أعراض حرب إيران تبدأ في ضرب مفاصل الاقتصاد الصيني

النمو الصناعي الأبطأ منذ 2023... والطلب الاستهلاكي لا يزال ضعيفاً

عاملة في مصنع للتغليف بمدينة ليانينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
عاملة في مصنع للتغليف بمدينة ليانينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
TT

أعراض حرب إيران تبدأ في ضرب مفاصل الاقتصاد الصيني

عاملة في مصنع للتغليف بمدينة ليانينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)
عاملة في مصنع للتغليف بمدينة ليانينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

فقد النمو الصيني زخمه في شهر أبريل (نيسان)، مع تباطؤ الإنتاج الصناعي، وتراجع مبيعات التجزئة إلى أدنى مستوياتها في أكثر من 3 سنوات؛ حيث يُعاني ثاني أكبر اقتصاد في العالم من ارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة الحرب الإيرانية، وضعف الطلب المحلي المستمر. وساعدت الصادرات التي فاقت التوقعات، وضوابط الصين المحلية في تسعير الوقود على التخفيف من صدمة الطاقة، ولكن ارتفاع تكاليف المدخلات يُهدد بتقليص هوامش المصانع الضعيفة أصلاً، ويُزيد من انخفاض الإنفاق الاستهلاكي إذا طال أمد الصراع.

وأظهرت بيانات المكتب الوطني للإحصاء، الصادرة يوم الاثنين، نمو الإنتاج الصناعي بنسبة 4.1 في المائة الشهر الماضي مقارنة بالعام الماضي، مقابل ارتفاع بنسبة 5.7 في المائة في مارس (آذار)، وهو ما يقل عن توقعات استطلاع أجرته «رويترز» بنسبة 5.9 في المائة، مسجلاً بذلك أبطأ نمو منذ يوليو (تموز) 2023.

وقال تشيوي تشانغ، رئيس وكبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «ساهم الأداء القوي للمصدِّرين في التخفيف من آثار ضعف الطلب المحلي، ولكنه لم يكن كافياً لتعويضه بالكامل». وشهدت الصادرات تسارعاً في أبريل مع سعي المصانع لتلبية موجة من الطلبات من الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وغيرها، من المشترين الذين يسعون لتخزين المكونات، وسط مخاوف من أن تؤدي الحرب مع إيران إلى ارتفاع تكاليف المدخلات العالمية.

ولم يتوقع تشانغ أن تغير الحكومة موقفها السياسي بناءً على بيانات ضعيفة لشهر واحد فقط، وقال إن بكين ستعيد على الأرجح تقييم موقفها السياسي في يوليو، عند توفر بيانات الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني.

وارتفعت مبيعات التجزئة، وهي مؤشر على الاستهلاك، بنسبة 0.2 في المائة فقط في أبريل، متراجعة بشكل حاد من 1.7 في المائة في مارس، ومسجلة أضعف مكاسبها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022. كما جاءت هذه الأرقام أقل بكثير من التوقعات التي ركزت على زيادة بنسبة 2 في المائة. وقد تجلَّى ضعف استهلاك الأسر في مبيعات السيارات المحلية في أبريل، التي انخفضت بنسبة 21.6 في المائة مقارنة بالعام السابق، مسجلة بذلك الشهر السابع على التوالي من التراجع، على الرغم من تكثيف شركات صناعة السيارات جهودها للتوسع في الأسواق الخارجية لتعويض ضعف السوق المحلية.

وقال يوهان تشانغ، كبير الاقتصاديين في مركز الصين التابع لمجلس المؤتمرات: «يشير نمو مبيعات التجزئة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 إلى استمرار ضعف الطلب الأسري؛ حيث يركز المستهلكون إنفاقهم على فئات مختارة من الكماليات والتحسينات بدلاً من الاستهلاك الشامل». وأضاف أن هذا التباين يُبرز تعافياً ذا سرعتين: إنفاق ثابت على تحسينات بسيطة في نمط الحياة والتكنولوجيا، ولكن مع ضعف الإقبال على عمليات الشراء الكبيرة التي تعتمد على الائتمان والمرتبطة بالسكن والدخل.

