سعد الفرج: كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه

تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» خلال حضوره «مهرجان أفلام السعودية»

الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
TT

سعد الفرج: كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه

الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)
الفرج وابنه مجبل مع مدير المهرجان أحمد الملا (المهرجان)

6 عقود من العطاء، ومئات الشخصيات، ومسرح ارتبط اسمه برائحة «الزمن الجميل» وأمجاد الماضي... ومع ذلك، لا يرى الفنان الكويتي القدير، سعد الفرج، أنّ ما حقّقه يوازي أحلامه الأولى؛ فعندما سألته «الشرق الأوسط» عن رؤيته للمرحلة التي يقف عندها اليوم، تنهَّد مستشهداً بالبيت الشعري: «ألا ليت الشباب يعود يوماً»، قبل أن يضيف: «تمنّيت لو كانت لديَّ طاقة لأقدّم أكثر من ذلك... كنتُ أطمح لأكثر ممّا وصلتُ إليه».

جاء حديث الفرج على هامش حضوره إلى «مهرجان أفلام السعودية»، الذي يختتم دورته الثانية عشرة، اليوم (الخميس)، حيث حضر برفقة ابنه المخرج مجبل الفرج لمشاهدة عرض الفيلم الوثائقي «بقشة سعد»، الذي يستعرض محطات من حياته منذ الطفولة، مروراً بمسيرته الفنية، وصولاً إلى المكانة التي احتلها وجعلته أحد أبرز روّاد الفن الخليجي.

الفنان سعد الفرج وابنه مجبل الفرج لحظة وصولهما (المهرجان)

البدايات في الفنطاس

يعتمد الفيلم على حديث الفرج نفسه، الذي يبدأ من ولادته في قرية الفنطاس ببداية الأربعينات من القرن الماضي، حيث لم يتجاوز عدد سكانها 300 نسمة، وكانوا يعيشون على الغوص والزراعة. وفي سنّ السادسة التحق بمعلم القرية، الملا مزعل، وختم القرآن الكريم في سنّ التاسعة. ويشير الفرج إلى أنه لم يكن متأكداً مما إذا كان قد وُلد عام 1940 أو 1941، إذ لم تكن شهادات الميلاد تُصدر آنذاك. وعندما بلغ التاسعة استُخرجت له أوراق ثبوتية، ثم التحق بأول مدرسة نظامية في قريته، وهي «مدرسة الفنطاس».

ويبدو الحنين طاغياً في حديث الفرج عن الفنطاس، التي يصف الحياة فيها بأنها كانت جميلة، وكان أهلها مولعين بالطرب والاحتفالات والمناسبات الاجتماعية. كما يستحضر النقلة الكبيرة التي شهدتها حياته قبل الفنطاس وبعدها، قائلاً: «عندما أتذكر تلك الأيام، أحمد الله كثيراً... كنا نشرب من الآبار، ولم تكن لدينا كهرباء، كانت العيشة صعبة وشاقة».

من الكتابة إلى المسرح

يقول: «عشقي للكتابة والتمثيل بدأ منذ الطفولة»، مسترجعاً قصة كتبها في المرحلة الابتدائية، وعُلقت على لوحة الشرف في «مدرسة الفنطاس». وكانت القصة، التي لم تتجاوز الصفحة، تدور حول حريق اندلع في منزل أسرة، لينتهي المشهد بالأم وهي تحتضن طفلها الذي ينجو، بينما تموت هي. وأشار إلى ولعه بجلسات الأحاديث والقصص التي كان يحرص على حضورها باستمرار، لا سيما قصص «الملا ناصر».

وفي صباه، كان يتحمّس كل ليلة ثلاثاء ليذهب مع أصدقائه إلى السينما في الفحيحيل، التي كانت مخصَّصة لموظّفي شركة النفط. وكان يتعلّق بإحدى السيارات ليتمكّن من مشاهدة الفيلم، ويروي تلك التفاصيل بروح ساخرة، مستعيداً زمناً لم تكن فيه دُور السينما متاحة للجميع.

