10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
TT

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)
علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

بعد مرور عشرة أعوام على استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016، الذي مهّد لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، لا يزال «بريكست» واحداً من أكثر الملفات إثارة للانقسام في الحياة السياسية البريطانية، وسط استمرار الجدل حول ما إذا كان قد حقق الوعود التي رفعها مؤيدوه أم فرض على البلاد تكلفة اقتصادية وسياسية تجاوزت المكاسب التي وعد بها.

ففي ذلك اليوم، صوّت 51.9 في المائة من البريطانيين لمصلحة مغادرة الاتحاد الأوروبي، مقابل 48.1 في المائة للبقاء، في نتيجة عكست انقساماً جغرافياً وسياسياً واجتماعياً امتد أثره إلى اليوم. ورغم أن المملكة المتحدة لم تغادر الاتحاد الأوروبي رسمياً إلا في 31 يناير (كانون الثاني) 2020، فإن السنوات اللاحقة أظهرت أن آثار القرار لا تُقاس بمجرد الانفصال القانوني، بل بمدى قدرة البلاد على تحقيق الأهداف التي قامت عليها حملة الخروج.

ورفع مؤيدو «بريكست» خلال حملة الاستفتاء ثلاثة وعود رئيسية: استعادة السيادة التشريعية والخروج من سلطة مؤسسات الاتحاد الأوروبي، واستعادة السيطرة على الحدود وخفض مستويات الهجرة، وإطلاق اقتصاد أكثر تنافسية عبر تحرير بريطانيا من القيود التنظيمية الأوروبية وإبرام اتفاقات تجارية جديدة حول العالم. وبعد عقد كامل، تشير غالبية الدراسات الصادرة عن مراكز أبحاث بريطانية مستقلة إلى أن الصورة جاءت أكثر تعقيداً؛ إذ تحققت بعض المكاسب السياسية والمؤسساتية، بينما بقيت الحصيلة الاقتصادية والتجارية موضع جدل واسع.

أسطول من سفن الصيد نظمه السياسي البريطاني المؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي نايجل فاراج يبحر في نهر التايمز تحت شعار «أسطول الصيد من أجل الخروج» بجوار مبنى البرلمان في لندن 15 يونيو 2016 (إ.ب.أ)

ويذهب مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» UK in a Changing Europe البريطاني الذي يُعد من أبرز المراجع الأكاديمية البريطانية المتخصصة في دراسة تداعيات «بريكست» والعلاقات البريطانية – الأوروبية، إلى أن تقييم التجربة لا يمكن اختزاله في وصفها بالنجاح أو الفشل؛ لأن آثارها امتدت إلى الاقتصاد والدستور والعلاقة بين مكوّنات المملكة المتحدة ومكانة بريطانيا الدولية. ويخلص المركز إلى أن المملكة المتحدة استعادت بالفعل حرية أوسع في رسم سياساتها، لكنها أصبحت في المقابل تواجه تحدي إدارة علاقة جديدة مع أكبر شريك اقتصادي وجغرافي لها أي الاتحاد الأوروبي.

كما يرى «معهد الحكومة» Institute for Government وهو مركز دراسات بريطاني متخصص في تقييم السياسات العامة، أن «بريكست» منح الحكومات البريطانية صلاحيات تشريعية وتنظيمية أوسع، لكنه لم يلغ حقيقة أن الاقتصاد البريطاني سيظل مرتبطاً بدرجة كبيرة بالسوق الأوروبية، ما يفرض على لندن الموازنة باستمرار بين الاستقلال السياسي ومتطلبات التجارة.

وتشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى تزايد التشكيك البريطاني في حصيلة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء، في وقت تميل فيه غالبية الدراسات الاقتصادية إلى اعتبار أن تكلفة الانفصال كانت أكبر من المكاسب التي تحققت حتى الآن.

مؤيدون للعودة إلى الاتحاد الأوروبي خلال إحياء ذكرى مرور عشر سنوات على تصويت بريطانيا لصالح مغادرة الاتحاد... لندن 20 يونيو 2026 (رويترز)

اقتصاد أقل ديناميكية

يشكّل الاقتصاد المعيار الأكثر استخداماً في تقييم حصيلة «بريكست» بعد عشرة أعوام، إلا أن معظم الخبراء يحذّرون من صعوبة عزل تأثيره عن الأزمات العالمية التي شهدها العقد الأخير، وفي مقدمتها جائحة كورونا والحرب الروسية - الأوكرانية وأزمة الطاقة والتضخم.

ومع ذلك، ترى غالبية مراكز الأبحاث الاقتصادية البريطانية أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ترك أثراً سلبياً دائماً على النمو والاستثمار والإنتاجية. فحسب «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» NIESR البريطاني، أصبح اقتصاد المملكة المتحدة أصغر حجماً مما كان يمكن أن يكون عليه لو بقيت المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي، نتيجة انخفاض حجم التجارة والاستثمار وتراجع إنتاجية الشركات.

ويذهب «معهد الحكومة» إلى نتيجة مشابهة؛ إذ يشير إلى أن الاقتصاد البريطاني لم يشهد القفزة التي توقّعها أنصار «بريكست» بعد التحرر من تشريعات الاتحاد الأوروبي، بل بقي النمو الاقتصادي ضعيفاً مقارنة بما كان مأمولاً، فيما لم تظهر حتى الآن مكاسب اقتصادية واسعة ناجمة عن الاستقلال التنظيمي.

