من براينه الصغيرة إلى قمة العالم… قصة إرلينغ هالاند: «الفايكنغ» الذي لم ينسَ جذوره

هالاند يرتدي زي «الفايكنغ» التقليدي (حساب اللاعب على «إنستغرام»)
هالاند يرتدي زي «الفايكنغ» التقليدي (حساب اللاعب على «إنستغرام»)
TT

من براينه الصغيرة إلى قمة العالم… قصة إرلينغ هالاند: «الفايكنغ» الذي لم ينسَ جذوره

هالاند يرتدي زي «الفايكنغ» التقليدي (حساب اللاعب على «إنستغرام»)
هالاند يرتدي زي «الفايكنغ» التقليدي (حساب اللاعب على «إنستغرام»)

في أقصى جنوب النرويج، بعيداً عن أضواء الملاعب الكبرى والمدن الصاخبة، تقع بلدة صغيرة اسمها براينه. بلدة هادئة تحيط بها الأراضي الزراعية، ويعرف سكانها بعضهم بعضاً، لم تكن يوماً في دائرة اهتمام العالم... إلى أن خرج منها طفل صغير حمل حلماً كبيراً، وأصبح اليوم أحد أخطر المهاجمين في تاريخ كرة القدم الحديثة. في شوارع براينه، لم يعد اسم إرلينغ هالاند مجرد اسم لاعب كرة قدم، بل أصبح جزءاً من هوية المدينة نفسها.

في متجر صغير وسط البلدة، تقف أوليندا هالاند بين القبعات الحمراء والقمصان التي تحمل الرقم 9 ومجسمات للنجم النرويجي. لا تربطها أي صلة عائلية بالمهاجم، لكنها تشعر بالفخر لأنها تحمل الاسم الذي أصبح مشهوراً في كل أنحاء العالم.

تقول أوليندا: «إنها فرحة خالصة. نحن جميعاً نحبه كثيراً، وهو يفعل كثيراً من أجل براينه».

اليوم، كل شيء في البلدة يحمل أثر هالاند. القمصان الحمراء أصبحت الأكثر طلباً، والجميع يريد أن يرتدي ألوان اللاعب الذي جعل قريتهم الصغيرة معروفة في كل مكان.

هالاند يحتفي بجذوره النرويجية في الملعب (حساب اللاعب على «إنستغرام»)

قبل مواجهة النرويج لإنجلترا في ربع نهائي كأس العالم، تحوَّلت براينه إلى مركز احتفال كبير؛ مئات الأشخاص يستعدون للتجمُّع في الساحة الرئيسية لمتابعة المباراة، والأطفال يرون في هالاند دليلاً حياً على أنَّ الحلم يمكن أن يبدأ من أي مكان. ورغم أن هالاند وُلد في مدينة ليدز الإنجليزية عندما كان والده ألف-إنغه هالاند لاعباً في صفوف ليدز يونايتد، فإنَّ براينه هي المكان الذي صنع شخصيته؛ هناك كبر، وهناك لمس الكرة للمرة الأولى، وهناك بدأ طريقه ليصبح اللاعب الذي يخشاه المدافعون في أكبر ملاعب العالم.

في براينه، لا يزال الناس يتذكَّرون الطفل الطويل الذي كان مختلفاً عن الآخرين.

أندرياس فولوسوند، عمدة البلدة، كان أحد الأشخاص الذين عرفوا هالاند منذ طفولته، فقد كان مدرسه عندما كان عمره 10 سنوات. يقول فولوسوند: «نحن فخورون بالولد الصغير الذي كبر ليصبح فايكنغ عملاقاً».

ويتابع: «عندما يتحدَّث عن بلدته، يمكنك أن ترى الحبَّ في عينيه. إنَّه يحب المكان الذي جاء منه، وهذا يجعلنا سعداء وفخورين به». ويصف هالاند عندما كان طفلاً: «كان مضحكاً، يحب المزاح مع الآخرين، لديه طاقة كبيرة، يحب الرياضة وكرة القدم. عندما كان في العاشرة قال إنه سيصبح لاعب كرة قدم عندما يكبر. كان لديه تركيز كبير».

