الجزائر: إقالة «الجنرال حسان» تفتتح مرحلة «إعادة التموضع» ومواجهة التحديات الإقليمية

بروفايل تقني لتأمين استقرار جهاز الأمن الداخلي

اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)
اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر: إقالة «الجنرال حسان» تفتتح مرحلة «إعادة التموضع» ومواجهة التحديات الإقليمية

اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)
اجتماع الإعلان عن التغيير في قيادة الأمن الداخلي بإشراف الوزير المنتدب للدفاع (وزارة الدفاع)

لم يكن قرار إبعاد مدير الأمن الداخلي الجزائري، اللواء عبد القادر آيت وعرابي، الذي أُعلن عنه الخميس، مفاجئاً للأوساط السياسية والإعلامية؛ فقد راجت أخبار في الأيام الأخيرة، نقلتها حسابات مجهولة بمواقع التواصل الاجتماعي، تفيد بأن الرجل «لم يعد على توافق مع القيادتين السياسية والعسكرية»، من دون أن تتضح الأسباب.

عبد القادر آيت وعرابي مدير الأمن الداخلي المقال (وزارة الدفاع)

أشرف الفريق أول السعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش، على التنصيب الرسمي للواء منير زاهي مديراً عاماً للأمن الداخلي، بمقر وزارة الدفاع، خلفاً للواء عبد القادر آيت وعرابي، لتستمر بذلك حركة التغييرات المتتالية على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي. فمنذ 2019 عرف هذا الجهاز الأمني الحساس تعاقب 6 قادة على رئاسته، وهي وتيرة تجديد لم تكن معتادة من قبل، وقد غذّت القراءات والتحليلات بشأن وجود حالة من عدم الاستقرار المستمر داخل الجهاز الأمني.

بعد أقل من عام على تعيينه، غادر اللواء عبد القادر آيت وعرابي، المعروف بـ«الجنرال حسان»، رئاسة الأمن الداخلي في أجواء سادها التكتم. ورغم الصبغة الإدارية للقرار، فإن خلفياته انقسمت بين روايتين: الأولى تلوّح بانسحابه طوعاً لنائبه. والأخرى ترجح إقالته «بسبب خلافات استراتيجية مع القيادة العسكرية بشأن إدارة ملفات حساسة». وقد خلفه في المنصب الجنرال منير زاهي، المتحدر من صفوف المديرية نفسها.

مخاض القيادة والعقيدة

يثير الرحيل المبكر لآيت وعرابي (75 سنة) تساؤلات جوهرية، طُرحت بنفس الحدة لدى تعيينه على رأس الجهاز الأمني في يوليو (تموز) 2025؛ فقد كان غادر تواً السجن العسكري حيث قضى 5 سنوات بناء على تهمتَي «مخالفة التعليمات العسكرية»، و«إتلاف وثائق عسكرية ذات طابع استراتيجي». وعُد تعيينه آنذاك مؤشراً على رغبة القيادة في استعادة السيطرة وإرساء الاستقرار في هذا القطاع الاستراتيجي، إلا أن مغادرته الخاطفة، بعد أشهر معدودة من الممارسة، تشكل قطيعة مع التقاليد المعهودة في تداول السلطة داخل مفاصل الدولة العليا، وتسلط الضوء على طبيعة التفاعلات والديناميكيات الداخلية التي يعيشها الجهاز الأمني.

منير زاهي المدير الجديد للأمن الداخلي (وزارة الدفاع)

تأتي هذه الخطوة لتكمل مشهداً بدأ بإنهاء مهام سلفه، الجنرال عبد القادر حداد، المعروف بـ«ناصر الجن»، والذي غادر هو الآخر قيادة المديرية في ظروف وُصفت بالمضطربة، وبعد حركية عملياتية مكثفة. وهو حالياً رهن الحبس الاحتياطي بالسجن العسكري، من دون أن تُعرف التهمة أو التهم الموجهة له.

ويشير هذا التتابع السريع لرئيسين على رأس الأمن الداخلي، في حيز زمني وجيز، في تقدير مراقبين، إلى مراجعات في العقيدة الأمنية، أو تحكيمات استراتيجية حاسمة على أعلى مستويات القرار.

