سعد الفرج: كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه

تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره «مهرجان أفلام السعودية»

الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
TT

سعد الفرج: كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه

الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)

6 عقود من العطاء، ومئات الشخصيات، ومسرح ارتبط اسمه برائحة «الزمن الجميل» وأمجاد الماضي... ومع ذلك، لا يرى الفنان الكويتي القدير، سعد الفرج، أنّ ما حقّقه يوازي أحلامه الأولى؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عن رؤيته للمرحلة التي يقف عندها اليوم، تنهَّد مستشهداً بالبيت الشعري: «ألا ليت الشباب يعود يوماً»، قبل أن يضيف: «تمنّيت لو كانت لديَّ طاقة لأقدّم أكثر من ذلك... كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه».

جاء حديث الفرج على هامش حضوره إلى «مهرجان أفلام السعودية»، الذي يختتم دورته الثانية عشرة، اليوم (الخميس)، حيث حضر برفقة ابنه المخرج مجبل الفرج لمشاهدة عرض الفيلم الوثائقي «بقشة سعد»، الذي يستعرض محطات من حياته منذ الطفولة، مروراً بمسيرته الفنية، وصولاً إلى المكانة التي احتلها وجعلته أحد أبرز روّاد الفن الخليجي.

الفنان سعد الفرج وابنه مجبل الفرج لحظة وصولهما (المهرجان)

البدايات في الفنطاس

يعتمد الفيلم على حديث الفرج نفسه، الذي يبدأ من ولادته في قرية الفنطاس ببداية الأربعينات من القرن الماضي، حيث لم يتجاوز عدد سكانها 300 نسمة، وكانوا يعيشون على الغوص والزراعة. وفي سنّ السادسة التحق بمعلم القرية، الملا مزعل، وختم القرآن الكريم في سنّ التاسعة. ويشير الفرج إلى أنه لم يكن متأكداً مما إذا كان قد وُلد عام 1940 أو 1941، إذ لم تكن شهادات الميلاد تُصدر آنذاك. وعندما بلغ التاسعة استُخرجت له أوراق ثبوتية، ثم التحق بأول مدرسة نظامية في قريته، وهي «مدرسة الفنطاس».

ويبدو الحنين طاغياً في حديث الفرج عن الفنطاس، التي يصف الحياة فيها بأنها كانت جميلة، وكان أهلها مولعين بالطرب والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية. كما يستحضر النقلة الكبيرة التي شهدتها حياته قبل الفنطاس وبعدها، قائلاً: «عندما أتذكر تلك الأيام، أحمد الله كثيراً... كنا نشرب من الآبار، ولم تكن لدينا كهرباء، كانت العيشة صعبة وشاقة».

من الكتابة إلى المسرح

يقول: «عشقي للكتابة والتمثيل بدأ منذ الطفولة»، مسترجعاً قصة كتبها في المرحلة الابتدائية، وعُلقت على لوحة الشرف في «مدرسة الفنطاس». وكانت القصة، التي لم تتجاوز الصفحة، تدور حول حريق اندلع في منزل أسرة، لينتهي المشهد بالأم وهي تحتضن طفلها الذي ينجو، بينما تموت هي. وأشار إلى ولعه بجلسات الأحاديث والقصص التي كان يحرص على حضورها باستمرار، لا سيما قصص «الملا ناصر».

وفي صباه، كان يتحمّس كل ليلة ثلاثاء ليذهب مع أصدقائه إلى السينما في الفحيحيل، التي كانت مخصَّصة لموظّفي شركة النفط. وكان يتعلّق بإحدى السيارات ليتمكّن من مشاهدة الفيلم، ويروي تلك التفاصيل بروح ساخرة، مستعيداً زمناً لم تكن فيه دُور السينما متاحة للجميع.

وتطرَّق حديث الفرج إلى أبرز المراحل التي عاشها قبل أن يصبح شاباً ويلتحق بوظيفة «كاتب» في جهة حكومية براتب زهيد، ثم استدرك قائلاً: «بعدها بأشهر شعرتُ بالحنين إلى الدراسة وندمتُ على تركها، فاتّجهتُ إلى الثانوية التجارية بمدينة الكويت لأدرس في الفترة المسائية، بينما بقيتُ أعمل نهاراً في دائرة الأشغال».