لكن سكان براينه لا يرون أنَّ نجاح هالاند جاء من الموهبة فقط. فالبيئة التي نشأ فيها لعبت دوراً كبيراً. بلدة زراعية تُعلِّم أبناءها التواضع، والالتزام، والعمل الجاد.

يقول فولوسوند: «نحن نأتي من مكان في النرويج، حيث تبقى أقدامنا على الأرض. المزارع، العمل الشاق... هذه الثقافة أثرت عليه»، كما أن هالاند ورث كثيراً من والديه. فوالده كان لاعباً في الدوري الإنجليزي الممتاز مع نوتنغهام فورست وليدز ومانشستر سيتي، ووالدته كانت بطلة وطنية في رياضة السباعي. أما مدربه السابق في براينه، ألف إنغه برنتسن، الذي بدأ تدريبه عندما كان في الثامنة، فيتذكر اللحظات الأولى التي رأى فيها شيئاً مختلفاً. ويقول: «كان يشبه كثيراً ما هو عليه الآن. كان يضحك، كان مرحاً، وكان يسجِّل كثيراً من الأهداف. في ذلك العمر يمكنك أن ترى أن هناك شيئاً يلمع بداخله... إنها نار، إنه شغف».

هالاند ورفاقه يحتفلون مع جماهير النرويج برقصة «الفايكنغ» بعد الفوز على البرازيل (إ.ب.أ)

هذه النار هي التي قادت هالاند من ملعب صغير في براينه إلى أكبر المسارح العالمية. لكن خلف صورة المهاجم القوي الذي يرعب المدافعين، هناك شخصية أخرى يعرفها المقربون منه جيداً.

إرلينغ هالاند ليس فقط هدافاً استثنائياً... إنه شخص يحب الضحك والمزاح، وهذا الجانب من شخصيته ساعده على كسب قلوب الجماهير. في مانشستر سيتي، كان أقرب اللاعبين إليه جاك غريليش وجون ستونز. والسبب لم يكن فقط الانسجام داخل الملعب، بل أيضاً روح الدعابة المشتركة بينهم.

هالاند يحب ما يُسمى في كرة القدم الإنجليزية «مزاح غرفة الملابس». يحب المزاح مع زملائه، وتقليد طريقة كلامهم ولهجاتهم. مع جون ستونز، كان يقلد لهجته القادمة من بارنسلي، وكان دائماً يمزح معه بسبب طريقة نطقه، كما أصبح بارعاً في تقليد لهجة جاك غريليش ولهجة سكان برمنغهام. وعندما سأله أحد المتابعين عبر مواقع التواصل عن تغيُّر لهجته منذ انتقاله إلى إنجلترا، أجاب بطريقة ساخرة: «أنا بريطاني!».

هالاند يشعر بتعلق خاص بالثقافة الإنجليزية. فهو عاش سنوات طفولته الأولى هناك، وتشكَّل حبه لكرة القدم الإنجليزية من خلال والده ومسيرته في الدوري الممتاز. حتى إنه قال سابقاً: «عندما كنت صغيراً كنت أنظر إلى والدي وأفكر: (لقد لعب في الدوري الإنجليزي الممتاز، وأنا أريد أن أفعل الشيء نفسه). كان دائماً في الجزء الخلفي من رأسي».

ولهذا كان حلمه دائماً اللعب في «البريميرليغ». عندما جاء وقت الاختيار، فضَّل مانشستر سيتي رغم اهتمام أكبر أندية أوروبا به. زار والده ووكيله السابق مينو رايولا أندية مثل ريال مدريد وبرشلونة، لكن هالاند اختار إنجلترا. هناك وجد المكان الذي يناسب شخصيته وطريقة لعبه. لكن رغم علاقته القوية بإنجلترا، لم يكن هناك أي تردُّد عندما تعلق الأمر بمنتخب بلاده. كان اختياره للنرويج طبيعياً بالنسبة له. ويقول: «كان طبيعياً بالنسبة لي اختيار النرويج. ربما لو بقي والدي فترة أطول في إنجلترا لكان الأمر مختلفاً، وربما كنت سأصبح إنجليزياً، لا أعرف. لكنني نرويجي وأنا فخور بذلك».

