«ممر ترمب» يعيد توزيع خرائط النفوذ في جنوب القوقاز

روسيا وإيران تتأهبان لوجود أميركي طويل الأمد بالمنطقة

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
TT

«ممر ترمب» يعيد توزيع خرائط النفوذ في جنوب القوقاز

الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي ورئيس أذربيجان إلهام علييف ورئيس وزراء أرمينيا نيكول باشينيان خلال توقيع الاتفاق بين باكو ويريفان في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

بدأت سريعاً تظهر أولى تداعيات «اتفاق السلام» التاريخي بين أرمينيا وأذربيجان؛ إذ إن الوساطة الأميركية الناجحة لطيّ صفحة نزاع امتد عقوداً بين البلدين الجارين، لم يكن من الممكن أن تمر من دون انعكاسات على روسيا وإيران؛ الطرفين الأكبر تضرراً من شكل ومضمون التسوية الحالية.

فعلى مستوى الشكل، حمل الدور الأميركي الحاسم إشارات سلبية لموسكو؛ إذ كتبت وسائل إعلام معارضة، بينها شبكة «ميدوزا»، أن «واشنطن نجحت حيث فشلت روسيا». أما من حيث المضمون، فقد تمحور اتفاق السلام حول تفاهم لإقامة «ممر زنغزور» الحساس؛ مما أثار ردود فعل غاضبة في طهران، وموقفاً حذراً للغاية في موسكو.

ويبقى السؤال: ما هذا الممر، ولماذا يُعدّ إنشاؤه بمساعدة أميركية ضربة موجعة لكل من طهران وموسكو، اللتين فقدتا، بفعل التطورات التي أعقبت حرب كاراباخ الحاسمة عام 2023، مساحة واسعة من نفوذهما الإقليمي بعد تغير موازين القوى في المنطقة لمصلحة أذربيجان وتركيا؟

ممر «زنغزور» (بالتركية، وبالأذرية «زانغيزور») هو مشروع طريق نقل يربط بين بر أذربيجان الرئيسي وجمهورية ناخيتشيفان (نخجوان بالتركية) ذات الحكم الذاتي، عبر منطقة سيونيك جنوب أرمينيا، ويبلغ طوله نحو 40 كيلومتراً. ومن المقرر أن يشمل المشروع إنشاء طريق سريعة وخط سكة حديد.

خلال الحقبة السوفياتية، كانت وسائل النقل بين أذربيجان وجيب نخجوان تمر عبر طريق سريعة وخط سكة حديد عبر القوقاز. لكن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واندلاع صراع كاراباخ الأول (1992 - 1994)، جرى تفكيك خط السكة الحديد؛ مما أدى إلى انقطاع الاتصال البري بين بر أذربيجان الرئيسي وجيبها. حالياً، تقتصر إمكانية الوصول من المناطق الغربية للبلاد إلى نخجوان على النقل الجوي أو المرور عبر إيران.

«ممر زانغيزور» على الخريطة

يمر هذا المسار قرب الحدود مع إيران، وسيتصل بطريق النقل السريعة «هوراديز - أغبند» في غرب أذربيجان، وبشبكة «نخجوان - جلفا - أردباد» في المنطقة المحررة. كما يتضمن المشروع إنشاء خط سكة حديد وطريق سريعة يربطان مدينة قارص التركية بنخجوان. وفي أرمينيا، قد يمر الممر عبر مدينة ميغري.

وقبل الاتفاق الأخير الذي جرى برعاية أميركية، كان بعض الخطط يدرس مساراً بديلاً بطول 107 كيلومترات (أغبند - كلاله - جلفا) يمر عبر إيران، وقد نُفّذ بعض الأعمال الإنشائية الأولية فيه، لكنه لم يكتمل بسبب غياب الاتفاق السياسي.

بدأت السلطات الأرمينية والأذربيجانية مناقشة فكرة «ممر زنغزور» بعد حرب كاراباخ الأولى. ووفقاً للرئيس الأرميني السابق روبرت كوتشاريان، فقد كان الطرفان على وشك إبرام اتفاق عام 2001، يقضي بموافقة باكو على أن تصبح كاراباخ جزءاً من أرمينيا، مقابل استعداد يريفان لتوفير طريق نقل إلى ناخيتشيفان عبر جنوب البلاد. إلا إن الاتفاق لم يُوقَّع بسبب معارضة البرلمان الأذربيجاني.

وعادت الفكرة إلى الواجهة بعد حرب كاراباخ الثانية عام 2020، حين سيطرت أذربيجان على جزء كبير من الأراضي التي كانت تخضع سابقاً لسيطرة جمهورية ناغورنو كاراباخ غير المعترف بها، ووصلت إلى حدود منطقة سيونيك في أرمينيا. ونتيجة لهذا الصراع، وُقّع اتفاق ثلاثي بين أذربيجان وأرمينيا وروسيا لوقف إطلاق النار، نصّت مادته التاسعة على «فتح جميع الروابط الاقتصادية وروابط النقل في المنطقة». كما التزمت السلطات الأرمينية بضمان روابط النقل بين المناطق الجنوبية الغربية من أذربيجان وجمهورية ناغورنو كاراباخ، على أن تُسند مهمة الإشراف إلى حرس الحدود الروسي.

مع ذلك، لم يرد مصطلح «ممر زنغزور» صراحة في الوثيقة، كما أشارت وزارة الخارجية الروسية والسلطات الأرمينية، لكنه أُدرج في الخطاب السياسي من قِبل الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، الذي عدّ أن أساس تنفيذ هذا المسار يستند إلى البند التاسع من الاتفاق.

