كيف يتعافى الرياضيون من الإصابات؟ دروس في الصبر والعودة من جديد

ليندسي فون مع ميدالياتها الأولمبية وكؤوس كأس العالم للتزلج في ألمانيا عام 2010 (أرشيفية - أ.ب)
ليندسي فون مع ميدالياتها الأولمبية وكؤوس كأس العالم للتزلج في ألمانيا عام 2010 (أرشيفية - أ.ب)
TT

كيف يتعافى الرياضيون من الإصابات؟ دروس في الصبر والعودة من جديد

ليندسي فون مع ميدالياتها الأولمبية وكؤوس كأس العالم للتزلج في ألمانيا عام 2010 (أرشيفية - أ.ب)
ليندسي فون مع ميدالياتها الأولمبية وكؤوس كأس العالم للتزلج في ألمانيا عام 2010 (أرشيفية - أ.ب)

تُعطّل الإصابات الخطيرة والحالات الطبية الروتين اليومي للأفراد، وقد تؤثر على ثقتهم بأنفسهم وشعورهم بهويتهم. ويُدرك الرياضيون المحترفون التحديات التي تفرضها الإصابة التي تُبعدهم عن رياضتهم، وتتطلب إعادة تأهيل بدني، وتُشكك في قدرتهم على العودة إلى المنافسة.

تُسلّط عملية التعافي التي يمر بها كبار الرياضيين جسدياً ونفسياً وعاطفياً الضوء على ما قد يتطلبه التعافي من الرياضيين على جميع المستويات، وكذلك من يُعانون آلاماً مزمنة، أو يتعافون من جراحة، أو يواجهون انتكاسات أخرى. ولأن التقدم نادراً ما يكون خطياً، فإن الصبر والقدرة على إعادة ضبط التوقعات قد يكونان بنفس أهمية المثابرة والاتساق والتحفيز، وفقاً لخبراء تحدثوا لوكالة «أسوشييتد برس».

ويقول روس فلاورز، اختصاصي علم النفس الرياضي والأداء في لوس أنجليس لوكالة «أسوشييتد برس»: «لطالما حاكت الرياضة الحياة. ستواجه تحديات وكدمات وإصابات. عليك أن تجد طريقة للتغلب عليها وتجاوزها».

إليكم ما يقوله بعض اختصاصيي علم النفس الرياضي والرياضيين السابقين حول مواجهة المجهول والتعافي من الإصابات:

تعلّم كيف تُدرك حدود قدراتك البدنية

اعتاد المشجعون مشاهدة الرياضيين يتنافسون في الألعاب الأولمبية وكأس العالم وغيرهما من الأحداث الرياضية وهم يعانون كسوراً في العظام وتمزقاً في الأربطة وخلعاً في المفاصل.

وتُعدّ قصص العودة الملهمة، مثل قصة متزلجة جبال الألب، ليندسي فون، بعد إصابات متعددة وإصابة خطيرة أخرى هذا العام في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، عنصراً أساسياً في عالم الرياضة.

ليندسي فون خلال تدريبها الرسمي على التزلج الألبي في أولمبياد الشتاء 2026 (أ.ب)

ضرورة تحمل الألم

في حين يُعد الشعور بعدم الراحة أمراً متوقعاً خلال التدريبات المكثفة، فإن القدرة على تحمّل الألم تكتسب أهمية أكبر أثناء المنافسات. ومع ذلك، حتى الرياضيون المخضرمون يحتاجون إلى معرفة الوقت المناسب للإصغاء إلى أجسادهم، وفق ما يؤكده الخبراء.

ويقول فلاورز: «هناك علاقة وثيقة بين الألم وفهم كيفية التعامل معه؛ فالأمر لا يقتصر على معرفة متى يمكن تجاوزه، بل يشمل أيضاً إدراك كيفية التخفيف منه حتى لا يستمر». وأضاف أن التدريب حتى بلوغ حد الإرهاق البدني، أو في ظروف تُعزز القدرة على التحمّل، من أفضل السبل لتحقيق التحسن.

تعلمت ليف باكستون، البالغة من العمر 28 عاماً، هذا الدرس بنفسها بعد معاناتها من التهاب عظم الساق، وإجهاد عضلات الفخذ، وتمزق جزئي في وتر أخيل. وبصفتها عداءة في جامعة وينثروب وكلية ويليام وماري، كانت تُرهق نفسها حتى يُجبرها جسدها على التوقف. ومنذ تعافيها من جراحة وتر أخيل، قالت إنها أصبحت أكثر وعياً بموعد التخفيف من الجهد.

