«إنفيديا» لـ«الشرق الأوسط»: «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعيد تعريف اقتصاديات مراكز البيانات في السعودية

مارك دومينيك: المرحلة المقبلة تركز على كفاءة الاستدلال والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز

تعيد «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعريف مراكز البيانات عبر التركيز على معدل إنتاج الرموز والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز (أدوبي)
تعيد «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعريف مراكز البيانات عبر التركيز على معدل إنتاج الرموز والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز (أدوبي)
TT

«إنفيديا» لـ«الشرق الأوسط»: «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعيد تعريف اقتصاديات مراكز البيانات في السعودية

تعيد «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعريف مراكز البيانات عبر التركيز على معدل إنتاج الرموز والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز (أدوبي)
تعيد «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعريف مراكز البيانات عبر التركيز على معدل إنتاج الرموز والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز (أدوبي)

لم يعد السؤال الأهم في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل السعودية هو مقدار القدرة الحاسوبية التي يمكن إضافتها، بل ماذا تستطيع المؤسسات أن تنتج فعلياً باستخدامها، وكم تبلغ تكلفة هذا الإنتاج، ومدى كفاءته في استهلاك الطاقة.

حسب «إنفيديا»، يعكس هذا التحول في طريقة القياس انتقال السوق السعودية من مرحلة تركز على بناء القدرة إلى مرحلة تتعلق باستخدامها في التطبيقات التجارية والصناعية والخدمية على نطاق واسع. فبدلاً من النظر إلى الحوسبة المسرّعة بوصفها هدفاً في حد ذاته، يصبح معيار النجاح مرتبطاً بما تتيحه من إنتاجية وخدمات ونماذج أعمال جديدة.

ويرى مارك دومينيك، نائب الرئيس لقطاع المؤسسات في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا وجنوب أوروبا لدى «إنفيديا»، أن القدرة الحاسوبية تظل عنصراً أساسياً، لكن «المقياس الحقيقي للتقدم هو ما تُمكِّن هذه البنية التحتية المؤسسات من بنائه ونشره وتوسيعه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «ليب 2026» في الرياض إلى أن قطاعات مثل الطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية والرعاية الصحية والخدمات المالية تمثل مجالات رئيسية يمكن أن تتحول فيها هذه الاستثمارات إلى تطبيقات عملية وقيمة اقتصادية.

مارك دومينيك نائب الرئيس لقطاع المؤسسات في الشرق الأوسط وتركيا وأفريقيا وجنوب أوروبا لدى «إنفيديا» (الشركة)

بناء القدرة وإتاحتها للمؤسسات

أحد التطورات التي تعكس هذه المرحلة الجديدة جاء خلال مؤتمر «ليب 2026»، مع إطلاق شركة «هيومين» سحابة ذكاء اصطناعي مستضافة محلياً ومدعومة بمنصة «NVIDIA Blackwell Ultra».

ويقول دومينيك إن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في إضافة بنية تحتية جديدة، بل في جعل الحوسبة المتقدمة متاحة لعدد أكبر من الشركات والجهات الحكومية التي تريد الانتقال من التجارب إلى التشغيل الفعلي، من دون الحاجة إلى أن تبني كل مؤسسة بنية مسرّعة خاصة بها. ويرى أن سهولة الوصول إلى القدرة الحاسوبية أصبحت جزءاً أساسياً من تبني الذكاء الاصطناعي، لأن المؤسسات تحتاج إلى مسار واضح يبدأ من الفكرة أو إثبات المفهوم وينتهي بتشغيل التطبيقات على نطاق واسع.

وتظهر هنا معادلة مختلفة عن المرحلة السابقة. فالمؤسسة لم تعد تحتاج فقط إلى وحدات معالجة قوية، بل إلى منظومة متكاملة تشمل البرمجيات والبيانات والمواهب والخبرة القطاعية، حتى تتمكن من تحويل القدرة الخام إلى تطبيق يعمل داخل نموذج أعمال حقيقي.

السعودية تدخل «عصر الاستدلال»

ترى «إنفيديا» أن التحول الأبرز في أعباء العمل يتمثل في الانتقال من التركيز الكبير على تدريب النماذج إلى دورة حياة أوسع يصبح فيها «الاستدلال» محوراً رئيسياً.