مواقف الأطراف

تعدّ أذربيجان «ممر زانغيزور» مشروعاً استراتيجياً سيوفر اتصالاً برياً مباشراً بين الجزء الرئيسي من البلاد وجمهورية ناخيتشيفان، المنقطع منذ أكثر من 30 عاماً. وصرّح الرئيس، إلهام علييف، بأن افتتاح الممر «أمر لا مفر منه»، وفي عام 2021 صرح علييف بأن الممر سيُفتَح «بغض النظر عن رغبة يريفان». كما وصف زانغيزور بأنها «أراضٍ تاريخية» لأذربيجان، وهدد بحل مسألة إنشاء طريق النقل «بالقوة»، إلا إن وزارة الخارجية الأذربيجانية استبعدت «خيار القوة».

ومن بين مطالب باكو ضمان حركة مرور الأشخاص والبضائع على طول الممر من دون عوائق، ودون رقابة جمركية من أرمينيا.

وتحظى تطلعات أذربيجان بدعم تركيا، حيث تحدث الرئيس رجب طيب إردوغان، خلال محادثاته مع علييف في سبتمبر (أيلول) 2023، عن الإمكانات الكبيرة لنخجوان في تطوير طرق الطاقة والنقل عند إنشاء ممر لوجيستي من الشرق إلى الغرب. وفي الوقت نفسه، لم تستبعد أنقرة إمكانية إنشاء طريق بديلة عبر إيران إذا رفضت أرمينيا الممر.

موقف أرمينيا

رفضت يريفان في السابق، وبشدة، مفهوم «ممر زانغيزور» بالشكل الذي اقترحته باكو، خشية أن تؤدي هذه الطريق إلى عزل البلاد عن حدودها مع إيران، والتسبب في فقدان منطقة سيونيك. ووفقاً لرئيس الوزراء نيكول باشينيان، فإن هذا المصطلح «يُستخدم غطاءً لطرح مطالبات إقليمية ضد أرمينيا».

وفي يناير (كانون الثاني) 2024، صرّح وزير الخارجية الأرميني، أرارات ميرزويان، بأن بلاده لم تُلزم نفسها بتنفيذ هذه الطريق، وترفض «منطق الممر»، واصفاً مطلب إلغاء الرقابة الجمركية على جزء النقل بأنه انتهاك للسيادة. وفي مايو (أيار) من العام نفسه، قال باشينيان إن البيان الثلاثي بشأن كاراباخ كان يهدف إلى فتح «العلاقات الاقتصادية الإقليمية»، وليس إلى «إقامة صلة بين أذربيجان وجمهورية ناخيتشيفان».

صورة من شركة «ماكسار تكنولوجيز» من الطريق السريعة المؤدية إلى الحدود الأرمينية مع أذربيجان عند ممر لاتشين... في سبتمبر 2023 (أ.ب)

وفي هذا السياق، اقترحت يريفان مشروع «مفترق طرق السلام»، الذي أطلقه باشينيان لأول مرة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وتقوم المبادرة على تعزيز العلاقات بين أرمينيا وتركيا وأذربيجان وجورجيا وإيران، من خلال إصلاح وإنشاء البنية التحتية للنقل والطاقة، بما في ذلك خطوط الأنابيب والكابلات وخطوط الكهرباء. ويعدّ بسط سيادة الدولة التي تمر عبر أراضيها هذه البنية التحتية، وممارسة سلطتها القضائية عليها، من أهم مبادئ المشروع.

ويتضمن المشروع ترميم خط سكة حديد «ميغري»، الذي يربط قرية يراسخ في أرمينيا، الواقعة على الحدود مع ناخيتشيفان، بمدينة هوراديز في جنوب غربي أذربيجان. ووفق باشينيان، يمكن أن يصبح هذا المشروع، على غرار «ممر زانغيزور»، جزءاً من ممر دولي لنقل البضائع.

وعرض رئيس الوزراء الأرميني مشروع «مفترق طرق السلام» في منتدى دولي بالعاصمة الجورجية تبيليسي في أكتوبر 2023.

رد فعل إيران

عارضت طهران بشدة إنشاء «ممر زانغيزور»، عادّةً أنه يشكّل تهديداً لمصالحها الوطنية ونفوذها الإقليمي، ولوّحت باتخاذ تدابير «محددة» لضمان أمنها وحماية مصالحها. وتخشى إيران، على نحو خاص، أن يؤدي الممر إلى قطع وصولها البري إلى أرمينيا؛ مما يزيد من عزلتها عن كامل منطقة جنوب القوقاز، فضلاً عن فقدانها دورها بوصفها ممر عبور استراتيجياً في المنطقة.

كما تخشى طهران أن يسهم تعزيز نفوذ تركيا وأذربيجان على حدودها الشمالية في إذكاء النزعة الانفصالية في أذربيجان الإيرانية (الجنوبية). وفي المقابل، أبدت إيران موقفاً إيجابياً تجاه مقترح بديل تدعمه موسكو، يقضي بإنشاء «ممر أرس» عبر الأراضي الإيرانية.

أهمية هذا الممر

يتمتع «ممر زانغيزور» بأهمية اقتصادية وجيوسياسية كبيرة لدول آسيا الوسطى وجنوب القوقاز. ووفقاً لحسابات «البنك الدولي»، التي نقلتها مجلة «فوربس»، فإن فتح الممر سيزيد حجم التجارة العالمية السنوي، من حيث القيمة بمقدار يتراوح بين 50 ملياراً و100 مليار دولار بحلول عام 2027. كما ذكرت وكالة «بلومبرغ» أن فتح الطريق سيقلص زمن مرور البضائع عبر أوراسيا بمقدار بين 12 و15 ساعة.

