بين مرونة البنية التحتية النفطية واللوجستية التي احتوت تداعيات الملاحة المضطربة في مضيق هرمز، ومتانة المصدات المائية والمالية التي تملكها الرياض، رسم بيان بعثة صندوق النقد الدولي لعام 2026 ملامح اقتصاد سعودي أثبت كفاءة استثنائية وقدرة عالية على الصمود والتكيف السريع في مواجهة أعنف أزمة جيوسياسية تشهدها المنطقة.
فقد أكدت بعثة خبراء صندوق النقد الدولي، التي رأسها عظيم صادقوف، في ختام مشاورات المادة الرابعة، أن الإرث المؤسسي لإصلاحات «رؤية 2030» شكّل حائط صد هيكلياً نجح في امتصاص الصدمات الخارجية وحماية استقرار الاقتصاد الكلي للمملكة.
وكانت البعثة قد أنهت زيارتها الرسمية للرياض، التي امتدت في الفترة من 28 أبريل (نيسان) إلى 13 مايو (أيار). وفي بيانها الختامي الشامل، أكدت البعثة الدولية أن الاقتصاد السعودي أظهر كفاءة استثنائية وقدرة عالية على الصمود والتكيف السريع في مواجهة تداعيات الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، مستنداً في ذلك إلى صلابة أساسياته الهيكلية، ووفرة المصدات المالية، وتنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية التي نجحت في امتصاص الصدمات الجيوسياسية الخارجية.
هندسة لوجستية بديلة تحيّد صدمة «مضيق هرمز»
وأوضح بيان صندوق النقد الدولي أن التوترات الإقليمية وما تلاها من تراجع حاد في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، أحدثت اضطرابات تجارية مؤقتة انعكست على القطاعين النفطي وغير النفطي، مفرملةً الزخم القوي الذي استهلت به المملكة مطلع عام 2026.
إلا أن التقرير أشاد بالاستجابة التشغيلية السريعة للسلطات السعودية التي نجحت في الحد من التراجع في شحنات النفط وحماية سلاسل التوريد عبر مسارات بديلة؛ حيث أسهمت سرعة إعادة توجيه عمليات الشحن عبر «خط أنابيب شرق - غرب» وموانئ البحر الأحمر، جنباً إلى جنب مع استخدام المخزونات النفطية الخارجية لشركة «أرامكو»، في تحييد الأثر المباشر لتعطل الملاحة في المضيق، وهو ما انعكس سريعاً على استقرار النشاط غير النفطي في شهر أبريل متجاوزاً انكماش مارس (آذار) المؤقت.
آفاق النمو ومؤشرات التضخم لعام 2026
وفيما يخص الاستشراف المستقبلي للأداء الاقتصادي، وضعت بعثة الصندوق توقعات مشروطة بعودة حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها خلال الأشهر القليلة المقبلة. وتحت هذا السيناريو، توقع خبراء الصندوق أن يسجل النمو تراجعاً ليستقر قرب مستوى 2 في المائة خلال عام 2026 على أن يلعب الطلب المحلي دوراً محورياً في دعم الأنشطة والنشاط غير النفطي، مستنداً إلى استقرار مستويات التوظيف في القطاع العام، واستمرار معدلات الإنفاق الحكومي، ومواصلة تنفيذ المشروعات الرأسمالية المشتركة بين القطاعين العام والخاص.
كما رجح التقرير أن يرتفع متوسط معدل التضخم بشكل طفيف ليصل إلى نحو 2.3 في المائة هذا العام بضغط من تصاعد تكاليف الشحن والتأمين البحري الناتجة عن الصراع. ومع ذلك، أكدت البعثة أن الارتفاع الراهن في أسعار النفط العالمية سيعوض النقص في حجم الصادرات، مما يسهم بشكل مباشر في الحد من عجز الحساب الجاري والمالية العامة للمملكة.
كان صندوق النقد الدولي قد توقع في أبريل الماضي نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3.1 في المائة في عام 2026، بانخفاض قدره 1.4 في المائة مقارنةً بتوقعاته في يناير (كانون الثاني). وأشار إلى أن المملكة من بين أقل الدول تأثراً بالصراع الإيراني، مدعومةً بتوفر طرق تصدير بديلة. ورفع توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة لعام 2027 بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 4.5 في المائة، وذلك بافتراض عودة إنتاج الطاقة وأنشطة النقل إلى مستوياتها الطبيعية خلال الأشهر المقبلة.