فالاستدلال هو المرحلة التي يبدأ فيها النموذج بتقديم قيمة فعلية، إذ إنه يجيب عن سؤال، أو يولِّد محتوى، أو يحلِّل مشكلة، أو ينفِّذ إجراءً. ومع توسع الذكاء الاصطناعي داخل تطبيقات الشركات والخدمات الرقمية وتجارب المستهلكين، تتوقع الشركة أن يرتفع حجم عمليات الاستدلال بصورة كبيرة.

ويزداد الضغط الحاسوبي مع الذكاء الاصطناعي الوكيلي، لأن الطلب الواحد قد لا يكون مجرد سؤال وجواب، بل سلسلة من الخطوات تشمل التفكير، واسترجاع المعلومات، واستخدام أدوات برمجية، والتفاعل مع نماذج أخرى، وتنفيذ إجراءات متعددة قبل الوصول إلى النتيجة. وهذا يعني أن تحدي البنية التحتية لم يعد مقتصراً على تدريب نموذج كبير، بل على تشغيله بصورة مستمرة وبكفاءة وعلى نطاق واسع.

تدخل السوق مرحلة يزداد فيها دور الاستدلال والذكاء الاصطناعي الوكيلي مما يرفع الحاجة إلى تشغيل النماذج بكفاءة وعلى نطاق واسع (أدوبي)

«مصنع الذكاء الاصطناعي»

تستخدم «إنفيديا» ضمن هذا التحول بصورة متزايدة مفهوم «مصنع الذكاء الاصطناعي»، وهو وصف يختلف اقتصادياً وتقنياً عن مركز البيانات التقليدي. فمراكز البيانات صُممت أساساً لتخزين المعلومات ومعالجتها واسترجاعها، بينما يصف دومينيك «مصنع الذكاء الاصطناعي» بأنه بنية هدفها «إنتاج الذكاء» على نطاق واسع، حيث تدخل البيانات ويكون الناتج رموزاً أو «Tokens» تستخدمها النماذج في توليد الاستجابات والنتائج.

ويتطلب ذلك نظاماً متكاملاً تعمل داخله الحوسبة المسرّعة ووحدات المعالجة المركزية والذاكرة والتخزين والشبكات والبرمجيات كوحدة واحدة. وفي هذا النوع من البنية، تصبح سرعة نقل كميات هائلة من البيانات بين المكونات عاملاً يوازي في أهميته أداء المعالج نفسه.

لكن الاختلاف الأهم يظهر في الاقتصاديات. فبدلاً من قياس البنية فقط بعدد الخوادم أو وحدات المعالجة، يصبح التركيز على كمية الذكاء التي يمكن إنتاجها، والسرعة، والطاقة المستهلكة، والتكلفة لكل وحدة. ولهذا تبرز مؤشرات مثل معدل إنتاج الرموز، والأداء لكل واط، والتكلفة لكل رمز بوصفها مقاييس أكثر أهمية مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي.

الطاقة ومعادلة الجدوى

مع توسع استثمارات السعودية في مراكز البيانات والحوسبة المسرّعة، تصبح كفاءة الطاقة عاملاً أكثر تأثيراً في اقتصاديات الذكاء الاصطناعي. ويفيد دومينيك بأن زيادة الكفاءة تعني القدرة على تشغيل عدد أكبر من أعباء العمل ضمن حدود الطاقة نفسها، وتحسين الاستفادة من البنية التحتية، وخفض تكلفة تقديم خدمات الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. ولا ترتبط الكفاءة هنا بمكوّن منفرد، بل بطريقة عمل الحوسبة والذاكرة والشبكات والبرمجيات والتبريد معاً، خصوصاً مع ارتفاع متطلبات الاستدلال والذكاء الاصطناعي الوكيلي. وبالنسبة للسعودية، ترى «إنفيديا» أن الأداء لكل واط سيصبح عاملاً مهماً في تحويل الاستثمارات الكبيرة في البنية التحتية إلى قدرة قابلة للتوسع وذات جدوى اقتصادية مستدامة.

ترى «إنفيديا» أن نجاح استثمارات السعودية في الذكاء الاصطناعي سيُقاس بما تنتجه من قيمة اقتصادية لا بحجم القدرة الحاسوبية وحده (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يخرج من مركز البيانات

في القطاعات الصناعية، لا يمكن لجميع أعباء العمل أن تبقى داخل مراكز البيانات المركزية. فالروبوت داخل المصنع، أو نظام الفحص الفوري، أو الآلة ذاتية التشغيل قد تحتاج إلى اتخاذ قرار في جزء صغير من الثانية، وهو ما يجعل تشغيل بعض الذكاء بالقرب من مكان توليد البيانات ضرورياً.