وأظهرت تقديرات «مركز سياسة بحر قزوين وفورات» أن تكاليف البنية التحتية تتراوح بين 3 و5 مليارات دولار خلال ما بين 5 و10 سنوات، فيما توقعت «أكسفورد إيكونوميكس» انخفاضاً في تكاليف الخدمات اللوجيستية بمقدار بين 20 و30 مليار دولار سنوياً.

بالنسبة إلى أذربيجان، سيوفر المشروع وصولاً مباشراً إلى نخجوان وتركيا؛ مما يسهم في تبسيط التجارة وخفض التكاليف. وبذلك ستتمكن باكو من تقليل اعتمادها على نقل الغاز عبر إيران، التي تحجز 15 في المائة منه بوصف ذلك دفعة من مستحقاتها. ووفقاً لتقديرات خبراء اقتصاديين أذربيجانيين، فستزداد صادرات البلاد بمقدار 710 ملايين دولار، وسينمو الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة اثنين في المائة، كما سيوفر إلغاء الدعم عن الرحلات الجوية بين باكو ونخجوان نحو 10 ملايين دولار سنوياً.

نقطة تفتيش أذربيجانية في ناغورنو كاراباخ خلال أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

أما بالنسبة إلى تركيا، فسيفتح المشروع منفذاً برياً مباشراً إلى بحر قزوين، ويعزز مكانتها بصفتها مركز عبور بين أوروبا وآسيا؛ إذ سيصبح جزءاً من «الممر الأوسط». ومن خلال إنشائه، ستبسط أنقرة تواصلها ليس فقط مع أذربيجان، بل أيضاً مع الدول الأخرى الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى.

ومع ذلك، يشكل «ممر زانغيزور» بالنسبة إلى أرمينيا وإيران مخاطر ترتبط بفقدان السيطرة على تدفقات النقل، وتغيّر التوازن الجيوسياسي في المنطقة. ومع ذلك، كان وزير الاقتصاد الأرميني، فاهان كيروبيان، قد صرّح في خريف عام 2021 بأن «فتح الاتصالات خلال عامين سيمكّن أرمينيا من تحقيق نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 30 في المائة».

قبل إبرام اتفاق واشنطن

واصلت أذربيجان العمل بوتيرة نشطة على إنشاء البنية التحتية في أراضيها، وبحلول فبراير (شباط) اكتمل 62 في المائة من مشروع خط سكة حديد «هوراديز - أغبيند»، الذي يزيد طوله على 110 كيلومترات، توازياً مع إنشاء طريق سريعة بطول 123.5 كيلومتر، اكتملت بنسبة 93 في المائة بحلول أبريل (نيسان). أما مشروع خط السكة الحديد البالغ طوله 224 كيلومتراً من قارص في تركيا إلى نخجوان، فهو في طور التنفيذ، ومن المقرر الانتهاء منه خلال 5 سنوات.

لكن هذه المشروعات تبقى أعمالاً تكميلية؛ إذ لم يُنفَّذ أي عمل فعلي في إنشاء الممر نفسه. وفي يونيو (حزيران)، صرّح حكمت حاجييف، رئيس قسم السياسة الخارجية في الإدارة الرئاسية الأذربيجانية، بأن بلاده تتوقع «خطوات ملموسة من أرمينيا» لتنفيذ المبادرة، واصفاً المقترح الأرميني بشأن «مفترق طرق العالم» بأنه «نهج متأخر ومحدود».

من جانبه، جدّد رئيس الوزراء الأرميني، نيكول باشينيان، خلال اجتماع مع ممثلي الجالية الأرمينية في إسطنبول، معارضته «ممر زانغيزور»، مؤكداً ضرورة تنفيذ مفهوم «مفترق طرق العالم».

مصافحة بين علييف وباشينيان برعاية ترمب (إ.ب.أ)

وفي يوليو (تموز)، برز تطور مهم عندما أعلن السفير الأميركي لدى تركيا استعداد الولايات المتحدة لاستئجار «ممر زانغيزور» لمدة 100 عام، في مبادرة جاءت من تركيا على ما يبدو، مع احتمال أن تتولى شركة أميركية خاصة ضمان تنفيذ المشروع. ولاحقاً، نفت أرمينيا وجود أي خطط لنقل السيطرة على الممر إلى الولايات المتحدة، وأكدت السكرتيرة الصحافية لرئيس الوزراء، نازلي باغداساريان، أن «أرمينيا لم تناقش ولن تناقش نقل السيطرة على أراضيها السيادية إلى طرف ثالث».

لكن الموقف تغيّر سريعاً في 8 أغسطس (آب) الحالي، حين أعلن الطرفان الأرميني والأذربيجاني، خلال محادثات في البيت الأبيض، اتفاقاً تاريخياً على إنشاء طريق عبور باسم «طريق ترمب للسلام والازدهار الدوليين»، تستأجره الولايات المتحدة لمدة 99 عاماً قابلة للتمديد. وبموجب الاتفاق، ستؤجر واشنطن الممر من الباطن إلى ائتلاف شركات يتولى مسؤولية البنية التحتية والإدارة، على أن يُدار وفق القانون الأرميني، وهو حل عُدّ مُرضياً للطرفين؛ إذ وفّر لأذربيجان ممراً يربط أراضيها، ومنح أرمينيا ضمانات لسلامتها الإقليمية.