وفي المقابل، لا ينكر عدد من الاقتصاديين المؤيدين لـ«بريكست» هذه الصعوبات، لكنهم يعتبرون أنها تمثل تكلفة انتقالية أكثر منها نتيجة دائمة. ويرى باحثون في مركز «بوليسي إكستشينج» Policy Exchange البريطاني، أن الحكم على التجربة لا يزال سابقاً لأوانه؛ لأن المكاسب المرتبطة بحرية التشريع وإصلاح الاقتصاد تحتاج إلى سنوات أطول حتى تظهر بشكل كامل، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والابتكار المالي.

رئيس الوزراء البريطاني حينها بوريس جونسون وهو أحد أبرز مؤيدي «بريكست» يلقي كلمة أمام مؤيديه قبل صعوده إلى حافلة حملته الانتخابية للانتخابات العامة في مانشستر - إنجلترا 15 نوفمبر 2019 (أ.ب)

التجارة... السوق الأقرب بقيت الأهم

كان أحد أبرز الوعود التي رفعها مؤيدو الخروج أن تتمكن بريطانيا من تعويض السوق الأوروبية عبر اتفاقات تجارة حرة مع الاقتصادات الكبرى حول العالم. وقد وقّعت لندن بالفعل اتفاقيات مع دول عدة، بينها أستراليا ونيوزيلندا واليابان، وانضمت إلى «الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ» (CPTPP)، وهي اتفاقية تجارة حرة ضخمة ومتعددة الأطراف تضم 12 دولة مطلة على المحيطين الهندي والهادئ، كما أبرمت المملكة المتحدة اتفاقاً تجارياً طال انتظاره مع الهند.

غير أن مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» يرى أن هذه الاتفاقيات، على أهميتها السياسية، لا تستطيع تعويض حجم العلاقات التجارية مع الاتحاد الأوروبي، الذي بقي أكبر شريك تجاري للمملكة المتحدة بفارق كبير. فالقرب الجغرافي وتشابك سلاسل التوريد يجعلان السوق الأوروبية ذات أهمية يصعب الاستبدال بها أسواقاً أبعد جغرافياً.

وتوصل «معهد الحكومة» إلى خلاصة مشابهة، مفادها أن الشركات البريطانية أصبحت تواجه بعد «بريكست» إجراءات جمركية وتنظيمية أكثر تعقيداً عند التصدير إلى الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك التصاريح الصحية وإجراءات المطابقة والوثائق الجمركية، وهو ما أدى إلى زيادة تكلفة التجارة، خصوصاً بالنسبة إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي لا تمتلك الموارد الإدارية الكافية للتعامل مع هذه المتطلبات.

كما أشارت شبكة «سي إن إن» الأميركية، في مراجعة بمناسبة مرور عشرة أعوام على الاستفتاء، إلى أن قطاع النقل والخدمات اللوجستية البريطاني تمكن تدريجياً من التكيف مع القواعد الجديدة، إلا أن ذلك جاء بعد سنوات من الاضطرابات وارتفاع التكاليف، في حين لا تزال شركات بريطانية عديدة تعدّ التجارة مع أوروبا أكثر تعقيداً مما كانت عليه قبل الخروج من الاتحاد.

ورغم ذلك، يرى مؤيدو «بريكست» أن تقييم الاتفاقات التجارية لا ينبغي أن يقتصر على أرقام السنوات الأولى؛ إذ يؤكد «معهد الشؤون الاقتصادية» Institute of Economic Affairs البريطاني، أن امتلاك المملكة المتحدة حرية إبرام اتفاقياتها التجارية الخاصة يمثّل مكسباً استراتيجياً طويل الأمد، حتى لو لم تنعكس آثاره الاقتصادية بصورة كاملة حتى الآن.

الحي المالي في مدينة لندن - بريطانيا 16 يناير 2026 (رويترز)

الاستثمار والقطاع المالي... لندن ما زالت قوية ولكن

كانت مكانة مدينة لندن المالية من أبرز القضايا التي أثيرت قبل تنفيذ «بريكست»؛ إذ حذّر كثيرون من احتمال فقدان العاصمة البريطانية موقعها بوصفها المركز المالي الأول في أوروبا.

وبعد عشرة أعوام، تشير المعطيات إلى أن هذه المخاوف لم تتحقق بالكامل، لكنها لم تكن بلا أساس أيضاً. فحسب «معهد الحكومة»، لا تزال لندن واحدة من أكبر المراكز المالية العالمية، محتفظة بموقعها في أسواق العملات والتأمين والخدمات المصرفية الدولية، إلا أن جزءاً من النشاط المالي انتقل إلى مراكز أوروبية مثل باريس وأمستردام ودبلن ولوكسمبورغ.

كما يشير «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» إلى أن حالة عدم اليقين التي رافقت مفاوضات الخروج، ثم تطبيق النظام التجاري الجديد، أثّرت في قرارات الاستثمار في المملكة المتحدة لدى عدد من الشركات الدولية، وهو ما انعكس على وتيرة الاستثمار التجاري مقارنة باقتصادات متقدمة أخرى.

وبالنسبة لـ«معهد الحكومة»، فإن القطاع المالي البريطاني أظهر قدرة كبيرة على التكيّف، إلا أن فقدان بعض الامتيازات المرتبطة بالنفاذ المباشر إلى السوق الأوروبية أدى إلى إعادة توزيع جزء من الأنشطة المالية داخل الاتحاد الأوروبي، من دون أن يفقد حي المال في لندن مكانته العالمية.

متظاهرون مؤيدون للاتحاد الأوروبي يعبرون جسر واترلو خلال احتجاج في لندن 20 يونيو 2026 بمناسبة الذكرى العاشرة لتصويت بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي (رويترز)

التضخم والجنيه... بين «بريكست» والأزمات العالمية

من أكثر القضايا التي أثارت جدلاً خلال السنوات الأخيرة مسألة تأثير «بريكست» في مستويات التضخم وتكلفة المعيشة. ويؤكد معظم الاقتصاديين أن تحميل «بريكست» وحده مسؤولية ارتفاع الأسعار سيكون تبسيطاً مفرطاً، لأن العالم شهد خلال الفترة نفسها سلسلة من الصدمات الكبرى، بدءاً من جائحة كورونا وصولاً إلى الحرب في أوكرانيا وأزمة الطاقة.