ويشير دومينيك إلى أن التدريب واسع النطاق وأعمال الاستدلال كثيفة الحوسبة تناسب البنية المركزية، بينما تتطلب التطبيقات التي تحتاج إلى استجابة فورية تشغيل النموذج عند الحافة، بالقرب من الآلات وأجهزة الاستشعار. وبهذا تفرّق «إنفيديا» بين بيئة مركز البيانات وبيئة الحافة بوصفهما بنيتين متنافستين، بل تراهما كجزأين من منظومة واحدة، يتم تطوير النماذج وتدريبها مركزياً ثم نشرها حيث تكون الحاجة إلى الذكاء، سواء في المصانع أو المستودعات أو الروبوتات أو الأجهزة.

فرصة للذكاء الاصطناعي المادي

تكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في السعودية بسبب طبيعة قطاعات رئيسية في اقتصادها، وعلى رأسها الطاقة والتصنيع والخدمات اللوجستية. وتفسّر «إنفيديا» أن التوائم الرقمية يمكن أن تتيح للمؤسسات محاكاة المنشآت والعمليات قبل إجراء تغييرات في العالم الحقيقي، بينما يمكن للرؤية الحاسوبية والروبوتات دعم الفحص والصيانة والأتمتة وسلامة العاملين.

وتكمن أهمية الجمع بين التوائم الرقمية والذكاء الاصطناعي المادي في إمكانية تدريب الروبوتات والأنظمة ذاتية التشغيل داخل بيئات افتراضية دقيقة، والتحقق من سلوكها قبل نشرها فعلياً. وبالنسبة إلى البيئات الصناعية المعقدة، ترى الشركة أن ذلك يمكن أن يختصر دورات التطوير ويساعد على نشر الأتمتة بكفاءة وأمان أكبر.

يتطلب الانتقال من التجارب إلى الإنتاج منظومة متكاملة تشمل البنية التحتية والبيانات والبرمجيات والمواهب والحوكمة والخبرة القطاعية (إكس)

لماذا تبقى بعض المؤسسات في مرحلة التجارب؟

رغم توسع الاستثمار، لا تزال مؤسسات كثيرة عالقة عند مرحلة إثبات المفهوم. ويقول دومينيك إن الفارق بين المؤسسات التي تنجح في التوسع وتلك التي تبقى في التجارب يبدأ من طريقة التعامل مع الذكاء الاصطناعي نفسه. فالمؤسسة الناجحة لا تتعامل معه كمجموعة مشاريع منفصلة، بل كقدرة أساسية في نموذج أعمالها. وهذا يتطلب بنية موثوقة، وبيانات عالية الجودة، وبرمجيات مؤسسية، وأمناً وحوكمة، وتكاملاً مع الأنظمة القائمة، وفِرقاً تفهم التقنية ومشكلة الأعمال في الوقت نفسه. كما أن المؤسسات الأكثر تقدماً تبدأ بمشكلة قابلة للقياس، مثل رفع الإنتاجية أو تحسين تجربة العميل أو الكفاءة التشغيلية، ثم تبني منصة يمكن إعادة استخدامها عبر تطبيقات متعددة بدلاً من إنشاء بنية منفصلة لكل تجربة.

ما بعد البنية التحتية

تؤكد «إنفيديا» أن الحوسبة وحدها لن تحدد نتيجة الاستثمارات السعودية. فالمواهب والبرمجيات والبيانات المتخصصة حسب القطاع واللغة، إلى جانب الجامعات والشركات الناشئة ومزودي التكنولوجيا، ستحدد ما يمكن فعلياً بناؤه فوق هذه القدرة. ويشدد دومينيك على أن الفرصة طويلة الأجل لا تتمثل في استهلاك تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بل في تطوير القدرة على الابتكار باستخدامها، بما يسمح للبنية نفسها بخدمة عدد متزايد من التطبيقات والشركات والقطاعات.

وبحلول 2030، لن يكون معيار النجاح حجم البنية التي بنتها المملكة، بل ما إذا كانت المؤسسات أصبحت أكثر إنتاجية وتنافسية، والمطورون قادرين على بناء تطبيقات محلية وعالمية، والشركات الناشئة على تأسيس أعمال جديدة، والقطاعات الصناعية على نشر الذكاء الاصطناعي على نطاق مؤثر.