ويندرج التغيير الأخير، حسب نفس المراقبين، في سياق حالة عدم الاستقرار الإداري، التي تلازم المديرية العامة للأمن الداخلي، منذ التحول السياسي الذي شهدته البلاد عام 2019 برحيل الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عن الحكم تحت ضغط الحراك الشعبي.

مدير المخابرات سابقاً واسيني بوعزة مسجون منذ 2019 (وزارة الدفاع)

فخلال السنوات السبع الماضية تعاقب على رئاسة هذا الهيكل الحساس عدد غير مألوف من القادة، ما يشكل قطيعة واضحة مع مرحلة «الولايات الطويلة»، التي كانت سائدة في السابق، خصوصاً مع الفريق محمد مدين، الذي بقي على رأس الأمن الداخلي لمدة 25 سنة (1990 - 2015)، وسُجن هو الآخر في سياق الانفجار الشعبي ضد بوتفليقة؛ إذ اعتقله رئيس أركان الجيش الراحل أحمد قايد صالح هو وخليفته الجنرال بشير طرطاق، ووُجهت لهما تهمة «التآمر على سلطة الدولة والجيش».

هذا المخاض المتسارع داخل جهاز مكلف بملفات سيادية حارقة، مثل مكافحة التجسس، وحماية أمن الدولة، ومواجهة المخاطر العابرة للحدود، يترجم حسب المتابعين للشأن السياسي عمق التحديات الراهنة. كما يعكس هذا التغيير، في نظرهم، أن الأمن الداخلي يمر بمرحلة إعادة تموضع للبحث عن استقرار قيادي، وهي معادلة صعبة تفرضها ضرورة عصرنة آليات التحقيق، والتصدي للحروب السيبرانية والهجينة، فضلاً عن المناورة، وسط محيط إقليمي شديد التعقيد والاضطراب.

تأمين انتقال هادئ

أول من دفع ثمن انعدام الاستقرار في هذا الجهاز، هو العميد واسيني بوعزة، الذي عُين على رأس المديرية العامة للأمن الداخلي في أبريل (نيسان) 2019، واستمر في منصبه حتى أُقيل في أبريل 2020، وتوبع قضائياً وصدرت بحقه أحكام بالسجن، وجرّدته القيادة العسكرية من رتبته السامية، ثم جاء بعده اللواء عبد الغني راشدي في أبريل 2020، واستمر في منصبه حتى صيف 2022.

قائد جهاز الأمن الداخلي الجديد لدى تقليده رتبة «لواء» (أرشيفية - وزارة الدفاع)

وتعاقب بعد هذه الفترة على رئاسة الجهاز كل من اللواء جمال كحال مجذوب (2022)، ثم اللواء عبد القادر حداد، ليعقبه اللواء عبد القادر آيت وعرابي، وصولاً إلى التعيين الأخير للجنرال منير زاهي.

ووفق مصادر مطلعة، فقد جاء اختيار القائد الجديد للأمن الداخلي ليعكس رغبة واضحة في الحفاظ على الاستمرارية، والاعتماد على الكفاءات الفنية. فالجنرال منير زاهي يعد «ابناً شرعياً» للمؤسسة الاستخباراتية والأمن العسكري؛ إذ تدرج في الرتب العملياتية عبر مختلف المديريات الفرعية، وهو ما أتاح له قبضة محكمة على أدق ملفات الأمن الوطني.

ولا تقتصر مؤهلاته على العمل الميداني، حسب ذات المصادر، بل تمتد إلى الساحة الدولية من خلال إشرافه على ملفات تعاون استراتيجي، وحوارات أمنية وعسكرية رفيعة المستوى مع شركاء غربيين وازنين كالولايات المتحدة. ومن شأن تعيين هذا الضابط السامي، الموصوف بالصرامة والتكتم وببروفايله التكنوقراطي، أن يحقق تطلعات القيادة العليا في تأمين انتقال داخلي هادئ، يضمن استقرار الجهاز، ويحول دون حدوث أي شرخ في منظومة العمل السيادي، بحسب ما تتوقعه المصادر نفسها.