وانخفض معدل البطالة على مستوى البلاد -وفقاً للمسح الوطني- انخفاضاً طفيفاً إلى 5.2 في المائة في أبريل، مقارنة بـ5.4 في المائة في مارس. ومما زاد من حدة التشاؤم، انكماش الاستثمار في الأصول الثابتة بنسبة 1.6 في المائة في الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026، مقارنة بارتفاع بنسبة 1.7 في المائة في الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس، وتوقعات بنمو بنسبة 1.6 في المائة.

وعكس إنتاج الصلب الخام المحلي ضعف بيانات الاستثمار؛ حيث انخفض بنسبة 2.8 في المائة مقارنة بالعام السابق. وقال ليشنغ وانغ، الخبير الاقتصادي في غولدمان ساكس، في مذكرة: «نعتقد أن ضعف الطلب على الائتمان والأمطار الغزيرة في جنوب الصين ربما ساهما في انخفاض الاستثمار في الأصول الثابتة في أبريل مقارنة بالربع الأول»، محذراً من أن «التصحيح الإحصائي» الذي يُجريه المكتب الوطني للإحصاء أحياناً للبيانات المنشورة سابقاً قد يكون قد فاقم التقلبات.

وتجاهلت الأسهم الصينية البيانات الضعيفة، وظلت مستقرة بشكل عام؛ حيث حوَّل المستثمرون تركيزهم إلى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وعمليات بيع السندات العالمية.

زيارة ترمب

وقدَّمت أرقام شهر أبريل مؤشرات مبكرة على تراجع زخم النمو الاقتصادي الصيني في الربع الأول من العام، وذلك بعد انتهاء زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الرسمية إلى الصين.

ولم تُسفر القمة عن مفاجآت تُذكر، رغم مساهمتها في تخفيف حدة التوترات بين أكبر اقتصادين في العالم. فقد اتفقت الصين والولايات المتحدة على توسيع التجارة الزراعية من خلال خفض الرسوم الجمركية، ومعالجة الحواجز غير الجمركية وقضايا الوصول إلى الأسواق، إلا أن إحراز تقدم ملموس في مجالَي التجارة والاستثمار لا يزال بعيد المنال.

وتعهد كبار القادة الصينيين بتعزيز أمن الطاقة في البلاد، وتسريع الاكتفاء الذاتي التكنولوجي، والسعي إلى مزيد من السيطرة على سلاسل التوريد استجابة للصدمات الخارجية. ونما الاقتصاد الصيني بنسبة 5.0 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، وهو الحد الأعلى للنطاق المستهدف الذي حددته بكين للعام بأكمله، والذي يتراوح بين 4.5 و5.0 في المائة.

ومع ذلك، حذر المحللون من أن التعافي الاقتصادي يسير على غير هدى؛ حيث لا يزال الإنتاج الصناعي يفوق الطلب المحلي. وفي حين أن التراجع المطول في سوق العقارات لا يزال يُعيق النمو، فقد عرَّض الصراع في الشرق الأوسط الاقتصاد لمخاطر خارجية، في وقت يشهد فيه الاستهلاك المحلي هشاشة.

واتسع انكماش الاستثمار العقاري في الصين في أبريل على أساس سنوي، ولكن سوق الإسكان الجديد شهدت انخفاض الأسعار بأبطأ وتيرة شهرية لها منذ عام، مما يُشير إلى بعض مؤشرات الاستقرار، مع اتخاذ الحكومات المحلية إجراءات لتحفيز المبيعات ودعم المعنويات.

ويتوقع بنك «آي إن جي» تباطؤاً اقتصادياً في الربع الثاني نظراً للبداية الضعيفة في أبريل. وقالت لين سونغ، كبيرة الاقتصاديين الصينيين في البنك: «قد يُعقِّد ضعف النمو وارتفاع التضخم عملية صنع السياسات في الأشهر المقبلة... ولم نلحظ حتى الآن هذا العام استجابة مُلحة لحزم التحفيز، ولكن إذا استمرت البيانات في التدهور، فقد يتغير هذا الوضع قريباً».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يُلزم شركاته بشراء المكونات من موردين غير صينيين

الاقتصاد ميناء يانغزو شرق الصين (أ.ف.ب)

الاتحاد الأوروبي يُلزم شركاته بشراء المكونات من موردين غير صينيين

يعدّ الاتحاد الأوروبي خططاً لإلزام شركاته بشراء المكونات الحيوية من 3 موردين مختلفين على الأقل، في محاولة لتقليل الاعتماد على الصين.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد لقاء سابق بين الرئيسين الصيني شي جينبينغ والأميركي دونالد ترمب في كوريا الجنوبية (رويترز)