لكن «المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية» يشير إلى أن الخروج من الاتحاد الأوروبي ساهم في زيادة الضغوط التضخمية من خلال ارتفاع تكاليف الاستيراد والتجارة، إلى جانب تراجع قيمة الجنيه الإسترليني مقارنة بما كان يمكن أن تكون عليه في سيناريو البقاء داخل الاتحاد.

ويتفق «معهد الحكومة» مع هذا التقييم، ويرى أن ارتفاع تكاليف التجارة مع أوروبا انعكس على أسعار عدد من السلع، وإن كان من الصعب تحديد النسبة الدقيقة التي يمكن إرجاعها إلى «بريكست» وحده.

وبالنسبة إلى المواطن البريطاني، أصبحت تكلفة المعيشة أحد المعايير الرئيسية لتقييم تجربة «بريكست». ولذلك، لم يعد النقاش العام يقتصر على شعارات السيادة أو الاستقلال، بل بات يرتبط بصورة متزايدة بقدرة الأسر على مواجهة ارتفاع الأسعار، ومستوى الأجور، وفرص العمل، وهي ملفات طغت على الخطاب السياسي خلال السنوات الأخيرة.

ناشط مؤيد لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضع زراً مؤيداً للخروج أثناء مشاركته في مظاهرة خارج مبنى البرلمان في وستمنستر - لندن 28 مارس 2019 (أ.ف.ب)

الهجرة... الوعد الذي لم يتحقق

شكّل ملف الهجرة أحد أهم العوامل التي دفعت ملايين البريطانيين إلى التصويت لمصلحة الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016. فقد تعهّد قادة حملة «بريكست» بأن مغادرة الاتحاد ستمنح لندن سيطرة كاملة على حدودها، وستؤدي إلى خفض أعداد المهاجرين بصورة ملموسة بعد إنهاء مبدأ حرية تنقل المواطنين الأوروبيين.

وبعد عشرة أعوام، تظهر الصورة أكثر تعقيداً. فحسب مراجعة نشرتها «سي إن إن»، ارتفع صافي الهجرة بعد «بريكست» إلى مستويات قياسية خلال السنوات الأولى من تطبيق النظام الجديد، قبل أن يبدأ بالتراجع تدريجياً مع تشديد سياسات التأشيرات والهجرة. ويعزو خبراء هذا الارتفاع إلى اعتماد الحكومة البريطانية بصورة أكبر على استقدام عمال من خارج الاتحاد الأوروبي لسد النقص في قطاعات الصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم والخدمات.

ويرى مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» أن «بريكست» غيّر طبيعة الهجرة أكثر مما خفّضها. فبينما انخفضت الهجرة القادمة من دول الاتحاد الأوروبي، ارتفع عدد الوافدين من آسيا وأفريقيا ودول الكومنولث (رابطة تضم بريطانيا ومعظم دول الإمبراطورية البريطانية السابقة) ما يعني أن المملكة المتحدة انتقلت من نظام يقوم على حرية الحركة الأوروبية إلى نظام هجرة عالمي يعتمد على المهارات واحتياجات سوق العمل.

ويخلص «معهد الحكومة» إلى أن الحكومة البريطانية استعادت بالفعل السيطرة القانونية على سياسة الهجرة، وهو أحد أبرز وعود حملة الخروج، إلا أن هذا لم يؤدِّ تلقائياً إلى خفض أعداد الوافدين؛ لأن الاقتصاد البريطاني ظل بحاجة إلى اليد العاملة الأجنبية في قطاعات حيوية.

كما نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية عن استطلاعات رأي أن جزءاً من الناخبين الذين أيّدوا «بريكست» باتوا يعدّون أن مشكلة الهجرة غير النظامية لم تتحسن بالشكل الذي كانوا يتوقعونه، رغم التغييرات الكبيرة التي طرأت على نظام التأشيرات والحدود.

ناشطة مؤيدة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (يمين) ترفع لافتة أمام مؤيدين للبقاء في الاتحاد الأوروبي خارج البرلمان في لندن 27 فبراير 2019 (أ.ب)

الرأي العام... انقسام مستمر لكن المزاج تغيّر

تكشف استطلاعات الرأي عن تحوّل واضح في تقييم البريطانيين لتجربة «بريكست» بعد مرور عقد على الاستفتاء.

فحسب استطلاع أجرته مؤسسة «يوغوف» YouGov - وهي شركة بريطانية متخصصة في استطلاعات الرأي وأبحاث السوق - بمناسبة مرور عشرة أعوام على الاستفتاء، يرى 57 في المائة من البريطانيين أن التصويت للخروج كان قراراً خاطئاً، مقابل نحو 30 في المائة فقط يعتبرونه قراراً صائباً. كما يعتقد 61 في المائة أن «بريكست» كان فشلاً حتى الآن، في حين لا تتجاوز نسبة من يرونه نجاحاً 12 في المائة. وفي المقابل، أظهر الاستطلاع أيضاً أن البريطانيين لا يبدون متحمسين لإعادة خوض معركة العضوية الأوروبية؛ إذ يؤيد 55 في المائة العودة إلى الاتحاد الأوروبي من حيث المبدأ، لكن هذه النسبة تنخفض بصورة ملحوظة إذا كانت العودة ستعني التخلي عن الاستثناءات التي كانت تتمتع بها بريطانيا سابقاً، مثل البقاء خارج منطقة اليورو أو منطقة شنغن.