وتطرَّق حديث الفرج إلى أبرز المراحل التي عاشها قبل أن يصبح شاباً ويلتحق بوظيفة «كاتب» في جهة حكومية براتب زهيد، ثم استدرك قائلاً: «بعدها بأشهر شعرتُ بالحنين إلى الدراسة وندمتُ على تركها، فاتّجهتُ إلى الثانوية التجارية بمدينة الكويت لأدرس في الفترة المسائية، بينما بقيتُ أعمل نهاراً في دائرة الأشغال».

ومع حضور رائد المسرح المصري، زكي طليمات، إلى الكويت في بداية عقد الستينات، تقدَّم الفرج إلى الامتحان الذي كان يجريه، فوقع عليه الاختيار. وحاول بعد ذلك التوفيق بين عمله الحكومي، ودراسته في الثانوية التجارية، وعمله في المسرح: «كنت حينها أبحث عن نفسي، فوجدت ضالتي في المسرح، وتفرّغت للمسرح العربي عام 1962».

الفرج في حديث ودّي سبق دخوله إلى عرض الفيلم الوثائقي (المهرجان)

الفرج، الذي يكفي التأمّل في ملامح وجهه لقراءة تاريخ الكويت الفنّي والاجتماعي والسياسي بصدق، وتختبئ في تجاعيد صوته ونظرات عينيه حكايات جيل بأكمله؛ يُظهر الفيلم الوثائقي أنّ أعماله لم تكن منفصلة عن محيطها، وإنما واكبت التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عاشتها البلاد. وتوقّف عند مسرحيات مثل «بني صامت» و«حامي الديار»، حيث حضرت الأسئلة السياسية والاجتماعية من خلال الرمز والسخرية، بينما عكست أعماله الأخرى هموم المواطن اليومية وتحولات المجتمع الكويتي.

ويتناول الفيلم أيضاً ثنائية الفرج مع الفنان الكويتي الراحل عبد الحسين عبد الرضا؛ إذ أسَّسا معاً فرقة المسرح الوطني، وقدّما عدداً من أنجح المسرحيات في تاريخ الفن الكويتي، كان آخرها «على هامان يا فرعون». وبالتوازي مع ذلك، قدّما أعمالاً تلفزيونية بارزة، من أشهرها «درب الزلق» و«الأقدار»، وهي أعمال أصبحت جزءاً من تاريخ الفن الخليجي.

«بقشة سعد»... رحلة عام ونصف العام

في ختام العرض، تحدَّث المخرج مجبل الفرج عن تجربته في إنجاز الفيلم، قائلاً: «كانت مهمّة سهلة وصعبة في الوقت نفسه؛ سهلة لأنني أعرف والدي، وصعبة لأنني كنت أريد إخراج الفيلم بطريقة ترضيه أولاً». وأوضح أن العمل استغرق نحو عام ونصف العام، استحوذ الجانب الأرشيفي على الجزء الأكبر منها، نظراً لما يتضمّنه «بقشة سعد» من صور ومقاطع فيديو نادرة توثّق محطات مختلفة من حياته.

لكن اللحظة الأكثر تأثيراً جاءت بعد انتهاء العرض، حين وجه أحد الحضور سؤالاً مباشراً إلى سعد الفرج: «ماذا كسبت من الفنّ بعد هذه الرحلة الطويلة؟». نهض الفنان الثمانيني استعداداً للإجابة، إلا أن موجة طويلة من التصفيق قاطعته قبل أن ينطق بكلمة. انتظر حتى هدأت القاعة، ثم ابتسم وقال: «ما كسبته هو هذا التصفيق الحارّ منكم».


مقالات ذات صلة

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

يوميات الشرق الملصق الدعائي لفيلم «محمود التاني» (الشركة المنتجة)

الأغنيات الشعبية... ورقة دعائية لأفلام موسم الصيف في مصر

وصلنا اليوم إلى أغنيات دعائية لا تدخل ضمن السياق الدرامي، ويقدمها مطربون غير مشاركين في العمل

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق أحمد السقا وياسمين عبد العزيز بطلا «خلّي بالك من نفسك» (الشركة المنتجة)

3 أفلام مصرية في قائمة العشرة «الأعلى إيراداً» بالسعودية

حققت 3 أفلام مصرية إيرادات لافتة في شباك التذاكر السعودي، وحازت مراكز متقدمة ضمن قائمة العشرة «الأعلى إيراداً»في السينمات السعودية.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق عمد المخرج لتقديم المصارعين بصورة إنسانية في الفيلم (الشركة المنتجة)