مرونة مالية واسعة وتوصيات للضبط المستقبلي
وفيما يتعلق بالسياسة المالية، دعت بعثة الصندوق إلى مواصلة تخفيض العجز الأولي غير النفطي بصورة معتدلة خلال عام 2026 في ضوء استمرار صلابة الاقتصاد السعودي، مع التركيز على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق كخيار أول لاحتواء التكاليف المالية الطارئة الناتجة عن الصراع.
وأثنى على هوامش الأمان القوية التي تتمتع بها المملكة، والتي ترتكز على تدني مستويات الدين الحكومي، ووفرة الاحتياطيات الأجنبية، وقوة صندوق الثروة السيادية. وأيَّدت البعثة التوجه الحالي الرامي إلى تخفيض العجز الأولي غير النفطي بصورة معتدلة، مع التركيز على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق كخط دفاع أول للتعامل مع التكاليف الطارئة للصراع.
وأشار التقرير إلى أنه في حال طال أمد الصدمة الجيوسياسية، فإن السعودية تمتلك الحيز المالي الكافي لتيسير موقف المالية العامة، وتقديم دعم مالي موجَّه ومؤقَّت للشركات والأسر المتضررة في إطار من الشفافية. وبمجرد عودة الأوضاع إلى طبيعتها، أوصى الصندوق بتبني برنامج طموح لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط، يرتكز على تعبئة الإيرادات غير النفطية وترشيد الإنفاق، بهدف تعزيز المدخرات الموجهة إلى الأجيال المقبلة.
صلابة القطاع المصرفي ومستهدفات «رؤية 2030»
وفي الشق النقدي والمصرفي، شدد تقرير البعثة على أن ربط سعر صرف الريال السعودي بالدولار يسهم بشكل جوهري في تعزيز مصداقية السياسة النقدية للمملكة، فضلاً عن الدور المحوري في دعم الاستقرار المالي، لا سيما في ظل تصاعد حدة الضبابية واليقين التي تكتنف البيئة الإقليمية الحالية.
وأكدت البعثة تمتُّع القطاع المصرفي السعودي بقدرة وملاءة كبيرتين تمكّنانه من اجتياز الصدمة الجيوسياسية الراهنة، مستنداً إلى قوة احتياطيات رأس المال ومستويات السيولة المرتفعة.
في هذا السياق، أعربت البعثة الدولية عن ترحيبها البالغ بالجهود الحثيثة والمستمرة التي يبذلها البنك المركزي السعودي (ساما) نحو المتابعة والمراقبة الدقيقة لأوضاع السيولة، والائتمان، وجودة الأصول في الجهاز المصرفي. كما أكدت تأييدها الكامل لقرار البنك المركزي الاستمرار في تطبيق احتياطي رأس المال لمواجهة التقلبات الدورية بواقع 100 نقطة أساس، والنهج الاستباقي الذي ينتهجه لاحتواء مخاطر الاقتراض بالعملة الأجنبية، جنباً إلى جنب مع التقدم المستمر والملموس نحو تعزيز الأطر التنظيمية لمعالجة المنشآت المالية المهمة وتطوير مساعدات السيولة الطارئة.
وشدد التقرير على أن مسيرة الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية الممتدة لعشر سنوات منذ إطلاق «رؤية السعودية 2030» قد آتت أكلها بنجاح ملموس في تعزيز الكفاءة المؤسسية، وتحسين عملية صنع السياسات، مما انعكس إيجاباً على الأداء الاقتصادي العام وأسهم بفاعلية في الحد من الاعتماد على النفط. ونوهت البعثة بضرورة مواصلة زخم هذه الإصلاحات لإزالة أي معوقات متبقية أمام التنوع الاقتصادي، وزيادة دور القطاع الخاص لضمان قوة آفاق النمو على المدى المتوسط.
وفي هذا الصدد، رحبت البعثة بإعادة معايرة استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030 لتخصيص رؤوس الأموال بأسلوب أكثر انتقائية. ودعت البعثة إلى مواصلة هذا الزخم عبر تعميق أسواق المال، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب التوسع المدروس في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي مع وضع الأطر المناسبة للحد من مخاطره.
