أذربيجان تطرح ممرات القوقاز لربط لوجستيات السعودية بآسيا الوسطى

سفيرها في الرياض أكد لـ «الشرق الأوسط» صياغة اتفاقيات جديدة وأشاد بمشاريع «أكوا» في بلاده

العاصمة الأذربيجانية باكو وتظهر في الخلفية المعالم المعمارية الشهيرة للمدينة (إكس)
العاصمة الأذربيجانية باكو وتظهر في الخلفية المعالم المعمارية الشهيرة للمدينة (إكس)
TT

أذربيجان تطرح ممرات القوقاز لربط لوجستيات السعودية بآسيا الوسطى

العاصمة الأذربيجانية باكو وتظهر في الخلفية المعالم المعمارية الشهيرة للمدينة (إكس)
العاصمة الأذربيجانية باكو وتظهر في الخلفية المعالم المعمارية الشهيرة للمدينة (إكس)

في وقت تبحث فيه الأسواق العالمية عن طوق نجاة لوجستي لتأمين سلاسل الإمداد، وتدفقات الطاقة وسط الاضطرابات الجيوسياسية الراهنة، طرحت أذربيجان مشاريع النقل اللوجستية الكبرى التي تدعمها -وفي مقدمتها مسارات الشحن البرية عبر منطقة القوقاز وبحر قزوين- كصمام أمان استراتيجي صانع للمستقبل، وكفيل بإنشاء روابط شحن أسرع، وأكثر كفاءة، وتدمج دول مجلس التعاون الخليجي -وفي مقدمتها الاستراتيجية اللوجستية السعودية- بشبكة ترابط حيوية مع جنوب القوقاز، وعمق آسيا الوسطى.

عشية ذكرى استقلال بلاده في 28 مايو (أيار)، أكد سفير أذربيجان لدى المملكة، متلم ميرزاييف، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» أن باكو توظف موقعها الفريد كحلقة وصل فريدة لتعزيز تدفقات الاستثمار المشترك، والتجارة، مدفوعة برغبة حثيثة لتمتين الشراكة الشاملة مع الرياض، والارتقاء بالتفاهمات القائمة، بما فيها مقترح الصندوق الاستثماري المشترك، إلى مشروعات تنفيذية على أرض الواقع منها نحو 30 اتفاقية رسمية وعقداً حيوياً تشمل الاقتصاد، والتجارة، والاستثمار، والزراعة، إلى جانب مقترح الصندوق الاستثماري المشترك.

سفير أذربيجان لدى السعودية متلم ميرزاييف (الشرق الأوسط)

وتأتي هذه التطلعات اللوجستية في وقت تعيش فيه العلاقات السعودية-الأذربيجانية أوج نشاطها الاستثماري، حيث يقود البلدان شراكات استراتيجية عملاقة في قطاعات الطاقة التقليدية، والمتجددة. وفي هذا الإطار، أشاد السفير الأذربيجاني بالدور الريادي والفاعل الذي تضطلع به الشركات السعودية في بلاده، وفي مقدمتها شركة «أكوا» التي وصفها بأنها شريك حيوي يقود تحول باكو نحو الطاقة النظيفة، ومشاريع إدارة المياه، والبنية التحتية المستدامة؛ لافتاً إلى أن هذا التعاون يمر بمرحلة نمو متسارع يترجم أوج النشاط الاستثماري بين البلدين.

ويبرز في هذا الصدد مشروع محطة «خيزي–أبشيرون» لإنتاج الكهرباء من طاقة الرياح، والذي افتتحته شركة «أكوا» السعودية رسمياً بداية هذا العام بقدرة إنتاجية تبلغ 240 ميغاواط، وبقيمة 300 مليون دولار، بوصفه الأول والأكبر من نوعه باستثمار أجنبي كامل في قطاع الطاقة النظيفة بأذربيجان، والذي من شأنه أن يساهم في تعزيز أمن الطاقة في الدولة.