ديرخوا كاسونزو: «المصارع» يستعيد سيرة بطل كاد يلتهمه النسيان

قال كاسونزو إن فيلمه الوثائقي «المصارع» (Catcher) ينطلق من هاجس أساسي يتعلق بالذاكرة، ومصير الأشخاص الذين صنعوا المجد في حياتهم ثم انتهوا إلى النسيان.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق يتّخذ مهرجان الباروك السينمائي الطبيعة حضناً والأفلام البيئية هويةً (الشرق الأوسط)

«مهرجان الباروك السينمائي»... الأفلام البيئية في الصدارة تظلِّلها أكبر غابة أَرز

انطلقت الدورة الأولى من «مهرجان الباروك السينمائي» بمبادرة شبابية، بهدف تشجيع صنّاع الأفلام على خوض السينما البيئية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون كريستوفر نولان

التفاحات التي ألقاها كريستوفر نولان في «الأوديسة»

لم يعد فيلم كريستوفر نولان «الأوديسة» بْلَكْبسْتر فحسب، بل تحول وبسرعة إلى «سوشيال ميديا بلكبستر» باجتياحه الفضاء السيبراني، بهيمنته على وسائط التواصل الاجتماعي

د. مبارك الخالدي

حين يصبح الليل وقت الحصاد... مزارعو أوروبا في مواجهة الحر

عمال يقومون بحصاد أوراق التبغ ليلاً مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير فوق المعدلات الموسمية في شمال مقدونيا (رويترز)
عمال يقومون بحصاد أوراق التبغ ليلاً مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير فوق المعدلات الموسمية في شمال مقدونيا (رويترز)
TT

حين يصبح الليل وقت الحصاد... مزارعو أوروبا في مواجهة الحر

عمال يقومون بحصاد أوراق التبغ ليلاً مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير فوق المعدلات الموسمية في شمال مقدونيا (رويترز)
عمال يقومون بحصاد أوراق التبغ ليلاً مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير فوق المعدلات الموسمية في شمال مقدونيا (رويترز)

لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة مناخية عابرة بالنسبة إلى المزارعين، بل تحوّلت إلى عامل يفرض إعادة تنظيم يوم العمل الزراعي وتغيير أساليب الإنتاج التي استقرت عليها المَزارع لعقود. ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات تجعل العمل خلال ساعات النهار شاقاً أو مستحيلاً، يجد مزارعون أنفسهم مضطرين إلى بدء الحصاد في منتصف الليل أو قبل شروق الشمس، فيما يلجأ آخرون إلى تبريد حظائر الماشية، وتغطية المحاصيل بشبكات التظليل، وإعادة النظر في مواعيد الزراعة والحصاد.

وفي بعض المناطق، لم تعد المشكلة تقتصر على سلامة العمال أو راحتهم، وإنما باتت تؤثر مباشرة في جودة المحاصيل وكمياتها وتكاليف إنتاجها. وفيما تتكرر موجات الحر والجفاف بوتيرة متزايدة، تتسع قائمة الإجراءات التي يضطر المزارعون إلى اتخاذها للتكيف مع ظروف مناخية لم تعد تُشبه تلك التي اعتادوا عليها. وقد بدأت انعكاسات ذلك تظهر بالفعل في توقعات الإنتاج الزراعي في عدد من الدول الأوروبية.

الحصاد ليلاً لتجنب الحرارة وحماية المحاصيل

في تمام الساعة الثانية صباحاً، تُضيء الأضواء الكاشفة الآلات التي تتحرك في مزرعة عائلة إليانور جيلبرت في بيركشاير البريطانية. وتقوم الشابة، البالغة من العمر 24 عاماً، بحصاد المحصول في الظلام لالتقاط قطرات الندى الخفيفة التي تتساقط على بذور اللفت طوال الليل، إذ تُمثل هذه الطريقة الوسيلة الوحيدة لرفع نسبة رطوبة البذور إلى مستوى يكفي لقبولها من المشترين، حسب تقرير لصحيفة «فاينانشيال تايمز».