وبهذا، ينتقل السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة من «كم تبلغ قدرة السعودية الحاسوبية؟» إلى سؤال أكثر صعوبة: «ما مقدار القيمة الاقتصادية التي تستطيع هذه القدرة إنتاجها، وبأي تكلفة وطاقة وكفاءة؟».


مقالات ذات صلة

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

تكنولوجيا شعار شركة «أبل» (د.ب.أ) p-circle

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

تعتزم شركة «أبل» دخول سوق أجهزة المنزل الذكي يوم 13 أكتوبر، بعد تأخير طويل، بما يُمثل توسعاً حيوياً لمحفظة منتجات الشركة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز) p-circle

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

تكشف دراسة عن محدودية قدرة الذكاء الاصطناعي على إنشاء «توائم رقمية» تحاكي البشر، إذ تميل النماذج إلى التنميط وتفشل في التقاط الفروق الفردية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تكنولوجيا تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)

«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

طوّر باحثو معهد «جورجيا تك» شبكة منخفضة الطاقة تتيح لغرسات طبية صغيرة تبادل الإشارات عبر الأنسجة لتنسيق الاستشعار والعلاج داخل الجسم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا شعار شركة مونشوت الصينية لتطوير الذكاء الاصطناعي (رويترز)

أداة صينية للذكاء الاصطناعي أرشدت باحثين إلى كيفية صنع أسلحة بيولوجية

تُجري شركة مونشوت الصينية لتطوير الذكاء الاصطناعي مراجعة داخلية بعد أن تمكن باحثون من إقناع اثنين من نماذجها الشهيرة «كيمي» بتدريبها على صنع أسلحة بيولوجية.

«الشرق الأوسط» (بكين)
تكنولوجيا تسمح الطريقة للنموذج باستكشاف حلول أكثر مرونة أثناء عملية التوليد مع فرض القيود بشكل حاسم على النتيجة النهائية (أدوبي)

«هارد فلو»... خوارزمية جديدة لضبط مُخرجات الذكاء الاصطناعي تحت قيود صارمة

طوّر باحثون في «MIT» خوارزمية «هارد فلو» لضبط مُخرجات الذكاء الاصطناعي تحت قيود صارمة دون إعادة تدريب النماذج مسبقاً.

نسيم رمضان (لندن)

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
TT

«أبل» تستعد لدخول سوق أجهزة المنزل الذكي

شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)
شعار شركة «أبل» (د.ب.أ)

تعتزم شركة الإلكترونيات والتكنولوجيا الأميركية «أبل» دخول سوق أجهزة المنزل الذكي يوم 13 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد تأخير طويل، بما يُمثل توسعاً حيوياً لمحفظة منتجات الشركة تحت قيادة رئيسها التنفيذي الجديد جون تيرنوس، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وحسب مصادر مطلعة، فإن الجهاز الرئيسي في استراتيجية حزمة المنزل الذكي يحمل الاسم الكودي «جيه 490». كما تُخطط «أبل» للإعلان عن أول تحديث لجهاز «هوم بود ميني» منذ طرحه عام 2020، وأول إصدار جديد من جهاز الاستقبال الرقمي للتلفزيون منذ 2022.

وذكرت وكالة «بلومبرغ» أن هذا يُمثل اختباراً مبكراً ومهماً بالنسبة لتيرنوس، الذي تولى منصبه في الأول من سبتمبر (أيلول) الحالي.

وتنظر الشركة إلى مجال تجهيزات المنزل الذكي باعتباره فرصة مربحة وإحدى مبادرات «الشيء الكبير القادم» الشهيرة لدى «أبل». في الوقت نفسه، فإن «أبل» واجهت سابقاً صعوبة في تحقيق حضور قوي في هذا القطاع، متخلفة بذلك عن شركتي «أمازون» و«غوغل».

كما تُعد هذه المنتجات واجهة لاستعراض قدرات المساعد الرقمي «سيري» الجديد المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وهي تقنية عكفت الشركة على تطويرها منذ سنوات. وقد واجه طرح النسخة المحدثة من «سيري» تأخيرات عديدة، ومن شأن أجهزة المنزل الذكي أن تُسلط الضوء على جهود «أبل» للحاق بالركب أخيراً في مجال الذكاء الاصطناعي.