ومع حضور رائد المسرح المصري، زكي طليمات، إلى الكويت في بداية عقد الستينات، تقدَّم الفرج إلى الامتحان الذي كان يجريه، فوقع عليه الاختيار. وحاول بعد ذلك التوفيق بين عمله الحكومي، ودراسته في الثانوية التجارية، وعمله في المسرح: «كنت حينها أبحث عن نفسي، فوجدت ضالتي في المسرح، وتفرّغت للمسرح العربي عام 1962».

الفرج في حديث ودّي سبق دخوله إلى عرض الفيلم الوثائقي (المهرجان)

الفرج، الذي يكفي التأمّل في ملامح وجهه لقراءة تاريخ الكويت الفنّي والاجتماعي والسياسي بصدق، وتختبئ في تجاعيد صوته ونظرات عينيه حكايات جيل بأكمله؛ يُظهر الفيلم الوثائقي أنّ أعماله لم تكن منفصلة عن محيطها، وإنما واكبت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها البلاد. وتوقّف عند مسرحيات مثل «بني صامت» و«حامي الديار»، حيث حضرت الأسئلة السياسية والاجتماعية من خلال الرمز والسخرية، بينما عكست أعماله الأخرى هموم المواطن اليومية وتحولات المجتمع الكويتي.

ويتناول الفيلم أيضاً ثنائية الفرج مع الفنان الكويتي الراحل عبد الحسين عبد الرضا؛ إذ أسَّسا معاً فرقة المسرح الوطني، وقدّما عدداً من أنجح المسرحيات في تاريخ الفن الكويتي، كان آخرها «على هامان يا فرعون». وبالتوازي مع ذلك، قدّما أعمالاً تلفزيونية بارزة، من أشهرها «درب الزلق» و«الأقدار»، وهي أعمال أصبحت جزءاً من تاريخ الفن الخليجي.

«بقشة سعد»... رحلة عام ونصف العام

في ختام العرض، تحدَّث المخرج مجبل الفرج عن تجربته في إنجاز الفيلم، قائلاً: «كانت مهمّة سهلة وصعبة في الوقت نفسه؛ سهلة لأنني أعرف والدي، وصعبة لأنني كنت أريد إخراج الفيلم بطريقة ترضيه أولاً». وأوضح أن العمل استغرق نحو عام ونصف العام، استحوذ الجانب الأرشيفي على الجزء الأكبر منها، نظراً لما يتضمّنه «بقشة سعد» من صور ومقاطع فيديو نادرة توثّق محطات مختلفة من حياته.

لكن اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت بعد انتهاء العرض، حين وجه أحد الحضور سؤالاً مباشراً إلى سعد الفرج: «ماذا كسبت من الفنّ بعد هذه الرحلة الطويلة؟». نهض الفنان الثمانيني استعداداً للإجابة، إلا أن موجة طويلة من التصفيق قاطعته قبل أن ينطق بكلمة. انتظر حتى هدأت القاعة، ثم ابتسم وقال: «ما كسبته هو هذا التصفيق الحارّ منكم».


مقالات ذات صلة

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

يوميات الشرق محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

مع الاحتفال بانتصارات السادس من أكتوبر في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

أعلنت «استوديوهات MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق اختار المخرج أن تكون الطبيعة بطلة فيلمه الجديد (الشركة المنتجة)

ديربورانس: «زمن الحيوانات»... رحلة سينمائية داخل عالم الحياة البرية

قال المخرج السويسري فينسنت شابلوز إن علاقته بمنطقة ديربورانس في بلده تعود إلى طفولته، وإن معرفته الطويلة بالمكان دفعته إلى تقديمه في فيلمه الوثائقي.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق العلا تنتظر عشاق الأفلام في تجربة سينمائية جديدة (الشرق الأوسط)

في العلا... حكايات «السينما عن قرب»

في العلا السعودية، حيث تحمل الصخور والواحات طبقات من الحكايات، تفتح السينما نافذة أخرى تطل على المكان، وتجمع الجمهور بصنّاع الأفلام حول قصصهم وتجاربهم...