وبحلول الساعة العاشرة صباحاً تقريباً، تنتقل إليانور جيلبرت إلى حصاد القمح وتواصل العمل طوال اليوم. وبعد ساعتين أو ثلاث ساعات فقط من النوم، تعود المزارعة -التي تنتمي إلى الجيل السادس من عائلتها العاملة في الزراعة- إلى الحقول وتبدأ دورة العمل من جديد. وتقول إليانور جيلبرت: «الأمر أشبه باضطراب الرحلات الجوية الطويلة. لا يمكنك النوم في منتصف النهار، إنه أمر غير طبيعي».

وتجبر موجات الحر المزارعين في أنحاء أوروبا على تعديل أساليب عملهم ومواعيدها، بدءاً من الحصاد ليلاً، مروراً بتغطية الحقول بشبكات التظليل وتبريد حظائر الماشية، وصولاً إلى التخلي عن جداول الزراعة التي جرى تطويرها وتحسينها على مدى عقود.

رجل يرتدي مصباحاً رأسياً يجمع العنب قبل الفجر للعمل في درجات حرارة مقبولة في إسبانيا (رويترز)

وبدأت آثار هذه التغيرات تظهر بالفعل في توقعات المحاصيل. فقد أعلنت وزارة الزراعة الفرنسية، يوم الجمعة، أن إنتاج الذرة الصفراء من المتوقع أن ينخفض بنسبة 35 في المائة مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى 9 ملايين طن، وهو أدنى مستوى له منذ عام 1980 على الأقل، نتيجة موجة الحر والجفاف التي أثرت على موسم النمو.

ولا يختلف الوضع بالنسبة إلى مزارعي المحاصيل الأخرى، فمزارعو البطاطس في المناطق المحيطة بمدريد يقطفون محاصيلهم بعد غروب الشمس، لأن اقتلاع البطاطس من التربة الساخنة قد يضر بجودتها.

وفي جنوب إيطاليا، بدأ بيترو سيفاريلي، وهو مزارع مخضرم يبلغ من العمر 60 عاماً، ويزرع الحبوب والبقوليات بالقرب من ألتامورا في منطقة بوليا، العمل تحت ضوء النجوم. ويقول: «من الساعة 11 صباحاً حتى السادسة أو السابعة مساءً، لا يمكنك فعل أي شيء. إذا لمست قطعة معدنية فستحرق يديك حرفياً».

ويشير سيفاريلي إلى أن محصول الحمص الأسود الأملس يجب حصاده بعد أن يبرد طوال الليل. ففي أثناء النهار، تصبح قرونه جافة وهشّة إلى درجة أن البذور تتناثر بمجرد لمس النباتات، ما يجعل الحصاد في ساعات الليل أكثر ملاءمة للحفاظ على المحصول.

وفي بيركشاير، كانت الرطوبة الزائدة تُشكل في السابق مشكلة لعائلة إليانور جيلبرت، التي اعتادت انتظار تبخر ندى الصباح قبل حصاد بذور اللفت الزيتية، لكن هذا العام، أصبح المحصول جافاً للغاية خلال النهار. وتوضح إليانور جيلبرت أن المشترين يستطيعون رفض الشحنات التي تقل نسبة رطوبتها عن 6 في المائة، في حين يسمح الحصاد في الساعة الثانية صباحاً لندى الليل برفع نسبة الرطوبة إلى نحو 7 في المائة، بما يجعل المحصول صالحاً للبيع.

ولا تقتصر فائدة الحصاد الليلي على الحفاظ على جودة المحاصيل، إذ يُسهم أيضاً في تقليل خطر اشتعال الحقول الجافة بسبب الآلات. وتستخدم عائلة إليانور جيلبرت الآن صهاريج مياه في الحقول، كما تُبقي محراثاً قريباً لاستخدامه في إنشاء حاجز ناري عند الضرورة. وخلال حريق اندلع مؤخراً، اجتاحت النيران بقايا المحاصيل في غضون ثوانٍ، ولم يفصلهم عن الحريق سوى أمتار قليلة حين كانوا يحاولون إنقاذ المحصول قبل وصول رجال الإطفاء.