ويرى باحثون في مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» أن هذا التحوّل يعكس تغيّر أولويات الناخب البريطاني، الذي بات يركّز بصورة أكبر على النمو الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة وتكلفة المعيشة، بدلاً من النقاشات المرتبطة بالهوية والسيادة التي هيمنت على حملة عام 2016.

لافتتا «البقاء» و«الخروج» من الاتحاد الأوروبي في إحدى حانات وسط لندن قبيل استفتاء «بريكست» 22 يونيو 2016 (إ.ب.أ)

جيل جديد يعيد النظر في «بريكست»

ومن أبرز المتغيرات التي برزت خلال العقد الأخير الفجوة الواضحة بين الأجيال. فقد نشرت صحيفة «الغارديان» نتائج استطلاع أجراه مركز دراسات «مور إن كومون» More in Common البريطاني، أظهرت أن نحو 60 في المائة من البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و28 عاماً سيصوّتون للعودة إلى الاتحاد الأوروبي إذا أتيحت لهم الفرصة، مقابل نسبة محدودة من هذه الفئة تفضّل البقاء خارج التكتل.

ويشير الاستطلاع إلى أن هذا الجيل، الذي كان كثير من أفراده أصغر من أن يشارك في استفتاء 2016، ينظر إلى «بريكست» من زاوية مختلفة، ترتبط بفرص الدراسة والعمل والتنقل داخل أوروبا أكثر من ارتباطها بقضايا السيادة الوطنية.

ومع ذلك، لا يبدو أن الشباب البريطاني يرغب في إعادة فتح معركة الاستفتاء من جديد؛ إذ يرى كثيرون منهم أن الأولوية ينبغي أن تكون لتحسين العلاقة مع أوروبا ومعالجة الأزمات الاقتصادية الداخلية، بدلاً من العودة إلى سنوات الانقسام السياسي التي أعقبت الاستفتاء.

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر يتحدث إلى وسائل الإعلام خارج مقر رئاسة الوزراء في لندن 22 يونيو 2026... تبنّت حكومة ستارمر سياسة تقارب مع الاتحاد الأوروبي دون العودة إلى عضوية الاتحاد (أ.ب)

أوروبا... علاقة جديدة بدلاً من العودة إلى الاتحاد

لم يقتصر تغيّر المواقف من «بريكست» على الداخل البريطاني، بل امتد إلى القارة الأوروبية أيضاً.

فقد نقلت «الغارديان» عن استطلاع أجراه «المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية» (ECFR) أن غالبية مواطني الدول الأوروبية التي شملها الاستطلاع تؤيد عودة المملكة المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي إذا رغبت لندن في ذلك مستقبلاً، في حين أبدى عدد كبير من البريطانيين تأييدهم لإقامة علاقة أكثر تقارباً مع بروكسل.

لكن، وفقاً لتحليل نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن هذا التقارب يصطدم باعتبارات سياسية واضحة. فمنذ وصول حكومة كير ستارمر إلى السلطة في المملكة المتحدة، تبنّت لندن سياسة تقوم على «إعادة ضبط» العلاقات مع الاتحاد الأوروبي، لكنها في الوقت نفسه أكدت أنها لا تنوي العودة إلى السوق الموحدة أو الاتحاد الجمركي أو حرية تنقّل الأشخاص.

ويشير مركز «المملكة المتحدة في أوروبا المتغيرة» إلى أن هذه السياسة تعكس إدراكاً متزايداً لدى الطرفين بأن العلاقة المستقبلية ستقوم على التعاون العملي في ملفات التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي، من دون المساس بالقرار البريطاني القاضي بالبقاء خارج الاتحاد.

وبرز هذا التوجه بصورة خاصة بعد الحرب الروسية - الأوكرانية؛ إذ شهد التعاون الأمني والدفاعي بين لندن والعواصم الأوروبية زخماً متزايداً، رغم استمرار الانفصال المؤسسي بين الجانبين.

صورة عامة لمبنى البرلمان الاسكوتلندي في إدنبرة - اسكوتلندا 3 مايو 2024 (رويترز)

اسكوتلندا... تداعيات تتجاوز الاقتصاد

لم تكن تداعيات «بريكست» متشابهة في جميع أنحاء المملكة المتحدة. ففي اسكوتلندا، التي تتمتع ببرلمان وحكومة محليين، وصوّتت بنسبة 62 في المائة لمصلحة البقاء في الاتحاد الأوروبي، لا يزال كثير من الاسكوتلنديين ينظرون إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي باعتباره قراراً فُرض عليهم رغم إرادة أغلبية الناخبين.

وتشير صحيفة «لوموند» إلى أن المخاوف التي عبّر عنها كثير من المسؤولين والاقتصاديين الاسكوتلنديين قبل الاستفتاء تحققت جزئياً، خصوصاً فيما يتعلّق بالصادرات ونقص اليد العاملة والعلاقة مع السوق الأوروبية.

كما أعاد «بريكست» إحياء النقاش حول مستقبل الاتحاد البريطاني نفسه؛ إذ يرى بعض أنصار الاستقلال الاسكوتلندي أن الخروج من الاتحاد الأوروبي عزّز مبررات تنظيم استفتاء جديد على استقلال اسكوتلندا، بينما تؤكد الحكومة البريطانية أن نتيجة استفتاء الاستقلال عام 2014، الذي صوّت فيه أغلبية الاسكوتلنديين لمصلحة البقاء ضمن المملكة المتحدة، لا تزال سارية، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتعزيز الوحدة الداخلية لبريطانيا.

