التحالف الدولي «مستعجل» لإرسال قوة تحفظ الأمن في «هرمز»

مصدر رئاسي فرنسي يتحدث عن «شروط المهمة الحيادية والدفاعية»

صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر
صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر
TT

التحالف الدولي «مستعجل» لإرسال قوة تحفظ الأمن في «هرمز»

صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر
صورة نشرتها البحرية الوطنية الفرنسية في 6 مايو 2026 تُظهر سطح الطيران لحاملة الطائرات «شارل ديغول» خلال عبورها قناة السويس في طريقها إلى جنوب البحر الأحمر

أمران رئيسيان دفعا باريس إلى الاستعجال في طرح تفعيل المبادرة المشتركة التي أطلقتها مع بريطانيا، والقائمة على تشكيل «تحالف دولي» لضمان حرية الإبحار في مضيق هرمز والتي جسدتها قمة الإليزيه يوم 17 أبريل (نيسان) الماضي التي تمت حضورياً ومن بُعد وبمشاركة 50 دولة، ثلاثون منها تمثلت برؤساء الدول والحكومات.

ويتمثل الأمر الأول في الصعوبات التي واجهتها مبادرة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «مشروع الحرية» التي بدا سريعاً أن العمل بها مقرون بكثير من المخاطر. والثاني، مشروع القرار المشترك المقدَّم إلى مجلس الأمن الدولي الذي يُتوقع أن تطول المناقشات بشأنه أياماً طويلة.

وقال الرئيس ​الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، إنه أجرى مزيداً من المحادثات مع الرئيس ‌الإيراني ‌مسعود ​بزشكيان، ‌أكد ⁠خلالها ​مجدداً على ⁠أهمية السماح بحرية الملاحة في مضيق هرمز. وأضاف ماكرون أنه ⁠شجّع الرئيس ‌الإيراني ‌على ​النظر ‌في خطط ‌فرنسا وبريطانيا لتشكيل بعثة دولية لوضع الأسس اللازمة ‌للمرور الآمن عبر مضيق هرمز.

وعمدت باريس، بالتوافق مع شركائها، وعبر مسؤول كبير في الرئاسة، إلى طرح مبادرة «عملية» تقوم أساساً على الفصل بين ملف مضيق هرمز من جهة والمسائل الرئيسية موضع التفاوض بين طهران وواشنطن، أي البرامج النووية والباليستية، وسياسة طهران الإقليمية وعلاقاتها بوكلائها في المنطقة.

ولإظهار جديتها، عمدت باريس إلى توجيه حاملة الطائرات «شارل ديغول» التي كانت تُبحر مقابل الشواطئ القبرصية إلى منطقة الخليج وقد قطعت قناة السويس، وكانت الثلاثاء تُبحر في البحر الأحمر.

بيد أن التحالف الدولي لن ينخرط في مهمة كهذه من غير الحصول على ضمانات من الجانبين الإيراني والأميركي. ولهذا الغرض، تُكثر الدبلوماسية الفرنسية من مشاوراتها، إنْ عبر الاتصالات المباشرة التي يقوم بها الرئيس ماكرون مع نظيريه الأميركي والإيراني، أو عبر وزير خارجيته جان نويل بارو، الذي أجرى جولة خليجية نهاية الأسبوع الماضي شملت المملكة السعودية وسلطنة عمان ودولة الإمارات، فضلاً عن التواصل مع نظيره عباس عراقجي.

وتقترح باريس باسم التحالف «تمكين إيران من عبور مضيق هرمز مقابل التزامها بالدخول في مفاوضات بشأن القضايا الجوهرية مع الأميركيين وأن يلتزم الأميركيون برفع الحصار عن مضيق هرمز مقابل الالتزام الإيراني بقبول التفاوض».

ولا تشير باريس إلى فترة زمنية محددة ولا إلى ما قد يحصل في حال لم يتوصل الطرفان، في نهاية المفاوضات إلى اتفاق. بالإضافة إلى ذلك، تريد باريس التزاماً إيرانياً بعدم استهداف البواخر وناقلات النفط العابرة في المضيق، وأن «تتوافر لديها الوسائل الكفيلة بطمأنة الفاعلين في مجال الملاحة، أي مالكي السفن وشركات التأمين وغيرها، حتى نتمكن من العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل اندلاع الحرب. هذا هو الهدف، وهو هدف يمكن تحقيقه». وحسب باريس، فإن مبادرة كهذه «تصب في مصلحة الجميع، كما أنها تتمتع بالصدقية، وتستند إلى قرارات واضحة والتزامات محددة».