الصين تتمسك بسلاح المعادن النادرة رغم تفاهمات ترمب وشي

حققت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مكسباً محدوداً في ملف المعادن النادرة خلال القمة الأخيرة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ

«الشرق الأوسط» (واشنطن-بكين)
الاقتصاد رئيس نقابة عمال «سامسونغ» محاطٌ بوسائل الإعلام بعد جلسة وساطة صباحية باللجنة الوطنية للعلاقات العمالية في كوريا الجنوبية (رويترز)

قضاء كوريا يكبّل إضراب «سامسونغ»... والمخاوف تحاصر «إمدادات» الذكاء الاصطناعي

قررت شركة «سامسونغ إلكترونيكس» ونقابتها العمالية تمديد المفاوضات الحرجة لتفادي أضخم إضراب في تاريخ عملاق التقنية

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد ميناء جدة الإسلامي (الهيئة العامة للموانئ)

التبادل التجاري بين الخليج والاتحاد الأوروبي يتجاوز 189 مليار دولار في 2025

بلغ إجمالي واردات دول مجلس التعاون الخليجي من الاتحاد الأوروبي 123.6 مليار دولار خلال عام 2025، في حين سجلت الصادرات 65.4 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد شاشة تعرض حركة الأسهم على جسر للمشاة في مدينة شنغهاي الصينية (رويترز)

الأسهم الصينية تهبط مع تراجع الإقبال على المخاطرة

تراجعت أسهم البر الرئيسي الصيني وهونغ كونغ يوم الاثنين، مع تحول تركيز المستثمرين من المحادثات الأميركية الصينية إلى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (بكين)

روسيا تخفق في بيع حصة بشركة تعدين ذهب لعدم وجود عروض

سبائك ذهبية بمدينة كراسنويارسك في روسيا (رويترز)
سبائك ذهبية بمدينة كراسنويارسك في روسيا (رويترز)
TT

روسيا تخفق في بيع حصة بشركة تعدين ذهب لعدم وجود عروض

سبائك ذهبية بمدينة كراسنويارسك في روسيا (رويترز)
سبائك ذهبية بمدينة كراسنويارسك في روسيا (رويترز)

أظهر موقع مزادات حكومي، الاثنين، أن روسيا أخفقت في بيع حصة بشركة إنتاج الذهب «أوزهورالزولوتو (يو جي سي)/ (UGC) - Uzhuralzoloto)» التي كانت استولت عليها العام الماضي؛ وذلك لعدم وجود عروض.

وكانت محكمة روسية قد قضت في يوليو (تموز) الماضي بمصادرة حصة الأغلبية في «يو جي سي (UGC)»، التي كان يملكها سابقاً رجل الأعمال كونستانتين ستروكوف، ونقلها إلى الدولة، في إطار نمط أوسع لتأميم أصول الشركات الروسية.

وعرضت «وكالة إدارة الممتلكات الفيدرالية الروسية (روسيموشيستفو)» أصول ستروكوف للبيع في مزاد علني مطلع هذا الشهر، بقيمة 162.02 مليار روبل (2.22 مليار دولار). وقدرت قيمة حصته السابقة البالغة 67.2 في المائة بشركة «يو جي سي (UGC)»؛ إحدى كبرى 10 شركات تعدين ذهب في روسيا - بـ140.43 مليار روبل.

ويوم الاثنين، أعلن موقع المزاد الحكومي إخفاق عملية البيع المخطط لها. وأكد الموقع «بطلان المزايدة لعدم تقديم أي طلبات للمشاركة في الإجراء عند انتهاء الموعد النهائي لتقديم الطلبات».

وأعلنت «الوكالة» أن مزاداً جديداً سيبدأ يوم الثلاثاء، على أن تعلن النتائج في 26 مايو (أيار) الحالي. وأوضحت أن هذا المزاد سيكون من النوع الذي يخفض السعر تدريجياً حتى يتقدم أحدهم بعرض. وقد يؤدي هذا إلى خفض سعر حصة «يو جي سي (UGC)» بنسبة تصل إلى 50 في المائة عن السعر المبدئي المطلوب.

وقد تحرك المدعون العام الماضي لمصادرة حصة ستروكوف بعد اتهامه وآخرين بالحصول على ممتلكاتهم عن طريق «الفساد». إلا إنه ليس رهن الاحتجاز ولم توجه إليه أي تهمة رسمية حتى الآن.