ولفت باحثون في «معهد الحكومة» إلى أن «بريكست» كشف تعقيدات النظام الدستوري البريطاني، وأعاد طرح أسئلة تتعلّق بتوزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والإدارات المحلية في اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية.

متظاهرون يرفعون لافتات مؤيدة لأوروبا في احتجاج مناهض لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في ميدان ترافالغار بوسط لندن 28 يونيو 2016 (أ.ف.ب)

السيادة... الإنجاز الذي يتمسك به مؤيدو «بريكست»

ورغم الانتقادات الاقتصادية، لا يزال مؤيدو «بريكست» يعتبرون أن التجربة حققت أهم أهدافها، والمتمثل في استعادة السيادة الوطنية.

فحسب «معهد الحكومة»، استعادت المملكة المتحدة صلاحيات واسعة في مجالات التشريع والسياسة التجارية والهجرة والزراعة والصيد، بعدما انتقلت هذه الاختصاصات مجدداً إلى البرلمان والحكومة البريطانيين.

ويشير مركز «بوليسي إكستشينج» إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي منحها هامشاً أوسع لتعديل قوانينها وسياساتها الاقتصادية والتنظيمية بعيداً عن الأطر التي كانت ملزمة بها داخل الاتحاد. ويرى المركز أن الحكم النهائي على نجاح «بريكست» لا ينبغي أن يستند فقط إلى نتائج السنوات الأولى بعد الخروج، بل إلى قدرة الحكومات البريطانية المقبلة على تحويل هذه الصلاحيات الجديدة إلى مكاسب اقتصادية وسياسية ملموسة.

لكن باحثين بريطانيين يرَون أن استعادة السيادة القانونية لا تعني بالضرورة التحرر من القيود الاقتصادية والجغرافية؛ لأن حجم التجارة مع الاتحاد الأوروبي وتشابك المصالح بين الطرفين يفرضان استمرار قدر كبير من التنسيق والتوافق.

كلمة «بريكست» Brexit أمام العلم البريطاني... بعد عشرة أعوام على الاستفتاء لا تزال حصيلة الخروج من الاتحاد الأوروبي موضع جدل في المملكة المتحدة (أ.ف.ب)

بين الاستقلال والاعتماد المتبادل

بعد عشرة أعوام على استفتاء عام 2016، انتقل الجدل في بريطانيا من الانقسام حول قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي إلى تقييم حصيلته والبحث عن أفضل السبل لإدارة العلاقة المستقبلية مع أوروبا.

فقد استعادت المملكة المتحدة صلاحيات تشريعية وسياسية واسعة شكّلت الهدف الرئيسي لأنصار «بريكست». إلا أن غالبية الدراسات الاقتصادية واستطلاعات الرأي التي نُشرت بمناسبة الذكرى العاشرة للاستفتاء تشير إلى أن هذه المكاسب لم تُترجم حتى الآن إلى فوائد اقتصادية ملموسة، وأن تكلفة الانفصال في مجالات التجارة والاستثمار والنمو جاءت أعلى مما توقعه كثير من مؤيدي الخروج.

وربما تكمن أبرز مفارقات العقد الأول بعد «بريكست» في أن لندن وبروكسل، بعدما أمضتا سنوات في التفاوض على شروط الانفصال، عادتا اليوم إلى البحث عن صيغ جديدة للتعاون في التجارة والدفاع والطاقة والبحث العلمي. لذلك، يبدو أن النقاش البريطاني لم يعد يتمحور حول إعادة فتح معركة الخروج أو العودة إلى الاتحاد الأوروبي، بل حول كيفية بناء علاقة أكثر براغماتية مع أقرب الشركاء وأكثرهم تأثيراً، بما يوازن بين متطلبات السيادة الوطنية والاعتماد الاقتصادي المتبادل الذي لا تزال تفرضه الجغرافيا وتشابك المصالح.


مقالات ذات صلة

بيرنهام يعلن استعداد بريطانيا لقيادة الجهود العالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي

الاقتصاد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

بيرنهام يعلن استعداد بريطانيا لقيادة الجهود العالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي

أكد رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن المملكة المتحدة مستعدة لقيادة جهد دولي يهدف إلى وضع معايير عالمية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير المالية البريطاني جون هيلي خلال كلمة في مركز تكنولوجيا التصنيع في كوفنتري (رويترز)

اقتراض بريطانيا يتجاوز التوقعات في أغسطس ويضغط على موازنة هيلي

اقترضت الحكومة البريطانية أكثر من المتوقع في أغسطس (آب)، ما أدى إلى تجاوز العجز المتراكم منذ بداية السنة المالية التوقعات الرسمية.

«الشرق الأوسط» (مانشستر)
الاقتصاد الناس يمرّون أمام مبنى «بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

«بنك إنجلترا» يبقي الفائدة عند 3.75 % وسط تحذيرات من رفعها مجدداً

حذّر «بنك إنجلترا» من أنَّ التضخم في المملكة المتحدة قد يتجاوز 4 في المائة مطلع العام المقبل، مع تصاعد مخاطر استمرار ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يمر أمام بنك إنجلترا في وسط لندن (أ.ف.ب)

بنك إنجلترا يبقي الفائدة دون تغيير ويحذر من تجاوز التضخم 4 %

أبقى بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير يوم الخميس، لكنه شدد لهجته بشأن مخاطر التضخم، متوقعاً أن يتجاوز معدل ارتفاع الأسعار 4 في المائة في مطلع العام المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

«المركزي» البريطاني يترقب تثبيت الفائدة رغم ارتفاع التضخم

يتجه بنك إنجلترا إلى إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، الخميس، رغم ارتفاع التضخم في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوى في 5 أشهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

واشنطن تدعو بوتين لحضور «قمة العشرين»

الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
TT

واشنطن تدعو بوتين لحضور «قمة العشرين»

الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)
الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

أفاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس، بأن بلاده دعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في قمة «مجموعة الـ20» المقررة في مدينة ميامي الأميركية في ديسمبر (كانون الأول).