وعلى مقلب الطاقة التقليدية، تسجل الاستثمارات السعودية حضوراً وازناً من خلال مشاركة شركات تابعة للشركات السيادية والتنموية بالمملكة في مشروعات استراتيجية لتطوير النفط والغاز داخل أذربيجان، وعلى رأسها المساهمة في تطوير حقل «أذري–شيراق–غونشلي» العملاق، مما يرسخ دور البلدين في أمن الطاقة الإقليمي، والدولي.

خلال الافتتاح الرسمي لمحطة «خيزي – أبشيرون» بتنفيذ «أكوا» في يناير 2026 (إكس)

الحراك الحضري والصندوق المشترك

وفي سياق متصل، ثمن ميرزاييف المشاركة السعودية رفيعة المستوى والفاعلة في فعاليات الدورة الثالثة عشرة للمنتدى الحضري العالمي (WUF13) لعام 2026 التي استضافتها باكو مؤخراً؛ حيث شهدت أروقة المنتدى استعراض مبادرات ومشاريع سعودية رائدة في مجالات التنمية الحضرية والإسكان المستدام، مما يترجم عمق التنسيق الثنائي المتنامي.

ولفت السفير الأذربيجاني إلى أن المنتدى نجح في تحويل باكو إلى منصة عالمية صانعة للقرار فيما يتعلق بمستقبل المدن الذكية، والتخطيط الحضري الحديث، وتعزيز القدرة على التكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة، وهي المبادئ الاستراتيجية التي تعتمد عليها بلاده كلياً في خطط إعادة الإعمار والتطوير الشامل الجارية حالياً لبناء مدن وقرى كاملة في أراضيها المحررة.

الحراك التجاري والصندوق المشترك

وأشار السفير إلى أن التحركات الراهنة بين البلدين تسير بخطى حثيثة لتفعيل مقترح تأسيس صندوق استثماري مشترك يستهدف تجميع الرساميل، وتوجيهها نحو القطاعات ذات الأولوية والأجندة الاقتصادية المشتركة، وفي مقدمتها: الزراعة، والأمن الغذائي، والسياحة، والتقنيات المتقدمة، والبنية التحتية، فضلاً عن تعزيز التبادل التجاري في قطاعات الصناعة، والخدمات اللوجستية المتطورة.

وعلى صعيد الروابط الشعبية، بَيّن أن قطاع السياحة بات يمثل ركيزة نمو أساسية، في ظل التدفقات المتزايدة، والاهتمام الملحوظ من الزوار والسياح السعوديين بأذربيجان كوجهة ثقافية وسياحية مميزة.

صورة لباكو مضاءة في الليل (إكس)

رؤية 2030 ومنظمة التعاون الإسلامي

أضاف: «بمناسبة عيد استقلال بلادنا، أعرب عن الصداقة والتضامن والتعاون الوثيق بين بلدينا، وأشيد بالإنجازات والتحولات الملحوظة التي شهدتها المملكة مؤخراً، إذ إن الإصلاحات الطموحة ومبادرات التنمية التي تم تنفيذها في إطار رؤية السعودية 2030 تُسهم إسهاماً كبيراً في التنمية المستدامة، والتنويع الاقتصادي، والاستقرار الإقليمي، والازدهار»، لافتاً إلى أن أن بلاده «تُقدّر عالياً الدعم السعودي المبدئي لسيادة أذربيجان، فيما تُولي أذربيجان أهمية بالغة لعلاقاتها مع المملكة، باعتبارها إحدى الدول الرائدة في المنطقة». وشدد على رؤية أذربيجان المستقبلية الواعدة، مؤكداً مواصلة بلاده جهودها الحثيثة لإعادة الإعمار والتطوير في الأراضي المحررة، حيث يعاد بناء مدن وقرى بأكملها وفقاً لمبادئ التخطيط الحضري الحديث، ومفاهيم المدن الذكية، والطاقة النظيفة، والتنمية المستدامة.