وتقول إليانور جيلبرت إن الجفاف خفّض إنتاجية مزرعة عائلتها إلى ما يقارب نصف مستواها في العام السابق، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة إنتاج طن الحبوب من نحو 150 جنيهاً إسترلينياً في السنوات الجيدة إلى قرابة 200 جنيه، ونتيجة ذلك، بدأت العائلة التفكير فيما إذا كان لا يزال من الممكن تبرير امتلاك حصادة تبلغ قيمتها نحو 500 ألف جنيه إسترليني، أو ما إذا كان من الأفضل مشاركة الآلات مع أحد الجيران لتقليل التكاليف.

عامل يحصد أوراق التبغ ليلاً مع ارتفاع درجات الحرارة بشكل كبير فوق المعدلات الموسمية في شمال مقدونيا (رويترز)

ساعات عمل جديدة وتكاليف إنتاج أعلى

وفي ديفون جنوب غربي إنجلترا، بدأت فرق الحصاد في شركة الخضراوات العضوية «ريفرفورد» عملها الآن عند الساعة الخامسة صباحاً، بهدف الانتهاء بحلول الواحدة أو الثانية ظهراً، وفقاً لمؤسس الشركة جاي سينغ واتسون. كما ينطلق السائقون في وقت مبكر لتوصيل صناديق الخضراوات ابتداءً من الساعة السادسة صباحاً، ويحملون معهم عبوات إضافية من الثلج للحفاظ على برودة المنتجات أثناء عمليات النقل.

وقال واتسون: «كنا نعلم نوعاً ما أن هذا سيحدث، لكننا كنا نعتقد دائماً أنها مشكلة سيواجهها أبناؤنا على الأرجح. لقد حدث ذلك بسرعة كبيرة جداً».

وتشهد أجزاء من آسيا تحولات مماثلة منذ عدة سنوات، ما يشير إلى أن تغيير مواعيد العمل الزراعي لم يعد استجابة مؤقتة لظروف استثنائية، بل أصبح في بعض المناطق جزءاً من عملية التكيف مع ارتفاع درجات الحرارة.

لكن ارتفاع درجات الحرارة خلال الليل أيضاً بدأ يفرض تحديات جديدة، إذ تقلل الليالي الحارة بصورة متزايدة من فترة الراحة المتاحة لكل من المحاصيل والعمال، فحتى عندما ينجح المزارعون في نقل جزء من العمل إلى ساعات الليل، لا يحصل الحقل والعامل بالضرورة على فترة كافية للتعافي من حرارة النهار.

ولا تقتصر استجابة المزارعين للحرارة على تغيير ساعات العمل، بل تدفعهم الظروف الجديدة إلى الابتكار وتبني حلول أخرى لحماية الإنتاج.

تبريد الماشية والبحث عن حلول للتكيف

في منطقة لاتسيو الإيطالية، يكافح فرانشيسكو براشي للحفاظ على برودة أبقاره وضمان استمرار إنتاج الحليب. وتنتج الماشية طبيعياً كميات أقل من الحليب خلال الطقس الحار، لكن براشي يقول إن الوضع هذا العام كان أكثر صعوبة من المعتاد، مع معاناة الحيوانات بسبب تقلبات درجات الحرارة.

وحسب اتحاد «كولديريتي»، أكبر اتحاد للمزارعين في إيطاليا، انخفض إنتاج الحليب بنسبة تصل إلى 20 في المائة في بعض المزارع.

ويقول براشي: «في العام الماضي، قمت بتركيب نظام تهوية، ولكن مع ارتفاع درجات الحرارة حالياً، لم تعد المراوح كافية؛ لذا نحتاج إلى إضافة شيء آخر لدعمها. لقد اشتريت للتو نظاماً لرش الماء... يعمل الماء على خفض درجة الحرارة داخل حظيرة الماشية».

وتوضح تجربة براشي أن التكيف مع ارتفاع الحرارة يتطلب في كثير من الأحيان أكثر من مجرد تغيير مواعيد العمل، فالمزارعون أصبحوا مضطرين إلى الاستثمار في أنظمة تبريد وتهوية وري وحماية للمحاصيل، في وقت تؤدي فيه موجات الحر والجفاف في الوقت نفسه إلى خفض الإنتاج ورفع تكلفة إنتاج الطن الواحد.