وتعرض وزارة المالية الروسية عدداً من الأصول المصادرة في مزاد علني، على أمل تعزيز الخزينة العامة.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، تمكنت روسيا من بيع أحد أكبر مطارات البلاد وأعلاها حداثة، وهو مطار «دوموديدوفو» في موسكو، لشركة تابعة لمطار «شيريميتيفو» بالعاصمة، مقابل 66 مليار روبل، أي نصف سعره المبدئي البالغ 132.3 مليار روبل.


ثالوث الحرب والتضخم والديون يقود سوق السندات نحو تصحيح تاريخي

متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

ثالوث الحرب والتضخم والديون يقود سوق السندات نحو تصحيح تاريخي

متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يتابع بقلق حركة الأسهم في بورصة نيويورك (رويترز)

دخلت أسواق المال العالمية في موجة عاتية من الهبوط والارتباك المتبادل، إثر موجة بيع جماعية وعنيفة ضربت أسواق السندات السيادية من نيويورك وطوكيو إلى لندن، دافعة بكلفة الاقتراض الدولي إلى مستويات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

وتفجرت هذه الصدمة العنيفة عقب هجمات بطائرات مُسيَّرة في منطقة الخليج استهدفت منشأة للطاقة في الإمارات، وتم اعتراض أخرى في الأجواء السعودية، مما رسخ فرضية استمرار الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز الاستراتيجي، منذ اندلاع حرب الرئيس دونالد ترمب في إيران قبل نحو 3 أشهر.

وقفزت أسعار خام برنت لتتجاوز حاجز 111 دولاراً للبرميل، وسط ذعر حقيقي يجتاح ردهات البورصات من تحول مخاوف التضخم المؤقت إلى نظام تضخمي دائم، يعيد رسم تكلفة المال عالمياً، ويهدد الاقتصادات الكبرى بالركود، مما دفع عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً للقفز إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2023 عند 5.16 في المائة، بينما سجلت السندات اليابانية المماثلة قفزة تاريخية هي الأعلى في تاريخها الممتد لـ7 أعوام بتجاوزها 4.1 في المائة، في حين قفزت العوائد البريطانية إلى قمة غير مسبوقة منذ عام 1998 عند 4.63 في المائة.

ولا تقف هذه الأرقام الجافة عند حدود شاشات التداول المعقدة؛ بل إنها تترجم مباشرة إلى ضغوط يومية خانقة تمس القوة الشرائية للمواطن العادي وكلفة معيشته وقروضه الشخصية؛ إذ كشفت دراسة حديثة أعدها معهد «واتسون» بجامعة «براون» أن حرب ترمب في إيران كبَّدت الأسر الأميركية وحدها فاتورة وقود إضافية باهظة تخطت 41.5 مليار دولار (بمعدل 316 دولاراً لكل أسرة)، وهو ما يتجاوز الميزانية الكاملة المخصصة لإصلاح الجسور المتهالكة في الولايات المتحدة.

هذه التكلفة الباهظة في محطات الوقود؛ حيث قفز البنزين الأميركي بنسبة 51 في المائة ليصل إلى 4.51 دولار للغالون، تسربت سريعاً إلى أسعار الأغذية والشحن، مما دفع التضخم لأعلى مستوياته في 3 سنوات، وأجبر المستثمرين على إعادة هيكلة محافظهم عبر التخلص من السندات القديمة ذات العوائد المنخفضة، وتكبد خسائر دفترية فادحة، مدفوعين بمعادلة «المستثمر الحالي ضد المشتري الجديد»؛ فالسيولة الآن تبحث عن العوائد الجديدة المضمونة حكومياً والتي تخطت حاجز الـ5 في المائة، وهو ما سحب السيولة مباشرة من أسواق الأسهم التي باتت تقييماتها ومكرراتها متضخمة، وتنتظر هذا الأسبوع اختباراً حاسماً مع صدور النتائج المالية لعملاق أشباه الموصلات «إنفيديا»، في وقت يواجه فيه قطاع التكنولوجيا ضغطاً موازياً يُعرف بـ«تضخم الرقائق»، الناتج عن الإنفاق الملياري الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وضغطها الهائل على شبكات الطاقة العالمية ومواردها.