وفي سياق العمل متعدد الأطراف، كشف ميرزاييف أن رئاسة أذربيجان الحالية لقمة منظمة التعاون الإسلامي ستشهد تركيزاً مكثفاً على تعزيز آليات التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ودعم العمل المناخي، والابتكار العلمي، وتمكين الشباب، بما يخدم الاستقرار العالمي.

وعلى صعيد الروابط الشعبية، أشار الدبلوماسي الأذربيجاني إلى أن قطاع السياحة بات يمثل ركيزة نمو أساسية، في ظل التدفقات المتزايدة، والاهتمام الملحوظ من الزوار والسياح السعوديين بأذربيجان كوجهة ثقافية وسياحية مميزة.

جيوسياسية «الممر الأوسط» وبدائل الشحن

وتكتسب أطروحات النقل واللوجستيات التي تقودها أذربيجان أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية في الأوساط الاقتصادية؛ حيث يبرز «الممر الأوسط»، المعروف رسمياً بطريق النقل الدولي العابر لبحر قزوين، كبديل بري وبحري عالي الأمان لربط الصين بآسيا الوسطى، ثم القوقاز، وصولاً إلى تركيا، وأوروبا. ويكتسب هذا الممر جاذبية استثنائية لكونه يختصر زمن شحن البضائع برّاً إلى نحو 12 لـ15 يوماً فقط، متجاوزاً عقبات الشحن البحري التقليدي، والتعقيدات الجيوسياسية التي تفرضها مسارات الممرات الشمالية.

وفي السياق اللوجستي ذاته، يشكل «ممر زنغزور»، المخطط له لربط الأراضي الرئيسة لأذربيجان بإقليم نخجوان وصولاً إلى تركيا، شرياناً حيوياً يختزل الحوافز الاقتصادية الإقليمية؛ إذ يسهم هذا الممر في إرساء اتصال بري وسككي مباشر وسريع، متقاطعاً مع «الممر الأوسط» ليرسخ شبكة ترابط لوجستية تمتد من العالم التركي وعمق آسيا الوسطى، وصولاً إلى منظومة الممرات اللوجستية الطموحة التي تديرها دول مجلس التعاون الخليجي.

صياغة الخريطة اللوجستية

وفيما يخص التكامل الإقليمي بين منطقة الخليج وآسيا الوسطى، أكد ميرزاييف أن أذربيجان تتمتع بموقع استراتيجي فريد يشكل حلقة الوصل الحيوية لربط قارات آسيا الوسطى، وجنوب القوقاز، ومحيط الخليج العربي؛ وهي ميزة جغرافية مدعومة ببنية تحتية لوجستية متطورة تتيح لبلاده لعب دور حيوي في تسهيل تدفقات التجارة والاستثمار والطاقة بين المنطقتين في مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية.

وشدد السفير الأذربيجاني على أن آليات التعاون الإقليمي تكتسب اليوم أهمية متزايدة واستثنائية في مواجهة التحديات الاقتصادية والجيوسياسية العالمية الراهنة، مؤكداً أن بلاده تدعم بنشاط كافة المبادرات الرامية لتعزيز التكامل والترابط والشراكة الاقتصادية بين دول آسيا الوسطى ومنطقة الخليج.

وفي هذا السياق، يرى ميرزاييف أن مشاريع النقل الكبرى، وفي مقدمتها «الممر الأوسط» وممر «زنغزور»، تكتسب ثقلاً استراتيجياً فائقاً لمنظومة النقل الإقليمي، والخدمات اللوجستية، وحركة التجارة الدولية، والتكامل الاقتصادي العابر للحدود؛ بالنظر إلى ما تملكه من قدرة وإمكانات لإنشاء روابط شحن برية وسككية أسرع، وأكثر كفاءة، وأماناً، وتجمع بين آسيا الوسطى وجنوب القوقاز وتركيا، وصولاً إلى منطقة الخليج العربي، مما يعزز أمن سلاسل الإمداد العالمية، ويفتح آفاقاً استثمارية واعدة لكافة الأطراف، بما فيها الاستراتيجية اللوجستية السعودية التي تعمل على تنويع بوابات الربط مع العالم.


