حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

قصة الهدير الإيراني من عاصفة الخميني إلى «طوفان السنوار» (2 من 3)

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
TT

حين فتح حافظ الأسد بوابة لبنان أمام طهران

حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)
حافظ الأسد سهل لخامنئي إحكام السيطرة على لبنان عبر «حزب الله» (أ.ف.ب)

بعد أسبوع من إعلان انتصار الثورة الإيرانية في 11 فبراير (شباط) 1979 ستطل من طهران صورتان تساعدان على فهم العواصف اللاحقة وصولاً إلى «طوفان السنوار» والبصمات الإيرانية عليه.

في الصورة الأولى يجلس على البساط رجلان لا يمكن كتابة قصة المنطقة من دون التوقف طويلاً عند قصتيهما. الأول مفجر الثورة الإيرانية آية الله الخميني، والثاني مفجر الثورة الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات. وبين الواقفين قرب عرفات يمكن مشاهدة رجل الدين اللبناني السيد هاني فحص ورجل الدين الإيراني صادق خلخالي وأحمد الخميني نجل المرشد.

وبين من وقفوا قرب الخميني الجالس يمكن التعرف على محمود عباس (أبو مازن) رئيس السلطة الفلسطينية حالياً وهاني الحسن عضو اللجنة المركزية في حركة «فتح» وأول سفير فلسطيني لدى طهران الخمينية.

عرفات مع الخميني في بواكير الثورة ويبدو محمود عباس إلى جانب المرشد الإيراني

في الصورة الثانية يبدو عرفات وهو يلقي كلمة بعد رفع علم فلسطين على المبنى الذي كان يستضيف السفارة الإسرائيلية في طهران.

كان للصورتين وقع كبير في تلك الأيام. منذ إقامته الطويلة في النجف أدرك الخميني أن فلسطين هي الكلمة السحرية التي تسمح بالتسلل إلى ضمائر العرب والمسلمين. وقد يكون اعتقد أن الموقف من القضية الفلسطينية سيشكل جواز مرور للثورة الشيعية إلى البحر السني الواسع. كان من الطبيعي أن تحتفي طهران بالزائر الذي يحظى بشرعية كاملة بعدما تحول رمزاً لإيقاظ ثورة الحق الفلسطيني. وكان من الطبيعي أن يحتفي عرفات بانتقال دولة بأهمية إيران وحجمها وقدراتها من معسكر التأييد لإسرائيل والتعاون معها إلى معسكر الدعم الكامل للثورة الفلسطينية.

وكعادته لم يبخل عرفات بالثناء على مضيفه وبلاده. لكن التجربة أظهرت أن ثناء عرفات لا يدفعه أبداً إلى تسليم أوراقه. كان صاحب خبرة في التعامل مع الأقوياء الذين حاولوا الاتكاء على القضية الفلسطينية لترسيخ أنظمتهم أو لدفع أدوارهم إلى خارج خرائط بلدانهم.

لم تكن الجاذبية الفلسطينية ورقة عرفات الوحيدة. كان يقيم على حدود إسرائيل عبر جنوب لبنان الذي تحول حدوداً فلسطينية - إسرائيلية قبل أن يتحول لاحقاً إلى حدود إيرانية - إسرائيلية. وعلى رغم وقوع لبنان آنذاك في قبضة حافظ الأسد وجيشه وكراهيته لعرفات، كان الأخير يمسك بقرار الحرب والسلم في جنوب لبنان وهو قرار سينتقل لاحقاً إلى يد حسن نصر الله الأمين العام الراحل لـ«حزب الله».

صورة غير مؤرخة لنصر الله في شبابه (مكتب المرشد الإيراني)

باكراً أدرك عرفات حجم الحساسيات الكامنة في العلاقة مع إيران. ثورة شيعية في عالم سني. ثم إن الحديث عن «تصدير الثورة» يثير مخاوف دول قريبة وبعيدة. وحين اندلعت الحرب العراقية - الإيرانية حاول عرفات لعب دور الوسيط وأعاد ترتيب أوراقه وحساباته التي كانت تترك مجالاً واسعاً لعلاقات جيدة مع الدول العربية في الخليج التي لم تبخل عليه بالدعم.

في قراءة أحداث عام 1979 وصوره عنصر لا يجوز تناسيه. ففي تلك السنة كانت مصر تستكمل إجراءات خروجها من الشق العسكري من النزاع العربي - الإسرائيلي وهو ما سيترجم عملياً بتوقيع الرئيس المصري أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن اتفاق كامب ديفيد برعاية الرئيس الأميركي جيمي كارتر. وكان التوقيع عملية استكمال للزلزال الذي أحدثه السادات في 1977 حين اختار الذهاب «إلى عقر دار العدو» الإسرائيلي عارضاً السلام. أحدث خروج مصر وما تبعه حالة من الفراغ في المنطقة، ما سهّل لثورة الخميني التقدم في الإقليم.

تلقت إيران بدءاً من عام 1990 ثلاث هدايا غير مقصودة. الأولى من صدام حسين حين غزت قواته الكويت وانشغل العالم بـ«الخطر العراقي». والثانية حين أمر أسامة بن لادن بتنفيذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في نيويورك وواشنطن وانشغل العالم بإرهاب «القاعدة». والثالثة حين اقتلع الجيش الأميركي في 2003 نظام «البعث» العراقي ما أتاح للجمر الإيراني فرصة التدفق إلى داخل العراق والإقامة في مؤسساته وتركيبته.

وغاب عن بال كثيرين أن إيران كانت تلقت في الثمانينات هديتين بارزتين من الرئيس السوري حافظ الأسد. الهدية الأولى كانت حين وافق الأسد بعد الغزو الإسرائيلي لبيروت في 1982 على السماح لمئات العناصر من «الحرس الثوري» الإيراني بالدخول إلى البقاع اللبناني لتدريب مجموعات إسلامية شيعية لبنانية كانت تتطلع إلى تنظيم جسم مقاوم للاحتلال الإسرائيلي. ومن هذه المجموعات سيولد لاحقاً «حزب الله».

وفي منتصف الثمانينات قدم الأسد لإيران هدية ثمينة حين قرر إخضاع «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي قادها الحزب الشيوعي اللبناني لمصلحة «المقاومة الاسلامية» بقيادة «حزب الله».

وكان منسق «جمول» إلياس عطالله روى لـ«الشرق الأوسط» قصة لقاء عاصف تبعته سلسلة اغتيالات استهدفت قياديين شيوعيين. قال عطالله إن مسؤول المخابرات السورية في لبنان اللواء غازي كنعان استدعاه والأمين العام للحزب الشيوعي جورج حاوي إلى لقاء عاجل في فندق في البقاع.

كان كنعان يتحدث باسم «السيد الرئيس»، وقال صراحة إن على «جمول» أن تنسق عملياتها مسبقاً مع المخابرات السورية. طالبها بأكثر من ذلك، وتحديداً بالتنسيق مع «حزب الله» حتى بالاندماج معه. لم يوافق الزائران على الطلب، فقد كان التوتر في ذروته بين الحزب الشيوعي و«حزب الله». سارع كنعان إلى إنهاء الاجتماع بعبارة تهديد هي «ستدفعون ثمناً غالياً». ردّ بحملة اغتيالات لم يخف توقيعه عليها بغض النظر عن أسماء منفذيها. وشارك ذات يوم في التعازي بأحد الذين اغتيلوا وقال لجماعة الحزب: «هل هكذا أفضل؟».

نجحت سوريا في توجيه ضربة قاصمة إلى نشاط «المقاومة اليسارية» فتفردت «المقاومة الإسلامية» بالمواجهة مع إسرائيل. وحصد «حزب الله» النتائج حين أرغمت القوات الإسرائيلية على الانسحاب في عام 2000 من جنوب لبنان تحت الرصاص ومن دون أن يقدم لبنان أي تنازلات. وهكذا صارت إيران موجودة على خط التماس مع إسرائيل عبر جنوب لبنان. وبعد اقتلاع نظام صدام فتحت الطريق بين طهران وبيروت عبر بغداد ودمشق، فولد ما سماه البعض «محور المقاومة» وسماه آخرون «الهلال الشيعي».

