صراع اللافتات والصور في لبنان… مرآة لموازين القوى

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)
لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)
TT

صراع اللافتات والصور في لبنان… مرآة لموازين القوى

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)
لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)

لم يعد انتشار اللافتات والصور والشعارات السياسية في الشوارع اللبنانية، ولا سيما على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، مجرد تعبير دعائي أو مناسبة احتفالية مرتبطة بمحطة سياسية أو إقليمية معينة، بل بات يُنظر إليه باعتباره مؤشراً يعكس طبيعة موازين القوى والتحولات السياسية التي يشهدها لبنان، كما يشكّل ساحة إضافية للصراع على الانتماءات والرسائل الموجهة إلى الداخل والخارج.

تقلب موازين القوى

فبعدما كانت موازين القوى السابقة قبل قرار «حزب الله» إسناد غزة تميل بقوة لحلفاء طهران في لبنان، كانت اللافتات والصور التي تحمل صور قادة إيران و«حزب الله» أمراً طبيعياً جداً على الطرقات اللبنانية ولا سيما الجنوبية اعتادها اللبنانيون وزوارهم خصوصاً وفي الضاحية وعلى طريق المطار. لكن بعد الصفعات الكبرى التي تلقاها الحزب وانهيار النظام في سوريا، انقلبت الأمور رأساً على عقب. فأمسكت الدولة زمام الأمور على طريق المطار وفي داخله، ناقلة إياه من صورة إلى أخرى. فرفعت شعارات «لبنان أولاً» لأشهر على طريق المطار قبل أن تعود الأمور لتتغير مؤخراً بعد توقيع التفاهم الأميركي- الإيراني، وما اعتبره «حزب الله» وجمهوره انتصاراً لهم. فعادت صور المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله لتنتشر في الشوارع وعلى طريق المطار، كما انتشرت لافتات تشكر طهران على هذا الاتفاق وما تضمنه بخصوص لبنان. وهو الأمر الذي لاقى رفضاً واسعاً وأعلن وزير الداخلية أحمد الحجار أنه ستتم إزالتها قبل أن يعلن اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية لبيروت أن رفعها مرتبط بذكرى عاشوراء وهي لن تبقَ أكثر من 10 أيام. من هنا، وبعد إزالتها رفعت فوراً شعارات «لبنان أولاً» و«لبنان يجمعنا» التي تعرض بعضها للحرق.

لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان أولاً» بعدما أضرمت النيران في إحداها على طريق مطار بيروت بالقرب من الضاحية الجنوبية لبيروت معقل «حزب الله» (أ.ف.ب)

وقبل أيام وفي ذكرى استقلال الولايات المتحدة الأميركية، استفز رفع صور ولافتات لمعايدة واشنطن، جمهور «حزب الله» الذي انتقد ما اعتبره «كيلاً بمكيالين»، بحيث أن «هناك من يرفض وجود صور لإيران وقادتها ويفضل رفع أعلام أميركا»، خاصة أن بعض هذه اللافتات رفعت داخل مطار رفيق الحريري الدولي إضافة إلى بعض المناطق اللبنانية.

صراع النفوذ

ويعتبر المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور علي مراد أن رفع اللافتات على طريق المطار يعبّر عن إشكالية عميقة مرتبطة بصورة لبنان أمام زواره، باعتبار أن هذا الطريق يشكّل الإطلالة الأولى والأخيرة لأي وافد إلى البلاد. ومن هذا المنطلق، فإن رفع لافتات مرتبطة بإيران يهدف إلى تقديم صورة سياسية ورمزية محددة عن لبنان.

ويرى مراد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن اللافتات التي تتضمن عبارات شكر لإيران لا تستهدف جمهور «حزب الله» فحسب، بل تحمل رسائل سياسية ورمزية إلى الداخل والخارج، في إطار صراع النفوذ حول الصورة التي يُراد للبنان أن يظهر بها. ويضع هذا الأمر في سياق أوسع يشبه الصراع حول تسمية الشوارع والساحات، باعتباره انعكاساً للتنافس على الهوية السياسية والرمزية للبلاد.

وفي المقابل، يعتبر مراد أن رفع لافتات مرتبطة بالولايات المتحدة الأميركية جاء في إطار رد فعل مضاد، لكنه بقي محدود الانتشار والتأثير، من دون أن ننسى حوادث إحراق لافتات تحمل شعار «لبنان أولاً».

لوحات إعلانية لشكر إيران بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

ويشير مراد إلى أن الدعاية السياسية في الفضاء العام، ولا سيما على الطرقات، شكّلت عنصراً أساسياً في مقاربة «حزب الله» منذ ما قبل عام 2000؛ إذ تهدف إلى إظهار الطرف الغالب وإبراز موازين القوى القائمة، بما يجعل من اللافتات والصور وسيلة لرصد التحولات في النفوذ السياسي داخل المجتمع اللبناني.

