«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

طهران درست أهدافاً أميركية في بلغاريا وقبرص وكابلات «هرمز» ضمن «استراتيجية هجومية»

طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
TT

«الناتو» يتأهب لتهديدات إيرانية تمتد إلى أوروبا

طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)
طائرة أميركية من طراز «إي إيه-18 غراولر» تتزود بالوقود من طائرة «كيه سي-135 ستراتوتانكر» تابعة للقوات الجوية الأميركية خلال دورية فوق الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

قال مسؤول في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، الأربعاء، إن الحلف مستعد للتعامل مع أي تهديد إيراني محتمل والدفاع عن جميع الدول الأعضاء، رداً على تقرير لصحيفة «فايننشال تايمز» أفاد بأن طهران درست استهداف مواقع عسكرية أميركية في أوروبا إذا صعّد الرئيس دونالد ترمب الحرب.

وأضاف المسؤول: «كما اتضح هذا العام، عندما نجحت الدفاعات الجوية لحلف شمال الأطلسي في اعتراض صواريخ باليستية انطلقت من إيران باتجاه تركيا في أربع وقائع منفصلة، فإن قدرات الردع والدفاع في وضع قوي وفعال».

وأفادت «فايننشال تايمز»، نقلاً عن مصدرين من داخل النظام الإيراني، إن القوات الإيرانية قيّمت خيارات لتوسيع الرد على الولايات المتحدة إلى خارج الشرق الأوسط، بينها ضرب أصول عسكرية أميركية في جنوب شرقي أوروبا، واستهداف بنى تحتية بحرية في مضيق هرمز.

وأوضح المصدران أن القوات الإيرانية درست إمكان ضرب أصول أميركية في دول مثل بلغاريا، التي وافقت الشهر الماضي على استخدام قاعدة «بيزمر» الجوية لطائرات التزود بالوقود الأميركية. وقال أحدهما إن قبرص كانت أيضاً ضمن الأهداف المحتملة في حال شن واشنطن هجوماً جديداً.

وأضافا أن القوات الإيرانية بحثت بصورة منفصلة استهداف كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحر في مضيق هرمز إذا اتسعت المواجهة. وقال أحد المصدرين إن طهران تعد خطة لتوسيع الحرب إذا نفذ ترمب تهديداته السابقة بمهاجمة البنية التحتية الإيرانية.

وكان ترمب قد قال الشهر الماضي إن واشنطن ستدمر جسراً أو محطة كهرباء إيرانية في كل مرة تستهدف فيها إيران سفينة في المضيق.

وقال المصدر الآخر إن إيران لن تضع «أي حدود» لردها إذا تعرضت لهجوم أميركي، مضيفاً: «إذا تمادت الولايات المتحدة، فستدافع إيران عن نفسها بأي ثمن، وستتجاوز المنطقة وتضرب أوروبا أيضاً».

وقال المصدران إن الهجوم الإيراني، الشهر الماضي، على قاعدة أميركية في الأردن، الذي أسفر عن مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين، كان أدق هجوم بعيد المدى نفذته إيران، وأظهر، بحسبهما، قدرة طهران على إصابة أهداف على مسافات أبعد.

ونقل أحدهما أن الهجوم كان أيضاً «رسالة إلى أوروبا»، محذراً من أن ضربة أميركية كبيرة للبنية التحتية الإيرانية يمكن أن تدفع الحرب إلى تجاوز المنطقة والوصول إلى أوروبا.

تهديدات تتقدم إلى مستوى العمليات

وفي تحذير جديد، قال رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية علي عبد اللهي، الأربعاء، إن وجود أعداد من الطائرات العسكرية الأميركية، ولا سيما طائرات التزود بالوقود، في قواعد خارج الولايات المتحدة «من دون علم الدول المضيفة يبدو مستبعداً». وأضاف أن طهران ستعدّ أي «مساعدة أو تسهيل» يقدم للجيش الأميركي بمثابة «مشاركة» معه.

ولا تعد التهديدات الإيرانية باستهداف قواعد خارج المنطقة جديدة بعد تصاعد التوترات رغم إبرام تفاهم لوقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران. وفي 23 يوليو (تموز)، هدد «الحرس الثوري» باستهداف أي قاعدة تُستخدم لشن هجمات على إيران، ووجّه تحذيراً مباشراً إلى بريطانيا بعد تقارير عن استخدام قاعدة «فيرفورد» الجوية لدعم ضربات أميركية.

