صندوق النقد: اقتصاد السعودية يحصِّن استقراره الكلي بمرونة هيكلية ضد الأزمات

بفضل المصدات المالية والبدائل اللوجستية الاستباقية

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
TT

صندوق النقد: اقتصاد السعودية يحصِّن استقراره الكلي بمرونة هيكلية ضد الأزمات

العاصمة السعودية الرياض (رويترز)
العاصمة السعودية الرياض (رويترز)

بين مرونة البنية التحتية النفطية واللوجستية التي احتوت تداعيات الملاحة المضطربة في مضيق هرمز، ومتانة المصدات المائية والمالية التي تملكها الرياض، رسم بيان بعثة صندوق النقد الدولي لعام 2026 ملامح اقتصاد سعودي أثبت كفاءة استثنائية وقدرة عالية على الصمود والتكيف السريع في مواجهة أعنف أزمة جيوسياسية تشهدها المنطقة.

فقد أكدت بعثة خبراء صندوق النقد الدولي، التي رأسها عظيم صادقوف، في ختام مشاورات المادة الرابعة، أن الإرث المؤسسي لإصلاحات «رؤية 2030» شكّل حائط صد هيكلياً نجح في امتصاص الصدمات الخارجية وحماية استقرار الاقتصاد الكلي للمملكة.

وكانت البعثة قد أنهت زيارتها الرسمية للرياض، التي امتدت في الفترة من 28 أبريل (نيسان) إلى 13 مايو (أيار). وفي بيانها الختامي الشامل، أكدت البعثة الدولية أن الاقتصاد السعودي أظهر كفاءة استثنائية وقدرة عالية على الصمود والتكيف السريع في مواجهة تداعيات الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، مستنداً في ذلك إلى صلابة أساسياته الهيكلية، ووفرة المصدات المالية، وتنوع البنية التحتية النفطية واللوجستية التي نجحت في امتصاص الصدمات الجيوسياسية الخارجية.

هندسة لوجستية بديلة تحيّد صدمة «مضيق هرمز»

وأوضح بيان صندوق النقد الدولي أن التوترات الإقليمية وما تلاها من تراجع حاد في حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، أحدثت اضطرابات تجارية مؤقتة انعكست على القطاعين النفطي وغير النفطي، مفرملةً الزخم القوي الذي استهلت به المملكة مطلع عام 2026.

إلا أن التقرير أشاد بالاستجابة التشغيلية السريعة للسلطات السعودية التي نجحت في الحد من التراجع في شحنات النفط وحماية سلاسل التوريد عبر مسارات بديلة؛ حيث أسهمت سرعة إعادة توجيه عمليات الشحن عبر «خط أنابيب شرق - غرب» وموانئ البحر الأحمر، جنباً إلى جنب مع استخدام المخزونات النفطية الخارجية لشركة «أرامكو»، في تحييد الأثر المباشر لتعطل الملاحة في المضيق، وهو ما انعكس سريعاً على استقرار النشاط غير النفطي في شهر أبريل متجاوزاً انكماش مارس (آذار) المؤقت.

آفاق النمو ومؤشرات التضخم لعام 2026

وفيما يخص الاستشراف المستقبلي للأداء الاقتصادي، وضعت بعثة الصندوق توقعات مشروطة بعودة حركة الشحن البحري عبر مضيق هرمز إلى طبيعتها خلال الأشهر القليلة المقبلة. وتحت هذا السيناريو، توقع خبراء الصندوق أن يسجل النمو تراجعاً ليستقر قرب مستوى 2 في المائة خلال عام 2026 على أن يلعب الطلب المحلي دوراً محورياً في دعم الأنشطة والنشاط غير النفطي، مستنداً إلى استقرار مستويات التوظيف في القطاع العام، واستمرار معدلات الإنفاق الحكومي، ومواصلة تنفيذ المشروعات الرأسمالية المشتركة بين القطاعين العام والخاص.

كما رجح التقرير أن يرتفع متوسط معدل التضخم بشكل طفيف ليصل إلى نحو 2.3 في المائة هذا العام بضغط من تصاعد تكاليف الشحن والتأمين البحري الناتجة عن الصراع. ومع ذلك، أكدت البعثة أن الارتفاع الراهن في أسعار النفط العالمية سيعوض النقص في حجم الصادرات، مما يسهم بشكل مباشر في الحد من عجز الحساب الجاري والمالية العامة للمملكة.