مقالات ذات صلة

الجزائر تدفع بملف الألغام الاستعمارية إلى واجهة حقوق الإنسان

شمال افريقيا ممثل الجزائر بمجلس حقوق الإنسان بجنيف (بعثة الجزائر بجنيف)

الجزائر تدفع بملف الألغام الاستعمارية إلى واجهة حقوق الإنسان

قالت الجزائر إن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتمد قراراً بشأن مشروع تقدمت به في يونيو (حزيران) الماضي، يتعلق بالألغام المضادة للأفراد.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة تصويت النواب على مشروع مراجعة قانون العقوبات (البرلمان)

«الأمة الجزائري» يصادق على قانون يمهد لإعادة تنفيذ عقوبة الإعدام

صادق مجلس الأمة الجزائري، الأربعاء، بالإجماع على نص القانون المعدل والمتمم لقانون العقوبات، والمتضمن استحداث عقوبة الإعدام لعدد من الجرائم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية فرحة لاعبي الجزائر بهدف رامي بنسبعيني في مرمى النيجر (الاتحاد الجزائري)

الجزائر تفوز على النيجر ودّيا

قلب منتخب الجزائر الطاولة على ضيفه النيجر، وهزمه بنتيجة 2 / 1 في مباراة ودية أقيمت مساء الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (تيزي وزو (الجزائر))
شمال افريقيا مدير الديوان بالرئاسة السابق مع الرئيس تبون وقائد أركان الجيش (الرئاسة)

رحيل مدير الديوان يعيد ترتيب أوراق السلطة في الجزائر

يرجّح متتبعون في الجزائر أن تنحصر أبرز الأسماء المطروحة لخلافة مدير الديوان برئاسة الجمهورية في إبراهيم مراد وسيفي غريب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية الدولي الجزائري رياض محرز لدى وصوله للعاصمة القطرية الدوحة (نادي الشمال)

محرز يصل الدوحة تمهيداً للانضمام إلى الشمال

وصل الدولي الجزائري رياض محرز إلى العاصمة القطرية الدوحة، الاثنين، تمهيداً لإتمام إجراءات انتقاله إلى صفوف نادي الشمال القطري في صفقة انتقال حر.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
TT

رئاسة عبد النبي للبرلمان الليبي تعمّق خلافات النواب

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)
رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي خلال ترؤسه جلسة المجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

عمّق انتخاب الصالحين عبد النبي رئيساً لمجلس النواب الليبي، خلفاً لعقيلة صالح، خلافات داخل المؤسسة التشريعية، بعدما رفض عدد من النواب نتائج جلسة بنغازي، وأعلنوا التوجه لعقد جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، في خطوة تثير تساؤلات حول ما إذا كان الخلاف سيبقى داخل المجلس أم سيتطور إلى مسار انقسامي.

وانتُخب عبد النبي خلال جلسة عُقدت في بنغازي، الثلاثاء، بحضور 111 نائباً، كما انتخب المجلس طارق الأشتر نائباً أول للرئيس، ومصباح دومة نائباً ثانياً، وزايد هدية مقرراً، ومحمد تامر نائباً للمقرر، إلى جانب ثلاثة مراقبين للمجلس.

رئيس مجلس النواب الليبي المنتخب الصالحين عبد النبي (المكتب الإعلامي لمجلس النواب)

وجاء انتخاب هيئة الرئاسة الجديدة بعد تصويت 98 نائباً من أصل 102 حضروا جلسة سابقة يوم الاثنين على تعديل اللائحة الداخلية للمجلس، في خطوة مهّدت لإعادة تشكيل هيئة الرئاسة، وإنهاء الترتيب السابق الذي ظل قائماً منذ انتخاب أول هيئة للمجلس في عام 2014، ولم تخلُ من جدل برلماني.

وبحسب مراقبين، قاد فريق من النواب تحركاً رافضاً لانتخاب هيئة الرئاسة الجديدة، برز من بينه عضو مجلس النواب عن الزاوية علي بوزريبة، الذي وصف جلسة بنغازي، وما نتج عنها من قرارات، بأنها «غير شرعية»، معلناً عن جلسة في طرابلس الأسبوع المقبل لبحث إعادة انتخاب هيئة الرئاسة، مع توقع مشاركة أكثر من 60 نائباً، وفق تصريحات لقناة محلية.

من جهته، انتقد النائب عبد النبي عبد المولى ما اعتبره تدخلاً في خيارات النواب من جانب أطراف في السلطة في شرق البلاد. وقال، في تصريحات صحافية، إن إصلاح المجلس يجب أن يتم من داخله، رافضاً أي ضغوط خارجية، ومشدداً على ضرورة خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة التشريعية.