وفي اليوم نفسه، حذر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي 25 سفيراً وقائماً بالأعمال من دول أوروبية من تقديم تسهيلات عسكرية لأي طرف يشارك في مهاجمة إيران، وقال إن الدولة التي تضع أراضيها أو قواعدها في خدمة تلك العمليات ستعدُّها طهران مشاركة فيها وستتحمل تبعات ذلك.

وجاءت تلك التحذيرات بعد موافقة البرلمان البلغاري، على استضافة ما يصل إلى ثماني طائرات أميركية من طراز «كيه سي - 135» للتزود بالوقود، ونحو 250 عسكرياً ومعدات دعم في قاعدة «بيزمر» حتى الأول من أكتوبر (تشرين الأول).

وكانت صوفيا قد تلقت تحذيراً إيرانياً أسبق في مارس (آذار)، بعدما احتجت طهران على توقف طائرات أميركية للتزود بالوقود في مطار بلغاري، وقالت في مذكرة دبلوماسية إنها «تحتفظ بالحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة لحماية سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية».

طائرات تابعة لسلاح الجو الأميركي على مدرج مطار صوفيا في بلغاريا 19 فبراير 2026 (رويترز)

وفي نهاية الشهر الماضي، عاد وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الملف، وطلب من نظيرته البلغارية إعادة النظر «بشكل عاجل» في قرار استضافة الطائرات الأميركية، معتبراً أن توفير هذه التسهيلات يشكل «تسهيلاً للعدوان على إيران».

وفي اتصال منفصل مع وزير الخارجية القبرصي، قال عراقجي إن السماح باستخدام القواعد العسكرية الأجنبية في قبرص لتنفيذ عمليات ضد إيران يجعل الدولة المضيفة مشاركة في العمل العسكري. وأبلغته نيقوسيا بأنها تلقت تأكيدات بريطانية بعدم استخدام القواعد البريطانية في الجزيرة ضد إيران، بحسب بيان الخارجية الإيرانية.

تأتي معلومات «فايننشال تايمز» في مرحلة انتقلت فيها التهديدات، وفق المصدرين، من التحذير العلني من استخدام القواعد إلى تقييم أهداف بعينها، ودراسة قدرات الضرب وخيارات استهداف البنية التحتية، ضمن حملة إيرانية تتحدث صراحة عن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.

قبل تقرير الصحيفة بريطانية بيومين، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن طهران قررت تحويل سياستها من الدفاع إلى «الهجوم بالكامل» بسبب تعثر الجهود للتوصل إلى اتفاق دائم ينهي الحرب مع الولايات المتحدة.

وأضاف: «يجب على الكيانات الإيرانية أن تكون مستعدة لتصعيد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة ككل»، وقال إن إيران مستعدة لاتخاذ «قرارات صعبة»، وستنفذ هجوماً عسكرياً «في الوقت المناسب وبدقة» لكسر الحصار البحري الأميركي إذا فشلت الدبلوماسية.

وقال المسؤول إن على الولايات المتحدة، خلال مهلة إيرانية تبلغ «بضعة أسابيع»، تنفيذ جميع بنود مذكرة التفاهم، مضيفاً أن ذلك شرط مسبق لإجراء مزيد من المفاوضات.

خيارات صاروخية أبعد

وقال خبراء عسكريون لـ«فايننشال تايمز» إن إيران تستطيع استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى، بينها سلسلة «شهاب»، ضد أصول أميركية في جنوب وجنوب شرقي أوروبا، لكن قدرتها على إحداث أضرار تتراجع عند المديات الأطول.

وأضافوا أن صواريخ أثقل يمكن أن تصل إلى مسافات أبعد إذا حملت رؤوساً أخف، ما يحد من قدرتها التدميرية. وأشاروا إلى أن محاولات استهداف قاعدة «دييغو غارسيا» هذا العام أظهرت امتلاك إيران أسلحة يتجاوز مداها ألفي كيلومتر، لكن حجم مخزونها غير معروف.

وقال الخبراء إن الدقة تصبح أكثر صعوبة كلما ازداد المدى، وإن خطر فشل الصواريخ أو اعتراضها يرتفع أيضاً. ورأى أحدهم أن العمل عبر جماعات حليفة في العراق ولبنان واليمن قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على ضربات صاروخية بعيدة.

وكانت واشنطن قد اتهمت طهران، في الأسابيع التي أعقبت بدء الحرب في فبراير، بإطلاق عدة صواريخ باتجاه «دييغو غارسيا»، القاعدة العسكرية الأميركية - البريطانية في المحيط الهندي، من دون أن يصل أي منها إلى هدفه.