أسماء الشوارع والطرقات

ولا تقتصر هذه المواجهة الرمزية على اللافتات والصور، بل تمتد أيضاً إلى أسماء الشوارع والجادات والأوتوسترادات، التي تحوّلت بدورها إلى ساحة تعكس التحولات السياسية وموازين القوى في البلاد. وقد شهدت المرحلة الأخيرة تغيير أسماء بعض هذه المعالم، أبرزها قرار الحكومة اللبنانية في أغسطس (آب) 2025 تغيير اسم «جادة حافظ الأسد» الممتدة من مطار رفيق الحريري الدولي باتجاه نفق سليم سلام واستبدل به اسم «جادة زياد الرحباني»، في خطوة اعتبرها كثيرون مؤشراً على تبدّل المشهد السياسي وانحسار رمزية الحقبة السورية في لبنان، مقابل تكريس رموز ثقافية لبنانية في الفضاء العام.

وكانت الجادة قد حملت اسم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد منذ عام 1998، في مرحلة النفوذ السوري الواسع في لبنان. أما الاسم الجديد فيحمل اسم الفنان والمسرحي اللبناني الراحل زياد الرحباني، الذي توفي في يوليو 2025.

الولاءات الخارجية

ويوضح مراد أن مسألة الولاءات الخارجية تُعد جزءاً من الأزمة اللبنانية المزمنة المرتبطة بالاصطفافات الإقليمية، إلا أنه يلفت إلى أن علاقة أي طرف لبناني بدولة خارجية لا تشبه طبيعة العلاقة القائمة بين إيران و«حزب الله». ويؤكد أن القوى اللبنانية التي ترى نفسها اليوم أقرب إلى الولايات المتحدة تدرك في الوقت نفسه أن حسابات واشنطن الاستراتيجية قد تتعارض مع المصالح اللبنانية، وهو ما ظهر، حسب رأيه، خلال محطات تاريخية عدة، أبرزها عام 1975 ولاحقاً عام 1990.


مقالات ذات صلة

إصابة 3 عسكريين لبنانيين خلال تفكيك ذخائر في جنوب البلاد

المشرق العربي جنود في الجيش اللبناني يعاينون الأضرار الناتجة من انفجار استهدف آلية عسكرية ببلدة المنصوري جنوب البلاد (أرشيفية - أ.ف.ب)

إصابة 3 عسكريين لبنانيين خلال تفكيك ذخائر في جنوب البلاد

أعلن الجيش اللبناني، اليوم السبت، إصابة ثلاثة عسكريين خلال تفكيك ذخائر غير منفجرة في جنوب البلاد.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أقارب وعائلات أسرى لبنانيين لدى إسرائيل يعتصمون في وسط بيروت ويرفعون صورهم (أرشيفية - إ.ب.أ)

إسرائيل تحيي ملف يهود لبنان لإحباط مطالب بيروت بـ34 أسيراً

ردت إسرائيل على المطالب اللبنانية بالإفراج عن 34 أسيراً لبنانياً لديها بمطلب «تعجيزي»، تمثل في تقديم لائحة بأسماء يهود لبنانيين فقدوا خلال الحرب الأهلية.

نذير رضا (بيروت)
خاص دورية لقوات «اليونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

خاص قوات أوروبية مطعّمة «إسلامياً» الأوفر حظاً لمرحلة ما بعد «يونيفيل»

أوضح مصدر وزاري أن المقصود بحصول تقدم في ملفّي الحدود والأسرى بالجولة السابعة في مفاوضات «روما 2» يكمن باستعداد الوفد الإسرائيلي المفاوض للبحث فيهما

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي ناشطون أمام القصر العدلي بدمشق يطالبون بتجريم رموز حقبة الأسد في يونيو الماضي (فيسبوك)

لبنان: توقيف ضابط سوري سابق متهم بارتكاب «جرائم ضدّ الإنسانية»

ألقت السلطات اللبنانية القبض على قائد الفرقة 17 في الجيش السوري السابق، اللواء عادل عيسى، لدى وصوله إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة إدارية

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي السفير الفلسطيني السابق في بيروت أشرف دبور (متداولة)

القضاء اللبناني يوصي بتسليم أشرف دبور إلى رام الله

حسم القضاء اللبناني قراره في ملفّ السفير الفلسطيني السابق لدى لبنان أشرف دبور، الموقوف في بيروت على خلفية اتهامات بـ«اختلاس أموال عائدة إلى السفارة الفلسطينية».

يوسف دياب (بيروت)