وبذلك، يتحول تغير المناخ تدريجياً من عامل خارجي يؤثر في الزراعة إلى عنصر يُعيد تشكيل طريقة عمل المزارعين أنفسهم. فبينما كان الليل في السابق وقتاً للراحة، أصبح بالنسبة إلى كثير منهم امتداداً ليوم العمل، وأصبحت ساعات الفجر الباكر وساعات ما بعد غروب الشمس أكثر أهمية في حماية المحاصيل والماشية والعمال من ظروف حرارية باتت أشد قسوة وأسرع تغيراً.


بريطاني كسر حاجز الصوت... والآن يطارد السرعة بالهيدروجين

في سباقه مع الزمن... اعتاد أن يصل أولاً (أ.ب)
في سباقه مع الزمن... اعتاد أن يصل أولاً (أ.ب)
TT

بريطاني كسر حاجز الصوت... والآن يطارد السرعة بالهيدروجين

في سباقه مع الزمن... اعتاد أن يصل أولاً (أ.ب)
في سباقه مع الزمن... اعتاد أن يصل أولاً (أ.ب)

نجح سائق بريطاني، كان أول مَن كسر حاجز الصوت بسيارة على اليابسة، في تحطيم رقم قياسي جديد في السرعة، لكن هذه المرة بسيارة تعمل بالهيدروجين. ووصل الطيار المتقاعد من سلاح الجو الملكي البريطاني، آندي غرين، البالغ 64 عاماً، إلى سرعة 654 كم/ساعة (406 أميال/ساعة) في منطقة بحيرة بونفيل المالحة بولاية يوتا، بينما يُعد أعلى سرعة وصلت إليها سيارة تعمل بالهيدروجين على الإطلاق.

ثمة رجال لا يرون في الأفق نهايةً وإنما خطاً آخر للانطلاق (أ.ب)

وذكرت «بي بي سي» أنّ الرقم القياسي الذي حقّقه غرين احتُسِب بوصفه متوسط سرعتين في سيارة تعمل بمحرّكي احتراق داخلي يعملان بالهيدروجين، بقوة إجمالية تبلغ 1600 حصان.

وعام 1997، قاد غرين سيارة «ثرست إس إس سي» نفاثة عبر صحراء بلاك روك في ولاية نيفادا بسرعة 1228 كم/ساعة (763 ميلاً/ساعة)، ليصبح بذلك أول شخص يكسر حاجز الصوت على اليابسة، ولا يزال محتفظاً بهذا الرقم حتى اليوم.

وقبل 20 عاماً، حقّق غرين كذلك رقماً قياسياً عالمياً في سرعة المركبات العاملة بالديزل على مركبة «جيه سي بي ديزل ماكس»، وتجاوزت سرعته 563 كم/ساعة (350 ميلاً/ساعة).

أما الرقم القياسي الجديد، الذي سُجّل بمركبة «جيه سي بي هيدروماكس»، فتجاوز الرقم القياسي السابق المُسجَّل عام 2004 (185.5 ميل/ساعة) بأكثر من الضعف.

يترك الطريق خلفه قبل أن يستوعب الطريق مروره (أ.ب)

علّق غرين: «إنّ تحقيق رقم قياسي عالمي في سرعة المركبات التي تعمل بالهيدروجين، بعد 20 عاماً من إنجاز (ديزل ماكس)، شرف عظيم بالتأكيد. هذا الرقم القياسي إنجاز كبير لفريق عالمي المستوى وتقنية فائقة».

والشهر الماضي، أشار إلى أنّ تشجيع زوجته كان له دور حاسم في إقناعه بقبول التحدّي، بعد تلقيه اتصالاً من رئيس مجلس إدارة «جيه سي بي»، اللورد أنتوني بامفورد.

هنا تضيق المسافة بين الإنسان وما ظنّه مستحيلاً (أ.ب)

وفي هذا السياق، قال اللورد أنتوني: «قبل 20 عاماً، جئنا إلى بونفيل بمركبة (جيه سي بي ديزل ماكس)، وأظهرنا ما يمكن للهندسة البريطانية إنجازه باستخدام طاقة الديزل. واليوم، كرّرنا ذلك، لكن هذه المرة بمحرّكات تعمل بالهيدروجين».