وعبّر روبيو عن أمله في أن يقبل الرئيس الروسي الدعوة. وقال: «من أجل حل المشكلات، يجب الاجتماع مع الأشخاص الذين نختلف معهم أو الذين قد تكون لدينا اختلافات معهم؛ ولذلك دَعَوْنا الرئيس بوتين إلى القمة».


بريطانيا تُعيد النظر في اتفاق جزر تشاغوس بعد انتقادات ترمب

جانب من لقاء ترمب وبيرنهام على هامش أعمال الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (رويترز)
جانب من لقاء ترمب وبيرنهام على هامش أعمال الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (رويترز)
TT

بريطانيا تُعيد النظر في اتفاق جزر تشاغوس بعد انتقادات ترمب

جانب من لقاء ترمب وبيرنهام على هامش أعمال الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (رويترز)
جانب من لقاء ترمب وبيرنهام على هامش أعمال الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (رويترز)

أكدت الحكومة البريطانية، الأربعاء، أنها ستُعيد العمل على الاتفاق الخاص بإعادة جزر تشاغوس إلى موريشيوس، بعدما وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاتفاق بأنه «سيئ» خلال أول لقاء جمعه برئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام.

وشكّل قرار لندن إعادة أرخبيل المحيط الهندي إلى مستعمرتها السابقة، مقابل استئجار قاعدة عسكرية استراتيجية أميركية - بريطانية في دييغو غارسيا، نقطة خلاف مع إدارة ترمب على مدى أشهر. وكانت بريطانيا قد أعلنت في أبريل (نيسان) تعليق تنفيذ الخطة التي اتُّفق عليها العام الماضي بين حكومة موريشيوس ورئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر.

معارضة أميركية

وواجه الاتفاق معارضة علنية من ترمب، الذي كان قد أبدى دعماً له في البداية، قبل أن يعود لاحقاً ويصفه بأنه «عمل ينطوي على غباء كبير»، كما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وجدّد الرئيس الأميركي انتقاداته للاتفاق، الثلاثاء، خلال أول لقاء مباشر له مع بيرنهام، الذي خلف ستارمر رئيساً لوزراء بريطانيا في يوليو (تموز). وخلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قال ترمب إنه يعتقد أن بيرنهام سيُعيد النظر في «الاتفاق السيئ»، فيما كان رئيس الوزراء البريطاني يجلس إلى جانبه، وأومأ موافقاً قائلاً: «نعم».

وقال بيرنهام لاحقاً لوسائل إعلام إن بريطانيا «ستعمل بجد» للتوصل إلى حل لهذه القضية المعقدة، مضيفاً أنه «واثق بأننا نستطيع إيجاد حل بالتعاون مع شركائنا الأميركيين».

وبعد ساعات، قال وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتنغ إن معارضة ترمب للاتفاق «ليست أمراً جديداً بالنسبة لنا»، لكن تصريحاته الأخيرة «توضح بشكل قاطع أن موقفه من اتفاق تشاغوس بصيغته الحالية لم يتغير». وأضاف لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، الأربعاء: «لذلك، علينا القيام بمزيد من العمل مع حلفائنا الأميركيين، ومع الرئيس ترمب وإدارته، للوصول بالاتفاق إلى صيغة يمكننا دعمها».

وأكد ستريتنغ أن المدفوعات السنوية التي لا تقل قيمتها عن 120 مليون جنيه إسترليني (159 مليون دولار) مقابل استئجار القاعدة العسكرية من موريشيوس لن تُسدَّد «في هذه المرحلة».

وكان ستارمر قد أبرم الاتفاق بعدما شدّد على أن أحكاماً قانونية دولية ألقت بظلال من الشك على استمرار السيادة البريطانية على جزر تشاغوس، وأن الاتفاق مع موريشيوس هو السبيل الوحيد لضمان استمرار الاستخدام الأميركي والبريطاني لقاعدة دييغو غارسيا.

إرث قانوني وسياسي

واحتفظت بريطانيا بالسيطرة على جزر تشاغوس بعد استقلال موريشيوس في ستينات القرن الماضي. وأجلت آلاف السكان الأصليين من الأرخبيل، الذين أقاموا منذ ذلك الحين سلسلة من الدعاوى أمام المحاكم البريطانية للمطالبة بالتعويض.

وفي عام 2019، أوصت محكمة العدل الدولية بريطانيا بإعادة الأرخبيل إلى موريشيوس. وكان الاتفاق ينص على منح بريطانيا عقد إيجار لمدة 99 عاماً للقاعدة العسكرية، مع إمكانية تمديده.

وقال جيمس كارتليدج، المتحدث باسم حزب «المحافظين» المعارض لشؤون الدفاع، إن الاتفاق «يجب التخلي عنه بالكامل». لكن ستريتنغ قال لإذاعة «تايمز راديو»: «استراتيجية النعامة، عبر دفن رؤوسنا في الرمال والأمل في أن تختفي المشكلة... ليست استراتيجية حكيمة عندما يتعلق الأمر بأحد أكثر أصول الأمن القومي حساسية لدينا في أي مكان في العالم».

وقال جاك بانيل، الباحث البارز في مركز «British Foreign Policy Group»، إن أولويات بيرنهام في تعامله مع ترمب ستتركز على «القضايا الدولية الكبرى»، مثل تنظيم الذكاء الاصطناعي وأوكرانيا والشرق الأوسط.

