في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، يبدو معتقل غوانتانامو أقل شبهاً بسجن بقي مفتوحاً بالخطأ، وأكثر اقتراباً من مؤسسة متجذرة عرفت كيف تقاوم الزمن.
كان يُفترَض أن يكون المعتقل الذي افتُتِح في القاعدة البحرية الأميركية بخليج غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2002 حلاً مؤقتاً لحالة استثنائية: احتجاز مقاتلين أسرى في «الحرب على الإرهاب» بعيداً من البر الأميركي، ومن دون أن تنطبق عليهم، حسب منطق الإدارة الأميركية آنذاك، القواعد القانونية التي تحكم السجون التقليدية أو أسرى الحروب.

لكن المؤقت طال.
ومع مرور ربع قرن، لم يعد السؤال يقتصر على: لماذا لم يُغلق غوانتانامو؟ بل ماذا حدث للفكرة التي أنشأته؟ وكيف أمكن لاستثناء قانوني وسياسي وُلد في لحظة «تروما جماعية» بعد هجمات 11 سبتمبر الإرهابية، أن يتحول إلى مؤسسة قادرة على البقاء، والاستمرار حتى بعدما تغيّرت الإدارات في البيت الأبيض والحروب في الميادين وشكل التهديدات وأسماء أصحابها.
بعد الهجمات، دخلت الولايات المتحدة حرباً جديدة سمتها «الحرب على الإرهاب». وفي إطار هذه الحرب، نشأ نظام واسع للاعتقال خارج المألوف القانوني، اعتمد على السرّية والاحتجاز المفتوح زمنياً، وعلى محاولة الفصل بين «الحرب» العسكرية، والأرضية التشريعية التي تحكمها عادة.

وجاء غوانتانامو أوضحَ مثالٍ لتناقض تكشف تدريجياً؛ ففي حين نشأت عدة مواقع اعتقال سرية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية، في بلدان متعددة، واعتمدت برامج استجواب قهرية ولا إنسانية، وأصبحت لاحقاً جزءاً من أكثر الفصول إثارة للجدل في الحرب الأميركية على الإرهاب، بقي غوانتانامو مختلفاً. لقد امتلك ميزة إضافية.
كان مكاناً حيّاً. نما وتطوّر وامتد على مساحة جغرافية أكبر عبر السنوات، منذ لحظة افتتاحه، مطلع يناير (كانون الثاني) 2002، وإلى اليوم. وهو إذ يتكيّف مع الإدارات الأميركية المتبدّلة بين جمهورية أو ديمقراطية، ويطور أساليبه وأنماطه، لم يبتعد قيد أنملة عن الفكرة المؤسسة له، والمجال الحيوي الهائل للسلطة السياسية؛ أن الدولة الأميركية، في ظروف استثنائية، تستطيع أن تنشئ مساحة استثنائية، وأن المحتجَز يمكن أن يكون «مقاتلاً عدواً» من دون أن يكون أسيراً بالمعنى التقليدي، ومن دون أن يكون متهماً أمام محكمة جنائية، وأن الحرب يمكن أن تكون طويلة إلى درجة يصبح معها الاحتجاز نفسه بلا نهاية محددة. وذلك هو حال عدد من سجناء غوانتنامو اليوم، بعد نحو ربع قرن.

غوانتانامو بوصفه أرشيفاً
ربما في الأيام الأولى التي أعقبت 11 سبتمبر، كان من السهل فهم منطق الاستثناء؛ فقد كانت أميركا لا تزال تحت صدمة الهجمات، وكانت الإدارة الأميركية تتعامل مع تنظيم القاعدة باعتباره تهديداً يتجاوز حدود الدول والجيوش التقليدية.
لكن المعضلة تكمن في الاستثناء نفسه وليس فقط في لحظة إنشائه. المشكلة في قدرته على البقاء بعد زوال اللحظة التي أنشأته.
هنا تحديداً تكمن كل قصة غوانتانامو.