في بداية ثمانينات القرن الماضي ساد الاعتقاد أن حرب صدام حسين حاصرت جمر الثورة الخمينية داخل الخريطة الإيرانية. فجأة وفي يونيو (حزيران) 1982 ستفتح نافذة لن تتردد إيران في استغلالها. غزت القوات الإسرائيلية لبنان وحاصرت بيروت وأرغمت قوات منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة لبنان. كان مشهد العاصمة اللبنانية تودع ياسر عرفات قبل صعوده مع شارة النصر إلى سفينة أقلته إلى المنفى الجديد إيذاناً بنهاية مرحلة كاملة.

في ظل الاجتياح الإسرائيلي، اتفق جورج حاوي وإلياس عطاالله ومحسن إبراهيم الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي وحفنة من رفاقهم على إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» ضد الاحتلال الإسرائيلي. وأرغمت عمليات الجبهة الجيش الإسرائيلي على الانسحاب سريعاً من بيروت. وفي الوقت نفسه تداعت 3 مجموعات إسلامية شيعية متعاطفة مع الثورة الإيرانية إلى حوار بحثاً عن إطار موحد لإطلاق مقاومة إسلامية ضد الاحتلال الإسرائيلي. انتهى الحوار إلى ما عرف بـ«وثيقة التسعة» التي حملت إلى طهران ونالت مباركة الخميني الذي أمر «الحرس الثوري» بدعم وحدة هذه المجموعات التي ستذوب لاحقاً في «حزب الله». وقد روى نعيم قاسم الأمين العام الحالي للحزب قصة التأسيس في كتابه «حزب الله: المنهج، التجربة، المستقبل». ويشير قاسم إلى أعمدة التوجه الجديد وهي «الإسلام كمنهج ومقاومة إسرائيل كأولوية والولي الفقيه كمرجعية».

كان حافظ الأسد يتحدث أمام زواره عن أهمية التغيير الإيراني كتعويض عن خسارة مصر. لكن بعض العارفين يشيرون إلى حسابات أخرى لديه بينها عداؤه لصدام حسين واعتقاده أن قلق الدول الخليجية من إيران الجديدة سيجعله حاجة دائمة لهذه الدول مع ما يمكن أن يعنيه الدور من فوائد. ويضيف هؤلاء أن سماح الأسد بتنامي حضور «حزب الله» اللبناني يصب في سياق الحسابات نفسها.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

ولد «حزب الله» اللبناني تحت عباءة الولي الفقيه وعلى خط التماس مع إسرائيل وانتقل إلى خط التماس مع أميركا حين اقتحم انتحاري في 1983 مقر رجال المارينز في بيروت بشاحنة مفخخة وأرسل قافلة من الجثث إلى بلاد رونالد ريغان. لعبت سوريا دوراً بارزاً في استثناء «حزب الله» من قرار تسليم أسلحة الميليشيات بعد اتفاق الطائف. لم تبخل طهران بدعم الحزب، ما مكنه من بناء قوة متنامية ساعدته في التحول إلى اللاعب الأول على الساحة الشيعية في لبنان. ورعت عملياً مع دمشق ولادة «البيت الشيعي» اللبناني الذي يضم الحزب مع حركة «أمل» التي تولى رئيسها نبيه بري ومنذ عام 1992 رئاسة البرلمان. طوى الطرفان الصفحة القديمة بينهما وتحول بري إلى حاجة شبه دائمة للحزب تجنبه العزلة لكن من دون أن يتمكن من تعديل البرنامج العميق للحزب.

كان العقد الأول من القرن الحالي حافلاً بالمشاهد التي تتخطى آثارها مسرحها المباشر. في التاسع من أبريل (نيسان) 2003 اقتلعت مدرعة أميركية تمثال صدام حسين من ساحة الفردوس في بغداد. الرجل الذي كان العراقيون يشعرون بالرهبة لمجرد المرور قرب تماثيله لم تسمح له الآلة العسكرية الأميركية بخوض المنازلة التي كان يشتهيها. جيشه الذي قاتل إيران على مدى 8 سنوات تبخر سريعاً أمام الجيش الأميركي.

جنود بريطانيون يسيّرون دورية في البصرة 7 أبريل (نيسان) 2003 (أ.ف.ب)

كان صدام على مقربة من ساحة الفردوس حين تجرأ الجندي الأميركي على تمثاله. اختار السيد الرئيس طريق المقاومة مسيئاً تقدير حجم القوة الأميركية وحجم المعارضة العراقية لنظامه.

مشهد آخر سيطل من العراق. في 13 ديسمبر (كانون الأول) 2003 سيسقط صدام في يد الأميركيين. أخرجه الجنود من حفرة صغيرة في مزرعة بمنطقة الدور قرب تكريت. وستحتل صورة عسكري أميركي ينقب في فمه شاشات العالم. لم يقاوم. ولم تصدق الروايات أنه يحتفظ دائماً لنفسه برصاصة أخيرة ليطلقها على رأسه تفادياً لذل الاعتقال.

نجح صدام حسين المصاب بهاجس موقعه في التاريخ في رسم صورة لنفسه فيه. أنكر شرعية المحكمة وراح يذكر بأنه الرئيس الشرعي للعراق وأن الاحتلال هو من جاء بالمحكمة. وسمعت من القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن الذي ترأس الهيئة التي أصدرت حكم الإعدام بحقه أنه «كان صعباً ولم يطلب شيئاً لنفسه».

حافظ صدام على رباطة جأشه حين التف الحبل حول عنقه. ارتكبت السطات العراقية الجديدة خطأ فادحاً حين اختارت 30 ديسمبر (كانون الأول) 2006 موعداً لإعدام صدام وهو صادف اليوم الأول من أيام عيد الأضحى. خطأ كبير أعقب الإعدام فقد أخذ المنفذون جثة صدام وطرحوها أمام منزل رئيس الوزراء نوري المالكي في «المنطقة الخضراء» وألقى المالكي نظرة على الجثة وعاتب صاحبها كما أكد في حوار أجريته معه.

ساهمت مشاهد الاعتقال والمحاكمة والإعدام، إضافة إلى عوامل أخرى في إشعال خط التماس السني - الشيعي داخل العراق وتركت أصداء خارجه.

أيقظت ملابسات إعدام صدام حسين الحساسيات المذهبية في العراق ولبنان (أ.ف.ب)

وعلى رغم ارتكابات الرجل نظر قسم من العراقيين إلى الإعدام وكأنه عملية ثأر تنفيذاً لرغبة أميركا وإيران والمعارضة العراقية الموالية لها.

سيتولى قاسم سليماني مهمة زعزعة استقرار الوجود العسكري الأميركي، بمساعدة من بشار الأسد وحسن نصر الله. مشهد آخر سيطل هذه المرة من بيروت وسيترك آثاره على لبنان وتوازناته وعلى الدور السوري ومناخات المحور الذي بات يمتد من طهران إلى بيروت بعد المرور في بغداد ودمشق.

