10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
TT

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

بعد مرور عشرة أعوام على استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، الذي مهّد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يزال «بريكست» واحداً من أكثر الملفات إثارة للانقسام في الحياة السياسية البريطانية، وسط استمرار الجدل حول ما إذا كان قد حقق الوعود التي رفعها مؤيدوه أم فرض على البلاد تكلفة اقتصادية وسياسية تجاوزت المكاسب التي وعد بها.

ففي ذلك اليوم، صوّت 51.9 في المائة من البريطانيين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، مقابل 48.1 في المائة للبقاء، في نتيجة عكست انقساماً جغرافياً وسياسياً واجتماعياً امتد أثره إلى اليوم. ورغم أن المملكة المتحدة لم تغادر الاتحاد الأوروبي رسمياً إلا في 31 يناير (كانون الثاني) 2020، فإن السنوات اللاحقة أظهرت أن آثار القرار لا تُقاس بمجرد الانفصال القانوني، بل بمدى قدرة البلاد على تحقيق الأهداف التي قامت عليها حملة الخروج.

ورفع مؤيدو «بريكست» خلال حملة الاستفتاء ثلاثة وعود رئيسية: استعادة السيادة التشريعية والخروج من سلطة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، واستعادة السيطرة على الحدود وخفض مستويات الهجرة، وإطلاق اقتصاد أكثر تنافسية عبر تحرير بريطانيا من القيود التنظيمية الأوروبية وإبرام اتفاقات تجارية جديدة حول العالم. وبعد عقد كامل، تشير غالبية الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث بريطانية مستقلة إلى أن الصورة جاءت أكثر تعقيداً؛ إذ تحققت بعض المكاسب السياسية والمؤسساتية، بينما بقيت الحصيلة الاقتصادية والتجارية موضع جدل واسع.

أسطول من سفن الصيد نظمه السياسي البريطاني المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي نايجل فاراج يبحر في نهر التايمز تحت شعار «أسطول الصيد من أجل الخروج» بجوار مبنى البرلمان في لندن 15 يونيو 2016 (إ.ب.أ)

ويذهب مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» UK in a Changing Europe البريطاني الذي يُعد من أبرز المراجع الأكاديمية البريطانية المتخصصة في دراسة تداعيات «بريكست» والعلاقات البريطانية – الأوروبية، إلى أن تقييم التجربة لا يمكن اختزاله في وصفها بالنجاح أو الفشل؛ لأن آثارها امتدت إلى الاقتصاد والدستور والعلاقة بين مكوّنات المملكة المتحدة ومكانة بريطانيا الدولية. ويخلص المركز إلى أن المملكة المتحدة استعادت بالفعل حرية أوسع في رسم سياساتها، لكنها أصبحت في المقابل تواجه تحدي إدارة علاقة جديدة مع أكبر شريك اقتصادي وجغرافي لها أي الاتحاد الأوروبي.

كما يرى «معهد الحكومة» Institute for Government وهو مركز دراسات بريطاني متخصص في تقييم السياسات العامة، أن «بريكست» منح الحكومات البريطانية صلاحيات تشريعية وتنظيمية أوسع، لكنه لم يلغ حقيقة أن الاقتصاد البريطاني سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالسوق الأوروبية، ما يفرض على لندن الموازنة باستمرار بين الاستقلال السياسي ومتطلبات التجارة.

وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى تزايد التشكيك البريطاني في حصيلة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء، في وقت تميل فيه غالبية الدراسات الاقتصادية إلى اعتبار أن تكلفة الانفصال كانت أكبر من المكاسب التي تحققت حتى الآن.

مؤيدون للعودة إلى الاتحاد الأوروبي خلال إحياء ذكرى مرور عشر سنوات على تصويت بريطانيا لصالح مغادرة الاتحاد... لندن 20 يونيو 2026 (رويترز)

اقتصاد أقل ديناميكية

يشكّل الاقتصاد المعيار الأكثر استخداماً في تقييم حصيلة «بريكست» بعد عشرة أعوام، إلا أن معظم الخبراء يحذّرون من صعوبة عزل تأثيره عن الأزمات العالمية التي شهدها العقد الأخير، وفي مقدمتها جائحة كورونا والحرب الروسية - الأوكرانية وأزمة الطاقة والتضخم.

ومع ذلك، ترى غالبية مراكز الأبحاث الاقتصادية البريطانية أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ترك أثراً سلبياً دائماً على النمو والاستثمار والإنتاجية. فحسب «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» NIESR البريطاني، أصبح اقتصاد المملكة المتحدة أصغر حجماً مما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي، نتيجة انخفاض حجم التجارة والاستثمار وتراجع إنتاجية الشركات.

ويذهب «معهد الحكومة» إلى نتيجة مشابهة؛ إذ يشير إلى أن الاقتصاد البريطاني لم يشهد القفزة التي توقّعها أنصار «بريكست» بعد التحرر من تشريعات الاتحاد الأوروبي، بل بقي النمو الاقتصادي ضعيفاً مقارنة بما كان مأمولاً، فيما لم تظهر حتى الآن مكاسب اقتصادية واسعة ناجمة عن الاستقلال التنظيمي.

وفي المقابل، لا ينكر عدد من الاقتصاديين المؤيدين لـ«بريكست» هذه الصعوبات، لكنهم يعتبرون أنها تمثل تكلفة انتقالية أكثر منها نتيجة دائمة. ويرى باحثون في مركز «بوليسي إكستشينج» Policy Exchange البريطاني، أن الحكم على التجربة لا يزال سابقاً لأوانه؛ لأن المكاسب المرتبطة بحرية التشريع وإصلاح الاقتصاد تحتاج إلى سنوات أطول حتى تظهر بشكل كامل، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار المالي.