ورغم أن «إعلان السلام» الموقع في البيت الأبيض لا يُعد معاهدة سلام شاملة، فإن زعيمًيْ أذربيجان وأرمينيا رحبا به، بينما انتقدته طهران بشدة وعدّته «فخاً» لتعزيز الحضور الأميركي في المنطقة بما يهدد روسيا وإيران. أما موسكو، فجاء موقفها حذراً، فرغم امتعاضها من استبعادها عن «اللقاء التاريخي»، فإنها رحبت بجهود واشنطن للسلام، لكن موقف الكرملين من تفاصيل الاتفاق لم يتضح بعد. وفي المقابل، انتقدت نخب سياسية روسية بشدة فكرة الوجود الأميركي، ورأت أن الأمر قد يعني وجود شركة عسكرية أميركية خاصة على الحدود الإيرانية مباشرة.

وعدّ أليكسي تشيبا، النائب الأول لرئيس لجنة الشؤون الدولية في مجلس الدوما، أن نقل «ممر زانغيزور» إلى السيطرة الأميركية «خطوة سياسية بالغة الأهمية» تغيّر موازين القوى في القوقاز. وقال في تصريح لمنصة «لينتا رو»: «نقطة بالغة الأهمية. (ممر زانغيزور)، الذي سُمي (ممر ترمب)، ويغيّر موازين القوى في منطقة القوقاز، يمكن أن يزعزع مصالح إيران بشكل كبير، ويعزز مكانة تركيا بشكل كبير، وكل ذلك تحت سيطرة الولايات المتحدة، دون أي مشاركة من روسيا. هذا يؤثر على مصالح الصين، وبطبيعة الحال على مصالح الدول المجاورة لمنطقة القوقاز».


مقالات ذات صلة

ماكرون يستعجل تفعيل المبادرة الأوروبية لضمان الملاحة عبر «هرمز»

شؤون إقليمية سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)

ماكرون يستعجل تفعيل المبادرة الأوروبية لضمان الملاحة عبر «هرمز»

الرئيس الفرنسي يستعجل تفعيل المبادرة الفرنسية البريطانية لضمان الملاحة في مضيق هرمز... وانطلاقها مرتبط بما تخطط له واشنطن وما تريده طهران.

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

قوبل الاتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الذي لم تكشف تفاصيله رسمياً بعد، الاثنين، بمزيج من التشكيك والارتياح الشعبي في أنحاء الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ صورة جوية لسفن في مضيق هرمز (رويترز) p-circle

فانس: مضيق هرمز سيظل مفتوحاً دون رسوم على المدى الطويل

قال نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، اليوم (الاثنين)، إن الولايات المتحدة تتوقع أن يظل مضيق هرمز مفتوحاً دون رسوم على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
رياضة عالمية بعثة المنتخب الإيراني غادرت تيخوانا وسط تحية الجماهير (رويترز)

وداع مبهج لمنتخب إيران في تيخوانا قبل مباراته الأولى بالمونديال

غادرت بعثة المنتخب الإيراني لكرة القدم معسكرها في تيخوانا الأحد بعدما حظيت بوداع حماسي.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية أسطورة كرة القدم الإيرانية خداداد عزيزي (وكالة الأنباء الإيرانية)

نجم إيران السابق عزيزي: على كرة القدم خدمة السلام وليس السياسة

يرى أسطورة كرة القدم الإيرانية، خداداد عزيزي، أنه يجب على اللعبة الشعبية الأولى في العالم أن تخدم «السلام».

«الشرق الأوسط» (طهران)

ماكرون يستعجل تفعيل المبادرة الأوروبية لضمان الملاحة عبر «هرمز»

سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)
TT

ماكرون يستعجل تفعيل المبادرة الأوروبية لضمان الملاحة عبر «هرمز»

سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)
سفن راسية في مضيق هرمز 8 يونيو (رويترز)

بعد ساعات قليلة على الإعلان عن توصل الجانبين الأميركي والإيراني إلى «اتفاق إطاري» حول وقف الحرب وتحديد مهلة من 60 يوماً لإطلاق مفاوضات حول الملفات الخلافية ودعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العودة إلى الإبحار عبر مضيق هرمز، عجل الرئيس الفرنسي بعرض خدماته وتفعيل المبادرة المشتركة التي أطلقها في أبريل (نيسان) الماضي مع رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، لتوفير الحماية للسفن التي تعبر مضيق هرمز.

ومنذ البداية، ربطت باريس ولندن السير في هذه المبادرة بمجموعة من الشروط، أولها أن تنطلق بعد انتهاء المعارك والتوصل إلى اتفاق، وثانيها أن تكون «منفصلة» عما تقوم به القوات الأميركية في المنطقة، وثالثها موافقة واشنطن وطهران عليها مع توافر ضمانات بامتناع الطرفين عن استهدافها.

ومع الاتفاق الأخير، يكون الشرط الأول قد توافر. ولا شك أن المناقشات التي ستحصل منذ اليوم الأول في إطار قمة «مجموعة السبع» في مدينة إيفيان الفرنسية ستركز على هذه المسألة، خصوصا أن كافة التعليقات التي صدرت عبر العالم، وتحديداً من الاتحاد الأوروبي جماعياً ومن العواصم منفردة، كلها شددت على أهمية ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وضرورة أن تكون متحررة من دفع أي رسوم بأي صيغة كانت.

المهمة البحرية الدولية

ماكرون يتحدث خلال مقابلة على هامش قمة «مجموعة السبع» في فرنسا 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وفي مقطع فيديو نشره ليل الأحد ـ الاثنين على منصة «إنستغرام» أكد ماكرون الذي تترأس بلاده «مجموعة السبع» للعام الحالي، إن قادة المجموعة سوف يناقشون النتائج المختلفة المترتبة على الاتفاق الأميركي ـ الإيراني.