فقد أُرسل إليه في البداية رجال اعتبروا جزءاً من الحرب الجديدة بأدواتها الجديدة، لكن السنوات كشفت أن كثيراً من المحتجزين لم يكونوا من كبار قادة «القاعدة»، وأن بعضهم أُرسل إلى هناك بناء على معلومات خاطئة أو صلات هامشية أو بسبب مكافآت مالية، قبل أن يجدوا أنفسهم في نظام يصعب الخروج منه.
على مدى سنوات، مرّ بالمعتقل نحو 800 رجل، لم يبقَ اليوم منهم سوى عدد قليل. وفي مطلع 2025، كان العدد الرسمي 15 محتجزاً، بينهم من ينتظرون النقل إلى دول أخرى، وآخرون يخضعون لإجراءات أمام اللجان العسكرية، وثلاثة ما زالوا في الاحتجاز من دون تهم جنائية أو موافَقة على نقلهم.
لكن انخفاض العدد لم يعنِ انتهاء المشكلة.
على العكس، كلما تقلص عدد المحتجزين، أصبح غوانتانامو أقل شبهاً بسجن جماعي خارج عن السياق العام، وأكثر شبهاً بأرشيف حي للحرب على الإرهاب: ملفات قانونية لم تُحسم، واعترافات انتُزعت في ظروف قسرية، ومحاكمات عسكرية تأخرت سنوات، وأشخاص لا تزال الدولة الأميركية تجد صعوبة في تحديد كيفية التعامل معهم وإنهاء احتجازهم.
صيد ثمين في حفرة مظلمة
قد يكون من الإجحاف اختصار قصة معتقل بحجم غوانتانامو في شخصية واحدة؛ لكن خالد شيخ محمد نموذج صارخ عن تلك التناقضات الهائلة في هذا الملف.

الرجل المتهم بأنه العقل المدبر لهجمات 11 سبتمبر لم يصل إلى غوانتانامو فوراً. سبقت ذلك سنوات من المطاردة والاعتقال السري، واحتجاز لدى وكالة الاستخبارات المركزية، واستجوابات قاسية، ثم نقل إلى غوانتانامو عام 2006 مع عدد من «كبار الشخصيات» أو كما سمّوا آنذاك بـ«الصيد الثمين»، الذين كانوا محتجَزين في مواقع سرية سبق ذكرها، وسُمّيت «الحفر المظلمة».
وهنا تتقاطع قصة الرجل مع قصة المكان: أين تنتهي الحرب وتبدأ العدالة؟ وهل يمكن لمحاكمة جريمة بحجم 11 سبتمبر أن تقوم على أدلة تشكلت، جزئياً، داخل منظومة سرية استخدمت التعذيب والإكراه؟
بعد أكثر من عقدين على الهجمات، ما زالت القضية تبحث عن خواتيمها. وأخيراً حدَّد قاض عسكري في أغسطس (آب) الماضي موعداً مبدئياً في 5 يونيو (حزيران) 2028 لمحاكمة خالد شيخ محمد وثلاثة متهمين آخرين أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، بعد سنوات طويلة من التعثر القانوني.
لكن المفاجأة وقعت؛ فبعدما تغيرت لوائح المحاكمات، قرر الادعاء المضي في القضية من دون استخدام اعتراف رئيسي أدلى به خالد شيخ محمد عام 2007 أقرّ فيه بمسؤوليته عن الهجمات، وذلك بعدما اعتُبِر غير طوعي وانتُزِع بالإكراه.
وللمفارقة، لم يستأنف الادعاء القرار خشية تأخير موعد المحاكمة أكثر من ذلك.
هكذا أصبح المعتقل جزءاً من مشكلة كان يفترض أن يحلها؛ فبعدما حكم على مئات الأبرياء، ها هو اليوم قد يبرئ مذنباً.

وتواجه واشنطن اليوم معضلة أكبر؛ فهي من جهة تريد محاكمة المسؤولين عن أكبر هجوم إرهابي تعرضت له على أراضيها، وطي هذه الصفحة، ومن جهة أخرى، هي مضطرة إلى مواجهة الورطة التي أوقعت نفسها بها: ماذا تفعل الأدلة عندما يكون الطريق الذي أنتجها موضع طعن قانوني؟
لهذا لم تعد قضية خالد شيخ محمد مجرد قضية رجل متهم بالإرهاب. إنها أيضاً قضية الدولة التي أرادت أن تحقق العدالة من دون أن تدفع الثمن القانوني الكامل لها.
عدّ تنازلي... إلى ما لا نهاية
في 2009، عندما أعلنت إدارة أوباما المنتخب حديثاً نيتها إغلاق المعتقل، وكان ذلك أصلاً أحد وعود حملته الانتخابية، على أن يتم ذلك في 22 يناير 2010، حملتني مهمة صحافية إلى غوانتانامو. كان عمره 8 سنوات وشهد خلالها توسعة تلو الأخرى و«تحسينات» خدمية متعددة، وبدأت فيه المحاكمات في قاعات محكمة ذات أقواس خشبية ومقاعد للحضور وكل ما يلزم من مشهدية العدالة.