إيمان الخطاف (الدمام (شرق السعودية))
يوميات الشرق تصوير الفيلم في القدس مر بصعوبات عدة (الشركة المنتجة)

مُؤيد عليان: «حوار مع البحر» وُلد من واقعة عاشتها عائلة زوجتي

قال المخرج الفلسطيني مؤيد عليان إن فيلمه «حوار مع البحر» لم يبدأ من فكرة سينمائية مجردة، وإنما خرج من واقعة حقيقية عاشتها عائلة زوجته.

أحمد عدلي (القاهرة)

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
TT

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)

تخيّل شخصاً ما، سياسياً مشهوراً أو صديقاً من أيام الطفولة، يتمتع بشخصية آسرة؛ شخصاً يُنير المكان والقلوب بمجرد حضوره. ما سر جاذبيته؟ هل يكمن في مظهره، أم طريقة حركته وكلامه، أم شخصيته وسلوكه، أم إنجازاته؟

الكاريزما، التي تعني في اليونانية «هبة إلهية»، لطالما أحاط بها الغموض. قبل قرن من الزمان، وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة. ورغم غموضها وصعوبة تحديدها، فإننا ندرك سحرها بسهولة، سواء على شاشاتنا أو في حياتنا اليومية.

يُجري جون أنطوناكيس، من جامعة لوزان، أبحاثاً حول الكاريزما منذ أكثر من عقد، ويسعى إلى تبسيط مفهومها وجعله في متناول الجميع. وقد يبدو تحليل ما يُعد غامضاً وتحويله إلى عناصر بسيطة أشبه بإضاءة الأنوار في عرض سحري، لكن أنطوناكيس توصل إلى استنتاج لافت: الكاريزما مهارة يمكن اكتسابها.

أهمية الرابطة العاطفية

فبدلاً من كونها هبة مقدسة حكراً على «أشخاص مميزين»، يستطيع معظمنا تعزيز جاذبيته الشخصية من خلال بعض الأساليب البسيطة. والأهم أن هذه الأساليب، المعروفة بأساليب القيادة الكاريزمية، أثبتت فاعليتها في المختبرات البحثية كما في الواقع العملي، سواء في قاعات الدراسة أو مجالس الإدارة أو الحملات الانتخابية الرئاسية.

ويبحث أنطوناكيس، بالتعاون مع زملائه، في كيفية تأثير طريقة كلامنا ومضمونه على الكاريزما، وفق موقع «سيكولوجي توداي»، والفرضية بسيطة: إذا أراد شخص ما، لنسمّه «س»، أن يشعل شرارة الكاريزما، فهو يحتاج إلى مستمع، لنسمّه «ص». ولكسب انتباه «ص» وثقته واحترامه، يتعيّن على «س» إيصال أفكاره بطريقة تساعد المستمع على فهم الرسالة والتفاعل معها وتذكرها.

بعبارة أخرى، يجب على المتحدث أن يُنشئ رابطاً عاطفياً مع مستمعه. وهنا تبرز أهمية أساليب التواصل. فمن خلال إثراء الكلام بالاستعارات والقصص والصور، وإلقائه بالصوت والإيماءات المناسبة، يستطيع المتحدثون تعزيز جاذبيتهم وإظهار سحر طبيعي في نظر جمهورهم.

أسرار مجهولة عن الكاريزما

ورغم أن العلم قطع شوطاً طويلاً في استكشاف سحر الكاريزما، لا يزال الكثير من أسرارها مجهولاً. فمن المذهل أن نكتسب رؤى حول سيكولوجية الإلهام، وأن نرى كيف تستمر فلسفة أرسطو القائمة على الأخلاق والعاطفة والمنطق في لعب دور في جذب انتباه الجمهور، وأن نتعلم أساليب للتواصل والتأثير وإثارة المشاعر وغرس الأحلام وتغيير حياة الناس بالكلمات.

ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يتمنى لو أن بعض الأمور المتعلقة بإنسانيتنا وجاذبيتنا والسحر الذي يمكن أن نلقيه بعضنا على بعض تظل غامضة؛ تماماً مثل ساحر وأسراره، أو مثل «خاريس»، إلهة السحر في الأساطير اليونانية وجمالها.

ما الذي يجعل شخصاً ما يتمتع بالكاريزما؟

تتعدد مصادر الكاريزما، ومنها المظهر والسلوك والكلام. فالممثلات، مثل مارلين مونرو، قد يتمتعن بالكاريزما في المقام الأول بفضل مظهرهن. وقد يبدو الرياضيون جذابين بفضل قدراتهم الاستثنائية في الملعب.

حتى معرفة أداء شخص ما في الماضي، سواء إنجازاته أو إبداعه، قد تجعله يبدو أكثر جاذبية، كما في حالة ستيف جوبز. ويعتمد الأمر إلى حد كبير على مقدار ما تعرفه عن الشخص.

فإذا لم تكن لديك معلومات كافية عنه، يلعب المظهر وإشارات الأداء دوراً كبيراً. أما إذا كنت تعرف عنه معلومات كافية، كما هو الحال مع المرشحين خلال الانتخابات، يصبح الكلام أكثر أهمية، وقد يتفوق حتى على المظهر.

هل الكاريزما سمة شخصية أم مهارة أم موهبة؟

إنها مزيج من الطبيعة والتنشئة. فبينما قد يمتلك بعض الأشخاص قدرة فطرية على أن يكونوا أكثر جاذبية، ينظر أنطوناكيس إلى الكاريزما باعتبارها «إشارة قيادية عاطفية ورمزية وقائمة على القيم».

فعندما نلتقي الآخرين للمرة الأولى، نعتمد على هذه الإشارات للتعبير عن كفاءتنا وثقتنا، ولتقريب وجهات النظر بيننا. وهذه الآليات الإشارية قابلة للتدريب.

فقد يتعلم بعض الأشخاص أساليب متنوعة من خلال التجارب والقدوة، ويستخدمونها دون أن يدركوا ذلك، في حين يحتاج آخرون إلى مزيد من التدريب والممارسة.

ورغم أن الذكاء والانفتاح على الآخرين من العوامل المساعدة، ترتبط الكاريزما ارتباطاً وثيقاً بالتحدث بطريقة تجذب انتباه الآخرين.

أما بشأن ما إذا كانت الكاريزما «موهبة»، فيرى أنطوناكيس أنها موهبة قابلة للتعلم وليست هبة إلهية، إذ أصبح الباحثون قادرين على دراستها وقياسها وتطويرها، كما باتت برامج الحاسوب قادرة على تحديد مدى براعة الأفراد في استخدام مهارات الخطابة ولغة الجسد.

هل يمكن اكتساب الكاريزما؟

لا يقتصر صقل الكاريزما على القادة، إذ يمكن الاستفادة من هذه المهارات في مختلف المجالات والمهن التي تعتمد على بناء روابط عاطفية مع الآخرين.

وفي برنامجه التدريبي، يطلب أنطوناكيس من المشاركين إلقاء خطاب حول موضوع محدد. وبعد ذلك، وبعد شرح نظرية الكاريزما وتوضيحها بالتفصيل، يُعاد صياغة الخطابات لتشمل أساليب التواصل العاطفي. ثم يتدرب المشاركون على إلقائها مرة أخرى، هذه المرة بالاستعانة بأساليب التواصل غير اللفظية.

كيف تُقاس الكاريزما؟

لقياس الكاريزما، يحلل باحثون مثل أنطوناكيس الطريقة التي يتحدث بها الأشخاص. ويدرسون، جملةً جملة، مدى استخدامهم أساليب الكاريزما التسعة، كما ينظرون إلى طريقة الكلام نفسها، بما في ذلك الصوت والإيماءات وتعبيرات الوجه.