وأردف ذلك بتغريدة على منصة «إكس» جاء فيها أن المهمة البحرية الدولية «متوافرة وجاهزة لمواكبة» عملية إعادة فتح المضيق، مشدداً على أهمية أن تكون «عاجلة وغير مشروطة».

وفي حديثه، يوم الاثنين، للقناة الأولى في التلفزة الفرنسية، بدا ماكرون مستعجلاً وذهب إلى تأكيد أن القوة البحرية التي تم تجميعها ليس بعيداً عن مضيق هرمز «جاهزة للانتشار بسرعة كبيرة». وأشار إلى أن حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» التي تبحر في مياه بحر العرب منذ عدة أسابيع يمكن أن تكون بالمنطقة في غضون فترة تتراوح بين يومين وثلاثة أيام، بعد تأكيد الاتفاق الأميركي ـ الإيراني المفترض أن يتم توقيعه في جنيف حضورياً يوم الجمعة القادم.

ضمان عدم فرض رسوم

بزشكيان أثناء أحد لقاءاته بممثلي وسائل الإعلام في طهران (الرئاسة الإيرانية)

كما أكد ماكرون أن المجموعة «سوف تفعل كل ما في وسعها» لضمان ألا تتمكن إيران من فرض رسوم مرور في المضيق.

اللافت أن ماكرون كان، من بين كافة زعماء الدول التي تعهدت بالمساهمة في القوة البحرية بما فيها هولندا وإيطاليا اللتان أرسلتا قطعاً بحرية إلى المنطقة، خصوصاً الشريك الرئيسي بريطانيا، الأكثر استعجالاً لنشر القوة والبدء في ممارسة المهام التي أُنشئت من أجلها.

فرئيس الوزراء البريطاني ستارمر الذي يعاني من مشاكل داخل حزبه بعد استقالة وزير دفاعه الأسبوع الماضي، بقي متمترساً داخل العموميات ولم يواكب ماكرون في تصريحاته. واكتفى ستارمر ببيان جاء فيه أنه «يجب الآن التركيز على التنفيذ الكامل لبروتوكول التفاهم من أجل ضمان إعادة فتح مضيق هرمز، والتأكد من بقائه مفتوحاً بشكل كامل ودائم، وكذلك على استكمال التفاصيل النهائية للاتفاق المتعلق بالبرنامج النووي».

لا شك أن استعجال ماكرون يهدف، في أحد جوانبه، كما يقول سفير فرنسي سابق، إلى «التقارب مجدداً» مع الرئيس ترمب الذي عبر في العديد من المرات عن غيظه من امتناع شركاء بلاده في حلف «الناتو» عن مساعدتها في ضمان سلامة وأمن المضيق الذي أغلقته إيران بشكل شبه تام بعد أيام قليلة من بداية الحرب مع أميركا وإسرائيل.

وكانت لافتة تغريدة ترمب بعد الإعلان عن الاتفاق إذ كتب قائلاً: «أوافق بالكامل على إعادة فتح مضيق هرمز من دون رسوم عبور، وبالتوازي مع ذلك على الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي. إلى سفن العالم أجمع: شغّلوا المحركات. دعوا النفط يتدفق بغزارة».

وأكد أن إعادة فتح المضيق ستتم «فور توقيع الاتفاق يوم الجمعة، بما يسمح ببدء عمليات إزالة الألغام».

إزالة الألغام

جانب من مؤتمر صحافي مشترك لماكرون وستارمر في «الإليزيه» يوم 17 أبريل (رويترز)

المهمة الأخيرة هي إزالة الألغام، يمكن أن تكون المدخل الذي عبره سيعود الأوروبيون وغيرهم للعب دور في الملف الإيراني خصوصاً أنها تشكل إحدى مهمات القوة البحرية التي يشرف عليها الفرنسيون والبريطانيون.

كثيرة هي الدول التي أعربت عن استعدادها للمشاركة في القوة البحرية المشتركة. فإضافة لفرنسا وبريطانيا، هناك أيضاً ألمانيا وبلجيكا والدنمارك واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال. ولا يريد الأوروبيون أن يبقوا وحدهم في الميدان ويرغبون بانضمام دول خليجية وآسيوية إلى جانبهم.

وفي مجال نزع الألغام، تتوافر في المنطقة ثلاث كاسحات ألغام على الأقل ألمانية وإيطالية والعديد من المدمرات. ومن الناحية النظرية، فإن هذه القطع جاهزة كما يقول ماكرون لبدء مهماتها. لكن شيئاً من هذا لن يتحقق قبل التعرف على الخطط الأميركية وعلى كيفية المواءمة بين الحضور العسكري الأميركي والقوة المحايدة.

كذلك ثمة مجهولان إضافيان: الأول يتمثل في الموقف الإيراني، وقد سبق لطهران أن حذرت من نشر قوة كهذه. والمجهول الثاني معرفة ما إذا كانت هذه المبادرة ستحتاج إلى ضوء أخضر من الأمم المتحدة أم أنها سوف تعمل خارج العباءة الدولية.

ويأمل قادة «مجموعة السبع» في أن تتيح اجتماعات الاثنين والثلاثاثاء توضيح المسائل الغامضة المشار إليها. وسبق لبرلين أن نبهت مراراً إلى الحاجة لغطاء دولي لمهمة من هذا الشكل.


آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

آمال وترّيث في الشرق الأوسط بعد الاتفاق الأميركي الإيراني

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

قوبل الاتفاق لإنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران الذي لم تكشف تفاصيله رسمياً بعد، الاثنين، بمزيج من التشكيك والارتياح الشعبي في أنحاء الشرق الأوسط، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

في لبنان، شاهد مراسلو «وكالة الصحافة الفرنسية» نازحين يستعدون للعودة إلى منازلهم في جنوب البلاد، رغم إعلان وزراء إسرائيليين أنهم لا يشعرون بأنهم ملزمون بالاتفاق لوقف الهجوم على «حزب الله».