عقبات أفشلت التفاوض

يرى الجانب الفرنسي أن تجزئة العقبات التي أفشلت حتى اليوم التفاوض بين طهران وواشنطن، مفيدة من عدة أوجه: الأول، التعاطي المباشر مع الأزمة الحادة التي تصيب الاقتصاد الدولي بسبب تعثر سلاسل إمداد الطاقة من النفط والغاز، فضلاً عن الأسمدة الضرورية للزراعة. والثاني، تجنب اشتعال الحرب مجدداً بما لها من تداعيات إقليمية ودولية.

والثالث، استعادة الثقة اللازمة لتهدئة أسواق النفط، وكذلك خفض أقساط التأمين واستعادة التدفقات الطبيعية للتجارة. فيما يرتبط الرابع بتخوف فرنسي - أوروبي من رغبة الجانب الأميركي في التوصل إلى اتفاق مع إيران حول المسائل الأساسية لا يكون «منسوجاً بدقة»، خصوصاً بشأن البرنامج النووي.

لذا، فإن تهدئة الأمور بفضل عودة حرية الملاحة في المضيق ستتيح الوقت الكافي لمناقشة مسائل بالغة التعقيد لا تتناول فقط «النووي» ولكن أيضاً كل ما يترتب عليه لاحقاً من رفع العقوبات وتحرير الأموال الإيرانية المحجوزة في العواصم الأوروبية وغير الأوروبية.

وإسراع باريس في تحويل حضور «شارل ديغول» ترى فيه مصادر الإليزيه «إشارة مفادها بأننا لسنا فقط مستعدين لتأمين مضيق هرمز، بل إننا قادرون على ذلك أيضاً». وتتوقع باريس أن تعمد دول أخرى، أوروبية، مثل ألمانيا وبريطانيا وهولندا، وآسيوية، مثل الهند وإندونيسيا وربما الصين، وأفريقية وخليجية إلى إرسال قطع بحرية للمشاركة في هذه العملية التي يريدها أطراف التحالف الدولي «دفاعية فقط» و«بعيدة عن أطراف المواجهة»، ما من شأنه أن يضمن لها حيادها وصدقيتها وتقبل الطرفين لوجودها ولمهمتها. ومنذ البداية حرص التحالف على الالتزام بالحيادية والابتعاد قدر الإمكان عمّا تقوم به أميركا في المنطقة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (في الوسط إلى اليمين) يزور حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» خلال زيارته قبرص 9 مارس 2026 (أ.ب)

ما يميّز التحالف البحري...

إذا توافرت هذه الشروط، فإن التحالف البحري، وفق ما يؤكده المصدر الرئاسي، «قادر على توفير ونشر الوسائل (القطع البحرية وما تحتاج إليه) القادرة على ضمان أمن البواخر والناقلات التي تعبر المضيق».

والسمة البارزة لما يطرحه التحالف أن مهمته تتم بالتفاهم والتعاون مع الجانب الإيراني، الأمر الذي يميزها عن «مشروع الحرية» الأميركي الذي أرادت الإدارة الأميركية أن تلجأ إلى فرضه بالقوة والإكراه، الأمر الذي كاد يشعل مجدداً الحرب.

واستعان المصدر الرئاسي بالحادثة التي تعرضت لها ناقلة الحاويات الفرنسية المملوكة لشركة «سي إم آي ـ سي جي إم» التي مقرها مدينة مرسيليا الفرنسية المتوسطية للتدليل على فشل المبادرة الأميركية. وقال المصدر الرئاسي إن ما حصل مساء الاثنين، من استهداف الناقلة المسجلة في جزيرة مالطا «يبرز مرة أخرى وجاهة النهج الذي اتخذناه» ويبيّن في الوقت عينه «صعوبة توصل الأميركيين والإيرانيين إلى صيغة تحافظ على حرية الملاحة» وذلك بسبب التعقيدات المترتبة على الملفات الخلافية بين طهران وواشنطن.