شخص يسير أمام لوحة إلكترونية في مبنى تجاري تعرض مؤشر «نيكي» الياباني (أ.ب)

من تراجع البنوك المركزية إلى الديون المليارية

وإلى جانب صدمة الطاقة والذكاء الاصطناعي، يبرز التراكم التاريخي للديون السيادية كمحرك رئيسي وراء تمرد المستثمرين؛ إذ يشير صندوق النقد الدولي إلى أن الدَّين العام العالمي في طريقه للمس مائة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2029، بينما يتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن تدفع التخفيضات الضريبية لترمب بالدين الأميركي إلى 120 في المائة خلال عقد، متجاوزاً مستويات الحرب العالمية الثانية.

هذا الإسراف المالي، مضافاً إليه إعلان رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي عن موازنة إضافية لمواجهة الغلاء، يدفع ما يُعرف بـ«حرَّاس السندات» إلى المطالبة بعلاوة مخاطر تضخمية أعلى، مجبرين الحكومات على دفع كلفة تمويل باهظة؛ خصوصاً في ظل المؤشرات السياسية المتوترة التي تواجه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، وتلمح نحو تيسير مالي غير مدروس.

كذلك، بدت البنوك المركزية كأنها تفقد السيطرة على كبح التضخم؛ فبعد أن كانت الأسواق تتوقع في فبراير (شباط) الماضي خفضين للفائدة، باتت الرهانات الآن تسعِّر رفعاً إلزامياً للفائدة الأميركية بحلول مارس (آذار) 2027، وسط ضغوط متزايدة على حاكم «الفيدرالي» القادم كيفين وارش، وتوقعات برفع وشيك للفائدة من بنك اليابان، و«المركزي الأوروبي» في يونيو (حزيران) المقبل لصد التضخم المستورد، مما أفقد السندات القديمة جاذبيتها تماماً؛ خصوصاً مع انسحاب البنوك المركزية من برامج التيسير الكمي ووقف شراء الديون الحكومية.

ويقفز الزخم غير المتوقع للاقتصاد الأميركي في نمو الوظائف ليعزز الضغوط التضخمية، مدفوعاً بـعوامل بنيوية طويلة الأجل تلخصها بحوث «أليانز» في التغير الديموغرافي لشيخوخة السكان، وتراجع العولمة لصالح سلاسل التوريد المحلية، وتكلفة التحول نحو الطاقة الخضراء.

وتأسيساً على هذا المشهد المعقد، يلتئم شمل وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع في العاصمة الفرنسية باريس، في محاولة صعبة لتنسيق المواقف، واحتواء تقلبات أسواق الدين، وتأمين سلاسل التوريد للمعادن النادرة بعيداً عن الهيمنة الصينية، وذلك في أعقاب قمة بكين بين ترمب وشي جينبينغ، والتي لم تسفر عن اختراقات اقتصادية حقيقية.

ورغم محاولات وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لتلطيف الأجواء، بوصف ما يحدث بأنه «تصحيح حاد وليس انهياراً»، فإن رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعترفت بصراحة بقلقها المستمر، في حين دعت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا الحكومات لعدم اتخاذ إجراءات تزيد الوضع سوءاً.

وتكشف الكواليس التحضيرية في باريس عن انقسامات حادة وتلاوم بين الحلفاء حول «الاختلالات الهيكلية غير المستدامة» للنظام الدولي؛ حيث يرى الجانب الأوروبي أن الأزمة تكمن في نمط ممتد منذ 10 سنوات يستهلك فيه العالم بشكل مشوه، تقوده الولايات المتحدة بالإفراط في الاستهلاك والديون، والصين بالإفراط في الإنتاج وضعف الاستهلاك المحلي، وأوروبا بضعف الاستثمار، وهو الواقع الهيكلي المعقد الذي أثبتت أسواق السندات اليوم أنه لم يعد قابلاً للاستمرار دون دفع ثمن باهظ يتجلى في قفزة سريعة لأسعار الفائدة التجارية، وبطاقات الائتمان، والرهون العقارية التي باتت تهدد النمو العالمي بأسره.

في المحصلة، يبعث الارتجاج العنيف في أسواق الدين العالمية برسالة بالغة الوضوح تتجاوز مجرد التذبذبات اليومية لشاشات التداول؛ ومفادها أن عصر الأموال الرخيصة والفائدة الصفرية الذي غذَّى الأسواق لسنوات قد ولَّى إلى غير رجعة. واليوم، تقف القوى الاقتصادية الكبرى، ومعها المستثمر والمستهلك العادي، أمام واقع مالي جديد يُعاد فيه تسعير المخاطر وكلفة الائتمان بناءً على معادلات جيوسياسية ملتهبة وخزان عام مثقل بالديون.