كان صندوق النقد الدولي قد توقع في أبريل الماضي نمو الاقتصاد السعودي بنسبة 3.1 في المائة في عام 2026، بانخفاض قدره 1.4 في المائة مقارنةً بتوقعاته في يناير (كانون الثاني). وأشار إلى أن المملكة من بين أقل الدول تأثراً بالصراع الإيراني، مدعومةً بتوفر طرق تصدير بديلة. ورفع توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة لعام 2027 بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 4.5 في المائة، وذلك بافتراض عودة إنتاج الطاقة وأنشطة النقل إلى مستوياتها الطبيعية خلال الأشهر المقبلة.

مرونة مالية واسعة وتوصيات للضبط المستقبلي

وفيما يتعلق بالسياسة المالية، دعت بعثة الصندوق إلى مواصلة تخفيض العجز الأولي غير النفطي بصورة معتدلة خلال عام 2026 في ضوء استمرار صلابة الاقتصاد السعودي، مع التركيز على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق كخيار أول لاحتواء التكاليف المالية الطارئة الناتجة عن الصراع.

وأثنى على هوامش الأمان القوية التي تتمتع بها المملكة، والتي ترتكز على تدني مستويات الدين الحكومي، ووفرة الاحتياطيات الأجنبية، وقوة صندوق الثروة السيادية. وأيَّدت البعثة التوجه الحالي الرامي إلى تخفيض العجز الأولي غير النفطي بصورة معتدلة، مع التركيز على إعادة ترتيب أولويات الإنفاق كخط دفاع أول للتعامل مع التكاليف الطارئة للصراع.

وأشار التقرير إلى أنه في حال طال أمد الصدمة الجيوسياسية، فإن السعودية تمتلك الحيز المالي الكافي لتيسير موقف المالية العامة، وتقديم دعم مالي موجَّه ومؤقَّت للشركات والأسر المتضررة في إطار من الشفافية. وبمجرد عودة الأوضاع إلى طبيعتها، أوصى الصندوق بتبني برنامج طموح لضبط أوضاع المالية العامة على المدى المتوسط، يرتكز على تعبئة الإيرادات غير النفطية وترشيد الإنفاق، بهدف تعزيز المدخرات الموجهة إلى الأجيال المقبلة.

صلابة القطاع المصرفي ومستهدفات «رؤية 2030»

وفي الشق النقدي والمصرفي، شدد تقرير البعثة على أن ربط سعر صرف الريال السعودي بالدولار يسهم بشكل جوهري في تعزيز مصداقية السياسة النقدية للمملكة، فضلاً عن الدور المحوري في دعم الاستقرار المالي، لا سيما في ظل تصاعد حدة الضبابية واليقين التي تكتنف البيئة الإقليمية الحالية.

وأكدت البعثة تمتُّع القطاع المصرفي السعودي بقدرة وملاءة كبيرتين تمكّنانه من اجتياز الصدمة الجيوسياسية الراهنة، مستنداً إلى قوة احتياطيات رأس المال ومستويات السيولة المرتفعة.

في هذا السياق، أعربت البعثة الدولية عن ترحيبها البالغ بالجهود الحثيثة والمستمرة التي يبذلها البنك المركزي السعودي (ساما) نحو المتابعة والمراقبة الدقيقة لأوضاع السيولة، والائتمان، وجودة الأصول في الجهاز المصرفي. كما أكدت تأييدها الكامل لقرار البنك المركزي الاستمرار في تطبيق احتياطي رأس المال لمواجهة التقلبات الدورية بواقع 100 نقطة أساس، والنهج الاستباقي الذي ينتهجه لاحتواء مخاطر الاقتراض بالعملة الأجنبية، جنباً إلى جنب مع التقدم المستمر والملموس نحو تعزيز الأطر التنظيمية لمعالجة المنشآت المالية المهمة وتطوير مساعدات السيولة الطارئة.

وشدد التقرير على أن مسيرة الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية الممتدة لعشر سنوات منذ إطلاق «رؤية السعودية 2030» قد آتت أكلها بنجاح ملموس في تعزيز الكفاءة المؤسسية، وتحسين عملية صنع السياسات، مما انعكس إيجاباً على الأداء الاقتصادي العام وأسهم بفاعلية في الحد من الاعتماد على النفط. ونوهت البعثة بضرورة مواصلة زخم هذه الإصلاحات لإزالة أي معوقات متبقية أمام التنوع الاقتصادي، وزيادة دور القطاع الخاص لضمان قوة آفاق النمو على المدى المتوسط.