مقالات ذات صلة

قطاع الشاحنات السعودي يتجه من الديزل إلى الكهرباء والقيادة الذاتية

خاص جناح الشركة في المعرض السعودي للمستودعات والخدمات اللوجستية (الشرق الأوسط)

قطاع الشاحنات السعودي يتجه من الديزل إلى الكهرباء والقيادة الذاتية

يشهد قطاع النقل والخدمات اللوجستية تطورات متسارعة مع تنامي الاعتماد على التقنيات الحديثة في عمليات نقل البضائع والمناولة، وسط توجه متزايد نحو رفع كفاءة التشغيل.

ساره بن شمران (الرياض)
خاص سفينة تقف في أحد الموانئ السعودية (واس)

خاص السعودية تحصّن سلاسل الإمداد بمظلة وطنية لمخاطر الحرب

مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة، وامتداد تأثيرها إلى حركة الملاحة، وأسواق التأمين، تتحرك السعودية لإنشاء مظلة وطنية تساعد تجارتها على مواصلة الحركة.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد صورة خلال جلسة «الجغرافيا الجديدة للنمو» (الشرق الأوسط)

السعودية تستحوذ على 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية الخليجية

في مؤشر على تصاعد دور المملكة في الاقتصاد الرقمي، استحوذت السعودية على نحو 93 % من استثمارات التجارة الإلكترونية في دول مجلس التعاون الخليجي في 2025.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص تعيد «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعريف مراكز البيانات عبر التركيز على معدل إنتاج الرموز والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز (أدوبي)

خاص «إنفيديا» لـ«الشرق الأوسط»: «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعيد تعريف اقتصاديات مراكز البيانات في السعودية

ترى «إنفيديا» أن نجاح السعودية في الذكاء الاصطناعي سيُقاس بالقيمة الناتجة من البنية التحتية وكفاءة الاستدلال والطاقة والتطبيقات الصناعية.

نسيم رمضان (الرياض)
الاقتصاد شعار «سابك للمغذيات الزراعية» (موقع الشركة الإلكتروني)

«سابك للمغذيات» تُرسي عقد إنشاء مجمع صناعي بـ3.47 مليار دولار على «سامسونغ إي آند إيه»

أرست شركة «سابك للمغذيات الزراعية» عقد أعمال الهندسة والتوريد والإنشاء لمصنعها السابع على «سامسونغ إي آند إيه» بقيمة إجمالية تبلغ نحو 3.46 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

عائد سندات الخزانة الأميركية لـ10 سنوات يصعد لأعلى مستوى منذ نوفمبر 2023

أناس يسيرون خارج بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أناس يسيرون خارج بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عائد سندات الخزانة الأميركية لـ10 سنوات يصعد لأعلى مستوى منذ نوفمبر 2023

أناس يسيرون خارج بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
أناس يسيرون خارج بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية، الخميس، مع تصاعد توقعات الأسواق برفع «الاحتياطي الفيدرالي» أسعار الفائدة في اجتماعه الأسبوع المقبل، في وقت عزّز ارتفاع أسعار النفط المخاوف بشأن مسار التضخم.

وسجّل عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات أعلى مستوى له منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، في حين ارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياته منذ يونيو (حزيران) 2007، كما بلغ عائد السندات لأجل عامين أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وجاءت التحركات بعد صدور بيانات أسعار المنتجين في الولايات المتحدة، التي أظهرت ارتفاع المؤشر بنسبة 5.4 في المائة خلال الاثني عشر شهراً حتى أغسطس (آب)، متجاوزاً توقعات بلغت 5.3 في المائة. وارتفعت أسعار الطاقة بنسبة 4.2 في المائة خلال الشهر، بعد تراجعها لشهرين متتاليين، في حين زادت أسعار الغذاء بالجملة بنسبة 0.1 في المائة.