وبينما يترقب العالم ما ستُسفر عنه اجتماعات باريس وقرارات البنوك المركزية المرتقبة، تظل حقيقة واحدة ثابتة: أن ضبط إيقاع التضخم وتأمين سلاسل الإمداد سيكلِّف الاقتصاد العالمي ثمناً باهظاً، وأن شفرة السندات المشتعلة باتت هي المحدد الأول لمعالم المعيشة والاستثمار في المرحلة المقبلة.


«جهاز الاستثمار العماني» يحقق أرباحاً «تاريخية» تجاوزت 7.8 مليار دولار

سجلت الإيرادات العامة في سلطنة عمان حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري نحو 7.76 مليار دولار  (قنا)
سجلت الإيرادات العامة في سلطنة عمان حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري نحو 7.76 مليار دولار (قنا)
TT

«جهاز الاستثمار العماني» يحقق أرباحاً «تاريخية» تجاوزت 7.8 مليار دولار

سجلت الإيرادات العامة في سلطنة عمان حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري نحو 7.76 مليار دولار  (قنا)
سجلت الإيرادات العامة في سلطنة عمان حتى نهاية الربع الأول من العام الجاري نحو 7.76 مليار دولار (قنا)

سجلت الإيرادات العامة في سلطنة عمان حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، ارتفاعاً بنسبة 13 في المائة، لتبلغ مليارين و985 مليون ريال عماني (نحو 7.76 مليار دولار)، مقارنة بمليارين و635 مليون ريال (6.85 مليار دولار) خلال الفترة نفسها من العام الماضي.

وأظهرت نشرة الأداء المالي الصادرة عن وزارة المالية العمانية، الاثنين، أن صافي إيرادات النفط ارتفع حتى نهاية الربع الأول من عام 2026 بنسبة 5 في المائة، مسجلاً ملياراً و535 مليون ريال (3.99 مليار دولار)، مقارنة بتحصيل مليار و468 مليون ريال (3.81 مليار دولار) حتى نهاية الربع الأول من عام 2025، في حين بلغ متوسط سعر النفط المحقق نحو 64 دولاراً أميركياً للبرميل، كما بلغ متوسط كمية إنتاج النفط نحو مليون و25 ألف برميل يومياً.

كما ارتفع صافي إيرادات الغاز بنهاية الربع الأول لعام 2026 بنسبة 36 في المائة، مسجلاً نحو 593 مليون ريال (1.54 مليار دولار)، مقارنة بتسجيل 436 مليون ريال (1.13 مليار دولار) في الفترة ذاتها من عام 2025.

وأشارت النشرة إلى أن الإنفاق العام حتى نهاية الربع الأول من عام 2026 بلغ نحو 3 مليارات و10 ملايين ريال (نحو 7.82 مليار دولار)، مرتفعاً بمقدار 239 مليون ريال أي بنسبة 9 في المائة عن الإنفاق الفعلي في الفترة ذاتها من عام 2025 والبالغ مليارين و771 مليون ريال (نحو 7.20 مليار دولار).

في المقابل، انخفضت الإيرادات الجارية المحصلة حتى نهاية الربع الأول من عام 2026 بنسبة 13 في المائة أي بنحو 92 مليون ريال، إذ بلغت 817 مليون ريال (نحو 2.12 مليار دولار) مقارنة بتحصيل 725 مليون ريال (نحو 1.88 مليار دولار) في الفترة ذاتها من عام 2025.

«جهاز الاستثمار العماني» خلال عرض إعلامي أقامه للكشف عن أهم نتائجه المالية المحققة لعام 2025 (العمانية)

أرباح «تاريخية»

وأعلن «جهاز الاستثمار العماني»، الاثنين، تحقيقه أرباحاً «تاريخية» بلغت 2.9 مليار ريال عماني (نحو 7.8 مليار دولار) وتسجيل عائد على الاستثمار بنسبة 14.6 في المائة خلال عام 2025.