رئيس الوزراء البريطاني حينها بوريس جونسون وهو أحد أبرز مؤيدي «بريكست» يلقي كلمة أمام مؤيديه قبل صعوده إلى حافلة حملته الانتخابية للانتخابات العامة في مانشستر - إنجلترا 15 نوفمبر 2019 (أ.ب)

التجارة... السوق الأقرب بقيت الأهم

كان أحد أبرز الوعود التي رفعها مؤيدو الخروج أن تتمكن بريطانيا من تعويض السوق الأوروبية عبر اتفاقات تجارة حرة مع الاقتصادات الكبرى حول العالم. وقد وقّعت لندن بالفعل اتفاقيات مع دول عدة، بينها أستراليا ونيوزيلندا واليابان، وانضمت إلى «الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ» (CPTPP)، وهي اتفاقية تجارة حرة ضخمة ومتعددة الأطراف تضم 12 دولة مطلة على المحيطين الهندي والهادئ، كما أبرمت المملكة المتحدة اتفاقاً تجارياً طال انتظاره مع الهند.

غير أن مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» يرى أن هذه الاتفاقيات، على أهميتها السياسية، لا تستطيع تعويض حجم العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، الذي بقي أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة بفارق كبير. فالقرب الجغرافي وتشابك سلاسل التوريد يجعلان السوق الأوروبية ذات أهمية يصعب الاستبدال بها أسواقاً أبعد جغرافياً.

وتوصل «معهد الحكومة» إلى خلاصة مشابهة، مفادها أن الشركات البريطانية أصبحت تواجه بعد «بريكست» إجراءات جمركية وتنظيمية أكثر تعقيداً عند التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك التصاريح الصحية وإجراءات المطابقة والوثائق الجمركية، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة التجارة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك الموارد الإدارية الكافية للتعامل مع هذه المتطلبات.

كما أشارت شبكة «سي إن إن» الأميركية، في مراجعة بمناسبة مرور عشرة أعوام على الاستفتاء، إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية البريطاني تمكن تدريجياً من التكيف مع القواعد الجديدة، إلا أن ذلك جاء بعد سنوات من الاضطرابات وارتفاع التكاليف، في حين لا تزال شركات بريطانية عديدة تعدّ التجارة مع أوروبا أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل الخروج من الاتحاد.

ورغم ذلك، يرى مؤيدو «بريكست» أن تقييم الاتفاقات التجارية لا ينبغي أن يقتصر على أرقام السنوات الأولى؛ إذ يؤكد «معهد الشؤون الاقتصادية» Institute of Economic Affairs البريطاني، أن امتلاك المملكة المتحدة حرية إبرام اتفاقياتها التجارية الخاصة يمثّل مكسباً استراتيجياً طويل الأمد، حتى لو لم تنعكس آثاره الاقتصادية بصورة كاملة حتى الآن.

الحي المالي في مدينة لندن - بريطانيا 16 يناير 2026 (رويترز)

الاستثمار والقطاع المالي... لندن ما زالت قوية ولكن

كانت مكانة مدينة لندن المالية من أبرز القضايا التي أثيرت قبل تنفيذ «بريكست»؛ إذ حذّر كثيرون من احتمال فقدان العاصمة البريطانية موقعها بوصفها المركز المالي الأول في أوروبا.

وبعد عشرة أعوام، تشير المعطيات إلى أن هذه المخاوف لم تتحقق بالكامل، لكنها لم تكن بلا أساس أيضاً. فحسب «معهد الحكومة»، لا تزال لندن واحدة من أكبر المراكز المالية العالمية، محتفظة بموقعها في أسواق العملات والتأمين والخدمات المصرفية الدولية، إلا أن جزءاً من النشاط المالي انتقل إلى مراكز أوروبية مثل باريس وأمستردام ودبلن ولوكسمبورغ.

كما يشير «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» إلى أن حالة عدم اليقين التي رافقت مفاوضات الخروج، ثم تطبيق النظام التجاري الجديد، أثّرت في قرارات الاستثمار في المملكة المتحدة لدى عدد من الشركات الدولية، وهو ما انعكس على وتيرة الاستثمار التجاري مقارنة باقتصادات متقدمة أخرى.

وبالنسبة لـ«معهد الحكومة»، فإن القطاع المالي البريطاني أظهر قدرة كبيرة على التكيّف، إلا أن فقدان بعض الامتيازات المرتبطة بالنفاذ المباشر إلى السوق الأوروبية أدى إلى إعادة توزيع جزء من الأنشطة المالية داخل الاتحاد الأوروبي، من دون أن يفقد حي المال في لندن مكانته العالمية.

متظاهرون مؤيدون للاتحاد الأوروبي يعبرون جسر واترلو خلال احتجاج في لندن 20 يونيو 2026 بمناسبة الذكرى العاشرة لتصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)

التضخم والجنيه... بين «بريكست» والأزمات العالمية

من أكثر القضايا التي أثارت جدلاً خلال السنوات الأخيرة مسألة تأثير «بريكست» في مستويات التضخم وتكلفة المعيشة. ويؤكد معظم الاقتصاديين أن تحميل «بريكست» وحده مسؤولية ارتفاع الأسعار سيكون تبسيطاً مفرطاً، لأن العالم شهد خلال الفترة نفسها سلسلة من الصدمات الكبرى، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة.

لكن «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» يشير إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ساهم في زيادة الضغوط التضخمية من خلال ارتفاع تكاليف الاستيراد والتجارة، إلى جانب تراجع قيمة الجنيه الإسترليني مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه في سيناريو البقاء داخل الاتحاد.

ويتفق «معهد الحكومة» مع هذا التقييم، ويرى أن ارتفاع تكاليف التجارة مع أوروبا انعكس على أسعار عدد من السلع، وإن كان من الصعب تحديد النسبة الدقيقة التي يمكن إرجاعها إلى «بريكست» وحده.