وعقب البيانات، ارتفعت احتمالات رفع «الفيدرالي» أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس خلال اجتماعه المقرر في 15 و16 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 70 في المائة، مقارنة بنحو 62 في المائة في وقت سابق، وفق بيانات «إل إس إي جي».

وقال محللون إن بعض مكونات مؤشر أسعار المنتجين التي تدخل في حساب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي، الذي يراقبه «الفيدرالي» من كثب، جاءت أقوى قليلاً من توقعات الأسواق، ما قد يزيد الضغوط التضخمية خلال الفترة المقبلة.

وفي الوقت نفسه، زادت المخاوف من التضخم مع ارتفاع أسعار النفط بنحو 4 في المائة، بعد سيطرة مسلحين متحالفين مع إيران على مدينة المخا الساحلية في اليمن، وفق مصادر عسكرية، في تطور يُضيف مخاطر جديدة على إمدادات الطاقة العالمية.

وسجّل عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات ارتفاعاً بنحو 8.48 نقطة أساس إلى 4.922 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر 2023. وصعد عائد السندات لأجل 30 عاماً 6.51 نقطة أساس إلى 5.3511 في المائة، بعدما لامس 5.3543 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ يونيو 2007.

كما ارتفع عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، 9.12 نقطة أساس إلى 4.518 في المائة، مسجلاً أعلى مستوى منذ يوليو 2024.

وتترقب الأسواق، الجمعة، صدور بيانات مؤشر أسعار المستهلكين لشهر أغسطس، التي ستكون مؤشراً مهماً على مسار التضخم قبل اجتماع «الفيدرالي».

وتأتي تحركات سوق السندات أيضاً بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية، الأربعاء، أنها تعتزم شراء ما يصل إلى 6 مليارات دولار من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و20 عاماً، ضمن عملية إعادة الشراء المقررة الخميس. وتجاوز حجم العملية 3 أمثال العملية السابقة طويلة الأجل، لكنه جاء دون توقعات بعض المستثمرين.

في المقابل، تراجعت العوائد عن أعلى مستوياتها خلال تعاملات الأربعاء، بعد أن شهد طرح سندات لأجل 10 سنوات بقيمة 39 مليار دولار طلباً قوياً من المستثمرين.

وتطرح وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، سندات لأجل 30 عاماً بقيمة 22 مليار دولار، في اختبار جديد لشهية المستثمرين تجاه الديون طويلة الأجل، في ظل ارتفاع العوائد وتزايد المخاوف بشأن التضخم ومسار الفائدة.


لاغارد: الحرب تُبقي التضخم أعلى بكثير من مستهدفه لفترة ممتدة

كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في برلين (أ.ف.ب)
كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في برلين (أ.ف.ب)
TT

لاغارد: الحرب تُبقي التضخم أعلى بكثير من مستهدفه لفترة ممتدة

كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في برلين (أ.ف.ب)
كريستين لاغارد تتحدث خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي في برلين (أ.ف.ب)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن الصراع في الشرق الأوسط لا يزال يولد ضغوطاً تضخمية، ومن المتوقع أن يظل التضخم أعلى بكثير من مستهدفه لفترة ممتدة، مشيرة إلى أن قرار البنك رفع سعر الفائدة الرئيس إلى 2.50 في المائة من 2.25 في المائة هو التزام بإدارة السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند المستهدف البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وبحسب لاغارد، تشير التقديرات الأساسية الجديدة التي أعدها خبراء المركزي الأوروبي إلى أن متوسط التضخم العام سيبلغ 3 في المائة في عام 2026، و2.5 في المائة في عام 2027، و2.1 في المائة في عام 2028. وباستثناء الطاقة، والغذاء، تتوقع التقديرات الأساسية أن يبلغ التضخم 2.5 في المائة في عام 2026، و2.6 في المائة في عام 2027، و2.3 في المائة في عام 2028.