العداءة ليف باكستون (حسابها على «إنستغرام»)

وأوضحت ليف باكستون قائلة: «أصبحت الآن أكثر قدرة على الاستماع إلى جسدي»، موضحة أنها تُعطي الأولوية لتناول الطعام والنوم بشكل جيد، «لم أكن أركز على ذلك في الجامعة. كنت أعتقد أنني لا أُقهر».

الإصابات اختبار للحدود

قد تحدث الإصابات فجأة، وسواءً كان الأمر يتعلق بلاعب كرة قدم يُستبعد من المنافسة بعد اصطدام، أو عامل لا يستطيع الوقوف بعد أشهر من آلام الظهر المزمنة، فإن النتيجة متشابهة: توقف قسري، وتعلم كيفية التعافي عندما يصبح تحمل الألم غير مُجدٍ.

وتقول ليزا ميلر، أستاذة علوم الصحة والرياضة التي تُدرّس في نظام الجامعة العامة الأميركية عبر الإنترنت من منزلها في كولومبوس بأوهايو: «كيف نعرف حدودنا؟ إنها بالتأكيد عملية تجريبية. لدينا عدد من الرياضيين الذين لا يزالون يجهلون حدودهم. لكننا شهدنا أيضاً أمثلة أكثر لرياضيين يقولون: هذا كثير جداً، لقد استنفدت طاقتي، وسأستريح، ما يُسلط الضوء بشكل أكبر على الجانب النفسي للرياضة».

ويُعدّ التقييم الصادق لما إذا كانت الإصابة تؤثر على الحياة اليومية والصحة على المدى الطويل جزءاً من إدراك المرء لحدوده البدنية. وأضافت ليزا ميلر أنها رأت رياضيين من جميع المستويات يعودون إلى المنافسة، ظانين أنهم مستعدون للتفوق، لكن ليس جميعهم قادرين على ذلك أو يفعلونه.

واتخذت أسطورة التنس سيرينا ويليامز القرار الصعب بالانسحاب من مباراة الزوجي هذا الشهر بسبب إصابة في الركبة.

خصّص وقتاً للحزن... والتأقلم

حتى بعد التئام العظام ونجاح العمليات الجراحية، يقول الخبراء إن التعافي قد يعني تقبّل التغييرات التي أحدثتها الإصابات، ومنح نفسك الحق في الحزن على تلك الخسائر.

وقد أمضى كايل أرينغتون، لاعب خط الدفاع السابق لفريق بالتيمور رافينز، والذي يعمل الآن ناشطاً مجتمعياً في ولاية ماريلاند، ما يقارب عقدين من الزمن، مُكرّساً كل لحظة من يومه لكرة القدم. بعد أن أنهت إصابة ارتجاجية شديدة مسيرته الرياضية.

كايل أرينغتون يتحدث إلى الصحافيين عقب تدريب نيو إنغلاند باتريوتس في فوكسبورو عام 2013 (أرشيفية - أ.ب)

وقال أرينغتون، الذي فاز ببطولة السوبر بول خلال فترة لعبه مع فريق نيو إنجلاند باتريوتس: «كنت أعرف شكل كل شيء عاماً بعد عام على مدار العشرين عاماً الماضية تقريباً. أن يُسلب مني كل ذلك في لحظة كان بمثابة صدمة حقيقية».

تقبل الحزن

ويُعدّ الحزن والاكتئاب من المشاعر الشائعة بعد الإصابات التي تُنهي الموسم أو المسيرة الرياضية وغيرها من التجارب التي تُغيّر مجرى الحياة. وقد يحزن الأشخاص الذين يتعافون جسدياً على فقدان الصداقات، والفرص الضائعة، والأهداف التي لم تتحقق، والشعور بالهدف. وقد يكون الألم النفسي حاداً بشكل خاص عندما تكون هوية الشخص مرتبطة بالتفوق في رياضة أو دور مهني.

وقال أرينغتون، البالغ من العمر 39 عاماً، إن اعتزاله بعد إصابته بارتجاج في المخ أدخله في حالة من اليأس. وهو يُرجع الفضل إلى عائلته وأصدقائه في مساعدته على تجاوز هذه المرحلة الانتقالية؛ فبتشجيعهم التزم بالتعافي نفسياً وعاطفياً وروحياً. وأضاف أرينغتون أنه يُكرّس طاقته الآن لمؤسسة «E.V.O.L.V.E» التي أسسها لتوجيه الشباب.