ومع ذلك، بقي ارتباطه بإنجلترا قوياً لدرجة أنه قال إنه يحب فكرة الحصول على جواز سفر بريطاني مستقبلاً، لأنه يحمل تقديراً كبيراً للبلد الذي أسهم في تشكيل شخصيته. اليوم، يقف هالاند أمام مواجهة خاصة جداً. النرويج تواجه إنجلترا... البلد الذي وُلد فيه، أمام المنتخب الذي يُمثِّل جذوره الحالية. إنها مواجهة بين لاعب صنعته ثقافتان. طفل صغير خرج من بلدة نرويجية هادئة، تربى على البساطة والعمل الجاد، وتأثر بكرة القدم الإنجليزية، ثم أصبح واحداً من أعظم المهاجمين في العالم.

من براينه إلى مانشستر، ومن حلم طفل صغير إلى قمة كرة القدم العالمية... هذه هي قصة إرلينغ هالاند، «الفايكنغ» الذي لم ينسَ أبداً المكان الذي بدأ منه.


مقالات ذات صلة

«فيفا» يعدل المادة 27 من قانون الانضباط بسبب قضية بالوغون

رياضة عالمية بالوغون (أ.ب)

«فيفا» يعدل المادة 27 من قانون الانضباط بسبب قضية بالوغون

قال الاتحاد البلجيكي لكرة القدم إن الاتحاد الدولي للعبة سيُعدل لوائحه التأديبية، في أعقاب الجدل الذي أثير حول قراره بتعليق الإيقاف التلقائي للمهاجم بالوغون.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
رياضة سعودية الأمير سعود بن نايف يوقِّع على الكرة خلال زيارته للملعب (واس)

أمير الشرقية يتفقد ملعب «أرامكو» ويطّلع على جاهزيته لاستضافة الأحداث الكبرى

اطّلع الأمير سعود بن نايف بن عبد العزيز، أمير المنطقة الشرقية، الخميس، على آخر مستجدات مشروع ملعب «أرامكو»، ومستوى جاهزيته لاستضافة الأحداث الرياضية والترفيهية.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
رياضة عالمية جياني إنفانتينو (رويترز)

إنفانتينو رئيس «فيفا» أكثر قوة في مواجهة خصومه

يواجه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) جياني إنفانتينو معارضيه، الخميس، للمرة الأولى منذ الفضيحة التي كادت تطيح به هذا الصيف، وهو في وضع أفضل بكثير.

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
رياضة عالمية «نتفليكس» تبث جميع مباريات كأس العالم 2030 في إسبانيا (رويترز)

«نتفليكس» تفوز بحقوق البث التلفزيوني لمونديال 2030 في إسبانيا

ستعرض منصة البث «نتفليكس» جميع مباريات كأس العالم 2030 لكرة القدم للمشاهدين في إسبانيا وأندورا، وفق ما أعلنه عملاق صناعة الترفيه، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (برشلونة)
رياضة عالمية فيلكس سانشيز (رويترز)

الإسباني فيلكس سانشيز يتولى تدريب البحرين

أعلن الاتحاد البحريني لكرة القدم، اليوم الاثنين، توصله إلى اتفاق مع المدرب الإسباني فيلكس سانشيز لتولي قيادة المنتخب الوطني.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

«يوروبا ليغ»: يوفنتوس يخطف فوزاً مثيراً من سيلتا فيغو

مواني لاعب اليوفي محتفلاً بالهدف (أ.ف.ب)
مواني لاعب اليوفي محتفلاً بالهدف (أ.ف.ب)
TT

«يوروبا ليغ»: يوفنتوس يخطف فوزاً مثيراً من سيلتا فيغو

مواني لاعب اليوفي محتفلاً بالهدف (أ.ف.ب)
مواني لاعب اليوفي محتفلاً بالهدف (أ.ف.ب)

حقق يوفنتوس الإيطالي فوزاً صعباً على مضيفه سيلتا فيغو الإسباني بنتيجة 2-1، مساء الخميس، ضمن منافسات الجولة الثانية بمرحلة الدوري بالدوري الأوروبي.