ما جاء على لسان المصدر الرئاسي ليس سوى «مقدمة» لما تم التوافق بشأنه في قمة باريس الشهر الماضي، أي مجموعة من المقترحات، أو في أفضل الأحوال التزامات مبدئية يتعين ترجمتها اليوم، في حال قُبل الطرح الذي يقدمه التحالف الدولي البحري، إلى خطوات إجرائية.

وأفادت باريس بأن اجتماعات تحصل لتخطيط الانتشار وإظهار أن التحالف يمتلك خطة عملانية يمكن السير بها سريعاً، وأنه قادر على تنفيذها. ولا شك أن توافر قناعة من هذا النوع سيكون لها تأثيرها على الأجواء العامة المحيطة بالصناعة النفطية. لكن قبل ذلك كله يتعين ترقب أمرين: الأول، الردود المفترض أن تصدر عن العاصمتين المعنيتين؛ واشنطن وطهران. والآخر، النقاشات التي ستدور في مجلس الأمن الدولي وكيفية التوفيق بينها وبين ما تستبطنه مبادرة التحالف.


مقالات ذات صلة

ارتفاع أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي رغم الإنتاج القياسي

الاقتصاد ترمب خلال زيارة لمنشأة لتصدير الغاز الطبيعي المُسال في لويزيانا بالولايات المتحدة (رويترز)

ارتفاع أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي رغم الإنتاج القياسي

ارتفعت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي الأميركي، متعافيةً من أدنى مستوى لها في أكثر من أسبوع والذي سجلته خلال الجلسة السابقة، مع ارتفاع أسعار النفط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)

قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

عدّ رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن «المقاومة في العراق أضحت تشكل عنصراً أساسياً من عناصر القوة الإقليمية»...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية مقاتلة غلوب ماستر سي-17 الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ ب) p-circle

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

أفادت مصادر مقرَّبة من دوائر صنع القرار في طهران بأن إيران تدرس مهاجمة أهداف عسكرية أميركية بأوروبا في حال قرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصعيد الحرب ضدها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سفن شحن تُرَى في خليج عُمان بالقرب من مضيق هرمز (أ.ب)

استمرار تباطؤ الملاحة عبر «هرمز» مع غموض مصير الممر الحيوي

استمر تباطؤ حركة الشحن عبر مضيق هرمز، الأربعاء، مع تجنب معظم مالكي السفن الممر المائي الحيوي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد حقل الزبير النفطي في البصرة، العراق (رويترز)

النفط يواصل الصعود لليوم الرابع وسط غموض بشأن صادرات «هرمز»

ارتفعت أسعار النفط لليوم الرابع على التوالي، الأربعاء، في وقت يقيّم فيه المستثمرون رسائل متضاربة من طهران وواشنطن.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)

قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
TT

قاليباف: المقاومة العراقية أضحت قوة عالمية

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)
رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (في الوسط) لدى وصوله إلى بغداد يوم 19 أغسطس 2026 خلال مؤتمر صحافي بالموقع الذي قُتل فيه قاسم سليماني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني بضربة جوية أميركية عام 2020 بالقرب من المطار (تصوير: أحمد الربيعي - أ.ف.ب)

عدّ رئيس البرلمان الإيراني، محمد قاليباف، أن «المقاومة في العراق أضحت تشكل عنصراً أساسياً من عناصر القوة العالمية»، مشيراً إلى أن العلاقات بين بغداد وطهران تتجه نحو ترسيخ نظام جديد بعيداً عن التدخلات الأجنبية.

ووصل قاليباف، الأربعاء، إلى العاصمة العراقية في زيارة رسمية؛ استهلها بمؤتمر صحافي عقده عند «نُصب قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس»؛ حيث موقع اغتيالهما قرب «مطار بغداد الدولي».

وقال قاليباف، خلال مؤتمر مشترك مع عدنان فيحان، النائب الأول لرئيس البرلمان العراقي، إن «الجميع أظهر عناصر القوة في العراق خلال الحرب الأخيرة (مع الولايات المتحدة)»، مضيفاً أنه «بعد مضي سنوات من التجربة في العراق، تخطت المقاومة حدود البلدين، وباتت قوة مؤثرة على المستويين الإقليمي والعالمي».