ووفقاً لمصادر -طلبت عدم الكشف عن هويتها، نظراً لعدم الإعلان عن المنتجات رسمياً- سيتخذ جهاز التحكم المركزي للمنزل «هوم هب» شكل شاشة مربعة يبلغ حجمها نحو 6 بوصات، مع توفر إصدارات يمكن تثبيتها على الحائط أو وضعها على الأسطح المستوية.

في الوقت نفسه، ستحتفظ الإصدارات الجديدة من جهازي «هوم بود ميني» و«أبل تي في» بتصميماتها الحالية، لكنها ستحتوي على معالجات أسرع لدعم نماذج ذكاء اصطناعي أقوى في «سيري».


الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي حاول صنع «نسخة رقمية» من الإنسان... فماذا حدث؟

يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)
يد بشرية تقابل أخرى آلية في صورة تعبيرية عن محاولات الذكاء الاصطناعي محاكاة الإنسان وسلوكه (رويترز)

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعرف الإنسان إلى درجة توقُّع ما سيفكر فيه أو يختاره في موقف لم يواجهه من قبل؟ حاول باحثون من جامعة كولومبيا الأميركية اختبار هذه الفكرة عبر إنشاء «توائم رقمية» لأشخاص حقيقيين، لكن النتائج كشفت عن أن الطريق إلى استنساخ السلوك البشري رقمياً لا يزال طويلاً.

500 سؤال لبناء «التوأم»

شملت الدراسة، المنشورة في دورية «ساينس أدفانسس» Science Advances، نحو 1800 شخص، أجاب كل منهم عن أكثر من 500 سؤال تناولت الشخصية والقدرات المعرفية والتفضيلات الاقتصادية والتحيزات، إلى جانب معلومات ديموغرافية واجتماعية، وفق ما نقلته صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية.

واستخدم الباحثون هذه البيانات لتغذية نموذج لغوي كبير بهدف إنشاء «توأم رقمي» لكل مشارك. وبعد ذلك، خضع الأشخاص الحقيقيون ونسخهم الرقمية ﻟ19 مجموعة جديدة من الاختبارات، تضمّنت 164 إجابة وسلوكاً، بهدف معرفة قدرة الذكاء الاصطناعي على توقُّع تصرفاتهم في مواقف جديدة.

مئات المعلومات لم تحسّن دقة المحاكاة

للوهلة الأولى، بدت النتائج مشجعة، إذ سجّل النموذج الذي امتلك البيانات الكاملة درجة 0.748 على مقياس يقارن إجاباته بإجابات البشر.

لكن المفاجأة كانت أن نموذجاً لم يحصل إلا على 14 معلومة ديموغرافية أساسية عن كل شخص سجل 0.746، فيما حقق نموذج لم يتلقَّ أي معلومات شخصية 0.734.

وبذلك، أظهرت الدراسة أن تزويد الذكاء الاصطناعي بمئات المعلومات عن الشخص لم يجعله أكثر قدرة بصورة ملحوظة على تقليد سلوكه، مقارنة بنموذج لم يحصل إلا على معلومات أساسية عنه. كما أظهرت المقارنة أن قدرة «التوأم الرقمي» على محاكاة الاختلافات الفردية بين الأشخاص بقيت ضعيفة.

نسخ أكثر نمطية من البشر

وكشفت الدراسة عن أن الذكاء الاصطناعي يميل إلى «تسوية» الاختلافات بين الأشخاص. فمن أصل 164 مؤشراً، كانت إجابات التوائم الرقمية أقل تنوعاً من إجابات البشر في 154 منها.

ما مال النموذج إلى تصنيف الأشخاص وفق خصائص عامة، مثل العمر والتعليم والدخل والآراء، والتعامل معهم على أساس الصورة النمطية للمجموعة التي ينتمون إليها، بدلاً من محاكاة السمات الفردية لكل شخص.

وأظهرت النسخ الرقمية أيضاً ثقة أكبر بالتكنولوجيا مقارنة بالأشخاص الحقيقيين، وكانت أكثر تقبلاً لاستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في تقييم المتقدمين إلى الوظائف، كما اعتبرت أن استخدام بيانات الأشخاص عبر الإنترنت لبناء ملفات تعريفية عنهم أقل مساساً بالخصوصية.