في ذلك الوقت، كانت إدارة المعتقل تستقدم الصحافيين لتعرض عليهم ظروفه، وقد بات يشبه السجون الفيدرالية بمطابخ تقدم اللحوم الحلال، وملاعب رياضية ونشاطات متنوعة ومواعيد صلاة، أملاً في أن تعوّض شيئاً ولو يسيراً من صور الأقفاص المتراصة وسط حر جزيرة استوائية.
بالتوازي، كانت الإدارة السياسية في واشنطن تفاوض دولاً متعددة لنقل المحتجزين إليها. والسؤال العملي كان بسيطاً: كيف يمكن إخراج الموجودين وإغلاق المكان؟
لكن المكان وسكّانه والمحامون المتطوعون للدفاع عنهم هناك في نيويورك... كلهم قالوا شيئاً آخر.
فقد أُتيح في تلك الزيارات، المنظمة والمراقبة بشدة، رؤية أجزاء كثيرة من المعتقل ومرافقه المحدّثة والمطوّرة، لكن أجزاء أخرى بقيت خارج نطاق الرؤية. وكانت الجملة التي تتكرر على مسامع الزوار، من العسكريين تحمل وعداً يفوق قدرة المكان على الإيفاء به: «هنا سترون الحقيقة عارية»، قالوا.
لكن هل يمكن فعلاً رؤية الحقيقة عارية من خلف ستار؟

كان هناك، مثلاً: «كامب 7»، القسم الأكثر غموضاً، المخصص لـ«الصيد الثمين» من كبار قادة «القاعدة»، وكان وجوده معروفاً، ومبناه يطل على بقية الأبنية من هضبة قريبة. لكن تفاصيله محاطة بالسرية المطلقة.
وفي «كامب 6»، مثلاً، كان المحتجزون يطلّون، أو يحاولون أن يطلّوا، من خلال فتحات ضيقة في النوافذ، وأصواتهم تصل إلينا من مسافة قبل أن نلتمس صورتهم. «كاذبون! كاذبون!» كانت الصرخة التي تتكرر من خلف تلك الجدران. لم يكن ممكناً رؤية الوجوه بوضوح فقد كان رفع النظر إلى المساجين ممنوعاً، لكن الاتهام كان مسموعاً بوضوح.
كان ذلك في حد ذاته درساً صغيراً في طبيعة هذه المنشأة: يمكن أن تكون أبوابها مفتوحة بما يكفي كي تراها، ومغلقة بما يكفي كي لا تعرف كل ما فيها.
وفي ذلك الوقت أيضاً، كان قائد القوات المشتركة في القاعدة، الأميرال توم كوبمان، يصف إغلاق المعتقل بأنه مهمة صعبة «لكنها ليست مستحيلة».
قول منطقي لسياق 2009.
ففي ذلك الوقت، لم تكن الاستحالة في الإغلاق تقنية. الأمر لا يتطلب إنهاء حرب أو تفكيك دولة. كان المطلوب نقل مئات الرجال، واتخاذ قرارات سياسية وقانونية بشأن مَن يُحاكم ومن يُطلق سراحه ومن يُنقَل إلى بلد ثالث، ثم إغلاق منشأة كغيرها من المنشآت. وراح كل قرار يحمل قراراً.

