لبنان يواجه تحديات إدارة السيولة النقدية بالدولار

دعوات لإنشاء خلية أزمة واعتماد حال «الطوارئ» المالية

رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)
رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)
TT

لبنان يواجه تحديات إدارة السيولة النقدية بالدولار

رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)
رجل يَعدّ أوراق الدولار الأميركي بجانب الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)

يفرض انكماش التدفقات والموارد بالعملات الصعبة تحديات حرجة أمام السلطات المالية والبنك المركزي في لبنان، في ظل ارتفاع منسوب القلق من تدحرج التداعيات إلى إرباكات في إدارة السيولة النقدية، جراء زيادة المصروفات وصعوبات تعويض النزف المشهود في مخزون الاحتياطيات الدولارية، والتقلص الموازي في موارد الخزينة، بما ينذر باستعادة العجز في الموازنة العامة في حال تعثر الاتفاق المكتمل على إنهاء الحرب.

وتبرز بوادر المشكلة في تقييم الثقل المالي الآني واللاحق للأولويات الإنفاقية؛ نظراً لتقاربها الأفقي في الأهمية والحساسية، وفي مقدمتها ضرورات تلبية الاحتياجات الإنسانية الطارئة لنحو مليون نازح، والحفاظ على ديمومة المخزون من المواد والسلع الغذائية الأساسية، ولا سيما القمح والأدوية والمحروقات، والمصاريف العامة للدولة، والاستمرار بضخ الحصص الشهرية لنحو 400 ألف مودع في البنوك، وبالمثل مخصصات العسكريين والموظفين في القطاع العام.

وتكتسب هذه المخاوف الواقعية جدية مضافة، حسب مسؤول مصرفي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»، بفعل التراخي الرسمي في اعتماد مبادرات تشاركية ومنسقة تتناسب مع جسامة التحديات المالية والنقدية الطارئة، فيما يشي استمرار المواجهات العسكرية وهشاشة وقف إطلاق النار بخسارة موجعة للموسم السياحي الصيفي الذي يحقق تدفقات دولارية لا تقل 5 مليارات دولار سنوياً، وحتى في ظل اضطرابات معتادة.

ومن المستغرب، وفق المسؤول المصرفي، التغاضي الحكومي عن الموجبات التلقائية لاعتماد حال الطوارئ الاقتصادية وتشكيل خلية أزمة وزارية بمشاركة حاكمية البنك المركزي، تتولى اتخاذ الإجراءات التحوطية الضرورية لتأمين سلامة إدارة السيولة النقدية ونجاعتها عبر تقنين التحويلات الدولارية الموجهة للمستوردات غير الأساسية بالدرجة الأولى، وخفض الإنفاق العام إلى أضيق الحدود الممكنة، وحصره بالأولويات، طبقاً لتقلصات تدفقات موارد الموازنة، وبالمثل الحفاظ على الاحتياطيات والإمكانات المتوفرة لضخ السيولة لصالح المودعين وصرف الرواتب للقطاع العام.

رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال اجتماعه في 7 مايو مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد (الرئاسة اللبنانية)

بدوره، طالب رئيس لجنة الاقتصاد البرلمانية، النائب فريد البستاني بوجوب إعلان حالة طوارئ مالية ومصرفية، مؤكداً أن المطلوب هو «الشروع فوراً في وضع حلول، حتى في ظل الحرب، لأن استمرار تجاهل هذه الملفات يزيد من تفاقم الأزمة على المواطنين. كما أن المودعين، بالعملات الأجنبية وبالليرة اللبنانية، متروكون لمصيرهم، فيما مشاريع القوانين للانتظام المالي مجمّدة في الثلاجة، ولم يعد مقبولاً استمرار المصارف في فرض رسوم مرتفعة على معاملات المواطنين، وكأن التحويلات تمرّ عبر مضيق هرمز، ما يستدعي تدخّل مصرف ​لبنان بسرعة لتنظيم هذا الأمر».