وبالمقارنة مع تقديرات يونيو (حزيران)، لم يطرأ تغيير على توقعات التضخم لعام 2026، بينما جرى رفعها لعامي 2027 و2028. وتبلغ التقديرات الأساسية للنمو الاقتصادي 0.9 في المائة لعام 2026، و1.4 في المائة لعام 2027، و1.5 في المائة لعام 2028. وتمثل هذه التقديرات مراجعة بالرفع لكل من عامي 2026 و2027، وتعكس بشكل رئيس قدرة اقتصاد منطقة اليورو على الصمود بدرجة تفوق التوقعات.

وأضافت لاغارد: «لا تزال التوقعات شديدة الضبابية، مع ميل مخاطر التضخم إلى الارتفاع، ومخاطر النمو الاقتصادي إلى الانخفاض. وفيما يتعلق بصدمة الطاقة، توضح السيناريوهات المحدّثة التي أعدها خبراء البنك النطاق الواسع للنتائج المحتملة لمسار النمو والتضخم في ظل افتراضات مختلفة بشأن شدة الصدمة، ومدتها، فضلاً عن آثارها غير المباشرة، وتأثيراتها من الجولة الثانية».

وتابعت: «مع قرار اليوم، نظل في وضع جيد للتعامل مع حالة عدم اليقين الناجمة عن الصراع. وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات، واجتماعاً تلو الآخر في تحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قراراتنا بشأن أسعار الفائدة، على وجه الخصوص، إلى تقييمنا لتوقعات التضخم، والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، فضلاً عن ديناميات التضخم الأساسي، وقوة انتقال أثر السياسة النقدية. ولا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو قدرة على الصمود رغم صدمة الطاقة، مع استمرار النمو بدعم من الصناعات التحويلية، والإنفاق الحكومي، وتعافي ثقة المستهلكين. واستقر معدل البطالة عند 6.4 في المائة في يوليو (تموز)، فيما تحسنت الإنتاجية تدريجياً. وتحسنت آفاق النمو بفضل صمود الاستهلاك، والإنفاق العام، مع توقعات بدعم إضافي من انخفاض أسعار الطاقة، واستثمارات الشركات، والإسكان، والطلب الخارجي، رغم ضغوط التنافسية، وعدم اليقين التجاري. وأكد البنك أهمية الإصلاحات الهيكلية وسلامة المالية العامة، إلى جانب تبسيط قواعد السوق الموحدة، وتسريع التحول في مجال الطاقة، واستكمال اتحاد المدخرات، والاستثمارات، مع ضرورة أن تكون الاستجابات المالية لصدمة الطاقة مؤقتة، وموجهة.

التضخم

ارتفع التضخم في منطقة اليورو إلى 3.3 في المائة في أغسطس (آب) من 2.9 في المائة في يوليو، مدفوعاً بارتفاع تضخم أسعار الطاقة إلى 14.3 في المائة. وفي المقابل، تراجع التضخم -باستثناء الطاقة، والغذاء- إلى 2.4 في المائة، مع انخفاض تضخم الخدمات إلى 3 في المائة، بينما ارتفع تضخم السلع إلى 1.2 في المائة. وظلت مقاييس التضخم الأساسي مستقرة إلى حد كبير، فيما تباطأ نمو التعويض لكل موظف إلى 3.3 في المائة في الربع الثاني، وتراجع نمو تكاليف وحدة العمل إلى 2.6 في المائة.

ومن المتوقع أن تبقي صدمة الطاقة التضخم أعلى بكثير من المستهدف حتى النصف الأول من 2027، قبل أن يتراجع تدريجياً ويقترب من 2 في المائة بنهاية العام. ويراقب البنك انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى الأسعار، والأجور، وتوقعات التضخم، وسط استمرار مخاطر ارتفاع التضخم.