في 14 فبراير (شباط) 2005 كنت في زيارة لمسؤول سوري في دمشق. بعد اللقاء وجدت سيلاً من الرسائل على هاتفي. انفجار هائل في العاصمة اللبنانية أدى إلى تطاير جسد الرئيس رفيق الحريري. كان للأمر وقع الزلزال وتدفقت الحشود إلى الشارع مطالبة بانسحاب الجيش السوري المنتشر في لبنان منذ 1976. في آخر ذلك الشهر دخلت مكتب بشار الأسد ورحت أكرر سؤالي عن علاقة الأجهزة السورية بالحادث وكان يرد بصورة قاطعة أنه لا علاقة لسوريا من قريب أو بعيد. قلت له: لماذا تجزم، فقد تكون أجهزة استخبارات اخترقت الأمن السوري؟ فرد: لا علاقة لنا على الإطلاق. في طريق العودة إلى بيروت رحت أقلب أجوبته. هل يستخدم لهجة جازمة لأنه يعرف الطرف المنفذ؟

شكل اغتيال رفيق الحريري محطة أساسية في إدخال لبنان إلى القفص الإيراني (أ.ف.ب)

تاهت لجنة التحقيق الدولية في اغتيال الحريري طويلاً بين التدخلات والتضليل و«شهود الزور». افتقرت أسئلة محققيها إلى الاحتراف الكامل وقد لمست ذلك حين استمعت إليّ بسبب حوارات أجريتها مع الأسد والحريري والمدير العام للأمن العام اللبناني اللواء جميل السيد. لكن المحكمة انتهت إلى اتهام أعضاء في «حزب الله» اللبناني. وهنا تزايدت الأسئلة. هل قتل الحريري على خط التماس السني - الشيعي؟ هل قتل على خط التوتر الإقليمي؟ هل اعتبر عقبة أمام ما يعد من دور للبنان في الصراع الواسع؟ هل عوقب لأنه حاول إعادة لبنان دولة عادية بدلاً من البقاء منصة صواريخ في الحرب ضد إسرائيل؟

غيّر زلزال اغتيال الحريري المشهد في لبنان وسوريا معاً. تجرع بشار الأسد سم سحب قواته من لبنان الذي أقام طويلاً في قبضة والده. نجح الأسد الأب في تطويع معظم الطبقة السياسية اللبنانية وأرسى قواعد الزمن السوري. صارت الحكومات تولد حاملة بصمات مسؤول المخابرات السورية المقيم في عنجر وصار المجلس النيابي يستدعى ويوافق. دفع الزمن السوري العماد ميشال عون إلى المنفى ودفع الدكتور سمير جعجع إلى السجن. بقي الرجل الثالث واسمه رفيق الحريري الذي ارتضى العمل تحت المظلة السورية لكنه لم يغادر حلمه بلملمة شيء من حضور الدولة اللبنانية. أقلق ثقل الحريري الداخلي والعربي والدولي الحلقة الفئوية المحيطة بالأسد وأقلق لاحقاً «حزب الله».

أفسح التعاون السوري مع طهران الطريق أمام «حزب الله» للتفرد بالمقاومة في لبنان (مكتب المرشد الإيراني)

خسرت سوريا شرفتها اللبنانية التي كانت وسيلة لتعزيز دورها وإثراء ضباطها. سيقيم نظام الأسد الثاني من الآن فصاعداً داخل حدوده مع القبضة الحديدية والفشل الاقتصادي. سيقيم بين التوتر المذهبي في العراق والانقسام الحاد في لبنان بين حركة استقلالية اسمها «14 آذار» وحركة مضادة اسمها «8 آذار» يقودها «حزب الله».

خرجت سوريا من لبنان وأحدقت بـ«حزب الله» حالة تشبه العزلة عن المكونات الأخرى. ثمة من يعتقد أن هذا المشهد السوري واللبناني كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى حرب يوليو (تموز) 2006 في لبنان والتي رافقها الجنرال قاسم سليماني من مسرحها اللبناني. بعد الحرب سألت بشار الأسد عن دور سوريا فأكد على أهمية العمق السوري للمقاومة اللبنانية. ولم يتردد في القول إن جنوداً سوريين بثياب مدنية كانوا يتولون نقل الصواريخ إلى «حزب الله» وأحياناً إلى جنوب لبنان نفسه.

انتهت الحرب بصدور القرار 1701 لمجلس الأمن، الذي دعا إلى انتشار الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية إلى جانب قوات «اليونيفيل». أدخلت الحرب شيئاً من التعديل على المشهد الذي قام بعد اغتيال الحريري وعثر «حزب الله» على مبرر إضافي للاحتفاظ بسلاحه.

أخطأ عدد غير قليل من السياسيين اللبنانيين في فهم ظاهرة «حزب الله» وترسانته. اعتبروا أن انسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان يشكل سبباً كافياً لتخلي الحزب عن سلاحه أسوة بما فعلت الميليشيات اللبنانية بعد اتفاق الطائف.

لم يتوقفوا عند البعد الإقليمي لهذا السلاح وعلاقته بالمشروع الإيراني الكبير لتغيير المنطقة. في الأسبوع الأول من مايو (أيار) 2008 تجرأت حكومة الرئيس الرئيس فؤاد السنيورة واعتبرت شبكة اتصالات الحزب الهاتفية غير شرعية. وسرعان ما جاء الرد. استخدم الحزب سلاحه في الداخل وسيطر عملياً على بيروت وكأنه يبعث برسالة مفادها أن هذه الترسانة وجدت لتبقى. تسببت ممارسات الحزب في إحداث جرح عميق في علاقة الحزب وطائفته بالمكونات اللبنانية الأخرى.

حين اندلعت الشرارة الأولى لـ«الربيع العربي» في تونس في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 لم يشعر بشار الأسد بالقلق. كان يعتقد أن «الوضع في سوريا مختلف وكذلك علاقة السلطة بالناس». أغلب الظن أن طمأنينته كانت نتاج شعوره أن أجهزة الأمن المتعددة والمفرطة القسوة لن تسمح لأحد برفع سبابته احتجاجاً. في 15 مارس (آذار) 2011، تصرفت أجهزة الأسد مع أطفال درعا انطلاقاً من قاموس القسوة المعتمد. انتشرت الاحتجاجات وتحولت ثورة عارمة. لم يحاول الأسد جدياً فتح نافذة للتسوية. واستحكمت عقدة الأقلية بسلوك جنرالاته. اعتبرت الاحتجاجات مؤامرة خارجية وبلغ عنف السلطة حد استخدام البراميل المتفجرة والغازات السامة.

حين اقتربت المعارضة من قصر الأسد الثاني سارع رجلان إلى إنقاذ نظامه. اسم الأول قاسم سليماني واسم الثاني حسن نصر الله. لم تكن إيران في وارد التسامح مع محاولة انتزاع الحلقة السورية من «محور المقاومة». نجح سليماني في إقناع الرئيس فلاديمير بوتين بإشراك سلاحه الجوي في عملية إنقاذ الأسد، وأرسل «حزب الله» في 2013 قواته إلى سوريا التي راحت تعج بالميليشيات التي يحركها سليماني.

حسن نصر الله متوسطاً علي خامنئي وقاسم سليماني (مكتب المرشد الإيراني)

نجحت عملية إنقاذ نظام الأسد ولكنها كانت باهظة التكاليف. تركت العملية جروحاً عميقة في العلاقات الشيعية - السنية، يمكن اليوم ملاحظتها من تعليقات السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي.

في باريس التي لجأ إليها بعد انشقاقه عن نظام بشار، سيقول عبد الحليم خدام (نائب الرئيس السوري) إن حافظ الأسد لم يتوقع بالتأكيد أن يصل النفوذ الإيراني في لبنان إلى هذا الحد وأن يحتاج نجله إلى عملية إنقاذ على يد ميليشيات إيرانية الهوى بينها «حزب الله». راجت في تلك الأيام عبارة أن الحزب تحول قوة إقليمية لا تتسع لها المعادلة اللبنانية. وتذكرت ما سمعته من الرئيس اليمني علي عبد الله صالح قبل انقضاء العقد الأول من القرن. فخلال حوار معه وبأسلوبه المعروف سألني: «لماذا يأخذ (حزب الله) شباناً من الحوثيين إلى دمشق ويمررهم إلى لبنان من دون علامات على جوازاتهم ويتولى تدريبهم في معسكرات في البقاع؟».

حين أطلق «حزب الله» حرب إسناد «طوفان السنوار» وحديثاً حرب إسناد إيران، تذكر كثيرون أن لبنان يعيش منذ الثمانينات على الهدير الإيراني. وفي العقد الثاني من القرن الحالي راح يتردد في أروقة الممانعة حديث «الضربة الكبرى» التي يعتقد كثيرون أن يحيي السنوار حلم بتسديدها مع مطر من الصواريخ والمسيرات من خرائط عدة.