ووجد أنطوناكيس أن قوة الكلمات تتفوق على السلوكيات غير اللفظية عندما يتعلق الأمر بالكاريزما. ويقول: «يمكنني أن ألوّح بيدي بعنف، لكن إذا كنت أتحدث بكلام فارغ، فلن أبدو شخصاً كاريزماتياً».

ويشير إلى قادة مثل المهاتما غاندي ومارغريت ثاتشر ونيلسون مانديلا وكوفي عنان، الذين يُنظر إليهم على نطاق واسع باعتبارهم شخصيات كاريزمية، رغم محدودية استخدامهم للسلوكيات غير اللفظية في خطاباتهم.

ويوضح أنطوناكيس: «كان عنان يتحدث بصوت رتيب، وكان من الصعب سماع غاندي وهو يتحدث، ولم يكن مانديلا أفضل المتحدثين من حيث النطق، في حين كانت ثاتشر هادئة ومتزنة ولم تكن تستخدم الإيماءات كثيراً. ومع ذلك، عندما كانوا يتحدثون، كانوا يتركون جمهورهم مفتوناً».

كيف تعرف ما إذا كنت تتمتع بالكاريزما؟

يقترح أنطوناكيس النظر إلى مقدار تأثيرك في الآخرين. لكنه يشير إلى أن عنصراً أساسياً في تأثير الكاريزما يتمثل في وجود توافق في القيم.

فحتى إذا كنت تتمتع بقدر كبير من الكاريزما، لن يكون من السهل بالضرورة إقناع الآخرين إذا كانوا يختلفون معك في القيم. ويمكن للقادة الكاريزماتيين أن يكونوا محبوبين من جانب الأشخاص الذين يشاركونهم قيمهم، ومكروهين من جانب من لا يشاركونهم تلك القيم.


فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
TT

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

هواة المسلسلات المقتبسة عن أعمالٍ أدبيّة من العيار الثقيل، سيستمتعون من دون أدنى شكّ بـ«شرق عدن» East of Eden على «نتفليكس». يُعيد العمل الدراميّ بحلقاته الـ7 رواية الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل جون ستاينبيك (1902- 1968) إلى الشاشة، متعاملاً معها بوفاءٍ وسخاء. فنحن أمام مسلسلٍ ما عاد يُصنَع الكثير من طرازه الهوليووديّ الرفيع؛ بدءاً بالنص المقتبس بأناقةٍ عن الكتاب، وبالحقبة التاريخية المنقولة بحذافيرها (1862 - 1918)، إلى الصورة المحترفة تقنياً وجماليّةً، مروراً بالمواقع والأزياء والموسيقى، وليس انتهاءً بأداء الممثلين الذي يُثري الشاشة بعيداً عن أي مبالغةٍ أو استفاضة.

من بين هؤلاء، تلمع فلورنس بيو كشهبٍ لاهبٍ يمتدّ من أول المسلسل إلى آخره، صانعةً من كل ما لا يمتُّ للبطولة بصِلة بطولةً بحدّ ذاتها. ففي شخصيتها، تحمل «كاثي» جميع مقوّمات البطلة المضادّة أو ما يُعرَف بـanti hero، غير أنّ الممثلة البريطانية تجعلها مضيئةً رغم سوادها، ومُبهرةً رغم وحشيّتها، وبرّاقةً رغم تشوّهاتها الكثيرة، ومحبوبةً رغم كل أسباب الكُره التي تجتمع فيها.

كاثي هي أوّل صوتٍ يُسمَع في المسلسل. تقول: «أعتقد أن هناك وحوشاً تُولَد في هذا العالم لأبوين بشريَين. قد يولد الطفل سليماً تماماً، لكنه يفتقر إلى الطيبة أو الضمير». لن نستنتج سوى لاحقاً أنها كانت تتحدّث عن نفسها، وهي مرميّة كجثّة مضرّجة بالدماء عند عتبة عائلة «تراسك».