وأوضح أن زيارته الحالية إلى العاصمة بغداد «تأتي في سياق تشكيل النظام الإقليمي الجديد، والإصرار على تعزيز التعاون الثنائي بين جميع دول المنطقة دون أي تدخل أجنبي».

ولفت رئيس البرلمان الإيراني إلى مواقفه السابقة خلال فترة الحرب، قائلاً: «صرحتُ أكثر من مرة بأن الدول الإسلامية بحاجة إلى توسيع مجالات التعاون كافة وتعميق العلاقات، لا سيما في القطاع الاقتصادي»، مؤكداً استعداد طهران الكامل لإبداء أعلى درجات التعاون في هذا المجال.

وجاءت زيارة قاليباف في خضمّ نقاشات داخل التحالف الحاكم بشأن مصير سلاح الفصائل بعد انسحاب القوات الأميركية المقرر في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلا إن المناخ السياسي احتدم بعد اعتقال قيادي في «حركة النجباء» الموالية لإيران.

ويواجه العراق ضغوطاً من واشنطن لنزع سلاح الفصائل المسلحة القوية المدعومة من إيران، والتي اكتسبت نفوذاً سياسياً ومالياً كبيراً في البلاد.

وأفادت وكالة «تسنيم» الإيرانية بأن «محادثات قاليباف مع كبار المسؤولين العراقيين ستتمحور حول تطورات المنطقة، وتعزيز التعاون الاستراتيجي بين طهران وبغداد، واستعراض السبل المشتركة للمساهمة في تحقيق الاستقرار والأمن في غرب آسيا».


«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

مقاتلة غلوب ماستر سي-17 الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ ب)
مقاتلة غلوب ماستر سي-17 الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ ب)
TT

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

مقاتلة غلوب ماستر سي-17 الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ ب)
مقاتلة غلوب ماستر سي-17 الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ ب)

قال مسؤول في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الأربعاء، إن الحلف مستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع الدول الأعضاء، رداً على تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز» أفاد بأن طهران درست استهداف مواقع عسكرية أميركية في أوروبا إذا صعّد الرئيس دونالد ترمب الحرب.

وأضاف المسؤول: «كما اتضح هذا العام، عندما نجحت الدفاعات الجوية لحلف شمال الأطلسي في اعتراض صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه تركيا في أربع وقائع منفصلة، فإن قدرات الردع والدفاع في وضع قوي وفعال».

وأفادت «فاينانشال تايمز»، نقلاً عن مصدرين من داخل النظام الإيراني، إن القوات الإيرانية قيّمت خيارات لتوسيع الرد على الولايات المتحدة إلى خارج الشرق الأوسط، بينها ضرب أصول عسكرية أميركية في جنوب شرقي أوروبا، واستهداف بنى تحتية بحرية في مضيق هرمز.

وأوضح المصدران أن القوات الإيرانية درست إمكان ضرب أصول أميركية في دول مثل بلغاريا، التي وافقت الشهر الماضي على استخدام قاعدة «بيزمر» الجوية لطائرات التزود بالوقود الأميركية. وقال أحدهما إن قبرص كانت أيضاً ضمن الأهداف المحتملة في حال شن واشنطن هجوماً جديداً.

وأضافا أن القوات الإيرانية بحثت بصورة منفصلة استهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحر في مضيق هرمز إذا اتسعت المواجهة. وقال أحد المصدرين إن طهران تعد خطة لتوسيع الحرب إذا نفذ ترمب تهديداته السابقة بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية.

وكان ترمب قد قال الشهر الماضي إن واشنطن ستدمر جسراً أو محطة كهرباء إيرانية في كل مرة تستهدف فيها إيران سفينة في المضيق.

وقال المصدر الآخر إن إيران لن تضع «أي حدود» لردها إذا تعرضت لهجوم أميركي، مضيفاً: «إذا تمادت الولايات المتحدة، فستدافع إيران عن نفسها بأي ثمن، وستتجاوز المنطقة وتضرب أوروبا أيضاً».