من عملية فرز أصوات النواب الليبيين خلال جلسة انتخاب رئيس جديد للمجلس في بنغازي الثلاثاء (المكتب الإعلامي للمجلس)

ويمثل هذا التحرك أول اختبار للرئاسة الجديدة، ليس فقط لجهة قدرتها على تثبيت نتائج جلسة بنغازي، وإنما أيضاً في التعامل مع كتلة نيابية، ترى أن تغيير هيئة الرئاسة جرى وفق إجراءات غير قانونية.

ورغم الهوة بين كتلتين في مجلس النواب، فإن تقديرات سياسيين ومحللين تستبعد أن يتجه المشهد البرلماني للانقسام بين طرابلس وبنغازي، علماً بأن ليبيا تعيش تنازعاً على السلطة بين طرفين في المدينتين الرئيسيتين في غرب البلاد وشرقها منذ أكثر من 12 عاماً.

وجهة النظر السابقة تبناها المحلل السياسي الليبي عمر أبو سعيدة، الذي أدرج مواقف النواب الرافضين في إطار «الضغط والمناورة» لتحسين شروط التفاوض بشأن توزيع المناصب واللجان وآليات إدارة المجلس، أكثر من كونها خطوة أولى لتقسيم المؤسسة التشريعية.

وبحسب أبو سعيدة، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن الدعوة إلى عقد جلسة في طرابلس يمكن أن تستخدم لإظهار قدرة بعض الكتل على تحريك المشهد السياسي في غرب ليبيا، والضغط على الرئاسة الجديدة، عبر مسألة النصاب ومكان انعقاد الجلسات، من دون أن يعني ذلك بالضرورة السعي إلى إنشاء جسم برلماني موازٍ.

الرؤية نفسها التي تستبعد حدوث انقسام برلماني أيدها أيضاً المستشار السابق للمجلس الأعلى للدولة السنوسي إسماعيل، الذي نسب إلى مصدر لم يسمه القول بأن عقيلة صالح هنأ الصالحين عبد النبي بتولي رئاسة المجلس، ورفض أي انقسام داخله، وأوضح أنه يعتزم الاستمرار عضواً في المجلس والعمل مع زملائه وهيئة الرئاسة الجديدة بصورة اعتيادية.

وبحسب ما نسبه السنوسي إسماعيل إلى المصدر، فإن صالح يرفض أيضاً عقد اجتماع في طرابلس لمناقشة ما جرى، كما يرفض أي وساطة دولية للتدخل في الخلاف، المتعلق بإبعاده من رئاسة المجلس.

ووسط هذه التطورات التي بدا أنها كانت متوقعة، حاول الرئيس الجديد لمجلس النواب توجيه رسالة احتواء مبكرة إلى أعضاء المجلس، مؤكداً أنه سيكون «رئيساً لكل أعضاء مجلس النواب»، وأنه حريص على أن تكون المؤسسة التشريعية «جامعة»، وأن تعبّر عن تطلعات الليبيين بمختلف مكوناتهم.

لكن اختيار طرابلس لعقد الجلسة يضيف بُعداً آخر إلى الخلاف، في ظل الترتيبات السياسية الأوسع التي تشهدها ليبيا. وهنا يرى الباحث السياسي حسام فنيش أن اللقاءات التي أجراها أعضاء من مجلس النواب مع ممثلين عن حكومة عبد الحميد الدبيبة حول عقد جلسة في طرابلس لا ينبغي تفسيرها تلقائياً باعتبارها مشروعاً لتقسيم المجلس.

عقيلة صالح (النواب)

ويربط فنيش، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، هذا التحرك بالسياق السياسي لاتفاق «4+4»، الذي وقعته أطراف الصراع في نهاية أغسطس (آب) الماضي، ويتضمن ترتيبات بشأن عقد جلسات مجلس النواب والسلطة التنفيذية بصورة دورية بين طرابلس وبنغازي وسبها.

ومن هذه الزاوية، قد يكون عقد جلسة في طرابلس جزءاً من تهيئة سياسية ومؤسسية لمسار أوسع، يتعلق بتوزيع نشاط مؤسسات الدولة بين المدن الليبية، وفق فنيش، ومن دون أن يمثل بالضرورة تطبيقاً مباشراً للاتفاق أو إعلاناً عن انقسام المجلس.