وفي هذا الصدد، رحبت البعثة بإعادة معايرة استراتيجية صندوق الاستثمارات العامة للفترة 2026-2030 لتخصيص رؤوس الأموال بأسلوب أكثر انتقائية. ودعت البعثة إلى مواصلة هذا الزخم عبر تعميق أسواق المال، وتحسين بيئة الأعمال، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب التوسع المدروس في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي مع وضع الأطر المناسبة للحد من مخاطره.


مقالات ذات صلة

اتفاقيات وتمويلات واستثمارات جديدة تدفع توسع التقنية المالية السعودية

الاقتصاد أثناء مراسم إعلان اتفاقية البنك المركزي السعودي ومصرف قطر المركزي (الشرق الأوسط)

اتفاقيات وتمويلات واستثمارات جديدة تدفع توسع التقنية المالية السعودية

شهد اليوم الثاني من مؤتمر «موني 20/20» سلسلة من اتفاقيات التعاون والإعلانات التمويلية والاستثمارية، في وقت يواصل فيه قطاع التقنية المالية السعودي توسيع خدماته.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص إحدى الشاحنات ذاتية القيادة (الشرق الأوسط)

خاص الرياض تفتح الطريق أمام نقل الطرود بلا سائق

تستعد الرياض لتجربة نقل الطرود بلا سائق، مع دخول تقنيات القيادة الذاتية مرحلة جديدة تعيد رسم خريطة التنقل داخل المدن السعودية.

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد مركز الملك عبد الله المالي بالرياض (الشرق الأوسط)

المركز الوطني لإدارة الدين يقفل طرح سبتمبر بـ437 مليون دولار

أعلن المركز الوطني لإدارة الدين الانتهاء من استقبال طلبات المستثمرين على الإصدار المحلي لشهر سبتمبر حيث بلغ إجمالي حجم التخصيص 1.64 مليار ريال (437 مليون دولار)

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد رجلان يتحدثان أمام إحدى شاشات الأسهم بالسوق السعودية (رويترز)

أسواق الخليج تتحرك بحذر مع تصاعد التوترات وترقب قرار «الفيدرالي»

تحركت أسواق الأسهم الخليجية بحذر خلال التعاملات المبكرة، يوم الأربعاء، في ظل تصاعد التوترات العسكرية بالمنطقة، بينما يترقب المستثمرون قرار «الاحتياطي الفيدرالي»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد هيئة السوق المالية السعودية (الشرق الأوسط)

هيئة السوق السعودية تضع سقفاً للاستثمارات الخارجية لصناديق النقد

فرضت هيئة السوق المالية السعودية سقفاً جديداً على الاستثمارات الخارجية لصناديق أسواق النقد العامة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
TT

هونغ كونغ ترسم أول خطة خمسية لاقتصادها

الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)
الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ جون لي لدى إعلان الخطة الخمسية في مؤتمر صحافي يوم الأربعاء (د.ب.أ)

كشفت هونغ كونغ عن أول خطة خمسية في تاريخها، واضعة التكنولوجيا والابتكار والإسكان في صدارة أولوياتها الاقتصادية حتى عام 2030، في خطوة تعزز مواءمة المركز المالي العالمي مع الاستراتيجية التنموية للصين، مع تأكيد السلطات أن تبنِّي التخطيط طويل الأجل لن يغير النظام الرأسمالي للمدينة.

وأعلن الرئيس التنفيذي لهونغ كونغ، جون لي، الخطة، الأربعاء، بعد مشاورات حكومية استمرت شهرين مع المشرعين والسكان، وتشمل الاقتصاد والاستثمار والأراضي والإسكان والوظائف والتعليم والصحة، بالتوازي مع تعزيز مكانة المدينة في التمويل والتجارة والخدمات.

وتأتي الخطة بعد إقرار بكين في مارس (آذار) خطتها الخمسية الوطنية حتى عام 2030، في وقت تضع فيه الصين الاكتفاء الذاتي العلمي والتكنولوجي ضمن أهم أولوياتها، مع استثمارات كبيرة في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة.

وتستهدف هونغ كونغ زيادة الإنفاق على البحث والتطوير إلى ما يعادل 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بعد عام 2030، مقارنة بـ1.63 في المائة في 2024، في تحوُّل يعكس رغبتها في توسيع قاعدة اقتصادها خارج الأنشطة المالية والعقارية التقليدية.

