الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
TT

الذكاء الاصطناعي في قلب صراع النفوذ... هل تنجح الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية؟

رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)
رسم توضيحي مولّد بالذكاء الاصطناعي يعبّر عن الجهود الدولية لبناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي في ظل تنافس القوى الكبرى (الشرق الأوسط)

أعاد اختتام أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف الأسبوع الماضي، تسليط الضوء على قدرة المنظمة الدولية على مواكبة التطورات المتسارعة في هذا القطاع. ويأتي ذلك في وقت تتنافس فيه القوى الكبرى على امتلاك النماذج الأكثر تطوراً، والرقائق الأعلى كفاءة، والبنية التحتية القادرة على تشغيلها، وسط محاولات أممية لوضع أسس لحوكمة عالمية تحد من المخاطر المصاحبة لهذه التكنولوجيا.

ويُقصد بـ«حوكمة الذكاء الاصطناعي» وضع القواعد والضوابط التي تنظّم تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.

وتكمن صعوبة المهمة في أن الذكاء الاصطناعي أصبح عنصراً رئيسياً في حسابات الأمن القومي والنمو الاقتصادي والتفوّق العسكري. لذلك تنظر الحكومات إلى القواعد التنظيمية من زاوية مصالحها الاستراتيجية، فيما تتحرك الشركات المطورة للنماذج الكبرى بسرعة تفوق إيقاع المؤسسات الدولية والتشريعات الوطنية.

وفي هذا السياق، ترى مؤسسة «بروكينغز»، وهي أحد أبرز مراكز الأبحاث الأميركية، أن بناء حوكمة دولية فعّالة للذكاء الاصطناعي لا يرتبط بإنشاء هيئة عالمية جديدة بقدر ما يعتمد على تنسيق الأطر التنظيمية القائمة، وتعزيز التعاون بين الحكومات والمنظمات الدولية والقطاع الخاص، مع اضطلاع الأمم المتحدة بدور تنسيقي يجمع هذه الجهود ضمن إطار مشترك.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاب الافتتاح لأول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في جنيف بسويسرا يوم 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

مقاربات القوى الكبرى

تدرك واشنطن أن الحفاظ على موقعها في قطاع الذكاء الاصطناعي يمنحها تفوقاً اقتصادياً وأمنياً طويل الأمد. وقد استخدمت القيود المفروضة على تصدير الرقائق المتقدمة والتقنيات المرتبطة بها ضمن محاولاتها لإبطاء تقدّم الصين وحماية الصناعات الأميركية الحساسة.

في المقابل، تعمل بكين على تعزيز قدراتها المحلية في تصنيع الرقائق وتطوير النماذج مفتوحة المصدر، بما يسمح للمطورين بالبناء عليها وتطويرها. كما تقدّم نفسها بوصفها مدافعاً عن توسيع استفادة الدول النامية من التكنولوجيا، في إطار سعيها إلى تعزيز نفوذها في رسم مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

أما الاتحاد الأوروبي، فيسعى إلى تثبيت حضوره عبر التشريع، مستفيداً من حجم سوقه، وقدرته على فرض معايير تجد الشركات العالمية نفسها مضطرة إلى مراعاتها. ويمنحه هذا النهج تأثيراً ملموساً في صياغة البيئة التنظيمية العالمية، حتى من دون امتلاكه الريادة في تطوير النماذج الكبرى، الأمر الذي يعكس اتجاه العالم نحو منظومات تنظيمية متعددة، لكل منها أولوياتها السياسية والاقتصادية.

شرعية دولية تواجه تحديات التنفيذ

ضمن هذه البيئة، تحاول الأمم المتحدة بناء شرعية دولية لمسار الحوكمة من خلال الحوار بين الحكومات والخبراء والشركات والمجتمع المدني. ويمنحها تمثيل معظم دول العالم ميزة لا تملكها التحالفات المحدودة، خصوصاً أن القرارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ستؤثر في دول لا تمتلك شركات كبرى أو قدرات حوسبة متقدّمة.

لكن جمع الدول حول طاولة واحدة يختلف عن القدرة على إلزامها بتطبيق ما يُتفق عليه. فالأمم المتحدة تعتمد على إرادة الدول الأعضاء، ولا تملك سلطة مباشرة لإجبار القوى الكبرى أو شركات التكنولوجيا على تطبيق قواعد موحدة. كما أن الانقسامات داخل مجلس الأمن، والتوتر بين واشنطن وبكين يحدّان من فرص إنشاء نظام دولي ملزم خلال فترة قريبة.

وفي رسالة نشرتها صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية، دعا خبيران شاركا في الهيئة الاستشارية للأمم المتحدة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلى إنشاء وكالة دولية مستقلة وعلمية، تتولى دعم معايير السلامة ومساعدة الحكومات على تطوير قدراتها التنظيمية، محذّرين من ترك صياغة القواعد في يد عدد محدود من الدول والشركات.