في البيت المعتم في ولاية كونيتيكت، والذي أضنته سنواتٌ من الصراع الصامت حيناً والصارخ أحياناً بين الأخوَين «آدم» و«تشارلز» الشبيهَين بنسخةٍ مستحدثة عن قاييل وهابيل، تستعيد كاثي عافيتها تدريجياً. بعنايته ورقّته وحبّه النقيّ، يُعيدها الأخ البكر آدم تراسك إلى الحياة، بينما يحذّره أخوه غير الشقيق تشارلز من الاسترسال في حبّها لأنه يبصر ما هو مخبّأ خلف ملامحها الملائكيّة البريئة.

على شفير الموت وغارقةً في دمها تصل كاثي إلى منزل آل تراسك (نتفليكس)

يجب الانتظار بضع حلقات لاكتشاف ما الذي حلّ بكاثي فوصلت غارقةً في دمها إلى منزل آل تراسك. كما ترفع الحلقات التالية تدريجياً الغطاء عن ماضيها، منذ الطفولة التي تحمل آثار صدمةٍ لا يُشار إليها سوى تلميحاً، مروراً بعلاقتها بأستاذها في المدرسة والذي انتحر بسببها، وصولاً إلى حَرقها بيت والدَيها والقضاء عليهما عن سابق تصوّر وتصميم، قبل أن تهرب إلى مكانٍ مجهول.

هذه كاثي في الـ14 من عمرها. ارتكبت كل ذلك وهي بعدُ طفلةً بوجهِ ملاك. أما عندما تحلّ ضيفةً على بيت الشقيقَين، فهي شابّة في سن الـ19، تحمل كل أسرار الكون في عينيها المتقلّبتَين بين أقصى الخير وأقصى الشرّ. وفلورنس بيو بارعةٌ في أداء تلك التقلّبات، كما لو كانت شيطاناً وملاكاً في آن، تفصل بينهما بلمحةِ بصر. تسكن كاثي في رأس الممثلة، تتلبّس روحَها، وكأنّ بيو تستمتع بكلِ كلمةٍ تنطقها بلسان الشخصية، وبكل حركة من جسمها، وبكل لفتة عين، وحتى بكلّ دقيقة صمت.

هي العروس في بيت تراسك، المحبوبة التي تتسبّب بمزيدٍ من الشرخ بين أخوَين أمضيا طفولتهما وشبابهما في منافسةٍ على إرضاء والدَيهما. وعندما رحلَ الأب الديكتاتور، دخل البيتَ من هو أكثر منه توحُّشاً: كاثي، زوجة آدم.

كاثي في صورة الزفاف التي تجمعها بعريسها آدم وشقيقه تشارلز (نتفليكس)

بين كاثي والشرّ عقدٌ مفتوح، لا تنتهي مدّة صلاحيّته. في كاليفورنيا التي يقصدُها الثنائيّ بحثاً عن بدايةٍ جديدة، تفتتح الرحلة بمحاولة إجهاض نفسها. ثم تغرق في اكتئابٍ حادّ بعد فشل المحاولة. تدّعي الإصابة بمرضٍ متوارث عندما يسألها الطبيب عن سبب فعلتها، وفي اليوم الذي تضع توأمها لا تلتفتُ حتى إليهما. ترفض إرضاعهما ورعايتهما قاطعةً أي صلةٍ بينها وبين الأمومة. وما إن تجدَ الظرف مواتياً، حتى توضّب حقيبتها وتغادر البيت هاجرةً طفليها وزوجها المصاب برصاصة أطلقتها هي.

مع كل فصلٍ جديد من فصول كاثي، يظنّ المُشاهد أنها بلغت أقصى الوحشيّة وأنّ طريق التوبة لا بدّ سيبدأ. غير أنها تغرق في المزيد، كأن تختار بملء إرادتها العودة إلى عالمٍ لطالما انتمت إليه، وهو عالم بائعات الهوى. تدخل بيتاً للدعارة مع مخطّطٍ للتخلّص من مالكتِه واحتلال مكانها. لا شرّ يستعصي على كاثي، فكلّ ما يسهّل الوصول مبرَّرٌ بالنسبة إليها.