مقالات ذات صلة

72 ساعة صنعت الخلافة... خدام يروي ما جرى بعد وفاة حافظ الأسد

المشرق العربي بشار الأسد إلى جانب نعش والده (أ.ف.ب)

72 ساعة صنعت الخلافة... خدام يروي ما جرى بعد وفاة حافظ الأسد

من تعديل الدستور في ساعات إلى الخلاف على رتبة بشار... وقرار خدام «دعمه للنهاية حتى لو على حساب الرفاق القدامى»

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي حافظ الأسد خلال زيارة لموسكو في 1999 (أ.ف.ب)

خدام: احتياطي سوريا 12 مليار دولار كان مسجلاً باسم حافظ الأسد

توقيع مزوّر سحب 65 مليون دولار من الاحتياطي... والخيط قاد إلى رئيس الحكومة محمود الزعبي الذي انتحر في 24 مايو 2000 

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

خاص عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

تحليل إخباري رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي رفعت الأسد عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد (أ.ب) p-circle

وفاة رفعت الأسد «جزار حماة»

 أفاد مصدران، الأربعاء، ‌بوفاة ‌رفعت ‌الأسد، ⁠عمّ ​الرئيس ‌السوري المعزول بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
TT

الجيش السوري الجديد... تغيير مسمّيات أم إعادة هيكلة مؤسساتية؟

عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)
عرض عسكري خلال حفل تخريج أفراد الفرقة 56 بالجيش السوري 1 يونيو 2025 (وزارة الدفاع)

بعد إسقاط نظام بشار الأسد، بدأت السلطات السورية العمل على تشكيل جيش جديد عبر دمج الفصائل الثورية المسلحة التي شاركت في القتال والاقتتال خلال سنوات الحرب ضمن وزارة الدفاع، في خطوة أولى هدفت إلى وضع مختلف التشكيلات العسكرية تحت مظلة مؤسسة رسمية واحدة.

في المرحلة التي عقبت سقوط النظام، ضم الجيش السوري الجديد نحو 22 فرقة عسكرية، كانت امتداداً مباشراً للفصائل السابقة، واحتفظت هذه التشكيلات بهياكلها وقياداتها وتركيبتها الداخلية، لكنها انتقلت «إدارياً» للعمل تحت مظلة وزارة الدفاع السورية.

لكن هذه الصيغة لم تكن تعني انتهاء الحالة الفصائلية بقدر ما مثلت مرحلة أولى من عملية الدمج غير السهلة؛ فقد اتخذت تلك الفصائل مسميات جديدة كـ «فرق» و«ألوية» تعمل ضمن هيكلة وزارة الدفاع المستحدثة، من دون أن تفقد كامل بنيتها السابقة أو شبكات النفوذ والولاءات التي شكلتها خلال سنوات الحرب.

وبقيت في كثير من الحالات مرتبطة بمناطق معاقلها والوفاء لقادتها، وبشبكاتها الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي جعل عملية الدمج أقرب إلى جمع الفصائل تحت مظلة واحدة منها إلى بناء جيش مؤسساتي موحد.

عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب)

تفكيك التكتلات الفصائلية

مع مرور الوقت، بدأت دمشق الانتقال إلى مرحلة ثانية أكثر وضوحاً في إعادة بناء المؤسسة العسكرية، تقوم على إعادة تشكيل الوحدات ودمجها في تشكيلات جديدة، وصولاً إلى العمل على تفكيك التكتلات الفصائلية من الداخل.

هذه المرحلة تحديداً، بدأت بعملية أكثر حساسية تتمثل في تفكيك الإرث السابق بوصفه عبارة عن كتل قوة داخل الجيش الجديد، فأعيد توزيع العناصر على التشكيلات المختلفة، بما يقلل من قدرة المجموعات على الاحتفاظ بهياكلها السابقة أو إعادة إنتاج النفوذ الخاص داخل المؤسسة العسكرية.

وتشكل هذه الخطوة بحسب مصادر لـ«الشرق الأوسط»، واحدة من أصعب مراحل هيكلة الجيش السوري؛ إذ لم يعد التحدي في دمج الفصائل ضمن كيان واضح هو الجيش، بل في القدرة على «قصقصة أجنحة الفصائل داخل هذا الجيش»؛ فالفصائل التي تحولت بعد سقوط النظام إلى فرق تابعة لوزارة الدفاع، احتفظ بعضها بتماسكه التنظيمي ومناطقيته، كما بقيت علاقات الولاء للقادة حاضرة وإن بدرجات مختلفة، إلى جانب الارتباط شبكات مالية وإدارية واجتماعية نشأت، وتجذرت طوال أكثر من عقد من الزمن.

صورة أرشيفية لمقاتل من المعارضة السورية يرفع علامة النصر وهو يقف على متن طائرة عسكرية تابعة لقوات موالية لحكومة بشار الأسد داخل مطار حماة العسكري 7 ديسمبر 2024 (رويترز)

انتقال لم يكتمل بعد

لكن هذه العملية لم تصل بعد إلى هدفها النهائي؛ إذ لا تزال بعض الفرق داخل الجيش تحتفظ ببنيتها السابقة وإن بدرجات متفاوتة، بينما تتواصل الترتيبات لإعادة توزيعها وإعادة تنظيم قيادات جديدة لها ومناطق انتشار ومهام مختلفة.

هذا يعني أن الجيش السوري يمر حالياً بمرحلة تتراوح بين نموذجين: نموذج دمج الفصائل بشكل غير فعال عقب سقوط النظام ضمن وزارة الدفاع، ونموذج الجيش المؤسساتي الذي يفترض أن تتلاشى فيه الفصائلية والمناطقية، وتصبح فيه سلسلة القيادة والقرار العسكري مرتبطة بالدولة السورية.

في هذا الإطار، قال مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة السورية تستكمل اليوم عملية الدمج الإجباري للفصائل كافة وإضعاف مواطن القوة التي تمتعت بها خلال السنوات الماضية»، معتبراً أن هذه الخطوة ضرورية جداً، فمن دونها لن تستطيع دمشق تأسيس جيش موحد وبناء دولة مستقرة.

جنود سوريون يهرعون إلى موقع انفجار مستودع أسلحة في إدلب مخلّفاً 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (إ.ب.أ)

وأوضح المصدر الذي فضَّل عدم الكشف عن اسمه أن ما شهدته الأيام السابقة من تفكيك بعض الكتل العسكرية، وفي مقدمتها «جيش الإسلام» الذي جرى دمجه ضمن الفرقة 70، وتفكيك مجموعات «العمشات» و«الحمزات» و«أحرار الشرقية»، سبقته عمليات مشابهة طالت «أحرار الشام» و«الجبهة الشامية»، وهي فصائل كانت متماسكة ولها مصالح اقتصادية وجهوية، وقد نجحت إدارة الرئيس أحمد الشرع في تفكيكها تدريجياً وبهدوء ودون ضجة؛ ما أدى إلى سحب قوة هذه التكتلات التي كانت تشكل ثقلاً داخل الجيش.

فصائل داخل الدولة

المهمة الأساسية الآن هي هيكلة المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد ضم الفصائل إليها، ومن ثم تفكيك البنية الفصائلية داخل الدولة السورية بشكل كامل.

وهناك فصائل لا تزال موجودة داخل الجيش، لكن معظم التشكيلات التي كانت تنتمي لـ «الجيش الوطني» السابق قد فككت بمعظمها، ويجري حالياً تفكيك «جيش سوريا الحرة» الذي كان حليفاً مهماً للولايات المتحدة في قاعدة منطقة التنف قرب الحدود الأردنية.

ويوضح المصدر أن هناك تنسيقاً كاملاً بين إدارة الشرع وكل من تركيا والولايات المتحدة في عملية تفكيك الفصائل داخل الجيش السوري الجديد؛ إذ كان يُعتقد سابقاً أن شخصيات مثل أبو عمشة وحاتم أبو شقرا وسيف بكور بولاد، وهم حلفاء لتركيا، قد يثير تحييدهم حساسية لدى أنقرة، قد يدفعها للضغط باتجاه عدم إبعادهم، لكن ما حدث كان العكس تماماً فتركيا اليوم تبدي حرصاً على تفكيك المكونات التي كان حليفة سابقة لها.