الكتلة النقدية بالليرة

ولم يعد كافياً، حسب المسؤول المصرفي عينه، أن يستمر مصرف لبنان، بالتعاون مع الحكومة ووزارة المال، بضبط الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية ضمن مستويات السيطرة المطلقة قياساً بحجم الاحتياط بالدولار، التي تطمئن فعلياً إلى وجود استقرار طويل الأمد في سعر الصرف. في حين يؤكد البنك المركزي في إشهار رسمي، «ﺑﺼﻮرة واﺿﺤﺔ ﻻ ﻟﺒﺲ ﻓﯿﮭﺎ، أن اﻟﻌﻮاﻣﻞ الأساسية اﻟﻘﺎدرة ﻋﻠﻰ إﺣﺪاث ﺗﺄﺛﯿﺮ ﺳﻠﺒﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﻮﺟﻮداﺗه ﺑﺎﻟﻌﻤﻼت اﻷﺟﻨﺒﯿﺔ ھﻲ اﻟﻌﻮاﻣﻞ اﻟﺠﯿﻮﺳﯿﺎﺳﯿﺔ اﻟﺨﺎرﺟﺔ ﻋﻦ إرادة اﻟﺪوﻟﺔ وﻣﺼﺮف ﻟﺒﻨﺎن، ﺑﻤﺎ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﺘﻮﺗﺮات اﻷﻣﻨﯿﺔ واﻹﻗﻠﯿﻤﯿﺔ اﻟﻜﺒﺮى».

ميزان المدفوعات

وتترقب الوكالة الدولية للتقييم الائتماني «موديز»، في تقرير محدث، أن يتعرّض ميزان المدفوعات المحلّي لضغوط كبيرة، بواقع أنّ لبنان يعتمد بشكل كبير على الاستيراد، وحقيقة ارتفاع هذه الفاتورة نتيجة زيادة أسعار النفط، الذي يفترض أن يتم تعويضه جزئيّاً من خلال واردات السياحة وتحويلات المغتربين، بينما تنكمش هذه التدفّقات بسبب الحرب وضعف النشاط الاقتصادي في أسواق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يعمل عدد كبير من المغتربين.

ويحتاج لبنان، حسب الوكالة، إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة يسعى إلى تأمينها عبر تمويل طارئ يستجيب له صندوق النقد الدولي، من أجل تعزيز مستويات السيولة ومساعدة الحكومة على تلبية الاحتياجات الاجتماعيّة والإنسانيّة الناجمة عن الحرب. مع الإشارة إلى أنّ هذه المساعي تتمحور حول تمويل سريع بقيمة تقارب المليار دولار يسهم في تلبية الاحتياجات المالية القصيرة الأجل، مع إرجاء اضطراري لأولوية معالجة الاختلالات الهيكلية.

ويعدّ البنك المركزي «أن رﺑﻂ أي ﺗﺮاﺟﻊ ظﺮﻓﻲ ﻓﻲ ھﺬه اﻟﻤﻮﺟﻮدات ﺑﻘﺮارات داﺧﻠﯿﺔ ھﻮ رﺑﻂ ﻣﺨﺎﻟﻒ ﻟﻠﻮﻗﺎﺋﻊ»، ليؤكد في المقابل «اﺳﺘﻤﺮاره ﻓﻲ إدارة ھﺬه اﻟﻤﻮﺟﻮدات ﺑﺄﻋﻠﻰ درﺟﺎت اﻟﺤﯿﻄﺔ واﻟﻤﺴﺆوﻟﯿﺔ، ﺑﻤﺎ ﯾﻀﻤﻦ ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻻﺳﺘﻘﺮار اﻟﻨﻘﺪي وﺻﻮن ﻣﺼﺎﻟﺢ اﻟﻤﻮدﻋﯿﻦ واﻻﻗﺘﺼﺎد اﻟﻮطﻨﻲ. أﻣﺎ اﻟﺴﯿﺎﺳﺎت اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ اﻟﺘﻲ ﯾﻌﺘﻤﺪھﺎ، وﻛﺬﻟﻚ اﻟﺴﯿﺎﺳﺎت اﻟﻤﺎﻟﯿﺔ ﻟﻠﺪوﻟﺔ المتّبعة من قبل وزارة المالية، ﻓﻘﺪ أﺛﺒﺘتا ﻗﺪرﺗهما ﻋﻠﻰ اﻟﺤﻔﺎظ ﻋﻠﻰ ﺗﻮازن ﻧﺴﺒﻲ ﻓﻲ اﻟﺴﻮق وﻋﻠﻰ ﺣﻤﺎﯾﺔ اﻟﻤﻮﺟﻮدات، رﻏﻢ ﺷﺢ اﻟﻤﻮارد واﻟﻈﺮوف اﻻﺳﺘﺜﻨﺎﺋﯿﺔ».