وأضاف بانيل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «النجاح بالنسبة إلى بيرنهام يعني تجنب تحول هذه القضية إلى عبء يثقل كاهله، في حين يسعى إلى تنفيذ أولوياته الأخرى في السياسة الخارجية، ويركز على أجندته الداخلية». وتابع: «فرص تحقيق اختراق في هذه القضية ضئيلة، وقد يكون ذلك مناسباً تماماً لرئيس الوزراء».


لافروف يلتقي روبيو... وبوتين مستعد للقاء نظيره الأميركي

صورة مركبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يسار) ونظيره الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
صورة مركبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يسار) ونظيره الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
TT

لافروف يلتقي روبيو... وبوتين مستعد للقاء نظيره الأميركي

صورة مركبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يسار) ونظيره الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)
صورة مركبة لوزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (يسار) ونظيره الروسي سيرغي لافروف (أ.ف.ب)

يلتقي وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو نظيره الروسي سيرغي لافروف، الأربعاء، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويأتي اللقاء في الوقت الذي سيلقي فيه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كلمة أمام الجمعية العامة في اليوم نفسه، في حين أبدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استعداده لعقد اجتماع مع نظيره الأميركي دونالد ترمب.

ونقلت وكالة أنباء «سبوتنيك» الروسية، الأربعاء، عن بيسكوف قوله للصحافيين: «حتى الآن، لا توجد تفاصيل بشأن عقد أي اجتماعات رفيعة المستوى. إذا تحدثنا عن الاجتماع الروسي - الأميركي، فإن الرئيس جاهز. في الواقع، يؤكد الرئيسان، بوتين وترمب، دائماً في محادثاتهما الهاتفية على استعدادهما لعقد اجتماع آخر بمرور الوقت، إذا لزم الأمر».

وكان الرئيس ترمب، أعلن الثلاثاء، عن وجود نية لديه لعقد اجتماع جديد مع نظيره الروسي.

الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

وأضاف بيسكوف: «أما بالنسبة لاجتماع بوتين مع زيلينسكي، فإن موقفنا معروف جيداً هنا. وقال بوتين إن زيلينسكي، إذا أراد، يمكنه القدوم إلى موسكو».

وأكد زيلينسكي مجدداً استعداده للقاء بوتين في اجتماع ثلاثي يضم ترمب، مضيفاً أنه يأمل أن تجد الولايات المتحدة وسيلة لإعادة موسكو إلى طاولة المفاوضات بعد انهيار المحادثات في وقت سابق من هذا العام. لكنه قال إنه لم ير أي مؤشر على استعداد بوتين للتفاوض. وقال زيلينسكي: «أنا مستعد لاجتماع ثلاثي. وهذا يعني أنني موافق على إنهاء الحرب».

وأشار المتحدث باسم الكرملين إلى أنه «في هذه الحالة، سيتم تقديم الضمانات الأمنية اللازمة له، مشيراً إلى أن زيلينسكي «يعرف جيداً ما هي القرارات التي يجب اتخاذها».

وأضاف: «في أي حالة أخرى، سيكون من غير العملي عقد اجتماع قمة قبل الانتهاء من العمل على مستوى الخبراء؛ لأنه سيكون مضيعة للوقت».

وتابع بيسكوف: «عسكرة أوكرانيا مستمرة، وتحاول الدول الأوروبية جمع المزيد والمزيد من الأموال لشراء الأسلحة». وأشار إلى أن «نظام كييف يواصل نشاطه الإرهابي إلى حد ما، حتى الآن لا توجد شروط مسبقة للدخول في المسار السلمي للمفاوضات. على الرغم من أننا، كدولة روسية، لا نزال منفتحين على المفاوضات السلمية».

وذكر بيسكوف، كما نقلت عنه «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «القيادة البريطانية منخرطة في إثارة المشاعر المعادية للروس، وإن ألمانيا وفرنسا وعدداً من الدول الأوروبية الأخرى تفعل الشيء نفسه في انسجام تام».

وكتب زيلينسكي على تطبيق «تلغرام»، متحدثاً عن اجتماعه مع رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام أن أوكرانيا على تواصل مستمر مع حلفائها للحصول على أنظمة جديدة للدفاع الجوي.

وقال زيلينسكي: «توجد معلومات مخابراتية الآن تفيد بأن روسيا تستعد لشن هجوم جديد واسع النطاق على أوكرانيا». وأضاف أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن تخفيف العقوبات المفروضة على روسيا «في وقت يعيش فيه الأوكرانيون يومياً تحت تهديد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيَّرة».

وكتب زيلينسكي عبر وسائل التواصل الاجتماعي «عقدت اجتماعاً إيجابيًا ومثمراً مع الرئيس دونالد ترمب في الجمعية العامة للأمم المتحدة. تريد الولايات المتحدة وأوكرانيا إنهاء هذه الحرب الروسية العبثية قبل الشتاء».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

قال زيلينسكي، الثلاثاء، إن أوكرانيا لا تزال مستعدة لوقف إطلاق نار جزئي مع روسيا يشمل الهجمات على منشآت الطاقة. وأوضح زيلينسكي، عقب محادثات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن أوكرانيا ستمتنع عن شن هجمات على منشآت الطاقة في مختلف أنحاء قطاع الطاقة بأكمله. وأضاف إن الولايات المتحدة ستنقل هذا المقترح إلى الجانب الروسي.

وفي حديثه لوسائل الإعلام عقب اجتماع استمر 40 دقيقة مع ترمب، قال زيلينسكي إن كييف مستعدة لأي شكل من أشكال وقف إطلاق النار في قطاع الطاقة مع موسكو، لكنه أوضح أنه لم يكن هناك أي نقاش حول قيام أوكرانيا بوقف هجماتها من جانب واحد على مصافي النفط الروسية.