وبالنسبة إلى المواطن البريطاني، أصبحت تكلفة المعيشة أحد المعايير الرئيسية لتقييم تجربة «بريكست». ولذلك، لم يعد النقاش العام يقتصر على شعارات السيادة أو الاستقلال، بل بات يرتبط بصورة متزايدة بقدرة الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار، ومستوى الأجور، وفرص العمل، وهي ملفات طغت على الخطاب السياسي خلال السنوات الأخيرة.

ناشط مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضع زراً مؤيداً للخروج أثناء مشاركته في مظاهرة خارج مبنى البرلمان في وستمنستر - لندن 28 مارس 2019 (أ.ف.ب)

الهجرة... الوعد الذي لم يتحقق

شكّل ملف الهجرة أحد أهم العوامل التي دفعت ملايين البريطانيين إلى التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016. فقد تعهّد قادة حملة «بريكست» بأن مغادرة الاتحاد ستمنح لندن سيطرة كاملة على حدودها، وستؤدي إلى خفض أعداد المهاجرين بصورة ملموسة بعد إنهاء مبدأ حرية تنقل المواطنين الأوروبيين.

وبعد عشرة أعوام، تظهر الصورة أكثر تعقيداً. فحسب مراجعة نشرتها «سي إن إن»، ارتفع صافي الهجرة بعد «بريكست» إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأولى من تطبيق النظام الجديد، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجياً مع تشديد سياسات التأشيرات والهجرة. ويعزو خبراء هذا الارتفاع إلى اعتماد الحكومة البريطانية بصورة أكبر على استقدام عمال من خارج الاتحاد الأوروبي لسد النقص في قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم والخدمات.

ويرى مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» أن «بريكست» غيّر طبيعة الهجرة أكثر مما خفّضها. فبينما انخفضت الهجرة القادمة من دول الاتحاد الأوروبي، ارتفع عدد الوافدين من آسيا وأفريقيا ودول الكومنولث (رابطة تضم بريطانيا ومعظم دول الإمبراطورية البريطانية السابقة) ما يعني أن المملكة المتحدة انتقلت من نظام يقوم على حرية الحركة الأوروبية إلى نظام هجرة عالمي يعتمد على المهارات واحتياجات سوق العمل.

ويخلص «معهد الحكومة» إلى أن الحكومة البريطانية استعادت بالفعل السيطرة القانونية على سياسة الهجرة، وهو أحد أبرز وعود حملة الخروج، إلا أن هذا لم يؤدِّ تلقائياً إلى خفض أعداد الوافدين؛ لأن الاقتصاد البريطاني ظل بحاجة إلى اليد العاملة الأجنبية في قطاعات حيوية.

كما نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن استطلاعات رأي أن جزءاً من الناخبين الذين أيّدوا «بريكست» باتوا يعدّون أن مشكلة الهجرة غير النظامية لم تتحسن بالشكل الذي كانوا يتوقعونه، رغم التغييرات الكبيرة التي طرأت على نظام التأشيرات والحدود.

ناشطة مؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (يمين) ترفع لافتة أمام مؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي خارج البرلمان في لندن 27 فبراير 2019 (أ.ب)

الرأي العام... انقسام مستمر لكن المزاج تغيّر

تكشف استطلاعات الرأي عن تحوّل واضح في تقييم البريطانيين لتجربة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء.

فحسب استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» YouGov - وهي شركة بريطانية متخصصة في استطلاعات الرأي وأبحاث السوق - بمناسبة مرور عشرة أعوام على الاستفتاء، يرى 57 في المائة من البريطانيين أن التصويت للخروج كان قراراً خاطئاً، مقابل نحو 30 في المائة فقط يعتبرونه قراراً صائباً. كما يعتقد 61 في المائة أن «بريكست» كان فشلاً حتى الآن، في حين لا تتجاوز نسبة من يرونه نجاحاً 12 في المائة. وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أيضاً أن البريطانيين لا يبدون متحمسين لإعادة خوض معركة العضوية الأوروبية؛ إذ يؤيد 55 في المائة العودة إلى الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، لكن هذه النسبة تنخفض بصورة ملحوظة إذا كانت العودة ستعني التخلي عن الاستثناءات التي كانت تتمتع بها بريطانيا سابقاً، مثل البقاء خارج منطقة اليورو أو منطقة شنغن.

ويرى باحثون في مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» أن هذا التحوّل يعكس تغيّر أولويات الناخب البريطاني، الذي بات يركّز بصورة أكبر على النمو الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة وتكلفة المعيشة، بدلاً من النقاشات المرتبطة بالهوية والسيادة التي هيمنت على حملة عام 2016.

لافتتا «البقاء» و«الخروج» من الاتحاد الأوروبي في إحدى حانات وسط لندن قبيل استفتاء «بريكست» 22 يونيو 2016 (إ.ب.أ)

جيل جديد يعيد النظر في «بريكست»

ومن أبرز المتغيرات التي برزت خلال العقد الأخير الفجوة الواضحة بين الأجيال. فقد نشرت صحيفة «الغارديان» نتائج استطلاع أجراه مركز دراسات «مور إن كومون» More in Common البريطاني، أظهرت أن نحو 60 في المائة من البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً سيصوّتون للعودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا أتيحت لهم الفرصة، مقابل نسبة محدودة من هذه الفئة تفضّل البقاء خارج التكتل.

ويشير الاستطلاع إلى أن هذا الجيل، الذي كان كثير من أفراده أصغر من أن يشارك في استفتاء 2016، ينظر إلى «بريكست» من زاوية مختلفة، ترتبط بفرص الدراسة والعمل والتنقل داخل أوروبا أكثر من ارتباطها بقضايا السيادة الوطنية.