عند جسر القاسمية، بوابة منطقة صور التي قصفتها إسرائيل في الأسابيع الأخيرة، مرت عشرات السيارات المحملة بالفرش والحقائب عبر نقطة تفتيش للجيش اللبناني، بينما رفع الركاب شارة النصر.

وقال علاء مرعي بينما كان يقود سيارته برفقته زوجته وأطفالهما، «نعود إلى جنوبنا والى الأرض الحرة... لا يمكننا أن نستغني عن أرض الجنوب».

وأعرب كثر من سالكي طريق الجنوب عن أملهم في أن تكون هذه «العودة نهائية» بعدما اضطر مئات الآلاف لترك منازلهم هرباً من القصف وإنذارات الإخلاء الإسرائيلية.

في مدرسة مكتظة استحالت ملجأ في مدينة صيدا الساحلية، جلس النازحون في الفصول الدراسية يشربون القهوة، في انتظار تصريح رسمي للعودة.

مركبات على طول مبانٍ مدمرة بينما أقام الجيش اللبناني نقطة تفتيش في قرية كفرا بجنوب لبنان يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«سننصب خيمة»

من هؤلاء هيفاء شرّي، النازحة من بلدة خربة سلم في قضاء بنت جبيل قرب الحدود، التي قالت إن «الدنيا لا تسع فرحتنا».

لكنها أضافت أنها تتريث في العودة بانتظار أن تتوضح الأمور.

وحضّ الجيش اللبناني النازحين على تأجيل عودتهم إلى القرى الحدودية الجنوبية، بينما طلبت عدة بلديات من الناس انتظار التوجيهات.

لكن في صيدا، قالت هناء جفّال إنها تخطط للعودة، الاثنين، إلى بلدتها أنصار قرب النبطية حيث تقدّمت القوات الإسرائيلية مؤخراً.

وقالت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا شعور يضاهي عودتنا إلى أرضنا حتى لو لم تعد المنازل موجودة»، مضيفة: «سننصب خيمة ونمكث فيها». ورأت أن «الفضل» في وقف النار يعود إلى إيران التي تمسكت بأن يشمل الاتفاق لبنان خلال المفاوضات الشاقة مع الولايات المتحدة.

وأعلنت إيران وباكستان، الوسيط الرئيسي في الاتفاق، أنه ينص على إنهاء القتال في لبنان، لكن وزراء إسرائيليين قالوا إن قواتهم لن تنسحب.

أشخاص على شاطئ البحر في تل أبيب إسرائيل يوم 15 يونيو 2026 (أ.ب)

على الجانب الإسرائيلي من الحدود، كانت ردود الفعل أكثر تبايناً، حيث أعرب كثيرون عن شكوكهم في أن يسود السلام.

وقالت نعومي حدار الرئيسة التنفيذية لمنظمة طبية غير ربحية: «لا أتوقع أن تصمد هذه الهدنة. لا أعتقد أنهم أخذوا في الحسبان الاحتياجات الإسرائيلية، وأنا شخصياً مستاءة من ذلك».

وأضافت: «أعتقد أنه يجب أن نكون أقوى، وأن ندافع عن حقوقنا، فنحن بلد حرّ، وعلينا اتخاذ قراراتنا الخاصة لحماية مواطنينا».

أما كوبي هيلر (40 عاماً)، وهو من سكان القدس ومالك عيادات لتقويم العظام، فقال إن «كل من أتحدث إليه يقول لي: لقد انهزمنا».

وتابع: «شن الرئيس (الأميركي دونالد) ترمب حرباً بالشراكة مع إسرائيل لتحقيق أهداف. كانت هذه الأهداف، كما صرّح، تفكيك الصواريخ، وإزالة مخزون اليورانيوم من إيران. ولم يتحقق أي من الهدفين».

إيرانيون يمرّون أمام لوحة إعلانية تصوّر المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في ساحة في طهران يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

«قد لا يكون مُرضياً»

في إيران، حيث قمعت السلطات بشدة احتجاجات مناهضة لها قبل شهر من بدء الحرب، كان أغلب التفاؤل موجّهاً للاقتصاد وليس السياسة.

وقال عرفان، وهو تاجر من طهران يبلغ 18 عاماً، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إنه يأمل أن يؤدي إنهاء العقوبات إلى إعادة الاقتصاد الإيراني إلى مساره الصحيح. وأضاف: «بالطبع، إذا التزم الأميركيون بكلمتهم ولم يخلفوا بوعودهم، كالعادة».

وقالت نسترن، وهي مهندسة برمجيات تبلغ 29 عاماً، إنها ستكون سعيدة للغاية «بمجرد انتهاء الحرب، ورفع العقوبات المفروضة علينا».

ورأى صادق، وهو موظف حكومي يبلغ 52 عاماً، أن على واشنطن أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات لينجح الاتفاق. وتابع: «قد لا يكون الأمر مُرضياً لكلا الجانبين، لكن الدول تحتاج إلى السلام والهدوء، وآمل أن يلتزم الجانب الآخر بهذا الاتفاق».