وتبقى المسألة الأهم هي ما إذا كانت جلسة طرابلس، في حال انعقادها، ستظل تحركاً سياسياً داخل المؤسسة التشريعية، أم تتحول إلى مسار مؤسسي مستقل عن رئاسة المجلس المنتخبة في بنغازي.

وهنا يرى أبو سعيدة أن حسم هذه المسألة يرتبط بمدى الالتزام بالقواعد الإجرائية للمجلس، مستخلصاً أن أي جلسة أو قرارات جديدة تحتاج إلى توافر الشروط القانونية للنصاب والانعقاد حتى تكتسب أثراً مؤسسياً.


«الجيش الوطني» لاحتواء خلافات قبلية محدودة بالجنوب الليبي

من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)
من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)
TT

«الجيش الوطني» لاحتواء خلافات قبلية محدودة بالجنوب الليبي

من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)
من اجتماع لجنة المصالحة في الجنوب الليبي الثلاثاء (المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان)

أقر «الجيش الوطني الليبي» تشكيل لجنة للمصالحة في جنوب البلاد، بهدف احتواء الخلافات الفردية والمحدودة، التي تنشأ بين أبناء قبائل إقليم فزان، في خطوة تستهدف الحد من تداعيات النزاعات المحلية، لكنها تواجه تحدياً أكبر يتمثل في التعامل مع خلافات قبلية قديمة امتدت لسنوات، وتداخلت فيها عوامل اجتماعية وسياسية وأمنية.

وعقدت اللجنة أول اجتماعاتها الثلاثاء، بعد ترشيح أعضائها وتزكيتهم من «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان»، وبحثت آليات البدء في عملها وفتح ملف المصالحة في المنطقة الجنوبية، التي شهدت خلال السنوات الماضية مواجهات مسلحة بين مجموعات وقبائل على خلفيات متعددة.

القائد العام للجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر (إعلام القيادة العامة)

وقال إبراهيم أبو بكر نصر، رئيس «المجلس الأعلى لمشايخ وأعيان فزان» وأحد أعضاء اللجنة، لـ«الشرق الأوسط»، إن مهمة اللجنة التي نالت موافقة من القيادة العامة للجيش تتركز في «احتواء الخلافات المحدودة»، موضحاً أنها قد تتدخل، على سبيل المثال، في قضية قتل تقع بين أبناء قبيلتين، بهدف الإسراع في حلها، واحتواء تداعياتها قبل أن تتسع دائرة الخلاف.

لكنه رأى أن الانتقال من معالجة القضايا الفردية إلى تحقيق مصالحة شاملة بين قبائل الجنوب «أمر معقد»، وذلك بسبب تراكم ملفات قديمة لم تجد طريقها إلى التسوية النهائية، فضلاً عن ارتباط بعضها بالتجاذبات السياسية، التي شهدتها البلاد منذ عام 2011.

وأوضح نصر أن اللجنة يمكن أن تؤدي دوراً في «احتواء القضايا الصغيرة والمحدودة»، لكنه شدّد على أن الملفات ذات الطابع القبلي والسياسي الأوسع تحتاج إلى معالجة مختلفة، وقال إن الوصول إلى مصالحة شاملة «يحتاج إلى حكومة موحدة وتشريعات للمصالحة وجبر الضرر»، إلى جانب تفعيل آليات التعويض للمتضررين.

ويشهد جنوب ليبيا منذ أكثر من عقد خلافات قبلية، وصلت في بعض مراحلها إلى الاقتتال، ومن أبرزها مواجهات بين قبيلتي التبو وأولاد سليمان، إلى جانب نزاعات بين أولاد سليمان والقذاذفة، وأخرى بين القذاذفة والمقارحة. وخلفت تلك المواجهات قتلى وجرحى وأضراراً مادية، فيما بقيت بعض القضايا المرتبطة بها دون تسوية نهائية.

ويربط نصر بين استمرار هذه الخلافات وبين الانقسام السياسي، الذي رافق المرحلة الانتقالية في ليبيا، قائلاً إن أطرافاً سياسية مختلفة «دعمت أطرافاً من النزاعات» منذ عام 2011، الأمر الذي أسهم، وفق تقديره، في إطالة أمد بعض الخلافات، في ظل بيئة سياسية وأمنية هشة.