الدعم ضرورة

ويقول الخبراء إن وجود نظام دعم يُساعد الأفراد على الثبات والاتزان عند اتخاذ قرارات طبية ومهنية مصيرية.

وأضاف فلاورز: «إن وجود فريق داعم من حولك أمر بالغ الأهمية للحصول على نصائح قيّمة، والتحلي بالموضوعية، بالإضافة إلى تشجيعك ودعمك بشكل إيجابي، ليس فقط في رياضتك وأدائك، بل في حياتك عموماً».

التعافي يبدأ من تجاوز الماضي

ويقول علماء النفس الرياضي إن التعافي غالباً ما يبدأ عندما يتوقف الناس عن محاولة استعادة الماضي، ويبدأون بناء مستقبل جديد.

وواجهت المتزلجة الأميركية الحرة جيمي موكريزي، التي أصبحت أول امرأة تهبط بقفزة خلفية مزدوجة خلال سباق التزلج الحر في دورة الألعاب الشتوية عام 2013، هذا الواقع بعد إصابة دماغية خطيرة أدخلتها في غيبوبة في سن الثانية والعشرين. وبالنسبة لها، كان التعافي يعني التخلي عن المنافسة الاحترافية، وتقبّل مستقبل جديد.

تنافس جيمي موكريزي في نهائي التزلج الحر على المنحدرات ضمن بطولة ديو تور آيون ماونتن في 14 ديسمبر 2013 (أرشيفية - أ.ب)

وتقول جيمي موكريزي، البالغة من العمر 33 عاماً، والتي تعمل الآن متحدثة تحفيزية، وتعيش في مدينة سولت ليك: «أدركت أنني لا أريد المنافسة إذا لم أكن على المستوى نفسه الذي كنت عليه سابقاً».

ولا تزال تسعى جيمي موكريزي وراء الإثارة التي كانت تحصل عليها من الرياضة. قليل من الأشياء تضاهي التصفيق والجوائز والتقدير، لكن التحدث أمام الجمهور يمنحها لمحة من ذلك الأدرينالين. وتقول: «أتنفس بعمق ثم أصعد إلى المسرح. وهذا أقرب ما يكون إلى محاكاة بالنسبة لي».

البحث عن المعنى

واضطرت الملاكمة المحترفة السابقة باتريشيا ألسيفار، البالغة من العمر 46 عاماً، إلى إعادة النظر في خطواتها التالية بعد تعرضها لإصابات شملت فرط تمدد الكوع، وكسوراً في أصابع القدم، وغرزاً متعددة فوق عينها. وهي الآن تُمارس رياضة الجري في سباقات الماراثون وتسلق الجبال للحفاظ على نشاطها. وقالت إنه على الرغم من التحديات البدنية التي واجهتها في الملاكمة، فإنها لن تغير هذه التجربة.

وقالت باتريشيا ألسيفار: «لن أندم مطلقاً على الملاكمة، لأنها علمتني أنني مقاتلة داخل الحلبة وخارجها»، مضيفةً أن تسلق جبل سوبيريور في ولاية يوتا كان المرة الأولى التي شعرت فيها بتحدٍّ مماثل. وتتذكر ابتسامتها خلال رحلة شاقة إلى قمة جبل كليمنغارو في تنزانيا لأنه «لا أحد يوجه لي لكمة في وجهي. لا أحد يحاول قتلي».

عندما يتعذّر العودة إلى الحياة السابقة، ينصح الخبراء باستكشاف الأهداف ومصادر المعنى التي يمكن أن تُشكل أساساً لهوية جديدة.

وقالت ليزا ميلر: «هناك أمل في أن يحل شيء آخر محل هذا. وعندما نجد ذلك التجديد اليومي للأمل، يمكننا أيضاً أن نجد مصادر جديدة للسعادة».


مقالات ذات صلة

الاتحاد يعود لمفاوضات «غنام الاتفاق»

رياضة سعودية الجناح خالد الغنام (الشرق الأوسط)

الاتحاد يعود لمفاوضات «غنام الاتفاق»

علمت مصادر «الشرق الأوسط» أن نادي الاتحاد استأنف مفاوضاته مع نظيره الاتفاق بشأن التعاقد مع الجناح خالد الغنام.