إجماع إسرائيلي نادر ضد التفاهم الأميركي - الإيراني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال استقباله في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا في ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال استقباله في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا في ديسمبر 2025 (أ.ب)
TT

إجماع إسرائيلي نادر ضد التفاهم الأميركي - الإيراني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال استقباله في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا في ديسمبر 2025 (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال استقباله في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا في ديسمبر 2025 (أ.ب)

يجمع السياسيون الإسرائيليون، من الحكومة والمعارضة، بمن فيهم جنرالات سابقون وحاليون وقادة الجيش والمخابرات، على أن مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية «سيئة جداً»، وتتعارض مع المصالح الأميركية والإسرائيلية.

وكشفت مصادر سياسية مقربة عن أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وعلى الرغم من «البهدلة» العلنية الثانية والإهانات والشتائم التي حرص الأميركيون على نشرها وتعميمها في الإعلام، طلب لقاء عاجلاً مع الرئيس دونالد ترمب لبحث التبعات المقلقة لمذكرة التفاهم على إسرائيل.

وقالت هذه المصادر إن نتنياهو، الذي التزم الصمت ساعات طويلة منذ التوقيع على الاتفاق، طلب الوصول إلى البيت الأبيض في نهاية الأسبوع المقبل، بعد عودة الرئيس ترمب من اجتماع مجموعة السبع بفرنسا، لبحث إمكان تصحيح بعض البنود التي تتسم بالضبابية، ويمكن أن يستخدم الإيرانيون ثغراتها لإجهاض التفاهمات ومواصلة مشروعاتهم الخطيرة، سواء في تطوير سلاح نووي أو تعزيز ترسانتهم من الصواريخ الباليستية أو استخدام مليارات الدولارات التي ستُحرر بموجب التفاهمات لإعادة تعزيز القوة العسكرية لأذرعها المحيطة بإسرائيل، وفي مقدمتها «حزب الله» اللبناني، و«حزب الله» العراقي، و«حماس» و«الجهاد» في فلسطين، والحوثيون في اليمن.

وقالت مصادر سياسية في تل أبيب إن نتنياهو كان على اطلاع على مذكرة التفاهم، وكان يدرك أنها تضعه في مأزق شديد. فمن جهة، لا تحقق المذكرة مطالب إسرائيل، ولذلك يصعب تسويقها داخلياً؛ ومن جهة أخرى، لا يستطيع نتنياهو أن يقف معارضاً لها، لأن ذلك يعني الدخول في مواجهة مع الرئيس ترمب، بكل ما ينطوي عليه ذلك من أضرار.

وعندما قرر ترمب أن الاتفاق سيوقَّع كان نتنياهو يترأس اجتماع «الكابنيت»؛ المجلس الوزاري الأمني المصغر. فغادر الاجتماع لأمر وُصف بالحساس، ثم عاد ليخبر الوزراء بأنه تحدث للتو مع الرئيس ترمب، وأن المكالمة كانت مشوبة ببعض التوتر وكشفت عن اختلافات كثيرة في وجهات النظر.

نتنياهو يتوسط المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر خلال اجتماع الحكومة الإسرائيلية بالقدس أكتوبر الماضي (أرشيفية - إ.ب.أ)

وقال نتنياهو، حسب المصادر: «لأنه الرئيس ترمب، أقرب رؤساء أميركا إلى إسرائيل وأشدهم دعماً لها، ولأنه رئيس الولايات المتحدة الذي لا يريد لإسرائيل سوى الخير والنجاح، بات ملحاً الجلوس معه وفتح كل الأوراق على الطاولة، ودعوته إلى مساندة إسرائيل في سعيها لإحباط القدرات العسكرية لـ(حزب الله) اللبناني وبقية التنظيمات الموالية لإيران».

وقالت هذه المصادر، حسب صحيفة «معاريف»، إن ترمب «فقد كل الفرامل» في التعامل مع نتنياهو، وإن من الضروري تصحيح العلاقات معه. ولا يريد نتنياهو أن يتفاقم الغضب الأميركي عليه أكثر، لأنه ما زال بحاجة ماسة إلى ترمب في المواجهات التالية، خصوصاً مفاوضات الستين يوماً، وحرية العمل في لبنان، ومتطلبات اتفاق غزة التي ستعود إلى الواجهة بعد وقف النار مع إيران، بالإضافة إلى الاتفاق الاستراتيجي الجديد والانتخابات المقبلة.

صدمة داخل الحكومة

لكن نتنياهو لم يستطع لجم جميع وزرائه، فخرج عدد منهم بتصريحات صريحة ضد الاتفاق، وحتى ضد الرئيس ترمب. ونقلت «القناة 13» الإسرائيلية عن مسؤول إسرائيلي رفيع أن الاتفاق الأخير يمثّل صدمة للمؤسسة السياسية والعسكرية في إسرائيل، مشيراً إلى أن هذا التقييم يشمل مختلف المستويات القيادية. وأضاف المسؤول أن «لا أحد في القمة الإسرائيلية يعتقد خلاف ذلك، بدءاً من رئيس الحكومة وصولاً إلى رئيس أركان الجيش وبقية قادة الأجهزة الأمنية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إنه يتبنى مع نتنياهو سياسة تقضي ببقاء الجيش الإسرائيلي فيما وصفها بـ«المناطق الأمنية» داخل لبنان وسوريا وقطاع غزة، مشدداً على استمرار هذا النهج الأمني. وأضاف أن إسرائيل ترفض الانسحاب من لبنان، رغم الضغوط الدولية الحالية والمستقبلية، مؤكداً أن هذا الموقف ثابت وغير قابل للتغيير في المرحلة الراهنة.

وحذر كاتس من أن أي هجوم إيراني على إسرائيل على خلفية التطورات في لبنان سيقابل برد عسكري واسع وقوي، وفق تعبيره.