ويقول القيادي القبلي لـ«الشرق الأوسط» إن استمرار الانقسام لم يجعل النزاعات القبلية منفصلة عن المشهد السياسي، بل أضاف إليها أبعاداً جديدة، موضحاً أن بعض الخلافات التي بدأت، بوصفها قضايا محلية، تحولت مع مرور الوقت إلى ملفات تتقاطع فيها الاعتبارات القبلية مع مواقف الأطراف السياسية وموازين القوى الأمنية.

وأضاف القيادي ذاته موضحاً أن المصالحة في الجنوب لا يمكن أن تقتصر على التدخل العرفي لإنهاء الخلافات الطارئة، لأن الملف «يحتاج إلى حكومة موحدة وتشريعات للمصالحة وجبر الضرر»، عادّاً أن إصدار مثل هذه التشريعات «يرتبط بوجود مجلس نواب منتخب» يتولى وضع الإطار القانوني لمعالجة آثار النزاعات السابقة. ومشيراً إلى أهمية تفعيل جبر الضرر والتعويضات، بوصفهما جزءاً من أي تسوية أوسع للخلافات القبلية، خصوصاً في المناطق التي شهدت مواجهات مسلحة، وخسائر بشرية ومادية خلال السنوات الماضية. كما أوضح أن معالجة آثار النزاع لا تتوقف عند وقف القتال أو عقد اتفاقات اجتماعية، وإنما تشمل أيضاً حقوق المتضررين، وما ترتب على الصراعات من خسائر.

ويعكس هذا الطرح حدود الدور، الذي يمكن أن تضطلع به لجنة ذات طبيعة اجتماعية وقبلية، مقارنة بالملفات التي تتطلب قرارات سياسية وتشريعات رسمية، ذلك أن التدخل السريع من جانب المشايخ والأعيان قد يساعد في منع تطور حادث فردي إلى مواجهة أوسع، لكنه لا يوفر بالضرورة إطاراً نهائياً لتسوية نزاع ارتبط بسنوات من الخصومة، أو خلف ضحايا ونازحين وخسائر مادية.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في فزان، بالنظر إلى اتساع رقعتها الجغرافية، وتداخل تركيبتها الاجتماعية والقبلية، فضلاً عن موقعها الحدودي مع دول عدة، وما يرتبط بذلك من تحديات أمنية واقتصادية. وتفرض هذه المعطيات على أي مسار للمصالحة التعامل مع قضايا محلية مختلفة في طبيعتها، بدلاً من افتراض وجود صيغة واحدة، يمكن تطبيقها على جميع النزاعات.

وتأتي الخطوة في وقت لا تزال فيه مدن ومناطق في الجنوب تشهد من حين إلى آخر توترات ذات طابع قبلي، بما يعكس صعوبة الفصل بين النزاعات المحلية القديمة، والتفاعلات السياسية والأمنية، التي رافقت انقسام مؤسسات الدولة الليبية.

وكانت مدينة الكفرة قد شهدت أخيراً توترات قبلية بين التبو وقبيلة الزوية، في واقعة أعادت إلى الواجهة هشاشة الوضع الاجتماعي والأمني في مناطق الجنوب، وأظهرت استمرار قابلية بعض الخلافات المحلية للتحول إلى توترات أوسع، إذا غابت قنوات التسوية المبكرة.


«النواب» المصري لإلغاء «تمييز» العسكريين في قانون جامعة «كيان»

رئيس الوزراء المصري يوضح بمجلس النواب أسباب اعتراض الرئيس على قانون جامعة «كيان» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء المصري يوضح بمجلس النواب أسباب اعتراض الرئيس على قانون جامعة «كيان» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

«النواب» المصري لإلغاء «تمييز» العسكريين في قانون جامعة «كيان»

رئيس الوزراء المصري يوضح بمجلس النواب أسباب اعتراض الرئيس على قانون جامعة «كيان» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
رئيس الوزراء المصري يوضح بمجلس النواب أسباب اعتراض الرئيس على قانون جامعة «كيان» (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

يتّجه مجلس النواب المصري إلى الاستجابة لاعتراض الرئيس عبد الفتاح السيسي على نص قانوني «يُميز» العسكريين الدارسين في جامعة «كيان» التابعة للقوات المسلحة.