تهجر كاثي زوجها وطفلَيها للعمل في بيت دعارة (نتفليكس)

في حواراتها الداخلية، تقدّم كاثي تبريراتٍ لكلّ أفعالها، وأغرب ما في الأمر أنّ المُشاهد سيَجد نفسَه متورّطاً معها إلى درجة التصديق والتعاطف. أداء فلورنس بيو المغناطيسيّ يوثّق تلك العلاقة بين الجمهور وكاثي، كما أنّ ماضيها الأشبَه بلُغز وطفولتها المجروحة يغطّيان «خطاياها» جزئياً. يُضاف إلى ذلك كَمٌّ هائلٌ من الصدق والصراحة، فكاثي لا تُنكر أمام الآخرين ولا أمام نفسها أنها امرأةٌ بلا قلب. هي متصالحة مع الشرّ الذي يسكنها والذي أوصلها في أحد الأيام إلى الاقتراح على زوجها أن يرمي طفليهما في البئر.

لا توفّر سُمّاً ولا تزويراً ولا سلاحاً للوصول إلى هدفها: تريد أن تصبح امرأةً مستقلّة مادياً، لا تستندُ إلى أي رجلٍ كي تعيش.

في عالم كاثي... الغاية تبرّر الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة سُمّاً تقتل به ضحاياها (نتفليكس)

إذا كان معظم شخصيات الحكاية قد ورثَ وحشيّته عن الآباء والأجداد، فإنّ المفارقة شاءت أن ترث كاتبة العمل ومخرجتُه زوي كازان هي الأخرى مهمة إحياء القصة عن جدّها المخرج المخضرم إيليا كازان.

عام 1955، قدّم كازان الجدّ رواية ستاينبيك على هيئة فيلم سينمائي من بطولة جيمس دين. وبعد أكثر من 70 سنة، أعادت الحفيدة الحكاية إلى الشاشة مع تعديلاتٍ ليس أوّلها وضع شخصية كاثي في الصدارة، بعد أن كانت مهمّشة في الفيلم. فقد تعمّدت زوي كازان عصرنة السرديّة بما يتماشى مع الزمن الحاليّ. رغم حفاظها على الإطار التاريخي ووفائها لتفاصيل الكتاب، فقد ألقت الضوء على زوايا جديدة آخذةً في الاعتبار النسويّة التي يجسّدها تَحَرُّر كاثي، وإن بشكلٍ مشبوه. كما منحت المخرجة بُعداً إنسانياً حتى للشخصيات الأكثر شراً، وذلك من خلال إثارة التعاطف معها على قاعدة أنّ كل شرّيرٍ هو في الأساس ضحيّة لشرٍ أكبر منه.

الصراع الأبدي بين الخير والشرّ في قلب الحكاية (نتفليكس)

حاز مسلسل East of Eden على ثناء النقّاد وإعجاب المُشاهدين، بدليل أنه تَصدّر فوراً قوائم «نتفليكس» للأعمال الأكثر مشاهدةً. إنها دراما ناجحة شكلاً ومضموناً، لكن فلورنس بيو منحتها مزيداً من البريق. يكفي أن تغيب كاثي عن مشهد حتى يبهت، مهما كانت أحداثه مثيرة.


استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
TT

استطلاع يعيد محيي إسماعيل للأضواء في حلة «الضابط الإسرائيلي»

محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)
محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي» (فيسبوك)

مع الاحتفالات المصرية بانتصارات السادس من أكتوبر (تشرين الأول) في الحرب ضد إسرائيل، استعاد عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» الأفلام التي تناولت الحرب، ومن قبلها حرب السنوات الست المعروفة بـ«حرب الاستنزاف»، وظهر اسم الفنان المصري محيي إسماعيل ضمن استطلاع «سوشيالي» حول أفضل الممثلين الذين جسّدوا دور «الضابط الإسرائيلي».