ومع ذلك، لا يبدو أن الشباب البريطاني يرغب في إعادة فتح معركة الاستفتاء من جديد؛ إذ يرى كثيرون منهم أن الأولوية ينبغي أن تكون لتحسين العلاقة مع أوروبا ومعالجة الأزمات الاقتصادية الداخلية، بدلاً من العودة إلى سنوات الانقسام السياسي التي أعقبت الاستفتاء.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن 22 يونيو 2026... تبنّت حكومة ستارمر سياسة تقارب مع الاتحاد الأوروبي دون العودة إلى عضوية الاتحاد (أ.ب)

أوروبا... علاقة جديدة بدلاً من العودة إلى الاتحاد

لم يقتصر تغيّر المواقف من «بريكست» على الداخل البريطاني، بل امتد إلى القارة الأوروبية أيضاً.

فقد نقلت «الغارديان» عن استطلاع أجراه «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» (ECFR) أن غالبية مواطني الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع تؤيد عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي إذا رغبت لندن في ذلك مستقبلاً، في حين أبدى عدد كبير من البريطانيين تأييدهم لإقامة علاقة أكثر تقارباً مع بروكسل.

لكن، وفقاً لتحليل نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن هذا التقارب يصطدم باعتبارات سياسية واضحة. فمنذ وصول حكومة كير ستارمر إلى السلطة في المملكة المتحدة، تبنّت لندن سياسة تقوم على «إعادة ضبط» العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه أكدت أنها لا تنوي العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو حرية تنقّل الأشخاص.

ويشير مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» إلى أن هذه السياسة تعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن العلاقة المستقبلية ستقوم على التعاون العملي في ملفات التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي، من دون المساس بالقرار البريطاني القاضي بالبقاء خارج الاتحاد.

وبرز هذا التوجه بصورة خاصة بعد الحرب الروسية - الأوكرانية؛ إذ شهد التعاون الأمني والدفاعي بين لندن والعواصم الأوروبية زخماً متزايداً، رغم استمرار الانفصال المؤسسي بين الجانبين.

صورة عامة لمبنى البرلمان الاسكوتلندي في إدنبرة - اسكوتلندا 3 مايو 2024 (رويترز)

اسكوتلندا... تداعيات تتجاوز الاقتصاد

لم تكن تداعيات «بريكست» متشابهة في جميع أنحاء المملكة المتحدة. ففي اسكوتلندا، التي تتمتع ببرلمان وحكومة محليين، وصوّتت بنسبة 62 في المائة لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، لا يزال كثير من الاسكوتلنديين ينظرون إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي باعتباره قراراً فُرض عليهم رغم إرادة أغلبية الناخبين.

وتشير صحيفة «لوموند» إلى أن المخاوف التي عبّر عنها كثير من المسؤولين والاقتصاديين الاسكوتلنديين قبل الاستفتاء تحققت جزئياً، خصوصاً فيما يتعلّق بالصادرات ونقص اليد العاملة والعلاقة مع السوق الأوروبية.

كما أعاد «بريكست» إحياء النقاش حول مستقبل الاتحاد البريطاني نفسه؛ إذ يرى بعض أنصار الاستقلال الاسكوتلندي أن الخروج من الاتحاد الأوروبي عزّز مبررات تنظيم استفتاء جديد على استقلال اسكوتلندا، بينما تؤكد الحكومة البريطانية أن نتيجة استفتاء الاستقلال عام 2014، الذي صوّت فيه أغلبية الاسكوتلنديين لمصلحة البقاء ضمن المملكة المتحدة، لا تزال سارية، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتعزيز الوحدة الداخلية لبريطانيا.

ولفت باحثون في «معهد الحكومة» إلى أن «بريكست» كشف تعقيدات النظام الدستوري البريطاني، وأعاد طرح أسئلة تتعلّق بتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية.

متظاهرون يرفعون لافتات مؤيدة لأوروبا في احتجاج مناهض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في ميدان ترافالغار بوسط لندن 28 يونيو 2016 (أ.ف.ب)

السيادة... الإنجاز الذي يتمسك به مؤيدو «بريكست»

ورغم الانتقادات الاقتصادية، لا يزال مؤيدو «بريكست» يعتبرون أن التجربة حققت أهم أهدافها، والمتمثل في استعادة السيادة الوطنية.

فحسب «معهد الحكومة»، استعادت المملكة المتحدة صلاحيات واسعة في مجالات التشريع والسياسة التجارية والهجرة والزراعة والصيد، بعدما انتقلت هذه الاختصاصات مجدداً إلى البرلمان والحكومة البريطانيين.

ويشير مركز «بوليسي إكستشينج» إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منحها هامشاً أوسع لتعديل قوانينها وسياساتها الاقتصادية والتنظيمية بعيداً عن الأطر التي كانت ملزمة بها داخل الاتحاد. ويرى المركز أن الحكم النهائي على نجاح «بريكست» لا ينبغي أن يستند فقط إلى نتائج السنوات الأولى بعد الخروج، بل إلى قدرة الحكومات البريطانية المقبلة على تحويل هذه الصلاحيات الجديدة إلى مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة.

لكن باحثين بريطانيين يرَون أن استعادة السيادة القانونية لا تعني بالضرورة التحرر من القيود الاقتصادية والجغرافية؛ لأن حجم التجارة مع الاتحاد الأوروبي وتشابك المصالح بين الطرفين يفرضان استمرار قدر كبير من التنسيق والتوافق.

كلمة «بريكست» Brexit أمام العلم البريطاني... بعد عشرة أعوام على الاستفتاء لا تزال حصيلة الخروج من الاتحاد الأوروبي موضع جدل في المملكة المتحدة (أ.ف.ب)

بين الاستقلال والاعتماد المتبادل

بعد عشرة أعوام على استفتاء عام 2016، انتقل الجدل في بريطانيا من الانقسام حول قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى تقييم حصيلته والبحث عن أفضل السبل لإدارة العلاقة المستقبلية مع أوروبا.

