لم تكن نظيرة الحارثي تحلم في طفولتها بأن تصبح واحدة من أشهر متسلقات الجبال في العالم العربي، ولكنها آمنت بأن الأحلام الكبيرة تبدأ بخطوة صغيرة. فمن موظفة في وزارة التربية والتعليم العُمانية، إلى أول امرأة عُمانية تقف على قمة جبل «إيفرست»، ثم أول عُمانية تصل إلى قمتي «كي 2»، و«نانغا باربات»، كتبت نظيرة الحارثي قصة استثنائية انتهت بطريقة مأساوية، ولكنها تركت إرثاً سيظل مصدر إلهام لأجيال كاملة.
وُلدت نظيرة الحارثي في سلطنة عُمان، وحصلت على درجة الماجستير في الجغرافيا، وعملت في وزارة التربية والتعليم بعد سنوات من التدريس. ولم تكن رياضة تسلُّق الجبال جزءاً من حياتها في البداية؛ إذ كانت تمارس الرياضة بهدف تحسين لياقتها البدنية وخسارة الوزن، قبل أن يتغير كل شيء عام 2017.
في ذلك العام، التقت المتسلق العُماني الراحل خالد السيابي، أول عُماني يصل إلى قمة «إيفرست». ترك هذا اللقاء أثراً عميقاً في نفسها، فقررت أن تجعل الوصول إلى أعلى قمة في العالم هدفاً شخصياً، رغم أنها لم تكن تملك أي خبرة حقيقية في تسلق الجبال آنذاك.

بدأت رحلة شاقة استمرت عامين من التدريب اليومي. كانت تقطع عشرات الكيلومترات جرياً، وتمارس السباحة ساعات، وتتدرب في جبال سلطنة عُمان، كما خاضت سباقات التحمل الطويلة، مثل سباق «ألترا تريل مون بلان» لتختبر قدرتها البدنية والذهنية. وكانت تقول إن النجاح لا يعتمد على القوة الجسدية فقط؛ بل على وضوح الهدف والاستعداد للتضحية من أجله.
وفي 23 مايو (أيار) 2019، تحقق الحلم، بعدما أصبحت أول امرأة عُمانية وثاني عُماني يقف على قمة جبل «إيفرست»، ضمن فريق نسائي عربي ضم اللبنانيتين: جويس عزام، ونيلي عطار، والسعودية منى شهاب. وجاء الإنجاز في موسم صعب شهد ازدحاماً غير مسبوق على أعلى قمة في العالم، إلا أن نظيرة الحارثي نجحت في الوصول إلى القمة بعد رحلة استغرقت أسابيع.

وكان للإنجاز بعدٌ إنساني مؤثر، وحسب تقارير إعلامية عُمانيَّة، فقدت نظيرة مرشدها خالد السيابي قبل وصولها إلى القمة بأسابيع قليلة. وعندما بلغت القمة، رفعت اسمه تخليداً لذكراه، مؤكدة أن جزءاً من هذا النجاح يعود إليه وإلى دعمه لها في بداية الطريق.
لكن «إيفرست» لم تكن نهاية الحلم؛ بل بدايته. واصلت نظيرة تحدي أخطر جبال العالم، فنجحت في تسلق ماناسلو، ثم أصبحت أول امرأة عربية تصل إلى قمة «آما دابلام»، إحدى أصعب قمم الهيمالايا، قبل أن تحقق في عام 2022 إنجازاً تاريخياً جديداً بصعود جبل «كي »2، ثاني أعلى جبل في العالم وأكثرها صعوبة، ثم أضافت في 2024 قمة «نانغا باربات»، الملقب بـ«الجبل القاتل»، إلى سجل إنجازاتها.

ورغم شهرتها، كانت نظيرة الحارثي تؤكد في مقابلاتها أنها لم تولد متسلقة؛ بل بدأت من الصفر. وكانت ترى أن الشغف والعمل والانضباط هي مفاتيح تحقيق أي حلم، بغض النظر عن السن والجنس، مشددة على أن المرأة العربية قادرة على اقتحام أصعب المجالات إذا أُتيحت لها الفرصة والدعم.
وفي الأيام الأخيرة، وبينما كانت تخوض مغامرة جديدة في سلسلة جبال «كاراكورام» بباكستان، تعرضت لانهيار ثلجي أثناء تسلق جبل «برود بيك»، لتنتهي رحلتها في المكان الذي كرَّست حياتها له. وأثار خبر وفاتها حزناً واسعاً في سلطنة عُمان والعالم العربي؛ حيث اعتُبرت رمزاً للإصرار والطموح، وواحدة من أبرز الشخصيات الرياضية التي رفعت اسم بلادها في المحافل الدولية.

ورغم أن رحلتها انتهت بين القمم، فإن قصة نظيرة الحارثي ستبقى شاهدة على أن الأحلام الكبيرة لا تحتاج سوى إلى شجاعة البداية، وأن الوصول إلى القمة يبدأ دائماً بخطوة يؤمن صاحبها بأنها تستحق المحاولة.