تقييم المخاطر

تميل مخاطر النمو إلى الجانب السلبي، بفعل الصراع في الشرق الأوسط، والحرب الروسية على أوكرانيا، وما قد يترتب عليهما من اضطرابات في إمدادات الطاقة، وارتفاع أسعارها، إلى جانب تشديد الأوضاع المالية، وتجدد التوترات التجارية، بما يضغط على الاستهلاك، والاستثمار، والصادرات.

في المقابل، قد يتجاوز النمو التوقعات إذا تكيف الاقتصاد وأسواق الطاقة سريعاً مع الصدمات، أو جرى حل الصراعات، إضافة إلى أثر تبني التكنولوجيا، والإنفاق على الدفاع، والبنية التحتية، والإصلاحات الداعمة للإنتاجية.

أما مخاطر التضخم، بحسب لاغارد، فهي تميل إلى الجانب الصعودي، مع احتمال اشتداد صدمة الطاقة، وارتفاع أسعار الغاز، والغذاء، ولا سيما في حال استمرار اضطرابات الإمدادات، أو انخفاض مخزونات الغاز. كما قد تؤدي التوترات التجارية، وتجزئة سلاسل الإمداد، والظواهر الجوية المتطرفة إلى زيادة الضغوط السعرية.

وفي المقابل، قد يكون التضخم أقل من المتوقع إذا هدأت الصراعات الجيوسياسية، أو جاءت الآثار غير المباشرة وتأثيرات الجولة الثانية لصدمة الطاقة أقل حدة، أو أدى تزايد تقلب الأسواق والنفور من المخاطر إلى إضعاف الطلب.


«وول ستريت» تتراجع مع صعود النفط وتجدد مخاوف التضخم

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع مع صعود النفط وتجدد مخاوف التضخم

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تراجعت الأسهم الأميركية يوم الخميس تحت ضغط الارتفاع الحاد في أسعار النفط، مع عودة خام برنت إلى مستويات لم يشهدها منذ مايو (أيار)، في وقت أدت فيه التوترات المرتبطة بالحرب مع إيران إلى تعطيل تدفقات النفط الخام عالمياً، ما عزز المخاوف بشأن التضخم وزاد الضغوط في سوق السندات.

وانخفض مؤشر «إس آند بي 500» بنسبة 0.6 في المائة، متجهاً نحو تسجيل خسارة للجلسة الرابعة على التوالي، رغم بقائه قريباً من أعلى مستوى قياسي سجله الشهر الماضي. وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 153 نقطة، أو 0.3 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، بينما خسر مؤشر «ناسداك» المجمع 0.9 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وجاء تراجع الأسهم مع ارتفاع خام برنت، المعيار العالمي لأسعار النفط، بنسبة 4 في المائة إضافية، متجاوزاً 105 دولارات للبرميل للمرة الأولى منذ مايو. كما ارتفع سعر الخام الأميركي القياسي بنسبة 3.8 في المائة، متجاوزاً لفترة وجيزة مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ ما قبل عطلة يوم الذكرى.

وتواصل أسعار النفط ارتفاعها منذ أوائل يوليو (تموز)، عندما كان سعر خام برنت دون 72 دولاراً للبرميل، مع تراجع الآمال في التوصل قريباً إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران من شأنه أن يتيح إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل.

وقال الرئيس دونالد ترمب يوم الأربعاء إن أسعار النفط من المرجح ألا تنخفض قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني).

وأدى ارتفاع أسعار النفط إلى صعود متوسط سعر غالون البنزين العادي في الولايات المتحدة إلى نحو 4.28 دولار، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية، بزيادة تقارب 34 في المائة عن مستواه قبل عام. ولا تقتصر تداعيات ارتفاع أسعار الوقود على ما يدفعه المستهلكون في محطات البنزين، بل تمتد إلى تكاليف نقل السلع بالشاحنات، ما قد يرفع أسعار مجموعة واسعة من المنتجات في المتاجر.

