مثّلت خسارة الولايات المتحدة أمام بلجيكا نتيجة ربما كانت الأنسب لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو؛ إذ خفّفت حدة الجدل الذي تصاعد مجدداً بشأن علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، بعدما وُضع «فيفا» في مرمى الانتقادات بسبب قراره المثير للجدل بإلغاء إيقاف مهاجم المنتخب الأميركي فلورين بالوغون قبل مواجهة بلجيكا، وذلك وفقاً لشبكة «The Athletic».
وخلال رئاسة إنفانتينو، اعتاد متابعو كرة القدم على سلسلة من القرارات المثيرة للجدل، في وقت واصل فيه رئيس «فيفا» تعزيز نفوذه داخل اللعبة، وسط معارضة محدودة من الاتحادات الوطنية التي استفادت من ارتفاع عائدات الاتحاد الدولي.
ورغم الانتقادات التي طالت أسعار التذاكر، نجحت البطولة في استقطاب جماهير كبيرة، كما أسهم تألق نجوم مثل ليونيل ميسي وكيليان مبابي وجود بيلينغهام وإيرلينغ هالاند في تحويل الأنظار إلى المنافسات داخل الملعب، فيما تجاوزت الولايات المتحدة وكندا والمكسيك التحديات التنظيمية، ونجحت منتخباتها في بلوغ دور الـ16، مما عزّز أجواء النجاح في الأسابيع الأولى للبطولة.
غير أن هذا المشهد تبدّل سريعاً عندما أعلن «فيفا» تعليق عقوبة بالوغون، قبل أن يتبيّن أن ترمب وعدداً من مساعديه، بينهم وزير التجارة هوارد لوتنيك ومدير فريق عمل البيت الأبيض للمونديال أندرو جولياني، تدخلوا مطالبين بإعادة النظر في القرار، وهو ما أعاد إلى الواجهة الاتهامات بوجود نفوذ سياسي في قرارات الاتحاد الدولي.
وأكد «فيفا» أن اتصال ترمب لم يؤثر في القرار، لكنها لم تقدم تفسيراً واضحاً لسبب إلغاء عقوبة اعتُبرت داخل أوساط اللعبة مستحقة، كما لم توضح ما إذا كان الحكم أو تقنية الفيديو قد ارتكبا خطأ في الواقعة، وهو ما زاد حدة الانتقادات.
وزاد ترمب الجدل عندما كشف بنفسه عن أنه تحدث مع إنفانتينو مطالباً بمراجعة القرار، قائلاً إنه رأى أن المخالفة لا تستوجب العقوبة، وإن غياب أحد أبرز لاعبي المنتخب الأميركي كان سيترك «وصمة كبيرة» على البطولة، مع تأكيده أنه لم يطلب من رئيس «فيفا» اتخاذ قرار بعينه.
وأثار ذلك غضباً واسعاً داخل أوروبا، حيث رأت اتحادات عدة أن القرار يمثّل سابقة خطيرة. ووصف مدرب بلجيكا رودي غارسيا الخطوة بأنها تمس «نزاهة وأخلاقيات» اللعبة، في حين أكد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم أن «فيفا» تجاوز «خطاً أحمر»، ووصفت اتحادات سويسرا والنرويج وألمانيا وإيطاليا القرار بأنه غير مبرر ويهدد مصداقية المنافسة، قبل أن يصدر اتحاد أميركا الجنوبية بياناً يدافع فيه عن الحكم البرازيلي رافائيل كلاوس، وهو الموقف الذي دعّمته «فيفا» لاحقاً عبر رئيس لجنة الحكام بييرلويجي كولينا.
وجلس إنفانتينو في المدرجات إلى جانب رئيسة الاتحاد البلجيكي باسكال فان دام وهو يدرك أن فوز الولايات المتحدة، مع إسهام حاسم من بالوغون، كان سيحول القضية إلى أزمة أكبر، وربما يفتح الباب أمام تصعيد قانوني أمام محكمة التحكيم الرياضية. إلا أن انتصار بلجيكا خفّف الضغوط مؤقتاً، بعدما حُسمت المباراة داخل الملعب.
ورغم انحسار الأزمة، يرى التقرير أن القضية تركت أثراً يصعب محوه من هذه النسخة، لأنها مست جوهر المنافسة داخل الملعب، وهو الجانب الذي يفترض أن يبقى بعيداً عن أي تدخل سياسي. كما كشفت حدود العلاقة الوثيقة التي بناها إنفانتينو مع ترمب، بعدما تحولت من مصدر نفوذ إلى عبء على صورة الاتحاد الدولي.
ولم تكن هذه الواقعة الوحيدة التي أثارت الجدل خلال البطولة؛ إذ شهد المونديال انتقادات بسبب قيود السفر والتأشيرات، بعدما مُنع الحكم عمر عبد القادر أرتان من دخول الولايات المتحدة. كما اشتكى قائد إيران مهدي طارمي من الظروف التي رافقت مشاركة منتخب بلاده، في حين تحدث حارس الرأس الأخضر فوزينيا عن عدم تمكن والدته من حضور المباريات بسبب مشكلات التأشيرة، وانتقد قائد السنغال كاليدو كوليبالي استمرار معاناة الجماهير الأفريقية من قيود السفر.
إنفانتينو يواصل تقديم كأس العالم بصفتها بطولة توحد العالم، وقد نجحت في ذلك خلال كثير من لحظاتها، إلا أن الأزمات السياسية التي أحاطت بها أظهرت في المقابل كيف يمكن لكرة القدم أن تتحول إلى ساحة جديدة للخلافات الدولية، تاركة وصمة جديدة على نسخة كان يأمل رئيس «فيفا» أن تُذكر فقط بما جرى داخل المستطيل الأخضر.