فقد استعادت المملكة المتحدة صلاحيات تشريعية وسياسية واسعة شكّلت الهدف الرئيسي لأنصار «بريكست». إلا أن غالبية الدراسات الاقتصادية واستطلاعات الرأي التي نُشرت بمناسبة الذكرى العاشرة للاستفتاء تشير إلى أن هذه المكاسب لم تُترجم حتى الآن إلى فوائد اقتصادية ملموسة، وأن تكلفة الانفصال في مجالات التجارة والاستثمار والنمو جاءت أعلى مما توقعه كثير من مؤيدي الخروج.

وربما تكمن أبرز مفارقات العقد الأول بعد «بريكست» في أن لندن وبروكسل، بعدما أمضتا سنوات في التفاوض على شروط الانفصال، عادتا اليوم إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون في التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي. لذلك، يبدو أن النقاش البريطاني لم يعد يتمحور حول إعادة فتح معركة الخروج أو العودة إلى الاتحاد الأوروبي، بل حول كيفية بناء علاقة أكثر براغماتية مع أقرب الشركاء وأكثرهم تأثيراً، بما يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية والاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي لا تزال تفرضه الجغرافيا وتشابك المصالح.


مقالات ذات صلة

بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تحليل إخباري الشمس حارقة قرب «بيغ بن» ومبنى البرلمان في لندن... حتى الطقس تغيّر (رويترز)

بريطانيا «الجديدة»... زمن التحوّلات

تبدو بريطانيا اليوم كأنها تقف عند تقاطع عدة تحولات في وقت واحد...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري بيرنهام يلقي خطاباً خارج «داونينغ ستريت» بعد توليه منصبه في 20 يوليو (رويترز) p-circle 00:45

تحليل إخباري بيرنهام أمام معضلة إنعاش الاقتصاد البريطاني وسط ضغوط الدين

دخل رئيس الوزراء البريطاني الجديد منصبه وهو يواجه تحدياً اقتصادياً طالما أربك الحكومات المتعاقبة، يتمثل في كيفية إعادة تنشيط اقتصاد يعاني تباطؤاً مزمناً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

الإسترليني يحافظ على استقراره بعد تعيين هيلي... والسندات تستعيد بعض خسائرها

حافظ الجنيه الإسترليني على استقراره بينما استعادت السندات الحكومية جزءاً من خسائرها، بعدما استوعبت الأسواق تعيين جون هيلي وزيراً جديداً للخزانة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
بروفايل وزير الخزانة البريطاني المعين حديثاً جون هيلي مغادراً «داونينغ ستريت» بعد اجتماع مجلس الوزراء في لندن يوم الاثنين (أ.ب)

بروفايل جون هيلي... وزير الخزانة الذي سيحدد المسار الاقتصادي لبريطانيا

لم يكن تعيين جون هيلي وزيراً للخزانة بحكومة رئيس الوزراء البريطاني الجديد أندي بيرنهام مجرد تغيير بالأسماء، بل تحول سريعاً إلى محور اهتمام المستثمرين والأسواق.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أندي بيرنهام وزوجته ماري فرانس عند مدخل «10 داونينغ ستريت» في لندن الاثنين (رويترز)

أندي بيرنهام يعلن تشكيلته الحكومية ويتعهد إعادة استقرار بريطانيا

كشف رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنهام الذي تعهّد إحداث «تغيير جذري» في المملكة المتحدة، حكومته الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البرلمان المجري ينتخب قاضياً عزله أوربان رئيساً للبلاد

الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)
الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)
TT

البرلمان المجري ينتخب قاضياً عزله أوربان رئيساً للبلاد

الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)
الرئيس السابق للمحكمة العليا أندراس باكا يلقي خطاباً بعد انتخابه رئيساً للجمهورية خلال الجلسة العامة الاستثنائية للبرلمان المجري في بودابست (أ.ب)

انتخب البرلمان المجري، اليوم (الثلاثاء)، رئيس المحكمة العليا السابق أندراس باكا رئيساً للدولة، في وقت يأمل فيه خبراء أن تبعث نزاهته الطمأنينة إلى الإصلاحات الرامية إلى إعادة إرساء دولة القانون، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وصوّت البرلمان، الذي يتمتع فيه حزب «تيسا» الحاكم بأغلبية الثلثين، لصالح باكا بـ140 صوتاً، مقابل 6 أصوات معارضة، فيما لم يمتنع أي نائب عن التصويت.

وقال باكا، في أول خطاب له: «خسرت هذه الأمة ما يعادل جيلاً كاملاً، إذ تراجعت من كونها نموذجاً يحتذى به في التحول الديمقراطي إلى مصاف الدول المتخلفة في أوروبا». وأضاف أمام أعضاء البرلمان: «لكنّ هناك أمراً واحداً مؤكداً؛ لا يمكننا بناء المجر الجديدة على الانتقام».

وكان رئيس الوزراء المجري الداعم لأوروبا بيتر ماديار قد أشاد في وقت سابق عبر «فيسبوك» بالقاضي المجري السابق، البالغ حالياً 73 عاماً، معتبراً أنه «جدير بأن يجسّد وحدة الأمة»، وأن «حياته مثال يُحتذى به في الالتزام بسيادة القانون».

ورشّح حزب ماديار القاضي السابق لمنصب رئيس الجمهورية، الذي يبقى شرفياً إلى حدّ كبير. ويحظى الحزب الحاكم بغالبية ثلثي المقاعد البرلمانية المطلوبة لانتخاب باكا من الدورة الأولى.

وباختياره، تكون الحكومة الجديدة المنبثقة من انتخابات أبريل (نيسان) قد أنصفت رجلاً عارض الزعيم القومي فيكتور أوربان، الذي حكم البلاد من 2010 إلى 2026.

رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان يستخدم هاتفه (أ.ف.ب)

أُقيل أندرياس باكا بشكل مفاجئ من رئاسة المحكمة العليا عام 2012 إثر انتقاده خفض سن التقاعد للقضاة من 70 إلى 62 عاماً، واعتباره الخطوة عملية «تطهير مقنّعة» للسلطة القضائية.

وبعد 4 سنوات، أقرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بأن إقالته كانت ذات دوافع سياسية.

وقال المحلل بولكسو زيغا، من «مركز التحليل السياسي العادل»، إن باكا «بذل كل ما في وسعه لإثبات أن ما حدث معه يخالف القانون الأوروبي».

ويرى أن عودته إلى الواجهة تحمل رسالة واضحة إلى الشركاء الأوروبيين للمجر، وتبعث في الوقت عينه على «الاطمئنان إلى أن مسار استعادة الديمقراطية الليبرالية سيكون واضحاً ومحدداً».

انتُخب باكا نائباً عن حزب الجبهة الديمقراطية المحافظ في عام 1990. وكان قاضياً في المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان من 1991 إلى 2008.

«دولة أسيرة»

كان ماديار قد عرض رئاسة الجمهورية على بطلة الشطرنج جوديت بولغار، لكنها رفضت. ثم أعلن حزبه «تيسا» اختيار باكا من بين 3 مرشحين في اقتراع سري.

من جهته، أعلن حزب «فيدس» الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق أوربان مقاطعة عملية التصويت، معتبراً إياها «غير قانونية» بعدما أنهت الأغلبية الجديدة خلال الشهر الفائت ولاية الرئيس السابق تاماش سوليوك قبل انتهاء مدتها.

وانتقدت منظمات غير حكومية تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان إقالة باكا من رئاسة المحكمة العليا، معتبرة أنها تستند إلى أساليب تذكّر بتلك التي استخدمها أوربان لإعادة تشكيل المؤسسات المجرية.

قال باكا لوكالة الصحافة الفرنسية، الشهر الفائت، إن هذه الخطوة ما كان ينبغي أن تحدث «في بلد يحكمه القانون»، وإن المجر أصبحت «دولة أسيرة في عهد أوربان».

بحسب ماديار، من المتوقع أن يتولى الرئيس الجديد المنصب لفترة من ولايته فقط، ريثما يتم الانتهاء من عملية إعادة صياغة الدستور، التي يُتوقع أن تستغرق ما بين عام وعام ونصف عام.

ووعد رئيس الوزراء بإطلاق مشاورات بشأن هذا الموضوع في الشهر المقبل.

ومن المتوقع أن يؤدي باكا اليمين الدستورية في 19 أغسطس (آب).

ويعدّ منصب الرئيس في المجر شرفياً إلى حد كبير، غير أن الرئيس يملك صلاحية إعادة مشاريع القوانين إلى المشرعين أو إلى المحكمة الدستورية للمراجعة.


زيلينسكي يتهم روسيا باستخدام صواريخ باليستية كورية شمالية في قصف أوكرانيا

حريق يلتهم مبنى استهدفته ضربة روسية في قرية بوخيفكا قرب كييف ليل الجمعة - السبت (إ.ب.أ)
حريق يلتهم مبنى استهدفته ضربة روسية في قرية بوخيفكا قرب كييف ليل الجمعة - السبت (إ.ب.أ)
TT

زيلينسكي يتهم روسيا باستخدام صواريخ باليستية كورية شمالية في قصف أوكرانيا

حريق يلتهم مبنى استهدفته ضربة روسية في قرية بوخيفكا قرب كييف ليل الجمعة - السبت (إ.ب.أ)
حريق يلتهم مبنى استهدفته ضربة روسية في قرية بوخيفكا قرب كييف ليل الجمعة - السبت (إ.ب.أ)

أعلن مسؤولون أوكرانيون، الثلاثاء، أن روسيا شنت هجمات مكثفة على مدن أوكرانية باستخدام صواريخ وطائرات مسيَّرة وقنابل انزلاقية؛ ما أسفر عن مقتل تسعة مدنيين وإصابة 20 على الأقل في جنوب شرق البلاد، حسبما أعلن رئيس الإدارة العسكرية الإقليمية إيفان فيدوروف عبر تلغرام. كما تسببت الهجمات في اندلاع حرائق في العاصمة كييف، في حين حذر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن موسكو تتلقى دعماً عسكرياً جديداً من كوريا الشمالية في حربها المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات.

عملية إنقاذ تجري بعد ضربة صاروخية روسية على مدينة لفيف في غرب أوكرانيا 30 يوليو (أ.ف.ب)

قال الرئيس الأوكراني إن الجيش الروسي استخدم «صواريخ باليستية كورية شمالية» لضرب مدينة زابوريجيا في جنوب أوكرانيا. وكتب زيلينسكي على منصة «إكس» إن «المدينة تعرضت لضربات بصواريخ باليستية كورية شمالية، وصواريخ زيركون (الروسية)، وقنابل جوية موجهة»، عادَّاً أنه «هجوم وحشي يهدف إلى إلحاق أكبر قدر من الأضرار».

وأوضح فيدوروف أنّ الجيش الروسي شنّ هجوماً «كبيراً» بالصواريخ والقنابل الموجهة؛ ما أدى إلى تضرر مبانٍ سكنية ومنشآت غير مخصصة للسكن. وكان فيدوروف نشر صورة لسيارة مُدمّرة بالكامل بفعل النيران، وأفاد بوقوع هجمات على منشآت صناعية.

وأفاد صحافيون في «وكالة الصحافة الفرنسية» بسماع دوي انفجارات في كييف بعد منتصف ليل الثلاثاء إثر تحذير السلطات من صواريخ متّجهة نحو العاصمة الأوكرانية.