«كتائب خالد بن الوليد» وهي جزء من «هيئة تحرير الشام» تقدّم عرضاً عسكرياً بعد الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد (أرشيفية - رويترز)

«هيئة تحرير الشام» في الهيكلية الجديدة

رغم جهود التفكيك والدمج وإعادة بناء مؤسسة عسكرية متجانسة، فإن المصدر يؤكد أن «الهيكلية النهائية للأجهزة الأمنية وللجيش تهدف إلى أن يبقى ضباط وقادة (هيئة تحرير الشام) حصراً والقادة المهمين في جبهة النصرة في المفاصل الرئيسية ومواقع القيادة والقرار، وأن كل من جرى تعيينه من الضباط المنشقين أو قادة الفصائل التي تم حلها وتوزيعها سيكون قائده أو رئيسه في النهاية شخصية من (تحرير الشام)».

ويرى المصدر أن «هذا التوجه منطقي في هذه المرحلة الحساسة التي تواجه فيها الدولة تحديات داخلية وخارجية كبيرة؛ إذ إن العمل السياسي يتطلب وجود نواة صلبة وتماسك داخلي، وإن لم تكن القرارات المفصلية الأمنية والعسكرية مضمونة فلن يكون بالإمكان بناء أي شيء، وستكون المؤسسات عرضة للاختراق وخاضعة للتجاذبات الداخلية».

عناصر من قوات الأمن السورية في اللاذقية (أرشيفية - رويترز)

رواية القيادة

تحدثت «الشرق الأوسط» إلى العقيد عبد المعطي الحلبي، وهو أحد القيادات العسكرية في الجيش السوري الجديد ومن الضباط الذين كانوا في الصف الأول داخل جبهة النصرة سابقاً، فأكد أن تفكيك الفصائل «ليس استهدافاً لأحد»، بل «ضرورة وجودية لبناء مؤسسة عسكرية حقيقية».

وأوضح الحلبي أن الإبقاء على الفصائل ككتل متماسكة داخل الجيش «يعني ببساطة الإبقاء على ولاءات متعددة داخل المؤسسة العسكرية»، وهو ما يهدد القرار الأمني والعسكري، ويجعل الدولة هشة.

وأضاف: «لا يمكن أن نبني جيشاً وطنياً إذا بقيت كل مجموعة تعد نفسها كياناً مستقلاً، ولها اقتصادها الخاص، وولاءاتها»، مشيراً إلى أن الدولة تعمل على توزيع القيادات وإعادة توزيعها.

وفي ما يتعلق باختيار قادة الفيالق من «هيئة تحرير الشام»، قال الحلبي إن هذا الأمر ليس دقيقاً كما يشاع، موضحاً أن «(تحرير الشام) هي أول من حل نفسه، واندمجت في الدولة، رغم أنها تمتلك خبرة تنظيمية وأمنية وإدارية سبقت بها الجميع، وخاضت تجربة الحكم والإدارة في إدلب، وخاضت تجربة العمل الأمني المعقد، ولديها قدرة على ضبط الأرض والمؤسسات».

وأضاف: «لو أبقينا الأمور على الحالة السابقة، ستعود الحساسية المناطقية والولاءات القديمة. نحن نريد قيادة موحدة، صلبة، لا تخضع لأي تجاذبات، في هذه المرحلة، وهذا بمشاركة الجميع دون تمييز».

تعيين حجي محمد نبو المعروف بلقب «جيا كوباني» نائباً لقائد «الفرقة 60» في الجيش السوري العاملة في الحسكة مارس الماضي (حساب فيسبوك)

5 فيالق وتغييرات مرتقبة

يقول الباحث في الشؤون الأمنية في مركز جسور للدراسات، رشيد حوراني، لـ«الشرق الأوسط»، إن الهيكلية الجديدة للجيش السوري ستبقي، على الأرجح، على صيغة تشكيل 5 فيالق في الجيش، مع احتمال إجراء تغييرات على مستوى القيادات وقوام الفيالق ومناطق انتشارها ومهامها العملياتية، مشيراً إلى أن المرحلة السابقة أظهرت الحاجة إلى تعزيز مرونة تحرك هذه التشكيلات في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.

وأوضح حوراني أن «على الأرجح الإبقاء على الهيكلية التي أعلن عنها مؤخراً، المتضمنة تشكيل 5 فيالق في الجيش السوري، ولكن التغيير قد يطول القيادات وقوام الفيالق العسكرية التي أعلن عنها، وتنظيم أماكن انتشارها، ومناطق العمليات الخاصة بها بشكل أكبر مما كان سابقاً؛ لأنه خلال المرحلة السابقة تم الوقوف على نقاط تتعلق بمرونة تحرك تلك الفيالق استجابة للمهددات الداخلية والخارجية، ومن ثم تكون الهيكلية المقبلة تغييراً في القيادات وأساليب عمل كل فيلق بما يتناسب ومهامه».

دخان يتصاعد من خلف جندي سوري على أثر انفجار مستودع أسلحة في إدلب خلّف 14 قتيلاً في 9 سبتمبر الجاري (أ.ف.ب)

وفيما يتعلق بالهدف من الهيكلة الجديدة، يرى حوراني أن إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية ترتبط بمرحلة أوسع من إعادة بناء الجيش السوري وتطوير آليات عمله، بما يتناسب مع متطلبات الدولة والمرحلة المقبلة.

وكانت مواقع سورية قد تداولت أخباراً مفادها أن الترتيبات الجديدة وضعت الفيلق المكلف بالمنطقة الشرقية تحت قيادة العميد أحمد محمد الجاسم، المعروف في الأوساط العسكرية بـ«أبو محمد شورى»، وهو الضابط الذي ارتبط اسمه سابقاً بإدارة الفرقة 66.

بينما تتحدث مصادر أخرى على أن المنطقة الشمالية ستخضع لقيادة العميد عواد الجاسم «أبو قتيبة الشامي»، الذي ارتبط اسمه بالفرقة 60، في إطار إعادة توزيع الفرق الأربع العاملة هناك.

أما ما يتصل بالمنطقة الوسطى، فتذكر بعض المصادر أن العميد هيثم العلي «أبو مسلم آفس» سيكون على رأس الفيلق المسؤول عن هذا القطاع، في حين تتحدث تسريبات أخرى عن أن العاصمة دمشق ستشهد ترتيبات مختلفة يقودها العميد عمر محمد جفتشي «مختار التركي» الذي يدير حالياً فرقة دمشق العسكرية.

وفي المقابل، تتداول منصات محلية أن المنطقة الغربية والساحل سيخضعان لإشراف العميد منير الشيخ «أبو أسامة»، ضمن فيلق يضم 4 فرق أعيد تنظيمها مؤخراً.

معضلة الفصائل الأكثر تطرّفاً

حول الفصائل الأكثر تطرفاً، قال الحلبي إن الدولة تتعامل معها «بمنهجية دقيقة»؛ إذ سيجري تفكيكها وتوزيع عناصرها داخل الفيالق بما يمنع تشكل أي كتل داخل الجيش.

وأضاف: «هذه الفصائل تمتلك خبرة قتالية مهمة، لكن يجب أن تعمل ضمن مؤسسة، لا ضمن عقلية الجماعة أو التنظيم. لذلك سيتم توزيعها بشكل مدروس داخل الفيالق، بحيث تذوب في البنية العسكرية الجديدة».

وختم الحلبي قوله بأن التحدي الأهم الآن هو الانتقال من «الذهنية الفصائلية إلى ذهنية الدولة».

وعن المقاتلين الأجانب وبينهم التركستان وغيرهم، داخل الهيكلية العسكرية الجديدة، أوضح حوراني أن هذه الجماعات أصبحت منضوية ضمن الجيش، لا سيما في الفرقة 84، ومن ثم فإنها تخضع، من حيث المبدأ، للقواعد والقوانين العسكرية نفسها التي تنطبق على بقية الوحدات.

وقال: «انضوت الجماعات الإسلامية الأجنبية ضمن الجيش في الفرقة 84 بشكل خاص وأصبح يسري عليهم ما يسري على جميع الوحدات العسكرية، وأي مخالفة منهم يتم التعامل معهم وفق القانون العسكري النافذ».