سعد السبيعي (الدمام)
رياضة عالمية المستشار تركي آل الشيخ (حسابه على إكس)

تركي آل الشيخ: لا وقت لإعداد ديربي كاونتي… لن نمضي في صفقة الاستثمار

أعلن المستشار تركي آل الشيخ عدم المضي في صفقة الاستثمار في نادي ديربي كاونتي الإنجليزي في الوقت الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
رياضة سعودية عبد العزيز العثمان (المنتخب السعودي)

نيوم يعزز صفوفه بعثمان القادسية

أعلن نادي نيوم، الاثنين، تعاقده رسمياً مع اللاعب عبد العزيز العثمان قادماً من نادي القادسية.

حامد القرني (تبوك)
رياضة عربية الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)

ترحيب طرابزون بمحمد صلاح عبر إعلان ترويجي يثير تفاعلاً في مصر

وسط أجواء عائلية تركية، ظهر النجم المصري محمد صلاح في إعلان ترويجي لنادي طرابزون سبور، تجاوز التقديم الرياضي التقليدي للاعبين، ليحمل طابعاً درامياً.

محمد عجم (القاهرة )
رياضة سعودية «شركة المسار الرياضي للتطوير» توقّع عقود ترسية صندوق استثماري عقاري (شركة المسار الرياضي)

«المسار الرياضي» تعلن تأسيس صندوق استثماري عقاري بـ700 مليون ريال في وجهة الوادي

​وقّعت «شركة المسار الرياضي للتطوير» الاثنين عقود ترسية صندوق استثماري عقاري مع شركة «الجزيرة كابيتال» وشركة «ركاز العقارية».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
TT

«أرض مشتركة»... معرض ينسج علاقات ترسّخ الحوار

معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)
معرض «أرض مشتركة» في غاليري «آرت أون 56» (الشرق الأوسط)

كما في موعده من كل عام، يختتم غاليري «آرت أون 56» موسم الصيف بمعرض جماعي يستعيد أبرز أعمال الفنانين التشكيليين الذين يتعاون معهم. ومن خلال لوحات جديدة يفوق عددها أعمالاً سبق لرواد الغاليري أن شاهدوها، يرسي المعرض علاقة وطيدة بين المكان والزمان، ويضع بين أيدي زواره مجموعة تستعيد ذاكرة لقاءات سابقة، وأخرى تفتح المجال أمام حضور فني متجدد.

أسئلة وجدانية في لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت» (الشرق الأوسط)

وتحت عنوان «أرض مشتركة»، يقدّم 13 فناناً تشكيلياً أعمالاً تحمل ذكريات جماعية وتجارب ماضية وتطلعات مستقبلية، ويتشاركونها مع الزوار بهدف ترسيخ هذه الموضوعات وربطها بعلاقة وثيقة مع الأرض، فتأخذنا هيبت بلعة إلى عالم التواصل المباشر بين الناس حول فنجان قهوة، بينما يرسم عماد فخري النار والهدوء في لوحة تعكس ألوانها تناقض الحالات التي مرّ بها. أما إدغار مازجي وعيسى حلّوم ومنصور الهبر، فيلوّنون أعمالهم بالهوية والإنسانية والطبيعة.

وبدلاً من التركيز على الانقسام، يتناول المعرض المساحات التي تنشأ فيها الروابط. وتتحدث الأعمال المعروضة عن الصمود، ليس بوصفه رد فعل على التحديات فحسب، بل بوصفه التزاماً مستمراً بالإبداع والخيال والأمل.

ومن خلال الرسم والتصوير والنحت وممارسات الوسائط المتعددة، يدعو الفنانون المشاركون المشاهدين إلى التأمل فيما يربط بينهم، على اختلاف تجاربهم ووجهات نظرهم، وتقترح أعمالهم مساحة مشتركة للحوار والتفاهم.

تتمسك نهى محرّم بإقامة معارض تبرز دور لبنان الثقافي (الشرق الأوسط)

وتشير صاحبة غاليري «آرت أون 56»، نهى محرّم، إلى أن هذا النوع من المعارض يشكِّل بقعة ضوء في حياة اللبناني المثقلة بالهموم والمشكلات. وتضيف، في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل الأوضاع المضطربة التي نعيشها، أردنا تسليط الضوء على تشارك اللبنانيين مساحة واحدة في وطن واحد. وتأتي موضوعات المعرض تحية لثقافات وفنون تجمعنا، وقد اخترناها زاهية ومفرحة، تبعث البهجة في النفس، وتكون بمنزلة متنفس للزائر».

عمّا إذا كان المعرض الجماعي يسهم في خفوت الأضواء عن فنان واحد، تردّ غادة جمّال المشاركة في الحدث: «في المعرض الجماعي لفنانين ينتمون إلى غاليري واحد، تبرز أهمية الاختلاف في الأعمال. ونحن ننتمي إلى مكان ثقافي واحد نشعر بدفء العائلة وبقيمة الأعمال التي نرسمها».