وأفادت هيئة الطوارئ الوطنية باندلاع حريق في مستودع.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية مسؤوليتها عن هجمات استهدفت شركات في القطاع العسكري الصناعي ومراكز نقل ولوجستيات في مدينتي كييف وزابوروجيا، باستخدام صواريخ «ماكس». وذكرت الوزارة أنها اعترضت أو دمرت 396 طائرة مسيَّرة أوكرانية فوق 15 منطقة خلال الليل.

تأتي هذه الهجمات في أعقاب تصريح لزيلينسكي، الأحد، بأن روسيا تتهيّأ لنشر مزيد من القوات الكورية الشمالية على أراضيها، مشيراً كذلك إلى إمداد بيونغ يانغ موسكو بمزيد من الصواريخ الباليستية.

وقال زيلينسكي، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إن «زيادة إنتاج الصواريخ الباليستية، وإدخال المعدات الكورية الشمالية، والاستعداد لتعبئة عسكرية جديدة، كلها مؤشرات على أن موسكو تستعد للتصعيد وليس للسلام». ولفت زيلينسكي إلى أن الأسلحة الكورية الشمالية جرى تطويرها بشكل أكبر بالتعاون مع روسيا؛ ما يشكل تهديداً لدول في آسيا. وقال زيلينسكي في مطلع الأسبوع إن روسيا قد تتلقى عدداً أكبر بكثير من القوات الكورية الشمالية لدعم حربها في أوكرانيا مما كان يعتقد سابقا، مقدراً العدد بما يصل إلى 50 ألف جندي.

تُعدّ كوريا الشمالية حليفاً لروسيا، وقد تعززت العلاقات بين البلدين منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. وأبرمت موسكو وبيونغ يانغ اتفاقية دفاعية عام 2024، وشارك آلاف الجنود الكوريين الشماليين في المعارك ضد القوات الأوكرانية في منطقة كورسك الروسية خلال عامي 2024 و2025.

يعمل رجال الإنقاذ بموقع هجوم صاروخي روسي على مخزن بضائع في كييف (إ.ب.أ)

وبالمقابل، وفي نهاية الأسبوع الماضي، دعا زيلينسكي كوريا الجنوبية إلى دعم أوكرانيا والتعاون معها، لا سيما فيما يتعلق بأنظمة الدفاع الجوي.

تسببت هجمات جوية واسعة شنتها طائرات مسيّرة أوكرانية على الأراضي الروسية، في اندلاع حريق في مصفاة نفط واحدة على الأقل ومستودعات تابعة لشركة «وايلدبيريز»، أكبر شركة تجارة إلكترونية في روسيا. وقال حاكم منطقة فورونيج، ألكسندر جوسيف، الثلاثاء، إن حريقاً اندلع في مستودعات تمتد على مساحة عشرات الآلاف من الأمتار المربعة. وأضاف جوسيف أن الهجوم أسفر عن مقتل رجل يبلغ من العمر 49 عاماً، وإصابة شخصين آخرين بجروح.

وأعلنت شركة «وايلدبيريز»، الثلاثاء، عن إخلاء منشآتها في مركز الخدمات اللوجستية. وقال جوسيف إن الهجوم وقع خلال الليل، حيث أسقطت الدفاعات الجوية الروسية 15 طائرة مسيّرة.

وفي مدينة أورسك بمنطقة أورينبورغ، على الحدود مع كازاخستان، أفادت تقارير متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي باندلاع حريق في مصفاة نفط عقب هجوم بطائرات مسيّرة. لكن حاكم منطقة أورينبورغ، يفجيني سولنتسيف، أعلن فقط في بيان عبر تطبيق «تلغرام» اندلاع حريق بمنشأة صناعية في المنطقة جراء حطام طائرات مسيّرة.

رجال الإنقاذ الأوكرانيون يعملون بموقع غارة جوية روسية في زابوريجيا (أ.ف.ب)

وقال سولنتسيف إن أنظمة الدفاع الجوي وفرق الإطفاء المتنقلة أسقطت 8 طائرات مسيّرة خلال الهجوم على المنطقة، حسب ما ذكرته وكالة «بلومبرغ» للأنباء.

وأضاف سولنتسيف أن فرق الطوارئ تعمل في موقع الحريق. ولم ترد، وفق المعلومات الأولية، تقارير عن وقوع إصابات. وتضم منطقة أورينبورغ مصفاة «أورسك» التابعة لشركة «فورت إنفست»، إلا أن السلطات لم تحدد المنشأة الصناعية التي تعرضت للأضرار. وقالت وكالة «بلومبرغ» إنها لم تحقق بشكل مستقل من التقارير التي تفيد بأن الأضرار ناجمة عن سقوط حطام الطائرات المسيّرة.

واستهدفت أوكرانيا، الاثنين، مصفاة نفط كبيرة ومصنعاً للبتروكيماويات في عمق الأراضي الروسية. قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن أوكرانيا ستنفذ المزيد من الضربات ضد أهداف في عمق الأراضي الروسية، بعدما أكدت كييف شن هجوم على قطاع النفط الروسي في مدينة توبولسك السيبيرية. وقال زيلينسكي في خطابه المسائي المصور، الاثنين، إن أوكرانيا ستواصل مهاجمة أهداف في عمق روسيا ليتبين لموسكو أن السلام ضروري.

أوكرانيتان تجلسان مع كلبيهما بعد هجوم صاروخي روسي على زابوريجيا الاثنين (أ.ب)

وكثّفت روسيا في الأسابيع الأخيرة استخدام الصواريخ الباليستية التي لا تستطيع اعتراضها إلا أنظمة دفاع جوي محددة، منها صواريخ باتريوت الأميركية.

تفاقم نقص صواريخ باتريوت الاعتراضية منذ الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في أواخر فبراير (شباط).