وتقدم سيلتا فيغو في الدقيقة 18 عن طريق هوجو ألفاريز، ثم أدرك يوفنتوس التعادل في الدقيقة 59 عن طريق نيك فولتماده. وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع للشوط الثاني سجل راندل كولو مواني الهدف الثاني لفريق يوفنتوس.

ورفع يوفنتوس رصيده إلى ست نقاط ليتصدر ترتيب مرحلة الدوري، بعدما كان قد بدأ مشواره بفوز كاسح على نيمجين الهولندي 5-صفر.

على الجانب الآخر، يظل سيلتا فيغو بدون رصيد من النقاط في المركز 29، بعدما خسر أمام أومونيا القبرصي بهدف نظيف في الجولة الأولى.

وجاءت الفوز الصعب على سيلتا فيغو ليخفف من حدة الأزمات حول المدرب لوتشيانو سباليتي، الذي يعاني من انتقادات عديدة من الإعلام والجماهير، وقد يغادر الفريق حسب تقارير صحافية تكهنت بقرب رحيله عن منصبه وهو الذي يقترب من عامه الأول كمدرب للفريق، حيث تولى تدريبه في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي خلفاً للكرواتي إيغور تيودور.

وسقط مرسيليا للمباراة الثانية توالياً، وهذه المرة على أرضه أمام أولمبياكوس اليوناني 0-1 بهدف الأرجنتيني سانتياغو هيزي (42). ويعيش بطل فرنسا 9 مرات أسوأ أيامه، بتلقيه خسارة سادسة في آخر سبع مباريات ضمن مختلف المسابقات، ما وضعه في المركز الثالث عشر بالدوري بست نقاط فقط بعد ست مراحل.

وخرج رين الفرنسي فائزاً من مواجهة ضيفه أوفي اليوناني 2-1 بفضل هدف متأخر سجله المغربي عبدالحميد آيت بودلال (90). وحقق ليون فوزاً مهماً على ضيفه كريستال بالاس الإنجليزي 3-2.

وقال الفرنسي بيار ساج مدرب بالاس: «إنها عودة مخيبة للغاية لأننا خسرنا. لا يمكنني أن أشعر بالرضا لمجرد عودتي إلى الديار أو رؤية وجوه مألوفة عندما لا تكون النتيجة في صالحنا». وأضاف لموقع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا): «قد تكون النتيجة متقاربة، لكن كان هناك فارق كبير في طريقة لعب الفريقين. لم نكن قريبين إطلاقاً من مستوانا المعتاد في الشوط الأول».

بدوره، اكتسح باير ليفركوزن الألماني مضيفه ليخ بوزنان البولندي 4-0، كما فاز بنفيكا البرتغالي بأربعة أهداف لهدف على ضيفه سلتيك الاسكتلندي.

وفي أبرز النتائج الأخرى، خطف سندرلاند الإنجليزي فوزاً قاتلاً على أرض تورينسي البرتغالي 2-1، وسقط سبارتا براغ التشيكي في فخ التعادل 1-1 أمام شتورم غراتس النمسوي، كما فاز بورنموث الإنجليزي على ضيفه شتورم غراتس النمسوي 3-0، وتعادل سان جيلواز البلجيكي مع ريال سوسيداد الإسباني 1-1، بينما سقط هوفنهايم الألماني أمام بشكتاش التركي 2-3.


لامين الأكثر صناعة للفرص الخطيرة في «أبطال أوروبا»

جمال صنع هدفين في فوز فريقه على غالطة سراي (إ.ب.أ)
جمال صنع هدفين في فوز فريقه على غالطة سراي (إ.ب.أ)
TT

لامين الأكثر صناعة للفرص الخطيرة في «أبطال أوروبا»

جمال صنع هدفين في فوز فريقه على غالطة سراي (إ.ب.أ)
جمال صنع هدفين في فوز فريقه على غالطة سراي (إ.ب.أ)

تصدر النجم الإسباني لامين جمال، جناح برشلونة، قائمة أكثر اللاعبين صناعة للفرص الخطيرة في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم، برصيد أربع فرص، حسب شبكة «سكواكا» الأوروبية للإحصائيات الرياضية.