وتتناول جمّال في لوحتها «شديدة الانحدار» مرحلة صعبة شعرت بأن لبنان سيمرّ بها. وتقول: «يومها، كان لديّ إحساس مسبق بما ينتظر لبنان من صعوبات. رسمت مشاعري الصادقة وكل القلق الذي يجتاحنا. لكن الأمل موجود دائماً، وهو ما نلاحظه في اللوحة؛ لأن النور يسطع منها رغم كل شيء».

وفي لوحة عماد فخري «عندما يشتعل الصمت»، المنفّذة بتقنية الأكريليك، نلمس مجموعة من التناقضات يرسمها الفنان بريشة تحمل فلسفة خاصة، ويعبّر عنها بألوان تتجاور فيها حالات الهدوء والتوتر والصمت والاشتعال.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «تناولت حالة متناقضة تجمع بين الهدوء والنار الخامدة. تعكس ريشتي حالات أمرّ بها؛ فقد أبدأ اللوحة بمزاج معيّن، ثم أنتقل إلى أمزجة أخرى. وأحياناً يستغرق اختيار اسمها أياماً طويلة، إذ يولد العنوان من الحالة الأخيرة التي أكون فيها».

ويتابع: «أنطلق من موضوع واقعي، لأنقله لاحقاً إلى صرخة ملوّنة بالديناميكية. وبين الهدوء والنار، أشدّد على خامة اللوحة وشفافيتها، فتسير ريشتي بشكل تصاعدي، وصولاً إلى الانفجار الذي أترجمه بألوان متشابكة».

يتنوّع معرض «أرض مشتركة» بين لوحات تحمل موضوعات دافئة، وأخرى تتحرك بين اليقين والشك. وتسير الفنانة ليلى داغر في هذا الاتجاه، إذ تشارك في المعرض بلوحتين مختلفتين، هما «الورود الزهرية» و«عبّاد الشمس». وعلى الرغم من أن عنوانيهما يرتبطان بنوعين من الزهور، فإن كل واحدة منهما تترجم محاولاتها الدؤوبة لتضميد الجراح، ومحو ندوبها باستخدام تقنية «الميكسد ميديا».

هيبت بلعة في لوحة «كوفي شوب» تبرز الألفة بين اللبنانيين (الشرق الأوسط)

وتشرح لـ«الشرق الأوسط»: «تمرّ العلاقات الإنسانية بحالات تمزج بين التحدي والصلابة والتئام الجراح. ومع تقنية (الميكسد ميديا)، أستخدم الخيوط الصوفية والورق والكرتون، محاوِلةً تصوير كيفية رتق هذه العلاقات وتصويبها، فأعيد إليها الحياة، وأمدّ بينها الجسور بأسلوب يدوي وحرفي».

وعن مدى انسجام لوحاتها مع عنوان المعرض، تقول: «هناك مشاركة دائمة بين اللبنانيين، رغم المحاولات الخارجة عن إرادتنا لتفريقنا. وفي لوحاتي، ألحم المكسور وأمحو آثار الجروح التي تسكننا؛ فميزتنا تكمن في قدرتنا على الوقوف من جديد».

وتطالعك، في أحد أركان المعرض، لوحة لإدغار مازجي بالأبيض والأسود، تحمل عنوان «مَن أطلق سراح القطة؟»، ورسمها بتقنية الأكريليك. وتطرح اللوحة تساؤلات عدّة من خلال امرأة يعلو رأسها هرّ، متّشحة بالصمت، وتقف وسط الطبيعة حاملة همومها، محاوِلةً تجاوز محنتها وحدها.

أما هيبت بلعة، فتتحدث عن العلاقة التي تجمع بين لوحتها «كوفي شوب» وتيمة المعرض، وتقول: «تمثّل لوحتي التواصل المباشر بين الناس في جلسة حول كوب من القهوة. وتتألف من أشخاص يتحركون ويدخلون المقهى ويخرجون منه، في تفاعل بارز فيما بينهم. حاول كثيرون كسر الألفة بين اللبنانيين أكثر من مرة، ورغبت في تقديم هذه المساحة النابضة بالشباب كي أبرهن العكس».

وسام بيضون يصنع من الصخور مشاهد حياة (الشرق الأوسط)

أما وسام بيضون، فيأخذ قطعة صخرية من الأرض ليقولبها بأسلوبه التشكيلي الخاص. وتحت عنوان «تكوين صخري»، يترجم منظراً من الطبيعة جرّده من ملامحه الحقيقية.