وبعد أكثر من أربع سنوات على الهجوم الروسي الشامل على أوكرانيا، لا تزال الجهود الدبلوماسية لإنهاء النزاع الأكثر دموية في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية تراوح مكانها، في حين يكثف كلا البلدين ضرباتهما البعيدة المدى. وتستهدف هذه الضربات مرافق الطاقة والخدمات اللوجستية والموانئ والنقل بشكل شبه يومي؛ ما يؤدي إلى تزايد أعداد الضحايا المدنيين. وتنفي روسيا وأوكرانيا استهداف المدنيين عمداً.

من جانب آخر، قالت مصادر في أوكرانيا ومولدوفا، الاثنين، إن كييف تدرس شحن الحبوب من خلال السكك الحديدية عبر مولدوفا بصفتها خيار تصدير أكثر أماناً من الشحن البحري، وإنها طلبت من السلطات في كيشيناو تطبيق رسوم شحن منخفضة. وتشهد الصادرات من الموانئ الأوكرانية عبر البحر الأسود، بما في ذلك من خلال «ممر أمني» ينقلها إلى رومانيا، صعوبات بسبب هجمات متزايدة تشنها روسيا على السفن الأوكرانية والبنية التحتية للموانئ منذ شهور.

وتقول مصادر في أوكرانيا ومولدوفا إن كييف ترغب في نقل حبوبها عبر مولدوفا إلى ميناء كونستانتا الروماني بخصم بنسبة 50 في المائة على السعر الاسمي.

وقال مسؤول أوكراني كبير في هذا القطاع لـ«رويترز»: «نجمع في الوقت الراهن معلومات حول الأحجام المحتملة من جهات الشحن المهتمة. لم ننته بعد من عملية جمع المعلومات».

رجال إنقاذ في مكان أصيب بغارة جوية روسية بمدينة خاركيف الأوكرانية الاثنين (إ.ب.أ)

وقال مصدر في هيئة السكك الحديدية في مولدوفا إن أوكرانيا طلبت الخصم البالغ 50 في المائة خلال مباحثات. وأضاف أن بلاده ردت باقتراح بأن تقدم كييف ضمانات بشأن كميات حبوب الأوكرانية المقرر نقلها. وأضاف المصدر: «في الوقت الحالي، يناقش الجانبان الإطار الزمني وكميات الحبوب الأوكرانية التي ستعبر مولدوفا إلى ميناء كونستانتا».

سكان يغادرون منزلهم المتضرر جراء هجوم روسي على زابوريجيا في أوكرانيا الاثنين (أ.ب)

وقال أوليج توفيلات، الرئيس السابق لهيئة السكك الحديدية في مولدوفا، لـ«رويترز» إن ممراً للسكك الحديدية يعبر بلده يمكنه نقل 4.5 مليون طن سنوياً. وكانت مولدوفا قد وفرت بالفعل خدمات النقل بالسكك الحديدية للحبوب الأوكرانية في عامي 2022 و2023. وزادت الحاجة إلى مسار للسكك الحديدية في ظل هجمات تشنها روسيا على ميناء أوديسا.


اكتشاف نفق تحت الأرض في لاتفيا على الحدود مع بيلاروسيا

حارس حدود ليتواني يسير على الحدود مع بيلاروسيا (د.ب.أ)
حارس حدود ليتواني يسير على الحدود مع بيلاروسيا (د.ب.أ)
TT

اكتشاف نفق تحت الأرض في لاتفيا على الحدود مع بيلاروسيا

حارس حدود ليتواني يسير على الحدود مع بيلاروسيا (د.ب.أ)
حارس حدود ليتواني يسير على الحدود مع بيلاروسيا (د.ب.أ)

كشفت لاتفيا، الثلاثاء، أنها اكتشفت نفقاً تحت الأرض على الحدود مع بيلاروسيا، ​وأعلنت خططاً لمكافحة شبكات تقول إنها تساعد عدداً متزايداً من المهاجرين على عبور الحدود بشكل غير قانوني، وفقاً لوكالة «رويترز».

واستخدم جنود من لاتفيا، الشهر الماضي، الغاز المسيل للدموع، وأطلقوا طلقة تحذيرية لمنع مهاجرين كانوا يحاولون الدخول من بيلاروسيا ‌التي تشترك ‌في حدود بطول ​173 ‌كيلومتراً ⁠مع ​لاتفيا الدولة العضو ⁠في الاتحاد الأوروبي.

وقال وزير الداخلية يانيس دومبرافا في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء أندريس كولبرجس: «سيتم تعزيز حماية الحدود الشرقية للاتفيا من خلال تعاون أوثق بين حرس الحدود وشرطة ⁠البلاد والقوات المسلحة الوطنية وأجهزة ‌الأمن واستخدام أكثر ‌كثافة للطائرات المسيرة من أجل ​الكشف المبكر ‌عن المهاجرين غير الشرعيين واعتقالهم».

وعبرت دول أوروبية ‌عن قلقها إزاء الهجرة غير المنظمة في الأسابيع القليلة الماضية بعد تدفق عشرات الآلاف من الأشخاص من المغرب إلى جيب ‌سبتة الإسباني رغم أن معظم هؤلاء المهاجرين غادروا بعد ذلك.

وأفاد ⁠كولبرجس ⁠بأن الشبكات الإجرامية تسهل الهجرة من بيلاروسيا إلى لاتفيا، وتدخلهم إلى منطقة شنجن الأوروبية، لكن الوجهة النهائية للمهاجرين تكون في مكان آخر من القارة.

وذكرت الحكومة في بيان أن لاتفيا ستتعاون مع جيرانها إستونيا وليتوانيا وبولندا ودول أخرى لوقف تدفق المهاجرين. وقالت ليتوانيا في يوليو (تموز) ​إنها اكتشفت أيضاً ​نفقا كان المهاجرون يستخدمونه للدخول من بيلاروسيا.