وذكرت سكواكا أن الكاميروني إيفان ديبانغو، لاعب لاسك لينز النمساوي، يحتل المركز الثاني في القائمة لكنه يشارك جمال في الرصيد ويتفوق عليه بعد مشاركته في عدد دقائق أقل.

وجاء المغربي إبراهيم دياز، لاعب ريال مدريد الإسباني في المركز الثالث، برصيد ثلاث فرص، وهو الرصيد ذاته الذي يمتلكه كل من البلجيكي يوري تيلمانس لاعب مانشستر يونايتد، وعثمان ديمبيلي نجم باريس سان جيرمان، وإيسكو صانع ألعاب ريال بيتيس.

ويحتل التركي أردا غولر، لاعب ريال مدريد، المركز السابع بفرصتين إلى جانب كل من الألماني كاي هافيرتز مهاجم آرسنال، وديزري دويه لاعب باريس سان جيرمان، وتاغون بوكانان لاعب فياريال.

وكان جمال قد صنع هدفين في فوز فريقه الكبير على غالطة سراي 4/1 في تركيا، الثلاثاء، ليحقق فريقه العلامة الكاملة في أول جولتين.


هل يصمد إنفانتينو أمام التحركات «السرية» لإزاحته من عرش «فيفا»؟

انفانتينو (د.ب.أ)
انفانتينو (د.ب.أ)
TT

هل يصمد إنفانتينو أمام التحركات «السرية» لإزاحته من عرش «فيفا»؟

انفانتينو (د.ب.أ)
انفانتينو (د.ب.أ)

تحولت جلسة الاعتذار التي قدمها جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أمام أعضاء مجلس الاتحاد في زيوريخ، الخميس، إلى مواجهة مفتوحة مع معارضيه الأوروبيين، بعدما اتهمه رئيسا الاتحادين الألماني والإنجليزي بالعجز عن تقديم إجابات بشأن ملفات مالية وإدارية مثيرة للجدل، بالتزامن مع تحركات سرية تقودها شخصيات نافذة في الكرة الأوروبية لتقديم مرشح مفاجئ ينافسه في الانتخابات الرئاسية المقررة في مارس (آذار) المقبل.

وبحسب تقارير نشرتها صحيفتا «التلغراف» و«الغارديان» البريطانيتان، وهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، فإن الاجتماع الذي استمر ثلاث ساعات ونصف الساعة، بحضور أعضاء مجلس «فيفا» البالغ عددهم 37 عضواً، شهد اعتذار إنفانتينو عن عدم التشاور معهم بشأن مشروع «فيفا فورورد إنتربرايز»، الذي كان يستهدف بيع حصة من الحقوق التجارية للاتحاد الدولي، بما فيها حقوق مرتبطة بكأس العالم، إلى شركة استثمار خاصة، قبل إلغائه إثر اعتراضات واسعة، رفضاً كبيراً.

حيث إن الاعتذار لم يقنع المسؤولين الأوروبيين، خصوصاً بعدما امتنع إنفانتينو عن تقديم الوثائق المطلوبة، والإجابة عن عشرات الأسئلة المتعلقة بالمشروع، وقرار إلغاء إيقاف المهاجم الأميركي فولارين بالوغون خلال كأس العالم، عقب تدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فضلاً عن الجدل المحيط بمنح الأخير جائزة «فيفا للسلام».

وقالت ديبي هيويت، رئيسة الاتحاد الإنجليزي، ونائبة رئيس «فيفا»: لم نحصل على إجابات عن أي من الأمور التي طلبناها تحديداً، ومنها وثائق مشروع «فيفا فورورد إنتربرايز». سألت عن السبب، وطُلب منا تقديم أسئلتنا كتابياً.

وأضافت في تصريحات عقب الاجتماع: أعتقد أن على إنفانتينو الإجابة عن هذه الأسئلة، وإذا لم يفعل، فهو غير مؤهل ليكون رئيساً لـ«فيفا»، وهذا ما جرى طرحه داخل الاجتماع.