ولمع اسم محيي إسماعيل تحت الأضواء «السوشيالية»، وتصدر «الترند» على «إكس» في مصر، الاثنين، مع نشر مقاطع من أفلام سينمائية وأخرى وثائقية عن حرب أكتوبر، ونشر صور أربعة فنانين قدموا دور «الضابط الإسرائيلي» في السينما، وهم: محيي إسماعيل في فيلم «الرصاصة لا تزال في جيبي»، ويحيى الفخراني في فيلم «إعدام ميت»، وشريف منير في فيلم «أولاد العم»، وإياد نصار في فيلم «الممر».

وجاءت أغلبية التعليقات مرجحة كفة الفنان محيي إسماعيل باعتباره أكثرهم إتقاناً للدور، وكتب أحد المتابعين: «طبعاً كهيئة وأسلوب محيي إسماعيل استطاع أن يقنع المشاهدين بدوره كضابط إسرائيلي لدرجة أني كنت معتقداً وأنا صغير أنه إسرائيلي بالفعل؛ لتشابهه الكبير معهم، وخاصة في الأنف المعقوف».

وكتب متابع آخر: «رغم أن يحيى الفخراني من أقوى الممثلين، فإن الدور لم يناسبه ولم يكن مقنعاً إطلاقاً بسبب تكوينه الجسدي، ولم تشفع له عيونه الملونة»، مضيفاً: «محيي إسماعيل رهيب في التقمص والتجسيد، وساعده في ذلك هيئته الجسدية وشكله، بينما إياد نصار وكذلك شريف منير ممثلين كويسين لكن بيمثلوا».

ويرى الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات التالية لحرب أكتوبر كان لها وقع حماسي على الجمهور في وقتها، لكنها إلى الآن تأخذ منحى آخر، ربما هناك جيل جديد لا يعرف عن محيي إسماعيل سوى لقطاته الكوميدية، ولا يعرف قدراته التمثيلية الكبيرة».

الفنان محيي إسماعيل اشتهر بالأدوار المركبة (فيسبوك)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مثل هذه المناسبات والاستطلاعات من شأنها إعادة تسليط الضوء على مواهب كبيرة في هذه المناسبات مثل الفنان أحمد زكي الذي قدم دور الجندي أكثر من مرة، وغيره من الفنانين، لتكون بمنزلة إعادة تقييم أو رد اعتبار لفنانين موهوبين لم يحظوا بفرص كبيرة تبرز حجم موهبتهم».

ويرى المتخصص في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي معتز نادي أن «الاستطلاعات على (السوشيال ميديا) يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في إعادة أسماء فنية وأعمال قديمة إلى دائرة الاهتمام؛ لأنها تحول الذاكرة الجماعية إلى تفاعل مباشر وقابل للقياس»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «عندما تسأل الجمهور مثلاً عن أفضل ممثل جسّد الدور الفلاني في الذكرى الفلانية، أو عن الفيلم الأكثر ارتباطاً بحرب أكتوبر، فأنت لا تجمع أصواتاً فقط؛ فهي محاولة لدفع الناس إلى استدعاء مشاهد وأسماء ربما غابت عن التداول لسنوات».

ويلفت نادي إلى أن «قوة هذه الاستطلاعات تكمن في أنها قد تعيد ممثلاً قديماً إلى واجهة النقاش، وتدفع جيلاً أصغر إلى البحث عنه ومشاهدة أعماله، فتتحول الذكرى إلى دورة محتوى جديدة تشمل فيديوهات قصيرة (ريلز)، ومقاطع أرشيفية، وقصصاً عن النجوم، ومقارنات بين اختيارات الأجيال».

ويقترح نادي التعامل مع النتائج باعتبارها مؤشراً على المزاج والتفاعل، لا استطلاعاً علمياً ممثلاً للمجتمع كله، فـ«القيمة الحقيقية أنها تكشف ما الذي لا يزال حياً في الذاكرة الشعبية، وما الذي يمكن إعادة تقديمه رقمياً بلغة تناسب الجمهور الحالي، في ظل سعي البعض للتعامل مع الذكرى بأدوات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يمكن ملاحظته على (تايم لاين) المنصات هذا العام كـ(ترند) تحطيم خط بارليف بخراطيم المياه»، على حد تعبيره.