هل يعود المحتجز إلى بلده؟ هل تقبله دولة ثالثة؟ هل يمثل أمام محكمة مدنية أم عسكرية؟ هل يمكن إطلاق سراحه إذا لم تكن هناك أدلة كافية لمحاكمته؟ وماذا عن أجهزة الاستخبارات التي ترى أنه يشكل خطراً؟ ماذا تفعل الدولة بشخص لا تستطيع إدانته، ولا تثق في إمكانية إطلاقه؟
بهذا المعنى، أصبح غوانتانامو أقل ارتباطاً بعدد المعتقلين وظروف احتجازهم «المحسَّنة»، بقدر ما هو مرتبط بهيكلية القرار داخل الإدارة الأميركية وتسلسل القيادة المتشعّب الذي نشأ حولهم.
ماذا فعل غوانتانامو بأميركا؟
ربما كان الخطأ في النظر إلى غوانتانامو بوصفه مشكلة حقوقية خارجية فقط.
لقد كان، في جانب مهم منه، تجربة أميركية داخلية حول حدود السلطة.
فبعد 11 سبتمبر، امتلكت السلطة التنفيذية قوة هائلة باسم الأمن القومي. ثم جاء القضاء ليضع حدوداً لهذه القوة في سلسلة من القضايا الشهيرة، من «رسول ضد بوش» إلى «حمدان ضد رامسفيلد» ثم «بوميدين ضد بوش». وفي كل مرة تقريباً، كان السؤال نفسه يعود بصيغة مختلفة: هل يمكن للحرب أن تخلق منطقة خارجة عن القانون؟
الإجابة معقدة لا شك.

فالكونغرس أقرَّ قوانين، والإدارات غيّرت سياساتها، والمحاكم تدخلت، والجيش أعاد صياغة قواعد الاحتجاز، والولايات المتحدة نقلت عدداً كبيراً من المعتقلين أو أطلقت سراحهم. لكن المؤسسة التي نشأت في لحظة الاستثناء بقيت ولا تزال وقد يعاد تدويرها لتستمر إلى أجل غير مسمّى بمهام جديدة.
لهذا السبب فإن التطورات الأخيرة في القاعدة تكتسب أهمية تفوق مجرد خبر عابر.
في يناير (كانون الثاني) 2025، وجّهت إدارة الرئيس دونالد ترمب وزارة الدفاع والأمن الداخلي إلى توسيع «مركز عمليات المهاجرين»، في قاعدة غوانتانامو البحرية، إلى كامل طاقته، بهدف توفير مساحة إضافية لاحتجاز مهاجرين. ومنذ ذلك الحين، أكدت وثائق ICE وجود إجراءات خاصة لاحتجاز المهاجرين في القاعدة، بما في ذلك في «كامب 6» و«مركز عمليات المهاجرين».
وعليه، بعد سلسلة من محطات التوقيف والاحتجاز، نقل آدم عبد الله، وهو صومالي يبلغ 31 عاماً أوقفته سلطات الهجرة في مينيسوتا، ونقلته إلى غوانتانامو من دون تهمة واضحة، ووجوده قانوني، ويجري مراجعات دورية مع سلطات الهجرة. وأفادت وسائل إعلام أميركية بأنه يقبع منذ نحو أسبوعين في «كامب 6»، وأنه واحد من 8 أشخاص من الصومال محتجزين هناك.
لا يعني هذا أن معتقل «الحرب على الإرهاب» ومراكز احتجاز المهاجرين هما المؤسسة القانونية نفسها، ولا أن الأشخاص المحتجزين فيهما يخضعون للمنظومة ذاتها، لكن إعادة استخدام المنشأة نفسها لتنفيذ اعتقالات خارج المنظومة القانونية وبعيداً من البر الأميركي تطرح سؤالاً لا يمكن تجاهله:
هل تستعاد أدوات «الحرب على الإرهاب» في خوض «الحرب على المهاجرين»؟ وهل يُعاد تدوير المعتقَل السيئ السمعة، مرة بعد أخرى بحسب ساكن البيت الأبيض؟

ليس ضرورياً أن تكون الحربان متطابقتين كي يستحق السؤال أن يُطرح.
فغوانتانامو لم يعد فقط نتاجاً لما حدث في 11 سبتمبر، بل أصبح اختباراً يومياً لما يمكن أن يحدث للأدوات التي تصنعها الدول في لحظات الخوف، ثم تكتشف لاحقاً أنها أسهل في اختراعها من إلغائها.
إنه ببساطة قصة الاستثناء الذي استحال قاعدة.

