وأوضحت هيويت أن إنفانتينو أظهر قدراً من الندم، غير أن اعتذاره انصب على عدم عرض المشروع على المجلس، وليس على المشروع نفسه، مضيفة: إذا كان يشعر بهذا القدر من الندم، فعليه أن يشاركنا الوثائق.

ووصفت المناقشات بأنها كانت مفتوحة، وصريحة، ودون تحفظات، مؤكدة أنها غادرت الاجتماع بعدما طرحت جميع ما أرادت قوله، وأن موقفها من إنفانتينو لم يتغير، باستثناء أنه أصبح رئيساً قدم اعتذاراً.

أما بيرند نويندورف، رئيس الاتحاد الألماني، فذهب إلى أبعد من ذلك، مطالباً بإصلاح شامل لإدارة «فيفا» ونظام الحوكمة، ومؤكداً استحالة تحقيق ذلك في ظل القيادة الحالية.

وقال: يجب إصلاح الإدارة بأكملها، ومنظومة الحوكمة بالكامل، وأنا واضح تماماً في أن ذلك غير ممكن مع وجود جياني مسؤولاً عن «فيفا». نحتاج إلى بداية جديدة بالكامل، وإلى تغيير سياسي في الأشخاص الذين يمثلون الاتحاد الدولي.

وأضاف: نعم، لقد اعتذر، غير أنني لم أشعر بأن اعتذاره كان عن المشروع برمته، وإنما عن عدم عرضه على المجلس، وعدم إشراك أحد فيه.

وفي تطور لافت، تقرر تكليف الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة، رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم، برئاسة لجنة جديدة لدراسة إصلاحات الحوكمة داخل «فيفا»، وهي المهمة التي يأمل المسؤولون الأوروبيون أن تشمل مراجعة شاملة لآليات الإدارة، واتخاذ القرارات.

وشهد الاجتماع أيضاً تأجيل البت في مقترح لتعديل اللوائح التأديبية كان سيمنع إلغاء عقوبات الإيقاف الناتجة عن البطاقات الحمراء المباشرة، بعدما طالب أعضاء المجلس بالحصول على معلومات إضافية بشأن ملابسات رفع عقوبة بالوغون. وتعهد إنفانتينو بتقديم المعلومات خلال الاجتماع المقبل في الدوحة يوم 16 ديسمبر (كانون الأول) .

وأُحيل ملف جائزة «فيفا للسلام» إلى لجنة المسؤولية الاجتماعية، لدراسة استمرار منحها هذا العام، أو الاكتفاء بترمب فائزاً وحيداً بها. كما وافق المجلس على مقترح لتوزيع 3.5 مليار دولار من الاحتياطيات المالية للاتحاد الدولي لدعم الاتحادات الوطنية خلال دورة مالية تمتد أربع سنوات.

وفي موازاة المواجهة داخل المجلس، كشفت «التلغراف» عن اتصالات سرية تجري بين شخصيات أوروبية بارزة للاتفاق على مرشح يتمتع بالمصداقية، والقدرة على توحيد معارضي إنفانتينو، قبل إغلاق باب الترشيحات في 18 نوفمبر (تشرين الثاني).

وأكد مصدران مطلعان وجود هذه التحركات، مع الحرص على إبقاء هوية المرشح طي الكتمان لمنع الدائرة المحيطة بإنفانتينو من التحرك لإجهاض ترشحه. وقال أحد المصدرين إن «الرهانات كبيرة للغاية» للكشف عن الاسم حالياً.

وأبدى نويندورف ثقته الكبيرة بإيجاد منافس، وهو موقف تشاركه شخصيات قيادية في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، وتتجه إلى تأخير إعلان المرشح حتى اقتراب الموعد النهائي للترشيحات.

وكان إنفانتينو يبدو في طريقه إلى إعادة انتخابه دون منافسة، بعدما حصل على تأييد نحو 200 اتحاد من أصل 211 اتحاداً وطنياً قبل كأس العالم، غير أن أزمة بيع الحقوق التجارية أضعفت موقعه السياسي، ودفعته إلى تكثيف اتصالاته بالاتحادات الأفريقية، وغيرها، لتعزيز قاعدة دعمه.