وفي ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد خطوات لإزالة أو تفكيك بعض الفصائل المتطرفة الموجودة ضمن التشكيلات العسكرية، في ظل وجود مطالب دولية مرتبطة بهذا الملف، يرى حوراني أن التعامل مع هذه الفصائل سيبقى جزءاً من عملية بناء الجيش واستخلاص الدروس من المراحل السابقة، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى وجود محددين أساسيين يحكمان هذا الملف.

الرئيس السوري أحمد الشرع في مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية وسط حضور موسع من فصائل إدارة العمليات العسكرية 29 يناير 2025 (أ.ف.ب)

موقف الفصائل من إعادة الهيكلة

عن التحفظات الفصائلية، ومخاوف الفصائل التي انضمت إلى وزارة الدفاع من تداعيات إعادة الهيكلة، يلفت حوراني إلى أن هذه الفصائل باتت تدرك الفارق بين طبيعة التشكيلات التي نشأت خلال مرحلة إسقاط النظام السابق، وبين متطلبات بناء جيش يعمل ضمن مؤسسات الدولة.

ويشرح: «تدرك الفصائل التي انضمت لوزارة الدفاع أن طريقة عمل وتشكيل الفصائل في مرحلة إسقاط النظام يختلف عن طريقة تشكيل الجيش ومهامه ضمن كيان الدولة؛ ولذلك كانت هناك استجابة كبيرة من جميع الفصائل لعملية الدمج، على الرغم من أن تقارير غربية حذرت من طريقة الدمج وآثاره، لكن الهدف العام للفصائل سهل المهمة وجعل عملية تشكيل الجيش تسير بسلاسة».

وحول بقاء بعض قادة الفيالق محسوبين على جهات فصائلية معينة، وما يفسر ذلك، يرى حوراني أن الأمر يرتبط بالخبرة التي راكمها الجناح العسكري لـ«هيئة تحرير الشام» خلال السنوات التي سبقت سقوط النظام.

وقال: «كون الجناح العسكري لـ(هيئة تحرير الشام) تطور بشكل كبير قبل سقوط النظام من ناحية التدريب والتنظيم والخبرة في أساليب العمل العسكري، وتريد القيادة اليوم الاستفادة من ذلك».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يراقب تقدم جنود إسرائيليين داخل الأراضي السورية مطلع سبتمبر الجاري (د.ب.أ)

تنسيق سوري ـ تركي ودور أميركي

عن الدور الإقليمي والدولي في عملية إعادة هيكلة الجيش، أشار حوراني إلى أن التنسيق السوري ـ التركي في المجال العسكري بات معلناً، ويشمل جوانب التنظيم والتدريب، لافتاً إلى أن ذلك انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية في كل من سوريا وتركيا.

وقال: «لا يخفي الجانب السوري والتركي التنسيق العسكري بينهما المشتمل على التنظيم والتدريب، وهو ما انعكس من خلال الزيارات المتكررة لمسؤولين عسكريين رفيعي المستوى في أعلى هرمي المؤسسة العسكرية لكل من سوريا وتركيا، وهذا التعاون موافق عليه من الجانب الأميركي الذي أوصى بدوره مجلس الشيوخ لجنة الأمن والدفاع فيه بتقديم تقرير خلال العام 2026 بإمكانية إقامة شراكة عسكرية مع سوريا، وهذا يندرج ضمن دور سوريا في مكافحة الإرهاب».

أهداف الدور التركي

وحول أهداف الدور التركي، خصوصاً في عملية بناء الجيش السوري، يعتقد حوراني أن هذا الدور يحمل مجموعة من الأهداف المرتبطة بالأمن القومي التركي، إلى جانب أهداف سياسية وعسكرية تتصل بموقع أنقرة في سوريا والمنطقة.

ويقول: «أهداف الدور العسكري متعددة، أبرزها حماية الأمن القومي التركي وبناء الجيش السوري الموحد الذي يقطع الطريق على قيام كيانات انفصالية تهدد الداخل الكردي كتنظيم (قسد) شرق سوريا سابقاً، وتعزيز نفوذ تركيا السياسي والعسكري وتكرار تجربتها العسكرية في بناء الجيوش في الدول الأفريقية، إضافة إلى دور تركيا في دعم الإدارة السورية الجديدة التي كانت داعمة لها خلال الثورة».

عبدي مع مجموعة من قواته بلباس الجيش السوري (مواقع التواصل)

معركة بناء لا مجرد دمج

في المحصلة، تكشف عملية إعادة هيكلة الجيش السوري أن التحدي الذي تواجهه دمشق لا يتمثل فقط في إدخال الفصائل المسلحة السابقة إلى وزارة الدفاع، وإنما في إنهاء قدرتها على العمل ككتل مستقلة داخل المؤسسة العسكرية.

فالمرحلة الأولى قامت على استيعاب الفصائل تحت مظلة الدولة، بينما تركز المرحلة الحالية على تفكيك هياكلها الداخلية، وإعادة توزيع عناصرها وقياداتها، وتغيير مناطق انتشارها ومهامها، بما يمنع إعادة إنتاج الولاءات المناطقية والفصائلية.

وبينما تؤكد السلطات العسكرية أن الهدف هو بناء جيش موحد لكل السوريين، تبرز في المقابل تساؤلات حول حجم الدور الذي ستحتفظ به الشخصيات القادمة من «هيئة تحرير الشام»، وحول طبيعة العقيدة العسكرية للجيش الجديد، وحدود التأثير التركي والدولي في عملية بنائه.

وفي نهاية المطاف، تبدو إعادة الهيكلة اختباراً أساسياً لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من مرحلة «الفصائل المنتصرة» إلى مرحلة «المؤسسة العسكرية التابعة للدولة»، وهي عملية لم تكتمل بعد، وستحدد نتائجها إلى حد كبير شكل الدولة السورية وأمنها خلال المرحلة المقبلة.


ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
TT

ربع قرن على يوم «آبوكاليبتي»... «11 سبتمبر» الذي غيّر أميركا والعالم

هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)
هياكل برجَي مبنى التجارة العالمي بعد احتراقهما بالكامل إثر التفجيرات (أ.ف.ب)

خلّفت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية ندوباً لا تزال ماثلة على شواهد في الولايات المتحدة، وذكريات رهيبة في وجدان الأميركيين وكثيرين عبر العالم. وإذا كانت التداعيات الأولى ظهرت سريعاً في غزوين أميركيين لكل من أفغانستان (2001) والعراق (2003)، فإن البعض يجادل بأن حرب إيران اليوم تقع - في جانب منها - ضمن السياق ذاته.

وإذ يحيي الأميركيون هذا العام الذكرى السنوية الـ25 للهجمات التي أدت إلى سقوط نحو ثلاثة آلاف قتيل مع صدْم برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك بطائرتين مدنيتين ووزارة الدفاع (البنتاغون) في واشنطن العاصمة بطائرة مدنية ثالثة، فضلاً عن رابعة أُسقطت في بنسلفانيا، لم تنته بلدان مثل أفغانستان، والعراق، وسوريا، واليمن، والصومال ونيجيريا وغيرها بعد من إحصاء العدد النهائي لمئات آلاف من الضحايا، وربما أكثر من الذين سقطوا في الحروب الأميركية والعالمية المتواصلة مُذّاك ضد تنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وغيرهما من الجماعات الإرهابية.

طُبعت هذه الاعتداءات على «الوجه الدّامي» لأميركا، حيث لم تغلق بعد السجالات الدائرة حول «سجلات سريّة» يقال إنها لم تنشر بعد على رغم مضي ربع قرن على الوقائع المستعادة سنويّاً ليوم 11/ 9، لحظة بلحظة، ودقيقة بدقيقة، وساعة بساعة، وعاماً بعد آخر.