رجل يعد أوراقاً نقدية من الليرة اللبنانية في محل صرافة ببيروت (رويترز)

مخزون الاحتياطيات

وفي الوقائع الرقمية، فقد تم تسجيل ﺗﺮاﺟﻊ فعلي في مخزون الاحتياطيات خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وبقيمة 516 مليون دولار، أي بنحو 4.5 في المائة من إجمالي قيمة الموجودات بالعملات الأجنبية الذي هبط إلى نحو 11.43 مليار دولار. وﻓﻲ اﻟﻤﻘﺎﺑﻞ، اﺳﺘﻤﺮت المدفوعات النقدية، ﺑﻞ وارﺗﻔﻌﺖ ﻓﻲ ﻣﻄﻠﻊ ﻋﺎم 2026، ﻧﺘﯿﺠﺔ زﯾﺎدة ﻣﺪﻓﻮﻋﺎت اﻟﻘﻄﺎع اﻟﻌﺎم ورﻓﻊ ﺳﻘﻮف اﻟﺴﺤﻮﺑﺎت ﺑﻤﻮﺟﺐ اﻟﺘﻌﻤﯿﻤﯿﻦ (158) و(166)، ﻣﻤﺎ ﺷﻜّﻞ ﺿﻐﻄﺎً ﻣﺆﻗﺘﺎً ﻋﻠﻰ ﻣﺴﺘﻮى اﻟﻤﻮﺟﻮدات.

ويؤكد المركزي أنّ هذا التراجع ﻻ ﯾﻌﻜﺲ أي ﺧﻠﻞ ﻓﻲ اﻟﺴﯿﺎﺳﺎت اﻟﻨﻘﺪﯾﺔ أو اﻟﻤﺎﻟﯿﺔ اﻟﻤﻌﺘﻤﺪة، ﺑﻞ هو ناتج عن ﺗﻄﻮرات ﺟﯿﻮﺳﯿﺎﺳﯿﺔ اﺳﺘﺜﻨﺎﺋﯿﺔ ﺷﮭﺪﺗﮭﺎ اﻟﺒﻼد واﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﺧﻼل ﺗﻠﻚ اﻟﻔﺘﺮة، ﻣﺎ أدى إﻟﻰ ﺗﺒﺎطﺆ ﻧﺴﺒﻲ ﻓﻲ وﺗﯿﺮة ﺷﺮاء اﻟﻌﻤﻼت اﻷﺟﻨﺒﯿﺔ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ اﻟﻤﺼﺮف وﺗﺪﺧﻠﮫ ﻓﻲ اﻷﺳﻮاق. ﻛﻤﺎ تتأثر اﻟﻤﻮﺟﻮدات أيضاً ﺑﻌﻮاﻣﻞ ﺗﻘﯿﯿﻤﯿﺔ ﺑﺤﺘﺔ، ﻧﺎﺗﺠﺔ ﻋﻦ ﺗﻘﻠﺒﺎت أﺳﻌﺎر اﻟﺼﺮف اﻟﻌﺎﻟﻤﯿﺔ، ﻻ ﺳﯿﻤﺎ ﺗﺤﺮﻛﺎت اﻟﯿﻮرو/اﻟﺪوﻻر، وھﻲ ﻋﻮاﻣﻞ ﻣﺤﺎﺳﺒﯿﺔ ﻻ ﺗﻌﻜﺲ ﺗﺪﻓﻘﺎت نقدية ﻓﻌﻠﯿﺔ.

وتظهر البيانات المرجعية أنّ السداد الجزئي للودائع بالعملة الأجنبيّة زاد بنهاية العام الماضي إلى 5.3 مليار دولار، حيث إنّ السحوبات بموجب التعميم الرقم 158، والمتضمنة صرف 800 دولار نقداً و200 دولار للدفع الإلكتروني عبر البطاقة، ارتفعت بنسبة 46 في المائة سنويّاً، بينما زادت تحت إطار التعميم الرقم 166، والشامل دفع 400 دولار نقداً و100 دولار عبر البطاقة، بنسبة قاربت 200 في المائة، أي بمتوسط 71.2 في المائة للتعميمين معاً.