يد روبوتية أمام شاشة تحمل رمز الذكاء الاصطناعي في صورة تعبيرية عن محاولات تطوير نماذج رقمية قادرة على محاكاة السلوك البشري (رويترز)

«مرآة مشوهة»

ومن المفارقات أن أحد أسباب فشل المحاكاة كان أن الذكاء الاصطناعي أكثر معرفة وعقلانية في بعض الاختبارات من البشر الذين يُفترض أن يقلّدهم. فالإنسان يخطئ ويقع في التحيّزات وقد يتخذ قرارات غير عقلانية، بينما مال النموذج إلى الإجابات الصحيحة والمنطقية.

وتشير النتائج إلى أن بناء نسخة رقمية وفية للإنسان يتطلب محاكاة ما يعرفه وما يجهله، وحتى أخطائه وتناقضاته.

ورغم الآمال باستخدام هذه التوائم مستقبلاً في الأبحاث الاجتماعية والنفسية واختبار سلوك المستهلكين، خلصت الدراسة إلى أنها، في وضعها الحالي، أقرب إلى «مرآة مشوهة» للإنسان منها إلى نسخة حقيقية عنه.


«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
TT

«بلوتوث» داخل الجسم... غرسات طبية صغيرة تتبادل الإشارات عبر الأنسجة

تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)
تسمح الشبكة بفصل موقع الاستشعار عن موقع العلاج بحيث يرصد جهاز تغيراً حيوياً في مكان ويحفّز جهازاً آخر في موقع مختلف (أدوبي)

طوّر مهندسون في معهد جورجيا للتكنولوجيا «جورجيا تك» نظاماً جديداً للاتصال بين الأجهزة الطبية القابلة للارتداء والغرسات المزروعة داخل الجسم، من خلال استخدام أنسجة الجسم نفسها قناة لنقل الإشارات. ويتيح النظام الذي أطلق عليه الباحثون اسم «سوانز»، لمستشعر في جزء من الجسم أن يرسل إشارة إلى جهاز علاجي في مكان آخر، دون الحاجة إلى اتصال مباشر أو قرب بينهما.

وتركز الدراسة، التي نُشرت في دورية «العلوم»، على بناء شبكة من أجهزة صغيرة يمكن أن تعمل معاً داخل الجسم وعلى سطحه، بحيث تكتشف تغيراً بيولوجياً في موقعٍ ما ثم تطلق استجابة علاجية في موقع مختلف، مثل تحفيز عصب أو تشغيل جهاز مزروع.

وتكمن الفكرة الأساسية في الاستفادة من الموصلية الأيونية الطبيعية لأنسجة الجسم، بدلاً من الاعتماد على تقنيات لا سلكية تقليدية، مثل «Bluetooth» أو «NFC».

ويقول الباحثون إن الإشارات اللاسلكية التقليدية لا تنتقل بكفاءة كبيرة عبر الجسم، كما أنها تحتاج إلى هوائيات وطاقة إضافية، وهو ما يزيد حجم الغرسات ويحدّ من المدة التي يمكن أن تعمل خلالها.

أما «SWANS» فيرسل نبضات كهربائية صغيرة عبر الأنسجة، ويمكن برمجة كل غرسة للاستجابة فقط لنبضات بجهد وزمن محددين، ما يسمح بتوجيه الإشارة إلى الجهاز المطلوب داخل الشبكة.

ويرى الفريق أن هذه البنية تتيح فصل مكان الاستشعار عن مكان العلاج. فبدلاً من وضع المستشعر والجهاز العلاجي في وحدة واحدة، يمكن وضع كل منهما في الموقع الأنسب وظيفياً، ثم تمرير الإشارات بينهما عبر أنسجة الجسم.

يختبر الباحثون شبكة منخفضة الطاقة تسمح لأجهزة طبية صغيرة بتبادل الإشارات عبر أنسجة الجسم نفسها (جورجيا تك)

غرسات بحجم أقل من 3 ملليمترات

ساعد انخفاض متطلبات الطاقة على تصغير حجم الأجهزة بصورة كبيرة. ووفق الباحثين، يمكن تصنيع غرسات يقلّ حجمها عن 3 ملليمترات، ما يجعلها صغيرة بما يكفي لزرعها باستخدام حقنة.

وتعتمد هذه الأجهزة على مكونات إلكترونية سلبية تستهلك قدراً ضئيلاً للغاية من الطاقة أثناء الانتظار، ثم تستيقظ فور وصول الإشارة المطلوبة لتنفيذ المهمة المحددة.