وقال المصدران إن الهجوم الإيراني الشهر الماضي على قاعدة أميركية في الأردن، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين، كان أدق هجوم بعيد المدى نفذته إيران، وأظهر، بحسبهما، قدرة طهران على إصابة أهداف على مسافات أبعد.

ونقل أحدهما أن الهجوم كان أيضاً «رسالة إلى أوروبا»، محذراً من أن ضربة أميركية كبيرة للبنية التحتية الإيرانية يمكن أن تدفع الحرب إلى تجاوز المنطقة والوصول إلى أوروبا.

تهديدات تتقدم إلى مستوى العمليات

ولا تعد التهديدات الإيرانية باستهداف قواعد خارج المنطقة جديدة بعد تصاعد التوترات رغم إبرام تفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وفي 23 يوليو، هدد «الحرس الثوري» باستهداف أي قاعدة تُستخدم لشن هجمات على إيران، ووجّه تحذيراً مباشراً إلى بريطانيا بعد تقارير عن استخدام قاعدة «فيرفورد» الجوية لدعم ضربات أميركية.

وفي اليوم نفسه، حذر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي 25 سفيراً وقائماً بالأعمال من دول أوروبية من تقديم تسهيلات عسكرية لأي طرف يشارك في مهاجمة إيران، وقال إن الدولة التي تضع أراضيها أو قواعدها في خدمة تلك العمليات ستعدها طهران مشاركة فيها وستتحمل تبعات ذلك.

وجاءت تلك التحذيرات بعد موافقة البرلمان البلغاري، على استضافة ما يصل إلى ثماني طائرات أميركية من طراز «كيه سي-135» للتزود بالوقود، ونحو 250 عسكرياً ومعدات دعم في قاعدة «بيزمر» حتى الأول من أكتوبر.

وكانت صوفيا قد تلقت تحذيراً إيرانياً أسبق في مارس (آذار)، بعدما احتجت طهران على توقف طائرات أميركية للتزود بالوقود في مطار بلغاري، وقالت في مذكرة دبلوماسية إنها «تحتفظ بالحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية».

طائرات تابعة لسلاح الجو الأميركي على مدرج مطار صوفيا في بلغاريا 19 فبراير 2026 (رويترز)

وفي نهاية الشهر الماضي، عاد وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الملف، وطلب من نظيرته البلغارية إعادة النظر «بشكل عاجل» في قرار استضافة الطائرات الأميركية، معتبراً أن توفير هذه التسهيلات يشكل «تسهيلاً للعدوان على إيران».

وفي اتصال منفصل مع وزير الخارجية القبرصي، قال عراقجي إن السماح باستخدام القواعد العسكرية الأجنبية في قبرص لتنفيذ عمليات ضد إيران يجعل الدولة المضيفة مشاركة في العمل العسكري. وأبلغته نيقوسيا، بأنها تلقت تأكيدات بريطانية بعدم استخدام القواعد البريطانية في الجزيرة ضد إيران، بحسب بيان الخارجية الإيرانية.

تأتي معلومات «فاينانشال تايمز» في مرحلة انتقلت فيها التهديدات، وفق المصدرين، من التحذير العلني من استخدام القواعد إلى تقييم أهداف بعينها، ودراسة قدرات الضرب وخيارات استهداف البنية التحتية، ضمن حملة إيرانية تتحدث صراحة عن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

قبل تقرير الصحيفة بريطانية بيومين، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير إن طهران قررت تحويل سياستها من الدفاع إلى «الهجوم بالكامل» بسبب تعثر الجهود للتوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب مع الولايات المتحدة.

وأضاف: «يجب على الكيانات الإيرانية أن تكون مستعدة لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة ككل»، وقال إن إيران مستعدة لاتخاذ «قرارات صعبة»، وستنفذ هجوماً عسكرياً «في الوقت المناسب وبدقة» لكسر الحصار البحري الأميركي إذا فشلت الدبلوماسية.

وقال المسؤول إن على الولايات المتحدة، خلال مهلة إيرانية تبلغ «بضعة أسابيع»، تنفيذ جميع بنود مذكرة التفاهم، مضيفاً أن ذلك شرط مسبق لإجراء مزيد من المفاوضات.