مقالات ذات صلة

سلام: المفاوضات مع إسرائيل ليست مضمونة النتائج لكنها الأقل كلفة

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

سلام: المفاوضات مع إسرائيل ليست مضمونة النتائج لكنها الأقل كلفة

يمضي لبنان في تكثيف اتصالاته الدبلوماسية لإنهاء «الاعتداءات الإسرائيلية ووقف اتساعها» في جنوب لبنان، بعد رفض إسرائيل الطلب اللبناني القاضي بوقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون قرب نهر الليطاني في جنوب لبنان (أرشيفية- الجيش الإسرائيلي)

الجيش الإسرائيلي يحاول الوصول إلى منصات الصواريخ خارج «الخط الأصفر»

يعمل الجيش الإسرائيلي على توسعة توغلاته في جنوب لبنان، خارج «الخط الأصفر»، في مسعى لملاحقة منصات إطلاق الصواريخ في المناطق الحرجية.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي لبناني يوثق الدخان الناتج عن غارة إسرائيلية استهدفت مدينة صور الساحلية بجنوب لبنان (د.ب.أ)

نشطاء في جنوب لبنان يبدأون أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»

فتح نشطاء في جنوب لبنان أول مواجهة سياسية مع «حزب الله»، بإطلاق نداءين باسم مدينتي صور والنبطية، طالبوا فيهما باعتبار المدينتين مفتوحتين وخاليتين من السلاح.

يوسف دياب (بيروت)
المشرق العربي صورة التُقطت من منطقة مرجعيون جنوب لبنان حيث يتصاعد الدخان عقب غارة جوية إسرائيلية على قرية كفر تبنِت (أ.ف.ب) p-circle

الجيش اللبناني يعلن إصابة عسكريين بجروح بغارة إسرائيلية في الجنوب

أعلن الجيش اللبناني اليوم (السبت) إصابة عسكريين اثنين بجروح جراء غارة إسرائيلية استهدفت سيارة كانا يستقلانها قرب مدينة النبطية في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت )
المشرق العربي ينتهي تفويض قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة المنتشرة في جنوب لبنان هذا العام (رويترز)

ما الخيارات المطروحة مع اقتراب خروج قوة الأمم المتحدة من لبنان؟

يسعى لبنان إلى إيجاد قوة دولية تحلّ مكان قوة حفظ السلام الأممية المنتشرة في جنوبه وينتهي تفويضها هذا العام، فيما تستمر الحرب بين إسرائيل و«حزب الله».

«الشرق الأوسط» (بيروت )

الصين تهدد باتخاذ إجراءات تجارية انتقامية ضد الاتحاد الأوروبي

آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)
آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)
TT

الصين تهدد باتخاذ إجراءات تجارية انتقامية ضد الاتحاد الأوروبي

آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)
آلاف السيارات الكهربائية في طريقها للتصدير بميناء شنغهاي الصيني (رويترز)

حذرت الصين، السبت، الاتحاد الأوروبي من فرض المزيد من القيود التجارية، وذلك عقب مناقشات داخلية في الاتحاد حول العلاقات مع بكين، وأكدت بكين أنها سترد بحزم على أي إجراءات جديدة تعتبرها تمييزية.

وأصدرت وزارة التجارة الصينية بياناً أكدت فيه ضرورة التزام الاتحاد الأوروبي بالتجارة الحرة والمنافسة العادلة، ورفض الإجراءات الحمائية والأحادية.

وأضافت الوزارة أنه في حال فرضت بروكسل «أدوات تجارية أحادية» أو قيوداً تمييزية، فإن الصين «سترد بقوة» وستتخذ «إجراءات فعالة» للدفاع عن مصالحها.

وجاء هذا التحذير بعد أن عقدت المفوضية الأوروبية مساء الجمعة محادثات داخلية حول السياسة التجارية المتعلقة بالعلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين.


الاتحاد الأوروبي يعتزم الحدّ من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية

علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)
علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يعتزم الحدّ من الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأميركية

علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)
علم الولايات المتحدة وجواز سفر وهمي بالإضافة إلى شعارات كبرى شركات التكنولوجيا في أميركا (رويترز)

يستعد الاتحاد الأوروبي، الذي يبدي قلقاً إزاء ضعفه أمام القوى الأجنبية في المجال التكنولوجي، للإعلان عن تدابير غير مسبوقة تحدّ من اعتماده على الشركات التكنولوجية الأميركية الكبرى وموردي أشباه الموصلات الصينيين، مع تعزيز البدائل الأوروبية.

وتكشف المفوضية الأوروبية، الأربعاء المقبل، عن خطة كبرى لـ«السيادة التكنولوجية»، ما يُنذر بمواجهة جديدة مع الولايات المتحدة.