وتزامن ذلك مع صدور بيانات أظهرت تسارع التضخم على مستوى أسعار الجملة في الولايات المتحدة إلى 5.4 في المائة الشهر الماضي، مقارنة مع 4.8 في المائة في يوليو. وقد تنتقل هذه الزيادات في التكاليف في نهاية المطاف إلى المستهلكين مع رفع تجار التجزئة أسعار السلع والخدمات.

ومن المقرر صدور بيانات أسعار المستهلكين يوم الجمعة، التي ستوفر مؤشراً أوضح على مدى تأثير التضخم في الأسر الأميركية.

ويزيد ارتفاع التضخم الضغوط على «الاحتياطي الفيدرالي»، إذ تتمثل إحدى الأدوات المعتادة لكبح التضخم المرتفع في رفع سعر الفائدة الرئيسي. وتؤدي هذه الخطوة إلى ارتفاع تكاليف الاقتراض في مختلف أنحاء الاقتصاد، ما يحد من الطلب ويضغط على الاستثمارات والأسعار.

في المقابل، أظهرت بيانات أخرى صدرت يوم الخميس أن سوق العمل الأميركي ربما لا يزال يتمتع بقدر من المتانة، بعدما انخفض عدد العمال المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي.

وعقب صدور البيانات، ارتفعت رهانات المتعاملين على أن يرفع «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي في اجتماعه المقبل الأسبوع القادم. وأظهرت بيانات مجموعة «سي إم إي» أن الأسواق تسعّر حالياً احتمالاً يبلغ نحو 70 في المائة لرفع الفائدة، مقارنة مع 61 في المائة في اليوم السابق، وذلك رغم الضغوط المستمرة من ترمب لخفض أسعار الفائدة.

وفي أوروبا، رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة يوم الخميس أيضاً، في مسعى للحد من التضخم، محذراً من أن الصراع في الشرق الأوسط «يواصل توليد ضغوط تضخمية».

وانعكست المخاوف المتزايدة بشأن التضخم على سوق السندات، إذ ارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.91 في المائة، من 4.83 في المائة في نهاية تعاملات الأربعاء. وكان العائد يبلغ 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب مع إيران، ليعود بذلك إلى مستويات شوهدت آخر مرة في خريف 2023، بعد الزيادات الحادة التي أقرها «الاحتياطي الفيدرالي» لأسعار الفائدة في أعقاب جائحة كوفيد.

وتجعل العوائد المرتفعة السندات أكثر جاذبية للمستثمرين، إذ تتيح لهم تحقيق عوائد أكبر من استثماراتهم، ما قد يقلل استعدادهم لدفع أسعار مرتفعة مقابل الأسهم وغيرها من الأصول الأكثر خطورة.

وتراجع سهم «ميسيز» بنسبة 2.7 في المائة، رغم إعلان شركة التجزئة أرباحاً وإيرادات فصلية تجاوزت توقعات المحللين، إلى جانب رفع توقعاتها للأرباح ومؤشرات مالية أخرى للعام المالي. وحذرت الشركة، في المقابل، من وجود «عوامل اقتصادية كلية وجيوسياسية» قد تؤثر على استعداد العملاء للإنفاق.

وقالت «ميسيز» إنها تلقت 116 مليون دولار من الحكومة على شكل استرداد لرسوم جمركية، منها 98 مليون دولار خلال الربع المالي و18 مليون دولار بعد انتهائه.

وقال توني سبرينغ، الرئيس التنفيذي للشركة، لوكالة «أسوشييتد برس» يوم الخميس إن «ميسيز» تستخدم جزءاً من هذه العائدات لخفض أسعار بعض السلع، بما في ذلك الأثاث وغيرها من المشتريات مرتفعة القيمة.

وعلى صعيد الأسواق العالمية، تراجعت المؤشرات في معظم أنحاء أوروبا وآسيا، وانخفض مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 1.3 في المائة، مسجلاً أحد أكبر الانخفاضات بين المؤشرات الرئيسية عالمياً.