وتراجعت أسماء بارزة عن دخول السباق، يتقدمها الكندي فيكتور مونتالياني، رئيس اتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي (كونكاكاف)، الذي كان الخيار المفضل لدى بعض معارضي إنفانتينو، قبل أن يقرر التركيز على إعادة انتخابه لرئاسة اتحاده القاري.

كما استبعد ناصر الخليفي، رئيس باريس سان جيرمان، والنرويجية ليز كلافينيس، رئيسة الاتحاد النرويجي، خوض الانتخابات، إلى جانب رؤساء الاتحادات القارية الثلاثة ألكسندر تسيفرين، ومونتالياني، وسلمان بن إبراهيم.

وتداولت الأوساط الأوروبية أسماء أخرى، بينها الأمير الأردني علي بن الحسين، والفرنسي أرسين فينغر، رئيس تطوير كرة القدم العالمية في «فيفا»، وميشيل كانغ، مالكة ليون الفرنسي، وعدد من أندية السيدات، والبرتغالي لويس فيغو الذي طالب إنفانتينو بالاستقالة في أغسطس (آب). غير أن احتمالات ترشح فينغر وكانغ قوبلت بالتشكيك، فيما أعلن المدافع السويسري السابق رامون فيغا رغبته في المنافسة، وسط شكوك بشأن قدرته على تأمين خطابات التأييد الخمسة المطلوبة.

صحفيون حول مقر فيفا في زيوريخ (أ.ب)

وشددت هيويت على ضرورة وجود منافس يقدم برنامجاً مختلفاً، قائلة: «نحن في نظام ديمقراطي، ولدينا 211 اتحاداً عضواً، ومن المهم أن تتاح لها فرصة التصويت وفق قناعاتها، وأفضل طريقة لذلك هي وجود خيارات متعددة»، بعدما فاز إنفانتينو دون منافس في انتخابات 2019 و2023.

وتتزامن هذه التحركات مع تصاعد المواجهة القانونية بين إنفانتينو و«يويفا»، الذي يستعد لاتخاذ إجراءات جنائية في سويسرا، وقدم طلبات أمام ثلاث محاكم أميركية للحصول على الوثائق المتعلقة بمشروع بيع الحقوق التجارية.

كما يواجه إنفانتينو تدقيقاً بشأن علاقته بترمب، واتهامات بعدم الإفصاح بصورة سليمة عن مبلغ يبلغ 1.3 مليون جنيه إسترليني، وُصف بأنه «راتب ثانٍ».

ونفى «فيفا» تلك الاتهامات، مؤكداً أن رئيسه لا يتقاضى راتباً ثانياً، وأن تعويضاته ومزاياه تقررها لجنة مستقلة، فيما تخضع الحسابات لتدقيق خارجي، وتتوافق الإفصاحات مع الأنظمة الضريبية المعمول بها.

وتعيد الأزمة إلى الواجهة تعهدات إنفانتينو بإصلاح الاتحاد الدولي عند خلافته جوزيف بلاتر، ومشاركته سابقاً في وضع قواعد تلزم «فيفا» بالكشف عن رواتب ومكافآت كبار مسؤوليه.

ووصف مايكل باين، المسؤول التسويقي السابق في اللجنة الأولمبية الدولية، قدرة إنفانتينو على النجاة من الأزمات بأنها أشبه بحيل الساحر الشهير هوديني، معرباً عن دهشته من عدم ظهور منافس جاد حتى الآن، ومعتبراً أن إعادة انتخابه ستمنح تعبير «الإفلات على طريقة هوديني» معنى جديداً.

ومع اقتراب إغلاق باب الترشح، يجد معارضو إنفانتينو أنفسهم أمام اختبار حاسم لتحويل غضبهم إلى منافسة انتخابية فعلية، فيما يواصل رئيس «فيفا» الاستعداد لخوض السباق سعياً إلى ولاية رئاسية رابعة، وأخيرة.