وقال لي إن المدينة ستسرِّع مواءمتها مع الاستراتيجيات الوطنية الرئيسية في التكنولوجيا، مع التركيز على الذكاء الاصطناعي والروبوتات والإلكترونيات الدقيقة والطاقة الجديدة والتصنيع المتقدم والمواد الجديدة، إضافة إلى التكنولوجيا المرتبطة بالرعاية الصحية وأنماط الحياة.

وفي الوقت نفسه، تسعى الخطة إلى ترسيخ مكانة هونغ كونغ مركزاً مالياً وبحرياً وتجارياً عالمياً، وتعزيز دورها كأحد أهم المراكز الخارجية لتداول الرنمينبي، فضلاً عن تطوير خدماتها القانونية الدولية وتسوية المنازعات. ووصف لي هونغ كونغ بأنها ستعمل بوصفها «حلقة وصل فائقة» بين الصين والعالم، مع زيادة التكامل مع منطقة «الخليج الكبرى». وشدد على أن اعتماد الخطة الخمسية لا يعني الانتقال إلى نموذج الاقتصاد الموجه، مؤكداً استمرار النظام الرأسمالي الذي ميَّز المدينة بوصفها بوابة للأسواق والاستثمارات الدولية.

محرك للنمو

ويشكِّل مشروع «المتروبوليس الشمالية» أحد أكبر مكونات الاستراتيجية الجديدة. ويمتد المشروع على نحو 30 ألف هكتار بالقرب من الحدود مع البر الرئيسي، ويُراد له أن يصبح مركزاً للتكنولوجيا والأعمال والإسكان ومحركاً جديداً للنمو. وكانت الحكومة قد طرحت المشروع للمرة الأولى في 2021، وتستهدف توفير مساكن لنحو 2.5 مليون شخص عند اكتماله، في محاولة لمعالجة النقص المزمن في الوحدات السكنية، إلى جانب إنشاء منطقة أعمال جديدة وثلاثة مواقع لمجمعات جامعية.

وتقدر السلطات أن المشروع سيوفر نحو 650 ألف وظيفة عند اكتمال تطويره. كما سيغطي في نهاية المطاف نحو ثلث مساحة هونغ كونغ، ما يجعله أحد أكبر مشروعات إعادة تشكيل الاقتصاد والعمران في المدينة.

لكن المشروع يواجه أيضاً تحديات تتعلق بكلفته وتأثيره في المالية العامة والبيئة؛ خصوصاً في وقت تعاني فيه هونغ كونغ من تداعيات تراجع سوق العقارات التي شكلت لسنوات مصدراً رئيسياً للإيرادات الحكومية من خلال مبيعات الأراضي.

اندماج اقتصادي أعمق

وقالت كريستين لو، المسؤولة الحكومية والمشرعة السابقة، إن الخطة تمنح هونغ كونغ أداة للحوكمة تساعدها على تنفيذ تخطيط استراتيجي طويل الأجل.

ويرى ديلان لو، الأستاذ المشارك في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، أن الهدف الأساسي يتمثل في مزامنة استراتيجية هونغ كونغ مع الخطة الوطنية للصين، بما يرجح تسارع التشابك الاقتصادي بين المدينة والبر الرئيسي. وتحاول هونغ كونغ من خلال الاستراتيجية الجديدة تحقيق معادلة مزدوجة: الحفاظ على مزاياها التقليدية بوصفها مركزاً مالياً دولياً واقتصاداً مفتوحاً، وفي الوقت نفسه الاستفادة بصورة أكبر من أولويات النمو الصينية في التكنولوجيا والتصنيع والابتكار.

ويجعل نجاح «المتروبوليس الشمالية» وزيادة الإنفاق على البحث والتطوير من السنوات المقبلة اختباراً لقدرة هونغ كونغ على بناء محركات نمو جديدة، من دون التخلي عن الخصائص الاقتصادية التي منحتها تاريخياً دورها بوصفها إحدى أبرز بوابات رأس المال بين الصين والأسواق العالمية.


بنك اليابان يتجه لرفع الفائدة إلى قمة 31 عاماً

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يتجه لرفع الفائدة إلى قمة 31 عاماً

رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)
رجل يمر أمام مقر البنك المركزي في العاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

يتجه بنك اليابان إلى رفع أسعار الفائدة يوم الجمعة إلى أعلى مستوى في 31 عاماً، في خطوة جديدة للابتعاد عن عقود من السياسة النقدية شديدة التيسير، وسط تصاعد مخاطر التضخم الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وضعف الين، بينما تترقب الأسواق بحذر إشارات المحافظ كازو أويدا بشأن المسار المقبل للتشديد.