خيارات صاروخية أبعد

وقال خبراء عسكريون لـ«فاينانشال تايمز» إن إيران تستطيع استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى، بينها سلسلة «شهاب»، ضد أصول أميركية في جنوب وجنوب شرقي أوروبا، لكن قدرتها على إحداث أضرار تتراجع عند المديات الأطول.

وأضافوا أن صواريخ أثقل يمكن أن تصل إلى مسافات أبعد إذا حملت رؤوساً أخف، ما يحد من قدرتها التدميرية. وأشاروا إلى أن محاولات استهداف قاعدة دييغو غارسيا هذا العام أظهرت امتلاك إيران أسلحة يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، لكن حجم مخزونها غير معروف.

وقال الخبراء إن الدقة تصبح أكثر صعوبة كلما ازداد المدى، وإن خطر فشل الصواريخ أو اعتراضها يرتفع أيضاً. ورأى أحدهم أن العمل عبر جماعات حليفة في العراق ولبنان واليمن قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على ضربات صاروخية بعيدة.

وكانت واشنطن قد اتهمت طهران، في الأسابيع التي أعقبت بدء الحرب في فبراير، بإطلاق عدة صواريخ باتجاه دييغو غارسيا، القاعدة العسكرية الأميركية - البريطانية في المحيط الهندي، من دون أن يصل أي منها إلى هدفه.

وفي مارس، قالت تركيا إن دفاعات «الناتو» اعترضت عدة صواريخ باليستية انطلقت من إيران، بينما أصابت طائرة مسيّرة قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية في قبرص. وقال مسؤولون غربيون حينها إنهم اشتبهوا في أن مسيّرة إيرانية الصنع أطلقتها قوات حليفة لطهران نفذت الهجوم.

وكانت بريطانيا قد ردت في 24 يوليو على تهديدات «الحرس الثوري» بالتأكيد أن قواتها المسلحة جاهزة للدفاع عن المملكة المتحدة، وأن دفاعاتها الجوية والصاروخية تعمل بالتنسيق مع حلفائها في «الناتو».

كما أكدت لندن استمرار دعمها للعمليات الأميركية التي تعدها دفاعية، مع قولها إنها لا تريد الانجرار إلى حرب أوسع. وسبق أن هدد «الحرس الثوري» بأن «أي قاعدة تُستخدم لشن هجوم على الأراضي الإيرانية ستُعتبر هدفاً مشروعاً».

التعيينات رسالة «هجوم»

تترامن رسائل التهديد الجديدة مع تغييرات أجراها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في القيادة العسكرية والأمنية، ومع تصريحات من مسؤولين في «الحرس الثوري» تحدثت عن انتقال محتمل من العقيدة الدفاعية إلى نهج هجومي.

وشملت إعادة ترتيب القيادة تعيين أحمد وحيدي قائداً لـ«الحرس الثوري»، وإعادة حسين طائب، الذي تولى استخبارات «الحرس» 13 عاماً، إلى الواجهة قائداً لـ«الباسيج» مع مهمة توسيع شبكة الاستخبارات الشعبية، إلى جانب تغييرات هدفت إلى تشديد سلسلة القيادة بين القوات.

وجاءت التعيينات بعد خسائر واسعة في صفوف القيادات العسكرية والأمنية خلال الحرب.

وقال نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري» يد الله جواني هذا الأسبوع إن العمليات الإيرانية، التي كانت حتى الآن دفاعية، قد «تتخذ مستقبلاً طابعاً هجومياً»، وتحدث عن «مفاجآت استراتيجية» وعن تغييرات في العقيدة العسكرية بعد التعيينات.

وكان محمد رضا نقدي قد ربط بدوره التعيينات الجديدة بالانتقال من عقيدة دفاعية إلى أخرى هجومية، قائلاً إن القوات تستعد لعمليات يمكن أن تمتد إلى أراضي الخصم.

مارّة أمام لوحة دعائية بأحد شوارع طهران تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع عبارة بالإنجليزية والفارسية تقول: «الانتقام حتمي» في 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وبحسب «فاينانشال تايمز»، يرى عدد متزايد داخل النظام أن استئناف الحرب بات مسألة «متى» لا «إذا». ويشعر بعض المسؤولين، في المقابل، بالقلق من أن طهران قد تبالغ في استخدام أوراقها، بينما يرى متشددون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها لتنفيذ أي اتفاق، وأن على إيران رفع كلفة المواجهة لضمان التزام واشنطن بأي تسوية نهائية.