وكان ترمب قد أعلن الأسبوع الماضي أن أوكرانيا وروسيا اتفقتا على عدم استهداف منشآت الطاقة، لكن أي مظهر من مظاهر الهدنة تلاشى عندما قصفت موسكو محطات وقود في كييف في اليوم التالي، وقصفت أوكرانيا مصفاة نفط روسية.

الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

وعبر ترمب عن قلقه إزاء الأضرار الجسيمة التي لحقت بمصافي النفط الروسية التي تعرضت لهجمات مكثفة بطائرات مسيَّرة أوكرانية. وقبل اجتماعهما، قال ترمب للصحافيين إنه سيبحث مع زيلينسكي الهجمات الأوكرانية على مصافي النفط. وقال ترمب: «إنها ضربة قوية للروس، لكنها أيضاً ضربة قوية لأسعار الديزل».

وفي الوقت نفسه، شدَّد زيلينسكي على أن ترمب لم يطلب منه الامتناع عن شن هجمات على أهداف، من بينها قطاع النفط الروسي. وقبل أيام عدّة، ألقى الرئيس الأميركي باللوم على الهجمات الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية في ارتفاع أسعار الديزل بالولايات المتحدة.

ستيف ويتكوف (الثاني يميناً) خلال لقاء الرئيس الأميركي مع زيلينسكي في نيويورك (أ.ب)

وقال زيلينسكي إنه أثار أيضاً خلال الاجتماع مسألة تسليم الولايات المتحدة مزيداً من صواريخ باتريوت للدفاع الجوي. وأوضح أن واشنطن لم تقدم إجابة محددة. وقال زيلينسكي إنه عند مناقشة القضايا الحساسة مع القادة، يمكنهم إما أن يقولوا نعم أو لا، مضيفاً أن الجانب الإيجابي هو أن أحداً لم يقل لا. وأضاف أن الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة، لكنها لم تقدم بعد رداً محدداً.

ولم تتمكن الدفاعات الجوية الأوكرانية منذ أسابيع من اعتراض الصواريخ الباليستية الروسية إلا في حالات نادرة، بسبب نقص صواريخ الاعتراض اللازمة لمنظومات باتريوت التي تمتلكها أوكرانيا. وتتسبب الغارات الجوية الروسية على المستودعات ومنشآت الطاقة، ومؤخراً على كبرى شركات إنتاج الصلب والمنشآت الصناعية، في إلحاق أضرار متزايدة بالاقتصاد الأوكراني.

وتدافع أوكرانيا عن نفسها في مواجهة الغزو الروسي منذ فبراير (شباط) 2022.

من جانب آخر، قالت قيادة عمليات الجيش البولندي ​الأربعاء إن طائرة هليكوبتر عسكرية روسية من طراز «مي-8» انتهكت لفترة وجيزة المجال الجوي لبولندا، العضو في ‌حلف شمال الأطلسي، ‌من ​إقليم ‌كالينينغراد ⁠الروسي. وذكرت ​القيادة على منصة «⁠إكس» أن الهليكوبتر أمضت 42 ثانية في المجال الجوي البولندي ووصلت إلى مدى ⁠بلغ أقصاه نحو 300 ‌متر. وأضافت: «تم ‌نشر طائرات ​مقاتلة، ‌وظلت القوات والموارد ‌على الأرض في حالة تأهب. وتشير طبيعة الواقعة إلى أن روسيا ‌تختبر مرة أخرى جاهزية دفاعنا الجوي». وبولندا في حالة ⁠استنفار ⁠قصوى تحسباً لأي انتهاك لمجالها الجوي مرتبط بالحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا. ولم تعلق السفارة الروسية في وارسو على الاتهامات.

وأوضح الجيش في بيان على منصة «⁠إكس» أن أنظمة راداراته «رصدت تحليق الطائرة، وتم نشر طائرات مقاتلة، في حين ظلت القوات والوسائل البرية في حالة تأهب». وأضاف: «تشير طبيعة الحادثة إلى أن روسيا تختبر مجدداً مدى جاهزية دفاعاتنا الجوية».

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قبل انعقاد مؤتمر صحافي أميركي - دانماركي في نيويورك 22 سبتمبر (أ.ب)

منذ بدء الحرب على أوكرانيا، انتهكت طائرات مسيّرة عدة وصواريخ، فضلاً عن طائرات ومروحيات روسية، المجال الجوي للبلد الرئيسي في الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي (ناتو).

كما تعترض بولندا وحلفاؤها طائرات روسية مرات عدة كل شهر فوق بحر البلطيق، عندما تقترب من المجال الجوي البولندي أو مجال دول البلطيق.

استهدفت ضربة روسية سفينة شحن ترفع علم أنتيغوا وبربودا في ميناء بمنطقة أوديسا بجنوب أوكرانيا؛ ما أدى إلى مقتل القبطان الأوكراني، على ما أعلن حاكم المنطقة أوليغ كيبر، الأربعاء. واستهدف الهجوم أيضاً بنى تحتية مدنية، متسبباً باندلاع حرائق في مستودعات تخزَّن فيها أدوية ومنتجات غذائية، حسب ما أفاد كيبر على «تلغرام». قال حاكم أوديسا، الأربعاء، إن روسيا شنت هجوماً على الميناء والبنية التحتية المدنية في المنطقة الواقعة جنوب أوكرانيا على ساحل البحر الأسود. وأضاف الحاكم أوليغ كيبر على تطبيق «تلغرام» أن روسيا قصفت أيضاً مستودعات تخزين أدوية وسلع منزلية ومواد غذائية.