ومن المتوقع أن يرفع البنك سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى 1.25 في المائة من واحد في المائة، في ختام اجتماعه الذي يستمر يومي 17 و18 سبتمبر (أيلول). وستكون الزيادة الأولى منذ ثلاثة أشهر، بعدما أبقى البنك الفائدة دون تغيير في يوليو (تموز).

وتأتي الخطوة المرتقبة في وقت تتجه فيه بنوك مركزية كبرى إلى تشديد السياسة لمواجهة ضغوط الأسعار، مع ارتفاع تكاليف الطاقة. وبالنسبة لليابان، فإن رفع الفائدة يمثل أيضاً خطوة إضافية نحو إنهاء حقبة طويلة من تكاليف الاقتراض المنخفضة للغاية، التي جعلت الين إحدى أبرز عملات التمويل الرخيص عالمياً.

الأسواق تنتظر أويدا

ومع تسعير المستثمرين زيادة الفائدة بدرجة شبه كاملة، تحول الاهتمام من قرار الجمعة نفسه إلى المؤتمر الصحافي لأويدا، وما إذا كان سيقدم مؤشرات بشأن توقيت الزيادات التالية وسرعتها.

وقال كاتسوتوشي إينادومي، كبير الاستراتيجيين لدى «سوميتومو ميتسوي تراست لإدارة الأصول»، إن الأسواق منقسمة بشأن أثر الرسائل التي قد يبعث بها البنك. فالبعض يرى أن لهجة أكثر تشدداً قد تخفض عوائد السندات عبر تبديد المخاوف من تأخر بنك اليابان في مكافحة التضخم، بينما يرى آخرون أنها قد ترفع العوائد من خلال زيادة توقعات المستوى النهائي للفائدة.

وأضاف أن حالة عدم اليقين بشأن رد فعل الأسواق قد تجعل الخيار الأفضل للبنك هو تجنب إعطاء إشارات شديدة الوضوح حول خطواته المقبلة.

ويشير محللون إلى احتمال أن يعارض عضو مجلس الإدارة تويتشيرو أسادا رفع الفائدة مجدداً، بعدما اعترض على زيادة يونيو (حزيران). وفي المقابل، ترجح تقديرات داخل البنك الاكتفاء بزيادة ربع نقطة مئوية بدلاً من خطوة أكبر، لإتاحة الوقت لتقييم تأثير الزيادات السابقة على الاقتصاد والأسواق المالية.

التضخم يغير الحسابات

أنهى بنك اليابان في 2024 برنامج التحفيز النقدي الذي استمر نحو عقد، وبدأ منذ ذلك الحين رفع أسعار الفائدة تدريجياً. لكنه يواجه الآن بيئة مختلفة مع ارتفاع أسعار الوقود، وزيادة تكلفة الواردات بفعل ضعف الين، إلى جانب الطلب القوي المرتبط بالاستثمارات في الذكاء الاصطناعي.

وكان أويدا قد قال في وقت سابق من سبتمبر إن التضخم الأساسي أصبح «قريباً للغاية» من مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، مؤكداً ضرورة إيلاء اهتمام أكبر لمخاطر ارتفاع الأسعار.

ويتوقع اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم وصول الفائدة إلى 1.25 في المائة هذا الشهر، ثم إلى 1.5 في المائة بنهاية مارس (آذار) المقبل، قبل ارتفاعها إلى 1.75 في المائة خلال الربع الثاني من 2027. ويرى معظمهم أن دورة التشديد لن تنتهي قبل وصول الفائدة إلى 1.75 في المائة على الأقل.

معادلة الين والسندات

لكن التحدي الأكبر أمام أويدا سيكون كيفية صياغة رسالته. فالإصرار على نهج حذر يعتمد على البيانات، من دون إعطاء إشارات إلى زيادات أخرى، قد يعيد الضغوط البيعية على الين، بما يؤدي إلى زيادة تكلفة الواردات ويغذي التضخم.

وفي المقابل، فإن تبني لهجة شديدة التشدد قد يضيف ضغوطاً جديدة إلى سوق السندات الحكومية، التي شهدت بالفعل موجة بيع دفعت العوائد إلى أعلى مستوياتها في ثلاثة عقود وسط مخاوف بشأن المالية العامة.