وقال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إن الاتفاق لا يلزم إسرائيل بأي شكل، مشدداً على أن تل أبيب دولة مستقلة وذات سيادة، وأنها ستواصل اتخاذ ما تراه مناسباً لحماية مواطنيها وجنودها. وأضاف بن غفير أن إسرائيل ليست شريكاً في هذا الاتفاق الذي لا يراعي، حسب وصفه، اعتباراتها الأمنية، مؤكداً رفضه الالتزام به أو الاعتراف بآثاره.

رفض من المعارضة

واتخذ جميع قادة المعارضة الإسرائيلية موقفاً رافضاً للاتفاق، محاولين تحميل نتنياهو مسؤولية الفشل في الوصول إلى اتفاق أفضل. وقال رئيس قائمة «بِياحد» نفتالي بينيت، إن الاتفاق «تحول خطير على أمن إسرائيل، وبإمكان قيادة جديدة فقط التصحيح»، مضيفاً: «في الحرب مع إيران رأينا العمليات الهائلة للجيش الإسرائيلي وقوات الأمن في الجبهة، وبطولة الشعب في الجبهة الداخلية، واكتشفنا هذا الصباح مرة أخرى أن الحكومة ليست قادرة على تحويل كل ذلك إلى إنجازات أمنية مستدامة».

وأضاف بينيت أن لديه ورفاقه في المعارضة خطة استراتيجية واضحة لدفع النظام الإيراني إلى الانهيار. وقال: «بيد واحدة لن نسمح لإيران بالانطلاق نحو النووي، وباليد الثانية سنحقق تفكيك النظام بوسائل سياسية واستخباراتية واقتصادية وتكنولوجية وعسكرية معاً».

وقال رئيس حزب «يَشار» غادي آيزنكوت، إنه «بعد ثلاث سنوات تقريباً على إخفاق 7 أكتوبر، وأثمان باهظة وإنجازات عسكرية جديرة، استيقظت إسرائيل هذا الصباح على اتفاق تبلور بعيداً عن هنا وبعيداً عن المصلحة الإسرائيلية». وأضاف أن ما بدأ بوصفه «الإخفاق الأخطر، مع شرعية داخلية ودولية تاريخية، أثمر نتيجة مخيبة للآمال لحكومة فاشلة عملت بغياب استراتيجية وشجاعة سياسية أو قيادية، وفقدت طوال ثلاث سنوات ثقة الجمهور والحلفاء، وتخلت عن سكان إسرائيل».

وأضاف آيزنكوت أن «هناك هوة عميقة بين الوعود الفارغة بالانتصار المطلق وهذا الصباح». وقال إن الشعب كان يتوقع «صباحاً يحمل بشائر واتفاقاً يؤدي إلى إخراج اليورانيوم، وإزالة مخاطر الصواريخ، وإلغاء معادلة إطلاق النار، والحفاظ على حرية العمل الإسرائيلية، والفصل بين الساحات، وبالأساس ضمان أمن حقيقي في الشمال وفي دولة إسرائيل كلها».

ولفت رئيس حزب «الديمقراطيين» اليساري، يائير غولان، إلى أن «هذا صباح صعب لإسرائيل». وقال إن الإسرائيليين «استيقظوا هذا الصباح على اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران تم التوصل إليه فوق رأس إسرائيل، وبتوقيعه بجرة قلم مُحيت إنجازات عسكرية هائلة تحققت بشجاعة طيارينا ودماء جنودنا، في وقت وقف فيه نتنياهو جانباً، ضعيفاً ومريضاً ومعزولاً وعديم التأثير».

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي في يناير 2025 (د.ب.أ)

وقال غولان إن ترمب «يوقع على اتفاق يضخ مليارات في نظام آية الله، ويبقي البنية التحتية النووية على حالها، ويبقي التهديد الباليستي كما هو، ويمنح حبل نجاة للنظام القاتل في طهران». وأضاف أن ذلك «ملخص سنوات طويلة من الإخفاق».

وتابع غولان أن نتنياهو «هو الشخص الذي باع طوال سنوات للجمهور صورة كاذبة عن نفسه بوصفه السيد أمن، لكنه تحول فعلياً إلى أب للفشل الاستراتيجي الأكبر في تاريخ إسرائيل، وهو الذي بنى مفهوم أن حماس كنز».

وقال رئيس حزب «كاحول لافان»، بيني غانتس، إن الاتفاق مع إيران يمثّل «فشلاً استراتيجياً لإسرائيل»، لافتاً إلى أنه سيقود إلى مرحلة من الصراع السياسي والعسكري والقانوني خلال السنوات المقبلة. وأضاف أنه لا يجوز الموافقة على أي قيود تمس حرية عمل إسرائيل في لبنان، أو على أي انسحاب قد يعرّض سكان الشمال للخطر. وقال إن التعامل مع هذا الواقع يتطلّب «حكومة صهيونية واسعة قادرة على إدارة المواجهة في مختلف الساحات».

وقال رئيس حزب «يسرائيل بيتينو»، أفيغدور ليبرمان، إنه «لو تم توقيع الاتفاق في ولاية حكومة التغيير، لاتهمنا نتنياهو بالخيانة». وأضاف خلال اجتماع كتلة حزبه في الكنيست: «للأسف، مررنا مع القيادة الحالية بالكارثة الأمنية الأصعب في تاريخ إسرائيل منذ المحرقة، مجزرة 7 أكتوبر. والآن يقودوننا إلى الكارثة السياسية الأشد التي حصلت لإسرائيل، ومنها إلى كارثة اقتصادية مرتبطة بغلاء المعيشة. والجمهور ما زال لا يدرك أننا في الطريق إلى كارثة اقتصادية لا تقل خطورة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended