«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
TT

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.

في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.

منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.

أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.

غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)

يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.

يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.

يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)

بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.

الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.

أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)

من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.

كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.

كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)

ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.

تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.

أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.

يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)

رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.

في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.

في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)

لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.

ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.


مقالات ذات صلة

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

يوميات الشرق ديناميّة جديدة في العلاقة بين «إدي» و«سوزي» في الموسم الثاني من «ذا جنتلمن» (نتفليكس)

«ذا جنتلمن»... لا بدّ من موسم ثالث لكن من دون ميغان ماركل

مسلسل الكوميديا السوداء والتشويق «ذا جنتلمن» يعود إلى «نتفليكس» في موسمٍ ثانٍ، والمافيا الإيطالية تدخل على خط تصنيع الحشيشة في دهاليز القصور التاريخية.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ميغان ماركل تسير إلى جانب زوجها الأمير هاري في سيدني (رويترز)

ميغان ماركل تجري محادثات للمشاركة في مسلسل جاي ريتشي على «نتفليكس»

تجري ميغان، دوقة ساسكس، محادثات للعودة إلى التمثيل من خلال ظهورها في المسلسل التلفزيوني «ذا جينتلمين» للمخرج جاي ريتشي، وفقاً لتقارير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق مروان خريسات (حسابه على «فيسبوك»)

صانع قنابل... لغز رجل أطلقت سراحه ألمانيا وطارده شبح «لوكربي»

مروان خريسات... رحلة صانع قنابل «القيادة العامة» من حروب الظلِّ ودهاليز الاستخبارات، إلى لغز تفجير «لوكربي» الذي أعاده مسلسل «نتفليكس» الأخير للواجهة.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق صورة للشاب اللبناني الأميركي خالد نذير جعفر (موقع مؤسسة إرث لوكربي)

الراكب رقم 53 على الرحلة 103... اللبناني الذي طاردته لعنة لوكربي حياً وميتاً

قصة الراكب العربي الوحيد في لوكربي، طالب العمارة اللبناني خالد جعفر الذي سحقته المؤامرات وبرأه الحطام، ليعود اسمه للواجهة مجدداً في دراما نتفليكس.

كوثر وكيل (لندن)
يوميات الشرق حطام طائرة «بان آم 103» في لوكربي كما صوّرها المسلسل الجديد (نتفليكس)

«تفجير بان آم 103»... تحيّة لإنسانية أهل لوكربي بعد 38 سنة على كارثة الطائرة

مسلسل «نتفليكس» يعود بالذاكرة إلى تفجير طائرة «بان آم 103» فوق لوكربي مركّزاً على تعاطف أهل القرية الاسكوتلندية مع الضحايا وذويهم، وعلى صراع الأجهزة في التحقيق.

كريستين حبيب (بيروت)

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.