كما أن رفع الفائدة إلى 1.25 في المائة سيدخلها ضمن النطاق الذي يقدره بنك اليابان للفائدة الاسمية المحايدة، بين 1.1 و2.5 في المائة، وهو المستوى الذي لا يحفز الاقتصاد ولا يكبحه، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول المسافة المتبقية أمام دورة التشديد.

ورغم أن أويدا يؤكد عدم وجود مستوى محدد مسبقاً لنهاية دورة رفع الفائدة، فإن مصادر مطلعة على توجهات البنك تشير إلى أن عدداً من المسؤولين لا يزال يرى مجالاً لزيادات إضافية. ويقدر عضو مجلس الإدارة ناوكي تامورا، المعروف بميله إلى التشديد، مستوى الفائدة المحايدة بنحو 2 في المائة.

السياسة المالية تزيد التعقيد

وتضيف السياسة المالية التوسعية لحكومة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي بُعداً آخر إلى حسابات البنك، خصوصاً مع تصاعد المخاوف بشأن الدين والإنفاق الحكومي.

وكانت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا قد حذرت من أن مستويات الدين المرتفعة وحزم الدعم المالي الكبيرة قد تزيد مخاطر ارتفاع توقعات التضخم، ما يفرض على البنوك المركزية التحرك بقوة أكبر للحفاظ على استقرار الأسعار ومصداقية السياسة النقدية.

وهكذا، يبدو رفع الفائدة يوم الجمعة أقل تعقيداً من الرسالة التي سترافقه. فبنك اليابان يحتاج إلى إظهار استعداده لمواجهة التضخم من دون دفع الأسواق إلى تسعير دورة تشديد أسرع مما يريد، أو إشعال موجة جديدة من التقلبات في الين والسندات.


شيمشك: مستهدف التضخم التركي لعام 2027 واقعي إذا انتهت حرب إيران

وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)
وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)
TT

شيمشك: مستهدف التضخم التركي لعام 2027 واقعي إذا انتهت حرب إيران

وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)
وزير المالية محمد شيمشك يتحدث خلال اجتماع رابطة الصناعة والأعمال التركية في إسطنبول (رويترز)

قال وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك إن مستهدف التضخم لعام 2027 الوارد في البرنامج الاقتصادي متوسط الأجل يُعد واقعياً من وجهة نظر الأسواق، شرط ألا تستمر الحرب في إيران خلال العام المقبل، في وقت تتوقع فيه الحكومة تراجع التضخم إلى 21 في المائة في 2027، بعد بلوغه 28.4 في المائة هذا العام.

وأضاف شيمشك، في مقابلة مع قناة «خبر ترك» الأربعاء، أن تركيا ينبغي في الظروف الطبيعية أن تعمل وفق نظام سعر صرف عائم، لأنه يوفر الأساس للاستجابة بصورة صحيحة للصدمات الاقتصادية.

وتتوقع الحكومة التركية أن يتراجع التضخم إلى خانة الآحاد في عام 2029، أي بعد نحو عامين من الموعد الذي كانت تستهدفه سابقاً.

وقال شيمشك إن الحكومة لطالما ضمنت للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين زيادات في الأجور لا تقل عن معدل التضخم، مؤكداً أنها ستواصل اتباع هذه السياسة.

سعر الصرف

وأوضح الوزير أن تركيا قد تلغي إلزام المصدرين ببيع جزء من حصيلة صادراتهم بمجرد انخفاض التضخم إلى خانة الآحاد، تمهيداً للانتقال إلى نظام أكثر حرية.

وأضاف أن الظروف اللازمة لإلغاء هذا الإلزام لم تتحقق بعد، وأن الحكومة ستعيد النظر في الأمر عندما تتوافر الشروط المناسبة.

القطاع المصرفي

وفيما يتعلق بالقطاع المصرفي، قال شيمشك إن بنك «غولدن غلوب ياتيريم» الخاضع لعقوبات أميركية مؤسسة صغيرة، ولا يشكل خطراً نظامياً على القطاع المالي التركي. ودعا البنوك الأخرى إلى الالتزام باللوائح الدولية، وتعزيز إجراءات الامتثال.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت تواجه فيه تركيا مخاطر إضافية على مسار التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، وتداعيات الحرب في الشرق الأوسط، ما يزيد أهمية تطورات أسعار النفط وسعر الصرف بالنسبة إلى مسار الأسعار المحلية.