وتندرج هذه المقترحات في إطار سعي الاتحاد الأوروبي إلى «استعادة مكانته في السباق العالمي نحو النفوذ الجيو-اقتصادي»، على ما ورد في وثيقة تلخيصية نشرتها وكالة الصحافة الفرنسية، السبت.

ويُبدي الاتحاد الأوروبي قلقاً بالغاً إزاء اعتماده الكبير على خدمات الشركات الأميركية الكبرى للحوسبة السحابية: «أمازون» و«مايكروسوفت» و«غوغل»، التي تسيطر على 70 في المائة من السوق الأوروبية.

وتتزايد مخاوف الحكومات الأوروبية من إمكانية تعطيل الخدمات الرقمية التي تعتمد على مزوّدين أميركيين، لا سيما في قطاع الدفاع، عبر آلية الإيقاف الطارئ المعروفة بـ«كيل سويتش» (kill switch) في حال حدوث أزمة مفتوحة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وحرص المسؤولون الأوروبيون على عدم استهداف بشكل مباشر المزودين الأميركيين الذين يهيمنون على النظام الرقمي في أوروبا على جميع المستويات تقريباً، من خدمات تكنولوجيا المعلومات إلى الشبكات الاجتماعية والتجارة الإلكترونية.

وكانت تيريزا ريبيرا، وهي مسؤولة رفيعة المستوى في المفوضية الأوروبية، قالت هذا الشهر: «علينا تطوير قدراتنا الخاصة حتى لا تتأثر قراراتنا وقيمنا واقتصادنا بأي جهة أخرى».

درس قاس

لا يزال الأوروبيون يستحضرون تجربة صعبة، حين فرضت واشنطن العام الماضي عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية.

وأثار القاضي الفرنسي نيكولا غيو أصداء واسعة حين روى أنه وجد نفسه محروماً فجأة من استخدام بطاقته المصرفية، إذ تعتمد شبكات الدفع الفرنسية على الشركات الأميركية: «فيزا» و«ماستركارد» و«أميركان إكسبرس»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وسبق أن حذرت الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي، من أي نزعة حمائية، في حين تؤكد شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة أن أوروبا ستخسر كثيراً إذا قررت الاستغناء عن خدماتها.

وفي مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية، في أبريل، قال السفير الأميركي لدى الاتحاد الأوروبي أندرو بوزدر، إن عرقلة أنشطة الموردين الأميركيين في مجال الذكاء الاصطناعي أو الحوسبة السحابية ستحرم الأوروبيين من «الخبرات والابتكارات التي طُوّرت في الولايات المتحدة».

شعارات أمازون وأبل وفيسبوك وغوغل (رويترز)

وستتضمن المقترحات التي ستُطرح يوم الأربعاء نصاً بشأن «تطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي»، يهدف إلى تسهيل إنشاء بنى تحتية أساسية مثل مراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي.

وتتضمن المقترحات أيضاً «قانوناً حول الرقائق الإلكترونية»، يهدف إلى تأمين إمدادات أشباه الموصلات من خلال تقليل الاعتماد على الموردين الأجانب، بالإضافة إلى تدابير لتعزيز استخدام البرمجيات المفتوحة المصدر داخل الإدارات والخدمات العامة.

ويؤكد النائب الألماني في البرلمان الأوروبي أوليفر شينك، المؤيد لهذه الإجراءات، أن الهدف ليس «استهداف شركائنا التجاريين أو إغلاق سوقنا»، وأضاف: «ترغب أوروبا في تجنب الاعتماد الهيكلي على أي جهة خارجية».

«تقييمات للمخاطر على السيادة»

تنص الوثيقة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية، التي قد تُعدّل بحلول الأربعاء، على أنه سيتعين على دول الاتحاد الأوروبي السبعة والعشرين إجراء «تقييمات للمخاطر على صعيد السيادة» في مجال الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، وذلك «لتحسين قدرتها على الصمود» وتحديد بدائل أوروبية للموردين الأجانب.

وفي ما يتعلق بالرقائق الإلكترونية، تسعى المفوضية إلى الحصول على صلاحية التدخل في سلاسل الإنتاج في حال وقوع أزمة.

ويمكنها تالياً إلزام المصنّعين بتعليق عقودهم «لإعطاء الأولوية لإنتاج المكونات الحيوية».