رسم بياني يُظهر عدد الطائرات ومسار كلٍّ منها قبل لحظة الارتطام

ويحيي الأميركيون هذه اللحظات والدقائق كل عام، بتسجيلها في الذكرى، وبوصفها بداية تاريخ جديد للبلد الذي نشأ رسمياً قبل 250 عاماً، ويقرعون أجراس الحزن بالمواقيت التالية:

منذ الساعة 5:45 فجر 11/ 9، حين اجتاز خاطفان، نقاط التفتيش الأمنية في مطار بورتلاند الدولي بولاية ماين، ليستقلا رحلة إلى مطار لوغان الدولي في بوسطن في ماساتشوستس، ثم الرحلة الرقم 11 لـ«أميركان إيرلاينز» التي أقلعت الساعة 7:05 صباحاً وعلى متنها 76 راكباً مع طاقم من 11 شخصاً وخمسة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: لوس أنجلس في كاليفورنيا.

وكذلك، أقلعت من بوسطن الرحلة 175 لشركة «يونايتد أيرلاينز» الساعة 8:15 صباح اليوم ذاته، وعلى متنها 51 راكباً وطاقم من تسعة أفراد وخمسة خاطفين، متجهة أيضاً إلى لوس أنجلس.

وعند الساعة 8:20 صباحاً، أقلعت الرحلة 77 لـ«أميركان إيرلاينز» من واشنطن العاصمة، وعلى متنها 53 راكباً وستة من أفراد الطاقم وخمسة خاطفين، متجهة كذلك إلى لوس أنجلس.

وطارت من مطار نيوارك في نيوجرسي الرحلة 93 لـ«يونايتد أيرلاينز» عند الساعة 8:42 صباحاً، وعلى متنها 33 راكباً وسبعة من أفراد الطاقم وأربعة خاطفين، إلى وجهتها المفترضة: سان فرانسيسكو، كاليفورنيا.

صورة أرشيفية للحظة اصطدام الطائرة ببرج التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

دقائق الرعب

لم تمضِ دقائق حتى ارتطمت الرحلة 11 الساعة 8:46 صباحاً بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي عند الناحية السفلى من مانهاتن في نيويورك. وتسمّر الناس في كل أصقاع الأرض أمام الشاشات لمشاهدة ما لم يخطر ببال أحد من غير المهاجمين أنفسهم.

وقبل أن يفيق أحد من صدمة «حادثة» البرج الشمالي، صدمت الرحلة 175 البرج الجنوبي بعد دقائق قليلة أخرى، في تمام الساعة 9:03 صباحاً، ليتيقّن الجميع أن ما يحصل أكبر بكثير مجرد «حادثة» لطائرات ضلّت طريقها فوق المدينة العامرة.

ظلّت الأفواه فاغرة طويلاً وسادت حالة من الذهول.

حتى الرئيس جورج دبليو بوش، الذي كان داخل صف ابتدائي لمدرسة في فلوريدا، بدا غير مصدق لما يحصل، حين همس في أذنه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك أندرو كارد، الساعة 9:05 صباحاً لإبلاغه بالهجوم على البرج الثاني. وكتب بوش لاحقاً: «قررت عدم النهوض فوراً ومغادرة الصف. لم أرد إثارة ذعر الأطفال. أردت بث شعور بالهدوء... مررت بأزمات كافية لأعرف أن أول ما يجب على القائد فعله هو بث الهدوء».

غير أن السكينة التي سعى إليها الرئيس الأميركي بدت سراباً مع ارتطام الرحلة 77 بالمبنى الأيقوني لوزارة الدفاع (البنتاغون) عند الساعة 9:37 صباحاً، في حين كان المسافرون على الرحلة 93 يتعاركون مع الخاطفين حتى الساعة 10:02 صباحاً، حين تحطمت الطائرة فوق حقل خالٍ في شانكسفيل، بنسلفانيا. لم يعرف أحد ما كانه الهدف النهائي لخاطفي الرحلة 93، بيد أن كثيرين رجَّحوا أن تكون متجهة إما إلى البيت الأبيض أو مبنى الكابيتول.

الدمار الهائل والرماد الذي خلَّفته تفجيرات «11 سبتمبر» في دقائق (أ.ف.ب)

أبعاد «آبوكاليبتيكية»

أعطت الصحافة الأميركية أبعاداً «آبوكاليبتيكية» لانهيار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي أولاً عند الساعة 9:59 صباحاً. ثم انهيار البرج الشمالي بعد 29 دقيقة، الساعة 10:28 صباحاً.

لم تكن تلك اللحظات من ذلك الثلاثاء المشؤوم، مجرد توثيق لوقائع ضربة يعدّها البعض أخطر أميركياً من هجوم بيرل هاربر الذي كان السبب المباشر لدخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية ضد اليابان الإمبراطورية وبقية دول المحور: ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية.

وأعادت هجمات 11/ 9 تشكيل الأمن الأميركي والحياة اليومية للأميركيين وغير الأميركيين على نطاق واسع، من المطارات إلى السياسة الخارجية والمجتمعات المحلية.

وبعد أيام فقط من الهجمات، اتخذ الرئيس بوش قرارات مهمة لتوحيد 22 جهازاً فيدرالياً، أصدر الكونغرس «قانون باتريوت» موسعاً صلاحيات المراقبة والتحقيق الفيدرالية. وتغيّر أمن الطيران جذرياً مع إنشاء إدارة أمن النقل، التي فرضت فحص جميع الأمتعة بالأشعة السينية. وصار خلع الأحذية إجراءً روتينياً. كما ألزم الكونغرس شركات الطيران بأبواب قمرة قيادة محصّنة، وأُنشئت «قائمة حظر الطيران»، وفرضت بطاقة «الهوية الحقيقية» إلزامياً للسفر الداخلي.

وارتفعت ثقة الأميركيين بالحكومة الفيدرالية لأول مرة منذ عهد جونسون، ورفع 80 في المائة من البالغين العلم الأميركي في أكتوبر (تشرين الأول) 2001 وسط موجة وطنية واسعة. لكن الهجمات أشعلت أيضاً موجة «إسلاموفوبيا» وعنف ضد المسلمين في أنحاء مختلفة من الولايات المتحدة وعبر العالم.

«حرب عالمية» على الإرهاب

بالإضافة إلى ذلك، كانت هجمات 11 سبتمبر 2001 بمثابة إعلان «الحرب على أميركا»، التي أعلنت بصفتها القوة العظمى الوحيدة عالمياً في مستهل الألفية الثالثة، أن «ما قبلها ليس كما بعدها»، وأنها إيذان ببدء الحرب الأميركية والعالمية على الإرهاب.

بهذه الروحية، خاطب الرئيس بوش الأمة الأميركية ليلة ذلك اليوم، الذي سقط فيه زهاء ثلاثة آلاف قتيل، والذي لا يزال مؤثراً على نمط حياة الأميركيين إلى يومنا هذا، بعد أي مضي ربع قرن. وركز في خطابه على طمأنة الأميركيين، مرسلاً التباشير الأولى لما صار لاحقاً «مذهب بوش» في السياسة الخارجية؛ إذ قال: «لن نفرق بين الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الأعمال ومن يؤويهم»، وممهداً أيضاً الطريق لإطلاق الحملة العسكرية اللاحقة ضد أفغانستان «طالبان» بعدما رفضت تسليم زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن.

الدخان متصاعداً من برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك لحظة التفجيرات (غيتي)

وعلى رغم انهيار الحكم الطالباني الأول بعد قرابة شهرين من «عملية الحرية الدائمة» العسكرية التي قادتها الولايات المتحدة مع تحالف دولي، طالت الحرب على الإرهاب في هذا البلد المضطرب 20 عاماً.

وفي خطابه الأول عن «حال الاتحاد» بعد هجمات 11/ 9، أعطى الرئيس بوش في مطلع عام 2002 التصور الأكثر تكاملاً عن حرب «ستتواصل لعقود» تخوضها الولايات المتحدة لاجتثاث الإرهاب والدول الراعية له وفقاً للمنظور الأميركي. أعلن الهدف النهائي ضد ما سماه «محور الشر» الذي ضم كلاً من العراق وإيران وكوريا الشمالية، مضيفاً اتهاماً آخر بأن هذه الدول تنتج أيضاً أسلحة دمار شامل.