ويشرح: «عندما ننظر إلى الطبيعة ونتأمل تفاصيلها، تستوقفنا الصخور لأنها تتيح لخيالنا أن يراها كما يتراءى له. وبألوان شفافة وخافتة، حوّلت هذه الصخور إلى مادة مؤنسنة يمكن لكل شخص أن يفهمها بطريقة مختلفة. فبعضهم رأى فيها لقاءً بعد فراق، بينما رأى آخرون عناقاً بين أم وطفلها. وبذلك، تشكّل مساحة مشتركة لقراءات غير متشابهة».


يحيى إسماعيل: عالم المراهقين أشبه بحقل ألغام

المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)
المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)
TT

يحيى إسماعيل: عالم المراهقين أشبه بحقل ألغام

المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)
المسلسل تناول قضايا المراهقين (الشركة المنتجة)

أكد المخرج المصري يحيى إسماعيل أن التحدي الأكبر الذي واجهه في مسلسل «تحت السن» تمثّل في كيفية جعل الحدث الرئيسي، المتمثل في اختفاء طالبة، محرّكاً درامياً لا يهدأ. ولم تكن عملية توزيع الشكوك بين الشخصيات مجرد خدعة بصرية أو لعبة «مَن القاتل؟» التقليدية، بل كانت تشريحاً نفسياً لجميع المحيطين بها.

لذلك، حرص على أن تحمل كل شخصية دوافعها الخاصة، المبرَّرة وغير المبرَّرة، حتى يرى المشاهد فيها متهماً محتملاً. وكان هذا التوزيع المدروس للشبهات بمثابة حبل مشدود يسير عليه الجمهور، ما أسهم في الحفاظ على حالة التشويق، وحوَّل منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتحقيق والتحليل طوال فترة عرض المسلسل.

وقال إسماعيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاقتراب من عالم المراهقين أشبه بالاقتراب من حقل ألغام؛ لذلك اخترت، منذ اللحظة الأولى، المعالجة الواقعية الصادمة بدلاً من الوعظ المباشر. وما قُدِّم في العمل لا يحمل مبالغات درامية، كما أشار البعض، وإنما يُعد انعكاساً لما يحدث في الغرف المغلقة وعبر شاشات الهواتف الذكية لدى هذا الجيل».

وأوضح أنه من المخرجين الذين يشاركون في كتابة أعمالهم، ولا سيما في تحديد ملامح الشخصيات ومسارات تطورها، خصوصاً أن لديه خلفية في علم النفس. ولفت إلى أن نجلاء الحديني وسمر عبد الناصر، من فريق العمل في منصة «شاهد»، كانتا من العناصر الأساسية في تطوير النص. وشارك في ورشة الكتابة كل من مينا بباوي ومحمد السوري، بإشراف أمين جمال، وكانوا جميعاً على وعي بمشكلات المراهقين.

وأضاف أن رهانه على بطلات من جيل الشباب كان ممتعاً وصعباً في آنٍ واحد، مشيراً إلى أن المزج بين هذا الجيل وجيل الممثلين الكبار أضفى ثقلاً درامياً وعمقاً على المشاهد المشتركة بينهم، وشكّل عنصراً محورياً في نجاح العمل.

وعن فلسفته في توزيع الأدوار، قال: «لكل دور شخصية مستقلة. ففي شخصية (مريم)، مثلاً، كنت أبحث عن نظرة عين محددة تحمل براءة إنسانة ترى الدنيا للمرة الأولى ثم تصطدم بالواقع. ورُشحت أكثر من فنانة للدور، إلى أن وقع الاختيار على جيسيكا حسام».

وأضاف: «وفي شخصية (نودي)، التي جسدتها ريم المصري، كنت أبحث عن نوع من الجمال الذي نراه في القرى، ويجذب رجلاً أكبر منها إلى الارتباط بها. أما في شخصية (ملك)، التي جسدتها ترنيم هاني، فبحثت عن فتاة تشعر، بمجرد رؤيتها، بالشفقة تجاهها، على الرغم من أن تصرفاتها قد تكون شرسة أو تثير شيئاً من النفور».

مسلسل «تحت السن» تناول قضايا المراهقين عبر حادث اختفاء (الشركة المنتجة)

وتابع المخرج المصري: «أما في شخصية (جودي)، فكان هدفي العثور على فتاة ذات ملامح هادئة وجميلة، لكنها تحمل في داخلها مشاعر وتصرفات ذكورية وغضباً مكتوماً، إلى أن وقع الاختيار على جودي مسعود. وبالنسبة إلى شخصية (هنا)، كنت أبحث عن وجه تبدو ملامحه جامدة طوال الوقت، وقد جسدتها جيداء منصور كما تصورتها».

وعن استخدامه المكثف لتقنية «الفلاش باك» في العمل، قال إنها لم تكن ترفاً إخراجياً أو وسيلة لملء الفراغ الزمني، بل كانت الأداة البنائية الوحيدة القادرة على فك شفرة مأساة «هنا» في مسلسل يقوم على لغز اختفاء؛ إذ يصبح الماضي المفتاح الوحيد لفهم الحاضر، ويعيش المشاهد حالة التشتت والبحث نفسها التي تعيشها الشخصيات.

وعن الرأي القائل إن العمل موجّه إلى أولياء الأمور، قال إنه لا يحب تقديم أعمال موجّهة إلى فئة بعينها، وإنما يحرص على تقديم قصة ممتعة تقوم على حكي جذاب، وتناسب مشاهدين من فئات عمرية مختلفة. وأضاف أن ذلك لا يمنع وجود صرخة تحذيرية يوجّهها العمل إلى الآباء، مفادها: «راقبوا أولادكم من دون كبت حريتهم، وكونوا ملاذهم الآمن، حتى لا يقعوا فريسة للتنمر الإلكتروني والخداع عبر منصات التواصل الاجتماعي».

وعن إمكانية إنتاج جزء ثانٍ من المسلسل، قال إن «الفكرة لم تُطرح رسمياً، على الرغم من أن العمل يحتمل تقديم جزء جديد، سواء من خلال موضوعه أو بمواصلة حكاية شلة الفتيات بعد دخولهن الجامعة، خصوصاً أن قضايا الفتيات في هذه السن تحتمل كثيراً من المعالجات الدرامية الجذابة».

المخرج يحيى إسماعيل تحدث عن مشكلات المراهقين (حسابه على فيسبوك)

وكان المخرج يحيى إسماعيل يعمل مهندساً معمارياً، قبل أن يبدأ مسيرته الفنية عام 2004 مصممَ غرافيك، ثم تدرّج ليصبح مديراً إبداعياً في وكالات إعلانية كبرى. وأمضى أكثر من 15 عاماً في هذا المجال، قبل أن يقدّم أعمالاً من بينها مسلسل «ريفو» بجزأيه الأول والثاني، الذي عدّه نقاد من أفضل المسلسلات الرقمية في السنوات الأخيرة، إلى جانب «زينهم» و«توابع».

وأوضح أنه يفكر في خوض تجربة الإخراج السينمائي من خلال أعمال عدَّة معروضة عليه، لكنه لم يستقر على أيّ منها بعد.


السلطات المصرية تجدد ضوابط دخول المناطق الأثرية

جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)
جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)
TT

السلطات المصرية تجدد ضوابط دخول المناطق الأثرية

جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)
جانب من الفيديو الذي نشره رامي عادل في منطقة أبو صير (صفحته على «فيسبوك»)

جددت السلطات المصرية التأكيد على ضوابط الدخول إلى المناطق الأثرية بعد ما أثير حول منع أحد المواطنين من إدخال العلم المصري في أثناء رحلة تريض داخل منطقة آثار أبو صير، (جنوب الجيزة)، وفق فيديو انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي يحمل هذا المعنى، وأوضحت وزارة السياحة والآثار أن البوابة التي ظهرت في الفيديو هي بوابة جانبية لمنطقة التريض التابعة لمنطقة آثار أبو صير.

وكان فيديو تم تداوله على نطاق واسع لمجموعة من الأشخاص يركبون الخيل في منطقة صحراوية، ويحمل أحدهم علم مصر، ذكر بعد ذلك أنه تم منعه من رفع علم مصر بالمنطقة الأثرية. وانتشر الفيديو وتعليق من رامي عادل الذي وصفته وسائل إعلام بأنه «بلوغر»، بينما وصفه آخرون بأنه من أبطال كمال الأجسام، يتحدث عن الواقعة متعجباً من وجود تعليمات أو ضوابط تمنعه من رفع علم مصر على أرض مصر. وتصدر «الترند» على «إكس» بمصر، الاثنين، مع تعليقات تدعمه.