وتتضمن الوثيقة أيضاً نظاماً مشتركاً للمشتريات لمساعدة الدول الأعضاء التي تعاني من «نقص حاد» في تأمين الإمدادات.

من جانبها، تسعى شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة إلى إظهار حسن النية. ويؤكد آرون كوبر من «بيزنيس سوفتوير ألينس»، إحدى أبرز المنظمات المدافعة عن مصالح قطاع التكنولوجيا: «لا يوجد آلية إيقاف طارئ».

وتقول رئيسة عمليات شركة «آي بي إم» في أوروبا آنا باولا أسيس، إنّ «السيادة الرقمية لا تقتصر على الحدود فحسب»، مضيفة أن شركتها تساعد زبائنها «للحفاظ على السيطرة على كامل بنيتهم المعلوماتية».

ويرى بن برايك، مدير منظمة «دوت أوروبا» التي تضم في عضويتها شركات مثل «أمازون» و«أبل»، أن «الاستهداف المباشر للشركات الأميركية، لن يساعد أوروبا على النهوض من جديد في مجالي الابتكار والتنافسية».


دعوات للحذر قبل تحريك أسعار الفائدة في الهند

يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في متجر بمدينة أمريتسار الهندية (رويترز)
يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في متجر بمدينة أمريتسار الهندية (رويترز)
TT

دعوات للحذر قبل تحريك أسعار الفائدة في الهند

يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في متجر بمدينة أمريتسار الهندية (رويترز)
يتسوق الناس لشراء السلع الأساسية في متجر بمدينة أمريتسار الهندية (رويترز)

قال مسؤولون في وزارة المالية الهندية، قبيل أيام من إصدار البنك المركزي قراره بشأن السياسة النقدية المعنية بتحريك أسعار الفائدة، إن الهند بحاجة إلى توخي الحذر إزاء توقعات التضخم في البلاد.

ويأتي ذلك في ظل مخاوف تتعلق بضعف موسم الرياح الموسمية الذي يهدد المحاصيل الزراعية وارتفاع أسعار الوقود مؤخراً، حسبما أفادت وكالة «بلومبرغ».

وأوضحت وزارة الشؤون الاقتصادية في تقريرها الشهري لشهر مايو (أيار) الحالي، أن هناك مجموعة من العوامل تتطلب التحلي بيقظة سياسية مستدامة.

ومن بين هذه العوامل، ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، وانخفاض قيمة الروبية، وتزايد ضغوط تكاليف الإنتاج الأولية، بالإضافة إلى احتمالية أن يكون موسم الرياح الموسمية أقل من المعدلات الطبيعية.

وأشارت الوزارة إلى أن الاقتصاد لا يزال يتمتع «بمرونة مشوبة بالحذر»، حيث إن المؤشرات الأساسية المحلية لا تزال سليمة إلى حد كبير.

تسارع التضخم

وتسارع معدل التضخم في قطاع التجزئة بالهند إلى 3.48 في المائة خلال أبريل (نيسان) الماضي، مدفوعاً بارتفاع أسعار المواد الغذائية، في حين تُلقي المخاطر الناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبطة بحرب إيران بظلالها على التوقعات المستقبلية.

ورغم ذلك، جاءت قراءة أبريل أقل من توقعات «رويترز» البالغة 3.8 في المائة، وقريبة من قراءة مارس (آذار) البالغة 3.4 في المائة. وقد اعتمدت الهند نهجاً حسابياً جديداً مع سلة سلع معدَّلة وقاعدة جديدة في يناير (كانون الثاني) 2026.

وشهد التضخم السنوي تسارعاً مطرداً منذ يناير، مقترباً من هدف البنك المركزي البالغ 4 في المائة، مع ترجيح المخاطر نحو الارتفاع نتيجة ارتفاع أسعار النفط.

وازدادت حالة عدم اليقين بشأن توقعات التضخم في الهند مع ازدياد تأثير ارتفاع أسعار النفط العالمية على التكاليف المحلية. ويهدد ارتفاع فواتير الطاقة بتفاقم عجز الحساب الجاري، مما يُضعف الروبية، ويزيد من ضغوط الأسعار على ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم.

ومن المتوقع أن يؤدي موسم الأمطار الموسمية هذا العام، الذي يُتوقع أن يكون ضعيفاً، إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأشهر المقبلة.

وبلغ معدل التضخم الغذائي 4.2 في المائة، مقارنة بـ3.87 في المائة قبل شهر.