالطبع، قد يحاول أحدهم أحياناً العبث بإحدى الخلايا، ولكنهم عادة ما يلوذون بالفرار بعد نحو 30 ثانية فقط من بدء محاولتهم».

ومن جهته، صرح الرقيب المحقق بن كروس، من وحدة مكافحة الجرائم الريفية وجرائم الثروة الحيوانية في منطقة «ماريبا»، لشبكة (إيه بي سي) بأنه يعتقد بأن الجاني «مزارع تجاري» وليس مجرد هاوٍ.

وفي غضون ذلك، سجلت منطقة أقصى شمال كوينزلاند أول حالة رصد لـ«عث الفاروا» قبل أسبوع واحد فقط، وذلك إلى الجنوب من مدينة كيرنز.

وقالت ميغان أومارا، الأستاذة في جامعة كوينزلاند، إنه تم إنفاق أكثر من مائة مليون دولار لمنع انتشار هذا الطفيلي منذ وصوله إلى نيوكاسل في عام 2022، إلا أن العلاجات المتاحة كانت محدودة الفعالية.

وتُقدَّر تكلفة الانتشار غير المنضبط لهذا الطفيلي على القطاع بما يصل إلى مليار دولار على مدى 30 عاماً. والجدير بالذكر أن أستراليا تخلت رسمياً عن مساعي القضاء التام على الطفيلي في عام 2023.


زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
TT

زينة عاصي تُحمّل الأشياء العادية أثقال الذاكرة والحرب

للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)
للذاكرة أصابع تعيد رسم ما محته المسافات (الشرق الأوسط)

تتغيَّر حياة الأشياء حين يغادر أصحابها الأمكنة التي منحتها معناها. كرسي اعتاد جسداً بعينه. إبريق شاي شهد أحاديث عائلية. مصباح أضاء سنوات من الحياة. وقنينة قد تنجو من بيت لم يعد موجوداً. تحمل هذه الموجودات تاريخاً لا يظهر على سطوحها، وتحتفظ بشيء من أصحابها حتى بعدما تنفصل عن الحياة التي كانت جزءاً منها. من هذه العلاقة، تتّخذ زينة عاصي مدخلاً إلى معرضها الفردي «أشياء عادية» في «غاليري تانيت» بمار مخايل، حيث تحمل الأشياء الصغيرة أثقال الهجرة والحرب، وتُعيد الفنانة النظر في الطريقة التي يستمرّ بها المكان داخل الإنسان بعد مغادرته.

مدن تواصل العيش خارج جغرافيتها (الشرق الأوسط)

تعيش زينة عاصي وتعمل في لندن، وقد انشغلت طويلاً بالمدينة وتحوّلاتها وبما يُخلّفه الانتقال القسري أو الاختياري في علاقة الإنسان بمحيطه. وفي معرضها البيروتي، تقترب من الهجرة عبر أثرها في التفاصيل التي كانت تبدو مستقرّة قبل الرحيل. فالمكان الذي نغادره يستمر فينا بأشكال يصعب ضبطها. قد تستعيده رائحة أو هيئة غرض منزلي أو صورة لا تتطابق تماماً مع ما كان عليه. وتصبح الذاكرة مع الوقت عملاً مستمراً لإعادة تركيب ما تفرَّق.

تمنح زينة عاصي هذا التبعثر هيئةً تشكيلية. في لوحاتها، تتراكم الأبنية فوق بعضها، وتزدحم المساحات بالأسلاك والوجوه والكتابات، وتدخل الأجساد في نسيج المدينة حتى يصعب فصلها عنه. ثمة كثافة تستدعي إطالة النظر، إذ تزدحم المساحات بعناصر تفوق قدرتها الظاهرية على الاستيعاب. ووسط الازدحام، تستقرّ الحياة الحميمة بأثرها الإنساني، حتى تغدو التجربة الشخصية جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

كلّ ما تركناه خلفنا وجد طريقه إلى الخزف (الشرق الأوسط)

وفي الأعمال التي تظهر فيها الأبنية فوق الماء، تتكدَّس البيوت بمحاذاة الأمواج تحت سماء تعبرها الطائرات. يبدو العمران متشبثاً بتفاصيله، فيما يحمل البحر احتمالَي المغادرة والفَقْد. تضعنا هذه الصور أمام علاقة مأزومة بالمكان. فالمدينة التي تمنح الإنسان هويته قد تصبح سبباً في اقتلاعه، ويظلّ انتماؤه إليها قائماً حتى حين يتعذَّر العيش فيها.