إطلاق مصطلح «محور الشرّ»

أسس الرئيس بوش في الخطاب الذي كتبه له ديفيد فروم لحرب العراق التي أطاحت في 2003 نظام البعث بقيادة الرئيس صدام حسين. وأشار فروم في حديث لصحيفة «النهار» اللبنانية آنذاك، إلى أنه بنى تعبير «محور الكراهية» (الذي استبدل به الرئيس بوش مصطلح «محور الشرّ») على استعارات من خطاب الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت عن «التاريخ الذي سيبقى وصمة عار» الذي ألقاه في 8 ديسمبر (كانون الأول) 1941، بعد الهجوم الياباني على بيرل هاربر، ليقرر خوض حرب ليس فقط ضد اليابان الإمبراطورية، بل أيضاً ضد ألمانيا النازية.

الرئيس الأميركي جورج بوش الابن ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتفقدان الأضرار في مبنى البنتاغون غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 (غيتي)

لم يكتفِ الرئيس بوش بالحرب ضد أفغانستان، بل أرسل القوات الأميركية أيضاً إلى العراق. وحسب مشروع «تكلفة الحرب» لدى جامعة براون، قُتل نحو 940 ألف شخص بالعنف المباشر في هاتين الحربين، في حين تجاوز إجمالي الضحايا 4.5 ملايين بحلول عام 2023 بسبب الآثار غير المباشرة. وارتفع الإنفاق العسكري 50 في المائة في العقد التالي للهجمات، بتكلفة إجمالية تجاوزت 5.6 تريليونات دولار بحلول 2018، وأُنشئ معتقل غوانتانامو الذي احتجز 780 شخصاً.

وقال فروم: «بالنسبة لروزفلت، لم يكن بيرل هاربر مجرد هجوم، بل كان بمثابة تحذير من هجمات مستقبلية أسوأ من عدو آخر، بل وأكثر خطورة». وكذلك، ربط بين العراق إيران و«القاعدة» و«حزب الله» التي شكَّلت على رغم التناقضات بينها، «محور كراهية ضد الولايات المتحدة». وأضيفت إليه كوريا الشمالية بسبب تطويرها أسلحة نووية.

وفي وقت تواصلت فيه الحرب على الإرهاب في أفغانستان، شكلت حرب العراق بداية لحرب أوسع نطاقاً ضد «محور الشر»، فاندفع النظام الإيراني إلى استغلال انهيار الحُكمين الطالباني والبعثي نحو ملء جزء رئيسي من الفراغ الجيوبوليتيكي الهائل بإنشاء «محور المقاومة» والذي سمّاه الملك عبد الله بن الحسين لاحقاً «الهلال الشيعي» - سعياً إلى امتداد جغرافي من إيران إلى لبنان، عبر كل من العراق وسوريا، التي اكتفى المسؤولون الأميركيون بتصنيفها ضمن الدول الراعية للإرهاب بسبب علاقاتها بالجماعات المسلحة ودورها كنقطة عبور حيوية للأسلحة والدعم الموجه إلى وكلاء إيران، وأبرزهم «حزب الله»، قبل التحوّل الكبير الذي شهدته دمشق في نهاية عام 2024.

واستخدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجمات 7 أكتوبر 2023 لتشبيهها بهجمات 11 سبتمبر 2001 وفتح حرباً لا سابق لها ضد «حماس» وغيرها من الجماعات الموالية لإيران - ولاحقاً «حزب الله» في لبنان - غير آبه بسقوط عشرات آلاف الضحايا بين الفلسطينيين واللبنانيين.

حرب إيران... حيث لم ينفع شيء

لم يتمكن الرئيس بوش ومن أتى بعده من الرؤساء الأميركيين من وضع حد لحال العداء المستحكمة بين الولايات المتحدة وإيران، أو من لجم الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني، على رغم الشكاوى المتكررة من دول الجوار بسبب استمرار تدخلاته في الشؤون الداخلية للدول الأخرى. بل تعاقب الرؤساء الأميركيون على استخدام مقاربات مختلفة؛ أملاً في تغيير يدفع الشرق الأوسط إلى مرحلة جديدة من الاستقرار.

نسخ من صحيفتي «همشهري» و«جام جم» الإيرانيتين تحمل صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعنواناً باللغة الفارسية: «بندقية العقوبات الفارغة» (إ.ب.أ)

لم ينفع شيء. وجاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى ولايته الثانية عازماً على إحداث تغيير جوهري في إيران، ومردداً اتهامات من مسؤولين أميركيين سابقين وحاليين بأنها «آوت» أيضاً مسؤولين من «القاعدة» مطلوبين للعدالة الأميركية، فضلاً عن دعم «حزب الله» في لبنان وجماعة الحوثي في اليمن والجماعات الشيعية المسلحة في العراق، وإن ركز أكثر على سعي النظام الإيراني إلى صنع أسلحة نووية والمزيد من الصواريخ الباليستية والمسيَّرات.

يمكن وضع الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة مع إيران منذ نهاية فبراير (شباط) 2026 في سياق الحروب الأميركية ضد «محور الشر» التي أعلنها الرئيس بوش، وأوضحتها لاحقاً مستشارة الأمن القومي وزيرة الخارجية سابقاً كوندوليزا رايس بأن «دعم إيران المباشر للإرهاب الإقليمي والعالمي، وسعيها الدؤوب لاقتناء أسلحة الدمار الشامل، يناقض أي نيات حسنة أبدتها في الأيام التي أعقبت أسوأ الهجمات الإرهابية في التاريخ».

خلاصة الأمر، أن الولايات المتحدة لطالما عدَّت إيران راعية للإرهاب وخصماً محتملاً وخطيراً في الشرق الأوسط.


معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
TT

معتقل غوانتانامو... «الاستثناء» الذي أصبح قاعدة

مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)
مشهد عام لـ«كامب إكس» حيث الحراسة المشددة (أ.ف.ب)

في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.

كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

مشهد عام لقاعدة غوانتانامو الأميركية في الخليج الكوبي قبيل إنشاء المعتقل فيها مطلع 2002 (أ.ف.ب)

لكن المؤقت طال.

ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.

بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

لافتة ترحيبية عند مدخل قاعدة معتقل غوانتانامو بعد تحديثه (أرشيفية - أ.ف.ب)

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.

كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

جندي أميركي يعبر قرب الشريط الشائك الذي أحاط بـ«كامب إكس» قبل إغلاقه (أ.ف.ب)

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً

ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.

لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.

هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

وصول الدفعة الأولى من المعتقلين إلى قاعدة غوانتانامو حيث وُضعوا في أقفاص مكشوفة يناير 2002 (غيتي)

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.

على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.

لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.

على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.

صيد ثمين في حفرة مظلمة

قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

خالد شيخ محمد «العقل المدبّر» لهجمات «11 سبتمبر» فور إلقاء «سي آي إيه» القبض عليه في باكستان عام 2003 (أ.ب)

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».

وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟

بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.

لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.

وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.

هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

«كامب دلتا 2 و3» ذات الإجراءات الأمنية المشددة حيث اعتُقل كبار قادة تنظيم «القاعدة» في صورة تعود لعام 2006 (أ.ف.ب)

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟

لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.

عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية

في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

«كامب العدالة» حيث أنشئت قاعات المحاكمات المسبقة الصنع في صورة التُقطت نهاية 2008 (أ.ف.ب)

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.

بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟

لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.

فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.

لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

مدخل «كامب 6» في صورة تعود إلى عام 2014 وتظهر لافتة كُتب عليها «معتقلون في المنشأة. التزموا الصمت» (أ.ف.ب)

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.

وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.

كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.

وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».

قول منطقي لسياق 2009.

ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

باحة داخلية مشتركة في «كامب 6» وبدت حولها زنزانات الاعتقال بعد تجديد المباني بمعتقل غوانتانامو خلال 2008 (أ.ف.ب)

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟

بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.

ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟

ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.

لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.

فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟

الإجابة معقدة لا شك.

جنديان أميركيان يدخلان إلى «كامب دلتا 1» الذي يخضع لحراسة مشددة (غيتي)

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.

لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.

في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».

وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.

لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:

هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

«كامب 6» بغوانتانامو في صورة تعود لعام 2008 (غيتي)

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.

فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.

إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.