وقررت اللجنة الخاصة التي شكلها البرلمان، برئاسة وكيل المجلس عاصم الجزار، خلال اجتماعها الأربعاء، الموافقة على «فيتو» الرئيس الذي أُرسل إلى المجلس الأسبوع الماضي، بعدما أبدى، وفقاً لرسالته إلى البرلمان، «شبهة عدم دستورية في نص المادة (25)، التي تمنح طلاب الشعبة العسكرية مكافأة شهرية تعادل راتب ملازم، باعتبارها تخل بمبدأ المساواة بين طلاب الجامعات المصرية».

وتُعد «كيان» أول جامعة تعمل بالصفة المدنية تحت مظلة القوات المسلحة المصرية، وبدأ القبول فيها خلال العام الدراسي الحالي عبر 6 كليات في تخصصات «الطب والهندسة»، ومقرها في العاصمة الإدارية الجديدة بشرق القاهرة. وتُعد أحدث أنظمة التعليم الجامعي الذي توسع بمصر ليضم، إلى جانب الجامعات الحكومية والخاصة، الجامعات الأهلية وفروع الجامعات الأجنبية في البلاد.

وشهد اجتماع «اللجنة الخاصة»، الأربعاء، حضور وزير شؤون المجالس النيابية هاني حنا، ومساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية والدستورية خالد شهدي، فيما حظي «قرار حذف المادة بإجماع الأعضاء»، مع إعداد تقرير على وجه الاستعجال لعرضه على البرلمان في جلسته العامة المقبلة تمهيداً للتصويت عليها.

وقال صلاح فوزي، عضو «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب، عضو «اللجنة الخاصة»، لـ«الشرق الأوسط»، إن اعتراض الرئيس على «المادة 25» من القانون «استخدام لصلاحياته الدستورية»، مشيراً إلى أن تشكيل «اللجنة الخاصة» لمناقشة الاعتراض جاء التزاماً بأحكام اللائحة الداخلية للمجلس.

وأضاف أنه جرت خلال جلسة المناقشة، الأربعاء، الموافقة على حذف المادة استجابةً للنقاشات التي دارت في وقت سابق بالجلسة العامة من مجلس النواب.

واستطرد قائلاً: «قرار اللجنة بحذف المادة استجابة لملاحظات الرئيس بشأن وجود تمييز فيها ترتب عليه إعادة ترتيب باقي مواد القانون، على أن يتم عرضه على المجلس في الجلسة العامة الاثنين المقبل، والتصويت عليه لإحالته للرئيس من أجل التصديق عليه، ونشره بالجريدة الرسمية ليصبح واجب النفاذ».

وأكد فوزي الحرص على انتظام العملية التعليمية في الجامعة خلال العام الدراسي الحالي، مشيراً إلى أن «البداية المتأخرة لأسبوعين أو أكثر قليلاً في الدراسة يمكن تعويضها عبر محاضرات إضافية للطلاب خلال الفترة المتبقية من الفصل الدراسي».

جلسة سابقة لمجلس النواب المصري (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

وكان وزير الدفاع والإنتاج الحربي، أشرف سالم زاهر، قد شهد في يوليو (تموز) الماضي مؤتمراً صحافياً للإعلان عن قبول دفعات جديدة بالأكاديمية العسكرية المصرية والكليات العسكرية، مع تدشين جامعة «كيان» بالقوات المسلحة بالصفة المدنية.

وأكد وزير الدفاع حينها أن تدشين «كيان» جاء بتوجيهات الرئيس السيسي «لإنشاء بيئة تعليمية تُحقق الابتكار والإبداع في مجالات الدراسة المختلفة، وإعداد كوادر من شباب مصر المؤهلين بأحدث ما وصل إليه العلم في المجالات كافة»، حسب بيان المتحدث العسكري للقوات المسلحة.

وأبدى عضو مجلس النواب، عضو «اللجنة الخاصة»، إبراهيم المصري، ارتياحه للمناقشات التي دارت في «اجتماع الأربعاء» بعد الاستماع باستفاضة لجميع آراء أعضاء اللجنة بمختلف خلفياتهم الحزبية والسياسية.

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «التوافق بالإجماع جاء نتيجة قناعة لدى الأعضاء بأهمية إقرار القانون بشكل يتوافق مع الدستور، وهي الفلسفة التي أعاد الرئيس السيسي القانون للمجلس من أجلها».

وأضاف: «قرار حذف المادة جرى اتخاذه بوصفه الأصح، بعد مناقشات في أجواء ديمقراطية داخل اللجنة».