للمدن حياة سرّية على جِلْد الأشياء (الشرق الأوسط)

تتجسّد هذه العلاقة في الخزفيات التي تحمل رسوماً لمدن ووجوه وشخصيات. تستعيد زينة عاصي تقليداً متوارثاً في تسجيل الحكايات على الأواني، وتضع تاريخاً عمرانياً وإنسانياً على سطح قنينة يمكن حَمْلها أو كَسْرها. تختزل القنينة مدينةً بأحيائها وذاكرتها، ويجعل قابليتها للكَسْر امتداداً لمصير الذاكرة التي تحملها. فالذاكرة التي نحاول الاحتفاظ بها معرَّضة دائماً للتبدُّل، وما نحمله من الأمكنة يختلف عمّا تركناه فيها.

تبدو السلالم الصغيرة المتّصلة ببعض القطع امتداداً لهذا الاشتغال على الوصول والانقطاع. تتقدَّم نحو الأواني أو تتدلَّى منها، وتمنح التكوين حركة صعود وهبوط، فيما تبقى الوُجهة غير محسومة. تستعيد المدينة حضورها على سطح الوعاء، لكنّ الوصول إليها يظلُّ فعلاً مؤجّلاً.

على سطوح الأشياء تتراكم أعمار لم تنتهِ (الشرق الأوسط)

وتتعمَّق العلاقة بين الإنسان والمكان في لوحات الغابة، حيث تظهر الوجوه داخل جذوع الأشجار وبين أغصانها. وفي العمل المجسَّم الذي تنتشر عناصره الصغيرة على الجدار حول أغصان شبه عارية، تتوزَّع الأشكال في تجمّعات متفاوتة الكثافة. يحمل هذا الانتشار إحساساً بالتبعثر، فيما تبقى الأغصان في الأسفل شاهدةً على أصل لم يعد قادراً على جمع ما انفصل عنه.

للغائبين بيوت تبنيها الذاكرة كلّ ليلة (الشرق الأوسط)

تدخل الحرب هذا العالم عبر طائرات مقاتلة ومسيَّرات وجنود، إلى جانب الزهور والأغراض المنزلية. في إحدى الصور، تُهاجم الطائرات باقة ورد، فتبدو أدوات العنف وقد اقتحمت مجالاً شديد الألفة. وفي هذا المشهد، يتراءى الاعتياد على العنف أحد أعمق آثار الحرب، حين تفقد المَشاهد الاستثنائية قدرتها على إدهاش الإنسان وتصبح جزءاً من يومياته.

تتراكم هذه الطبقات في التكوين الكبير المكتظّ بالشخصيات والرموز والكتابات والنباتات. تتنافس التفاصيل على انتباه العين، وتستمر الصورة في تقديم عناصر جديدة كلّما طال النظر إليها. تبدو الذاكرة مُثقلة بما عاشته وبما وصل إليها من حكايات الآخرين أيضاً. فالخبرة الفردية تحمل آثار تاريخ جماعي، ويصعب فصل ما اختبره الإنسان بنفسه عمّا ورثه من صور الخوف والاقتلاع.

تترك المدن ظلالها على كلّ ما نأخذه معنا (الشرق الأوسط)

هذه التجربة امتداد لمسيرة زينة عاصي التي تنقّلت بين الرسم والنحت والخزف والأعمال المركّبة، وعُرضت أعمالها في مؤسّسات فنّية من بينها معهد العالم العربي في باريس والأكاديمية الملكية في لندن، وشاركت في بينالي البندقية عام 2017.

تمنح زينة عاصي الأشياء التي اعتدناها في بيوتنا حياةً أخرى، وتستخرج من تفاصيلها تاريخاً شخصياً وجماعياً أثقل ممّا توحي به بساطتها. وتمنحها كثافة التاريخ الشخصي والجماعي، وتتركها مُعلّقة بين ما كانت تؤدّيه وما أصبحت تحتفظ به. وحين تصير المدينة رسماً على قنينة، أو يختبئ وجه بين الأشجار، ندرك أنّ ما يبقى من الأمكنة فينا قد يفوق ما استطعنا الاحتفاظ به منها، وبعض ما نغادره يواصل العيش في داخلنا حتى بعدما تستحيل العودة إليه.


«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.