شعار أول حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي الذي نظّمته الأمم المتحدة في جنيف 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

دور أممي لتقليص الفجوة الرقمية

تمثل قضية التفاوت الرقمي أحد أهم الملفات التي قد تمنح الأمم المتحدة دوراً عملياً. فمعظم الدول لا تملك الموارد المالية أو الطاقة أو البيانات اللازمة لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متقدّمة، وقد تجد نفسها معتمدة على تقنيات تنتجها شركات أجنبية وفق أولويات لا تشارك في تحديدها.

ويمنح هذا الواقع الأمم المتحدة فرصة للتركيز على بناء القدرات، وتدريب الجهات التنظيمية، وتوسيع الوصول إلى البنية التحتية الرقمية، ووضع معايير تحد من التحيّز في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وحماية الخصوصية، والحد من التضليل، بما يساعد على تضييق الفجوة الرقمية بين الدول.

نفوذ مرهون بقبول القوى الكبرى

يصعب تصور معاهدة عالمية شاملة للذكاء الاصطناعي في ظل المرحلة الحالية من المنافسة الدولية. ويبدو المسار الأكثر واقعية قائماً على مبادئ مشتركة، ومعايير فنية، وتفاهمات جزئية تتطور تدريجياً وفق طبيعة المخاطر.

وتملك الأمم المتحدة قدرة على منح هذا المسار شرعية أوسع، إلا أن نجاحها سيعتمد على إقناع القوى الكبرى بأن وجود قواعد مشتركة يخدم مصالحها، ويسهم في الحد من المخاطر المرتبطة بسباق الذكاء الاصطناعي. ومن دون هذا الاقتناع، ستبقى الحوكمة ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، فيما تظل المنظمة الدولية منصة للحوار أكثر من كونها جهة قادرة على توجيه سباق الذكاء الاصطناعي.

ويبقى نجاح جهود الأمم المتحدة في بناء حوكمة عالمية للذكاء الاصطناعي مرهوناً بقدرتها على تحويل ما أطلقه الحوار العالمي الأول إلى خطوات عملية تواكب سرعة التطور التقني، وتحدّ من اتساع الفجوة بين التنافس الدولي ومتطلبات التعاون العالمي.


مقالات ذات صلة

خبراء دوليون ينددون بقمع «غير مبرر» لمظاهرات الطلاب في فرنسا

أوروبا متظاهرون يشتبكون مع الشرطة خلال احتجاج على غلاء المعيشة في بوردو الفرنسية يوم 24 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

خبراء دوليون ينددون بقمع «غير مبرر» لمظاهرات الطلاب في فرنسا

دان خبراء دوليون في مجال حقوق الإنسان، الأربعاء، استخدام قوات الأمن الفرنسية أساليب «غير مبررة» لقمع احتجاجات طلابية استمرت لأسابيع.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أميركا اللاتينية وزير خارجية كوبا برونو إدواردو رودريغيز باريلا يتحدث في مقر الأمم المتحدة بنيويورك خلال المناقشة السنوية بشأن الحصار الاقتصادي الأميركي المفروض على بلاده (إ.ب.أ)

الأمم المتحدة تدين بغالبية ساحقة الحصار الاقتصادي الأميركي على كوبا

أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، الحظر الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة على كوبا، وذلك للعام الـ34 على التوالي...

«الشرق الأوسط» (هافانا - نيويورك)
شمال افريقيا تيتيه مع وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط الثلاثاء (البعثة الأممية)

توحيد القضاء الليبي على طاولة التفاهمات السياسية في لندن

يبحث اجتماع لجنة الحوار الليبي المصغرة، المعروفة باسم «4+4»، في لندن مقترحات تتعلق بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، وتعديل الإطار القانوني المنظم له

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا بوتين مستقبلاً المنفي خلال زيارته العاصمة الروسية موسكو الثلاثاء (رويترز)

روسيا تزاحم المبادرات الأميركية والأممية للحل في ليبيا

سلَّطت مباحثات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، في وقت متأخر الثلاثاء، الضوء على فرص تنشيط الدور الروسي في تسوية الأزمة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» في أبريل الماضي (صفحات مقربة من الطرفين)

غموض يلف مسار توحيد المؤسسة العسكرية الليبية

تباينت القراءات حول مخرجات مباحثات أنقرة بين صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة الوطنية».

جاكلين زاهر (القاهرة)

كولومبيا تنسحب من مجموعة لاهاي بسبب إجراءات التكتل تجاه إسرائيل

لقطة عامة للواجهة الخارجية للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (أ.ب)
لقطة عامة للواجهة الخارجية للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

كولومبيا تنسحب من مجموعة لاهاي بسبب إجراءات التكتل تجاه إسرائيل

لقطة عامة للواجهة الخارجية للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (أ.ب)
لقطة عامة للواجهة الخارجية للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت الحكومة الكولومبية، اليوم (​الثلاثاء)، أنها ستنسحب من مجموعة لاهاي بصفتها دولة عضواً ورئيساً مشاركاً، ‌مشيرة إلى ‌الإجراءات ​التي ‌اتخذتها المجموعة ⁠تجاه ​إسرائيل، وفقاً لوكالة «رويترز».