ومن بين هؤلاء محسن رضائي، القائد السابق لـ«الحرس الثوري»، الذي عينه خامنئي الأسبوع الماضي في أعلى موقع أمني في البلاد. وفسر محللون إيرانيون الخطوة بأنها مؤشر إلى تراجع دور شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، مع تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق دائم.

وقال أحد المصدرين للصحيفة إن طهران تبعث برسالة مفادها أنه «إذا لم تتوصلوا إلى اتفاق مع قاليباف، فسيتعين عليكم التعامل مع رضائي»، مضيفاً: «الرسالة هي: لا تكن مجنوناً، لأنني أكثر جنوناً منك».

وفي 18 أغسطس، أعلن ترمب أنه لا توجد أي محادثات أو اتصالات جارية أو مقررة مع إيران، وقال إن الحصار البحري «لا يزال سارياً وبكامل قوته»، وإن مضيق هرمز «مفتوح ويعمل بشكل طبيعي».

وفي المقابل، قال قاليباف إن المضيق سيظل مغلقاً حتى ترفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية والعقوبات النفطية، وتفرج عن الأصول المجمدة، وتنهي التهديدات والعمليات العسكرية على جميع الجبهات.

ونقلت «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن طهران لا تزال منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة، لكنها لا تخلط بين «التفاوض والاستسلام»، وأنها ستدافع عن أمنها وحلفائها من دون السعي إلى الحرب.

وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو قد انهارت بعد هجمات إيرانية على سفن في المضيق وتبادل الطرفين الاتهامات بانتهاكها، قبل أن تعيد واشنطن فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وقال ترمب في 7 يوليو إن الاتفاق «انتهى».


ترمب يغلق باب المحادثات مع إيران

مقاتلة إف-35  تحلق إلى جانب طائرة تزويد بالوقود ضمن نطاق عمليات  7 أغسطس الجاري (الجوية الأميركية)
مقاتلة إف-35 تحلق إلى جانب طائرة تزويد بالوقود ضمن نطاق عمليات 7 أغسطس الجاري (الجوية الأميركية)
TT

ترمب يغلق باب المحادثات مع إيران

مقاتلة إف-35  تحلق إلى جانب طائرة تزويد بالوقود ضمن نطاق عمليات  7 أغسطس الجاري (الجوية الأميركية)
مقاتلة إف-35 تحلق إلى جانب طائرة تزويد بالوقود ضمن نطاق عمليات 7 أغسطس الجاري (الجوية الأميركية)

أغلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الثلاثاء)، باب المحادثات مع إيران، معلناً أنه لا توجد أي اتصالات جارية أو مقررة، ومؤكداً استمرار الحصار البحري «بكامل قوته»، فيما دخلت مواجهة مضيق هرمز مرحلة أشد، بعدما تمسك رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف بإغلاق الممر الاسراتيجي، وربط فتحه بتنفيذ مذكرة إسلام آباد.

وقال ترمب إن مضيق هرمز «مفتوح ويعمل بصورة طبيعية»، وإن جميع الألغام البحرية أزيلت أو جرى تفجيرها.

وكان جاريد كوشنر، مبعوث ترمب، قد قال الاثنين إن الاتصالات بين واشنطن وطهران «أكثر جدية من أي وقت مضى»، من دون التوصل إلى تفاهم.

غير أن قاليباف أكد أن المضيق «لن يفتح» قبل رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وإلغاء العقوبات النفطية، والإفراج عن الأصول المجمدة، وإنهاء التهديدات والعمليات العسكرية على جميع الجبهات.

بدوره، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي إن أميركا لم تتمكن من إعادة فتح المضيق رغم حديثها عن «امتلاكه»، واعتبر أن الخليج العربي دخل «نظاماً ما بعد أميركي». كما رد نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على صورة نشرها ترمب وصف فيها المضيق بأنه «إقليم أميركي جديد»، قائلاً إن طهران ستصحح قريباً «أوهامه» بشأن هرمز.