وقال الجهاز، في عرض إعلامي نظمه الاثنين للكشف عن أهم نتائجه المالية المحققة العام الماضي؛ إن متوسط العائد على الاستثمار خلال 5 أعوام بلغ 10.4 في المائة وهو ما جعله يحصد المركز الثالث عالمياً بين صناديق الثروة السيادية وفق تقرير أصدرته «مؤسسة صناديق الثروة السيادية العالمية».

وأضاف أنه حصد المركز الأول في العائد على استثمارات الأسواق العامة خلال عام 2025 مقارنة بمختلف صناديق الثروة السيادية في إنجاز «يعكس استدامة النمو وثقة الأسواق في أداء الجهاز».

كما أكد تحقيق نمو «ملحوظ» عبر مختلف مؤشرات الأداء، إذ بلغت قيمة الأصول نحو 23 مليار ريال (نحو 60 مليار دولار) مع تحقيق أداء «استثنائي» تجاوز المستهدفات المعتمدة لمؤشرات الأداء السنوية بنسبة 105 في المائة.

ولفت البيان إلى رفد الموازنة العامة للسلطنة بمبلغ 800 مليون ريال (2.077 مليار دولار) تم تخصيص نصفها لـ«صندوق عمان المستقبل» إلى جانب ضخ استثمارات رأسمالية في المشروعات المحلية بلغت قيمتها 2.4 مليار ريال (نحو 6.2 مليار دولار) وتوجيه إنفاق 287 مليون ريال (745 مليون دولار) نحو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دعماً للمحتوى المحلي.

من جانبه، أكد وزير المالية رئيس مجلس إدارة «جهاز الاستثمار العماني» سلطان الحبسي، في تصريح خلال اللقاء، مواصلة الجهاز دعم الاقتصاد الوطني بكفاءة واستدامة واستمراره في دعم مستهدفات التنويع الاقتصادي وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص عبر «صندوق عمان المستقبل» والمشروعات النوعية المرتبطة به.

وأوضح الحبسي أن «صندوق عمان المستقبل» يعد أحد المحركات الرئيسية لتحفيز الاقتصاد الوطني من خلال تمويل المشروعات ودعم الاستثمار الجريء في السلطنة برأسمال يبلغ 2 مليار ريال (نحو 5.2 مليار دولار) إذ اعتمد الصندوق منذ إطلاقه 186 مشروعاً، منها مشروعات كبرى واستثمارات مباشرة إلى جانب مشروعات موجهة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة.

وكشف أن استثمارات الجهاز تتنوع في 52 دولة من دول العالم، وتستحوذ سلطنة عمان على النسبة الأعلى من استثماراته بنحو الثلثين فيما تتوزع النسب المتبقية على أميركا الشمالية بنسبة 19 في المائة ثم أوروبا بنسبة 9 في المائة وعدد من الأسواق العالمية في آسيا والدول المطلة على المحيط الهادئ بنسبة 4 في المائة وبقية دول العالم بنسبة 7 في المائة.

وأشار الحبسي إلى أن الجهاز يدير 3 محافظ استثمارية رئيسية بإجمالي أصول يبلغ نحو 23 مليار ريال (نحو 60 مليار دولار) على المحفظة المحلية «محفظة التنمية الوطنية» التي تعنى باستثمارات الجهاز في الشركات المملوكة للدولة ويتجاوز عددها أكثر من 160 شركة بأصول تبلغ نحو 13.09 مليار ريال (34 مليار دولار).

أما فيما يتعلق بالمحفظة الخارجية «محفظة الأجيال» فأوضح أنها تشمل استثمارات الجهاز خارج سلطنة عمان وتركز على تحقيق عوائد مالية مستدامة وتنويع المخاطر عبر استثمارات طويلة المدى في الأسواق العالمية، إذ بلغت قيمة المحفظة 8.57 مليار ريال (نحو 22.2 مليار دولار) وتشمل 210 صناديق استثمارية في قطاعات متنوعة.

يذكر أن «جهاز الاستثمار العماني» يعد الذراع الاستثمارية لحكومة السلطنة، وهو مكلف بإدارة واستثمار وتنمية أصولها محلياً ودولياً وتتسم محافظه بالتنوع الجغرافي حيث تتوزع استثماراته في 52 دولة.

وتغطي استثماراته قطاعات متنوعة منها قطاعات الغذاء والطاقة والخدمات اللوجستية والاتصالات وتقنية المعلومات والخدمات العامة والمالية والاستثمار والأمن الغذائي والسياحة والتعدين والصناعة والطيران.