وتقول مجموعة ⁠لاهاي إنها تسعى إلى صون القانون الدولي والإجراءات الدولية، بما ⁠في ذلك ‌في ‌المحكمة ​الجنائية ‌الدولية بشأن تصرفات ‌إسرائيل.

وذكر المتحدث باسم الحكومة، ميلر سوتو، في مقطع ‌فيديو منشور على منصة «إكس»: «طلبت كولومبيا ⁠رسمياً ⁠الانسحاب من مجموعة لاهاي، وهي مجموعة أنشئت لعزل إسرائيل ومهاجمتها، ونحن نرفض هذا النهج».


اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل

اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (د.ب.أ)
اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (د.ب.أ)
TT

اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل

اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (د.ب.أ)
اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (د.ب.أ)

قال شهود من رويترز ووسائل إعلام بلجيكية إن الشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع ورذاذ الفلفل خلال اشتباكات في بروكسل اليوم السبت مع متظاهرين مناهضين للحكومة طالبوا بتحسين ظروف النظام التعليمي.

اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (د.ب.أ)

وجاءت الاشتباكات بعد تجمع مئات المحتجين، ومعظمهم من الشبان، للمطالبة بزيادة التمويل المخصص للتعليم، وذلك في استمرار للمظاهرات التي شهدها هذا البلد خلال الأشهر القليلة الماضية.

واتهم المحتجون الشرطة باللجوء للعنف المفرط رغم أن هذه الاشتباكات كانت أقل حدة ونطاقا بكثير من تلك التي شهدتها بلجيكا الأسبوع الماضي، أو تلك التي وقعت على نطاق أوسع بكثير في فرنسا المجاورة.

ورأى شهود من رويترز محتجين في بروكسل يركضون بينما يلاحقهم أفراد من الشرطة، وكذلك تعرض أحد المحتجين للضرب والركل من بعض الأفراد.

اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (د.ب.أ)

واستهدف محتجون دراجات هوائية ونارية مخصصة للتأجير محاولين إضرام النار فيها بعد رشقها بلافتات من الشوارع وأشياء أخرى.

وذكرت وسائل إعلام بلجيكية أن الشرطة استخدمت في واقعة منفصلة الغاز المسيل للدموع لتفريق مجموعة من المحتجين.

وقالت شرطة بروكسل مساء اليوم في بيان إنه لم تحدث أي وقائع جسيمة مشيرة إلى أنها اتخذت تدابير "لضمان الحفاظ على النظام العام وسلامة الجميع".

اشتباكات بين الشرطة ومتظاهرين مناهضين للحكومة في بروكسل (إ.ب.أ)

وأضاف البيان أن الشرطة احتجزت مؤقتا خمسة أشخاص بتهمة الإخلال بالنظام العام بالإضافة إلى أربعة آخرين بتهمة حيازة أسلحة محظورة والتحريض على أعمال الشغب.


تحذير من تسونامي بعد رصد زلزالين قبالة فانواتو

وقع مركز الزلزال على مسافة نحو 200 كيلومتر شمال غرب بورت أولري في فانواتو (رويترز)
وقع مركز الزلزال على مسافة نحو 200 كيلومتر شمال غرب بورت أولري في فانواتو (رويترز)
TT

تحذير من تسونامي بعد رصد زلزالين قبالة فانواتو

وقع مركز الزلزال على مسافة نحو 200 كيلومتر شمال غرب بورت أولري في فانواتو (رويترز)
وقع مركز الزلزال على مسافة نحو 200 كيلومتر شمال غرب بورت أولري في فانواتو (رويترز)

وقع زلزالان بلغت قوتهما 6,9 و6,3 درجات، اليوم (السبت)، قبالة أرخبيل فانواتو الصغير في المحيط الهادئ، ما أدى إلى إطلاق تحذير من حدوث تسونامي، وفق ما ذكر مركز التحذير من التسونامي في المحيط الهادئ.

وكان هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أشارت في البداية إلى وقوع زلزال بقوة 7,2 درجات، لكنها أعلن لاحقا رصد زلزالين بقوة 6,9 و6,3 درجات وقعا على عمق ضحل في المياه المحيطة بالأرخبيل.

وحذّر مركز الرصد الذي يتخذ في هاواي مقرا عقب وقوع الزلزال «استنادا إلى المؤشرات الأولية للزلزال... ثمة احتمال لحدوث موجات تسونامي خطيرة على السواحل الواقعة ضمن نطاق 300 كيلومتر من مركز الزلزال».

ووقع مركز الزلزال على مسافة نحو 200 كيلومتر شمال غرب بورت أولري في فانواتو، وفقا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

والزلازل كثيرة الحدوث في فانواتو، وهي أرخبيل منخفض يقع ضمن نطاق «حلقة النار» التكتونية في المحيط الهادئ، وهي سلسلة من المناطق النشطة زلزاليا تمتد من اليابان مرورا بجنوب شرق آسيا وعبر حوض المحيط الهادئ.