وقالت وزارة السياحة والآثار في بيان إن «ما تم تداوله لا يعكس حقيقة الضوابط المنظمة لزيارة المواقع الأثرية، حيث إن إدخال أو اصطحاب الأعلام أو اللافتات أو أي شعارات إلى المتاحف والمناطق الأثرية على مستوى الجمهورية يخضع لإجراءات تنظيمية تستلزم التنسيق المسبق، والحصول على موافقة المجلس الأعلى للآثار، وذلك حفاظاً على الطابع الأثري لهذه المتاحف والمواقع، ومنع استخدامها في أي أنشطة أو أغراض دعائية أو سياسية أو حزبية أو دينية أو غيرها، بما يضمن الحفاظ على قيمتها التاريخية والحضارية».

ولفت البيان إلى أن «هذه الضوابط تطبَّق على جميع الأعلام واللافتات والشعارات دون استثناء أو تمييز، ولا تستهدف بأي حال من الأحوال العلم المصري أو الانتقاص من مكانته ورمزيته، وإنما تأتي في إطار الاختصاصات القانونية للمجلس الأعلى للآثار في تنظيم الزيارة وإدارة المواقع الأثرية، وفقاً لأحكام المادة (45) من قانون حماية الآثار رقم 117 لسنة 1983».

جانب من الواقعة التي أثارت جدلاً (صفحة رامي عادل على «فيسبوك»)

وعقب الواقعة، وجّه وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، «بوضع إطار تنظيمي خاص لدخول علم جمهورية مصر العربية إلى المتاحف والمناطق الأثرية على مستوى الجمهورية؛ ما يضمن تيسير حمله ورفعه على نحو يليق بمكانته ورمزيته بوصفه رمزاً للدولة المصرية، مع الحفاظ على الضوابط المنظمة لحماية المواقع الأثرية وصونها»، وفق البيان.

ويرى الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الآثاريين العرب، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أنه «من الضروى وضع علم مصر على كل المواقع الأثرية المكشوفة وعلم آخر به رمز وزارة السياحة والآثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا هو المتبع لدينا فى قلعة صلاح الدين بجزيرة فرعون بطابا ففي بداية المدخل يجد الزائر علمين علم مصر وعلم رمز الآثار وعلى القلعة نفسها علم مصر بارتفاع كبير مرئى من كل الجهات، وكانت هناك ميزانية خاصة لتوفير هذه الأعلام على أساس أن المنطقة حدودية، ويجب تطبيق ذلك فى كل المتاحف والمواقع الأثرية».

وفى حالة واقعة منطقة أبو صير يضيف ريحان: «في مثل هذه الحالات يجب تطبيق الضوابط الذى أؤيدها فمن يحمل علم مصر يكون بعلم مسبق من إدارة المتحف أو إدارة الموقع الأثرى وأسباب ذلك احتفالية معينة أو أطفال فى زيارة للموقع أو أى سبب آخر، لكن إطلاق الوضع لرفع علم مصر أو أى علم من دون علم أو إبداء الأسباب قد يحمل أطراً أخرى ربما سياسية أو غيرها، وهذا يجب حظره بالمواقع الأثرية».

وتعد منطقة أبو صير الأثرية من المناطق الأثرية المهمة التي يوجد بها مجموعة من المعابد ومقابر الأسرة الخامسة، وتقع على مسافة نحو 4 كيلومترات من منطقة سقارة، وهي جزء من جبانة منف المدرجة ضمن مواقع التراث العالمي بـ«اليونسكو» منذ عام 1979، وتضم المنطقة مساحة واسعة للتريض وركوب الخيل.

وعدّ الخبير السياحي المصري محمد كارم «احترام العلم المصري وحماية آثارنا وجهين لرسالة وطنية واحدة»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الجدل الذي أثير حول فيديو لأشخاص قالوا إنه تم منعهم من الدخول للمنطقة الأثرية في أبو صير بالعلم يؤكد على أهمية وجود ضوابط واضحة ومكتوبة ومعلنة وموحدة لتنظيم دخول اللافتات والأعلام لجميع المواقع الأثرية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «نحن مع تطبيق القانون وحماية آثارنا، لكن في الوقت نفسه يجب أن يكون هناك تمييز واضح بين استخدام الأعلام للدعاية السياسية أو التجارية وبين مواطن يحمل علم بلده باعتزاز في أثناء زيارته لمعلم أثري». وأكد كارم على «خصوصية العلم المصري كرمز للوطنية والانتماء»، لافتاً إلى أن «تنظيم دخول المواقع الأثرية يجب أن يحظى ببعض المرونة وفي الوقت نفسه يحافظ على القيمة الحضارية الكبيرة للآثار».