يُذكر أنّ الشركة طوّرت سيارة «هيدروماكس» في محاولة لتسجيل رقم قياسي جديد لمركبة تعمل بالهيدروجين.

وفي مايو (أيار)، بلغت سرعة «هيدروماكس» 335 كم/ساعة (208 أميال/ساعة) خلال اختبارات أُجريت في قاعدة سلاح الجو الملكي البريطاني في ويترينغ، كامبريدجشير.


أكبر خريطة للكون تضمّ 4 مليارات جرم سماوي

13 عاماً لرسم جزء من سماء لا تنتهي (مختبر لورانس بيركلي الوطني)
13 عاماً لرسم جزء من سماء لا تنتهي (مختبر لورانس بيركلي الوطني)
TT

أكبر خريطة للكون تضمّ 4 مليارات جرم سماوي

13 عاماً لرسم جزء من سماء لا تنتهي (مختبر لورانس بيركلي الوطني)
13 عاماً لرسم جزء من سماء لا تنتهي (مختبر لورانس بيركلي الوطني)

نشر علماء الفلك حديثاً أكبر خريطة ثنائية البُعد للكون، وبدت مذهلة حقاً. وقد استغرق إعدادها 13 عاماً، وتغطّي 75 في المائة من السماء. وتضم نحو 4 مليارات جرم سماوي، منها نجوم ومجرّات ومستعرات عظمى وغيرها، وذلك باستخدام بيانات من «تلسكوب مايال»، التابع للمؤسّسة الوطنية للعلوم في أريزونا، وكذلك «تلسكوب بلانكو» في تشيلي.

ووفق «الإندبندنت»، أنشأ فريق مسوحات التصوير التراثية، التابع لمشروع جهاز مطيافية الطاقة المظلمة (دي إي إس آي)، هذه الخريطة البالغة دقتها 5.6 تريليون بكسل. ويشكل هذا الفريق ثمرة تعاون دولي بين باحثين، بقيادة «مختبر لورانس بيركلي الوطني»، التابع لوزارة الطاقة الأميركية.

وتستند الخريطة إلى صور وبحوث سابقة تعود لأكثر من 160 عالماً، و263.407 جلسة رصد تلسكوبية، تُظهر الكون في الضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء القريبة، التي تُزيل غبار مجرّتنا «درب التبانة».

وقالت المؤسّسة في بيان لها: «يتوقّع الباحثون أن تظل هذه الخريطة ثنائية البُعد الأكثر شمولاً لكوننا لسنوات مقبلة».

وعلاوة على توفيرها منظراً خلاباً لهواة مراقبة السماء، تتضمّن الخريطة بيانات من مسوحات تقول المؤسّسة إنها ستفيد العلماء المحترفين والهواة على السواء.

وأفادت: «يستطيع الباحثون البحث عن ظواهر نادرة مثل العدسات الجاذبية، ومراقبة أحداث عابرة مثل المستعرات العظمى، واستكشاف اثنين من أكبر ألغاز الفيزياء: المادة المظلمة، المادة غير المرئية التي تُشكّل معظم كتلة كوننا، والطاقة المظلمة، القوة الدافعة لتوسع كوننا المُتسارع».

ويمكن الاستعانة بالخريطة بكونها مرجعاً للمراصد والتلسكوبات الجديدة، وللمساعدة في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي التي ستُستخدم في الاكتشافات الجديدة.

يُذكر أنّ الدراسات الاستقصائية السابقة، التي استخدمت جهاز مطياف الطاقة المظلمة على «تلسكوب مايال»، وجدت أنّ تأثير الطاقة المظلمة قد يتضاءل بمرور الوقت.

ووفق وكالة «ناسا»، تُشكل الطاقة المظلمة غالبية كتلة المجرّات وتجمعاتها. إنها «الرابط الخفي الذي يربط الكون ببعضه»، الأمر الذي أثار هذا الاكتشاف قلق بعض الخبراء. وإنما دراسة نشرتها «الجمعية الفلكية الملكية» في يونيو (حزيران) دحضت هذه النظرية.