وفي الاختبارات، قدَّر الفريق أن جهازاً علاجياً صغيراً يجري تشغيله مرة واحدة يومياً، يمكن أن يعمل لنحو عام قبل الحاجة لاستبداله. كما ذكر الباحثون أن النبضات الكهربائية المستخدمة لم تُحدث ضرراً في عينات الأنسجة التي اختبروها.

تجربة للتحكم في الحركة

اختبر الفريق النظام في تجربة على جرذ، حيث ربط شبكة من المستشعرات والواجهات العصبية عبر الجسم. واستطاع مستشعرٌ اكتشاف حركة إحدى القوائم الأمامية، ثم أرسل إشارة عبر الأنسجة إلى جهاز آخر حفّز عضلة في القائمة الخلفية وأدى إلى انقباضها؛ في محاولة لمحاكاة جزء من نمط المشي الطبيعي. كما أظهرت التجربة أن عدداً من الأجهزة يمكن أن يعمل ضِمن شبكة واحدة، دون الحاجة لأسلاك مباشرة بينها أو إلى محاذاة دقيقة.

البيانات الصغيرة داخل الجسم

لا يهدف «سوانز» إلى نقل كميات كبيرة من البيانات عبر الأنسجة، فالتصميم مخصص لإشارات صغيرة وبسيطة، مثل تحديد وجود أو غياب حدث معين أو إرسال أمر تشغيل أو إيقاف.

أما عمليات التحليل الأكبر أو تبادل كميات كبيرة من البيانات، فيمكن تنفيذها بواسطة جهاز خارجي قابل للارتداء يعمل كمركز للشبكة، حيث يجمع قراءات الغرسات ويقرر متى ينبغي تفعيل إجراء علاجي معين.

ويعني ذلك أن النظام لا يحاول استبدال كل أشكال الاتصال اللاسلكي، بل يخصص قناة منخفضة الطاقة للتنسيق بين الأجهزة المزروعة والقابلة للارتداء.

صُممت الغرسات لتكون صغيرة جداً ومنخفضة الاستهلاك ويمكن لبعضها أن يكون بحجم يسمح بزرعه باستخدام حقنة (جورجيا تك)

نحو علاج إلكتروني مُنسّق

يرى الفريق أن أحد الاستخدامات المستقبلية المحتملة يتمثل في بناء أنظمة علاجية آلية موزعة عبر الجسم، بحيث ترصد المستشعرات التغيرات البيولوجية ثم تطلق استجابة مناسبة في الوقت والمكان المطلوبين.

وذكر أليكس أبرامسون، الأستاذ المساعد بكلية الهندسة الكيميائية والجزيئية الحيوية في «جورجيا تك» والمؤلف الرئيسي للدراسة، أن الهدف هو السماح بوضع أجهزة الاستشعار حيث تكون أكثر قدرة على التقاط الإشارة البيولوجية، ووضع المحفزات أو الأجهزة العلاجية حيث تكون أكثر فاعلية، دون الحاجة إلى أن تكون متجاورة.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من الشبكات قد يدعم مستقبلاً تطبيقات في الطب الإلكتروني الشخصي، حيث تعمل عدة أجهزة صغيرة بصورة منسقة، بدلاً من الاعتماد على غرسة واحدة تقوم بجميع الوظائف.

شبكة تحاكي منطق الجهاز العصبي

استلهم الفريق فكرة النظام جزئياً من الطريقة التي ينسّق بها الجهاز العصبي عمل أجزاء مختلفة من الجسم، مع اختلاف واضح في آلية التنفيذ. ويلفت الباحثون إلى أن القدرة على ربط عدة مستشعرات ومحفزات موزعة في أماكن مختلفة، بما في ذلك مواقع عميقة داخل الجسم مثل المعدة، قد تفتح المجال أمام أنظمة علاجية أكثر تخصصاً وأقل اعتماداً على أجهزة كبيرة أو وصلات خارجية.

ولا تزال التقنية في مرحلة بحثية، وقد أُثبتت في تجارب مخبرية وحيوانية، وليس كمنظومة علاجية معتمَدة للاستخدام البشري. وتتركز الخطوات المقبلة على تطوير الشبكة واختبار كيفية عمل عدد أكبر من الأجهزة معاً، وصولاً إلى تطبيقات يمكن فيها تنسيق الاستشعار والعلاج بصورة أكثر استقلالية داخل الجسم.