وفي مارس، قالت تركيا إن دفاعات «الناتو» اعترضت عدة صواريخ باليستية انطلقت من إيران، بينما أصابت طائرة مسيّرة قاعدة «أكروتيري» الجوية البريطانية في قبرص. وقال مسؤولون غربيون حينها إنهم اشتبهوا في أن مسيّرة إيرانية الصنع أطلقتها قوات حليفة لطهران نفذت الهجوم.

وكانت بريطانيا قد ردت في 24 يوليو على تهديدات «الحرس الثوري» بالتأكيد أن قواتها المسلحة جاهزة للدفاع عن المملكة المتحدة، وأن دفاعاتها الجوية والصاروخية تعمل بالتنسيق مع حلفائها في «الناتو».

كما أكدت لندن استمرار دعمها للعمليات الأميركية التي تعدها دفاعية، مع قولها إنها لا تريد الانجرار إلى حرب أوسع. وسبق أن هدد «الحرس الثوري» بأن «أي قاعدة تُستخدم لشن هجوم على الأراضي الإيرانية ستُعدُّ هدفاً مشروعاً».

التعيينات رسالة «هجوم»

تتزامن رسائل التهديد الجديدة مع تغييرات أجراها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي في القيادة العسكرية والأمنية، ومع تصريحات من مسؤولين في «الحرس الثوري» تحدثت عن انتقال محتمل من العقيدة الدفاعية إلى نهج هجومي.

وشملت إعادة ترتيب القيادة تعيين أحمد وحيدي قائداً لـ«الحرس الثوري»، وإعادة حسين طائب، الذي تولى استخبارات «الحرس» 13 عاماً، إلى الواجهة قائداً لـ«الباسيج» مع مهمة توسيع شبكة الاستخبارات الشعبية، إلى جانب تغييرات هدفت إلى تشديد سلسلة القيادة بين القوات.

وجاءت التعيينات بعد خسائر واسعة في صفوف القيادات العسكرية والأمنية خلال الحرب.

مقاتلة «غلوب ماستر سي - 17» الأميركية لدى هبوطها في مطار قبرص العسكري 18 يونيو الماضي (أ.ب)

وقال نائب الشؤون السياسية في «الحرس الثوري» يد الله جواني، هذا الأسبوع، إن العمليات الإيرانية، التي كانت حتى الآن دفاعية، قد «تتخذ مستقبلاً طابعاً هجومياً»، وتحدث عن «مفاجآت استراتيجية» وعن تغييرات في العقيدة العسكرية بعد التعيينات.

وكان محمد رضا نقدي قد ربط بدوره التعيينات الجديدة بالانتقال من عقيدة دفاعية إلى أخرى هجومية، قائلاً إن القوات تستعد لعمليات يمكن أن تمتد إلى أراضي الخصم.

وبحسب «فايننشال تايمز»، يرى عدد متزايد داخل النظام أن استئناف الحرب بات مسألة «متى» لا «إذا». ويشعر بعض المسؤولين، في المقابل، بالقلق من أن طهران قد تبالغ في استخدام أوراقها، بينما يرى متشددون أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها لتنفيذ أي اتفاق، وأن على إيران رفع كلفة المواجهة لضمان التزام واشنطن بأي تسوية نهائية.

ومن بين هؤلاء محسن رضائي، القائد السابق لـ«الحرس الثوري»، الذي عينه خامنئي، الأسبوع الماضي، في أعلى موقع أمني في البلاد. وفسر محللون إيرانيون الخطوة بأنها مؤشر إلى تراجع دور شخصيات مثل محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين، مع تضاؤل فرص التوصل إلى اتفاق دائم.

وقال أحد المصدرين للصحيفة إن طهران تبعث برسالة مفادها أنه «إذا لم تتوصلوا إلى اتفاق مع قاليباف، فسيتعين عليكم التعامل مع رضائي»، مضيفاً: «الرسالة هي: لا تكن مجنوناً، لأنني أكثر جنوناً منك».

وفي 18 أغسطس (آب)، أعلن ترمب أنه لا توجد أي محادثات أو اتصالات جارية أو مقررة مع إيران، وقال إن الحصار البحري «لا يزال سارياً وبكامل قوته»، وإن مضيق هرمز «مفتوح ويعمل بشكل طبيعي».

وفي المقابل، قال قاليباف إن المضيق سيظل مغلقاً حتى ترفع الولايات المتحدة الحصار عن الموانئ الإيرانية والعقوبات النفطية، وتفرج عن الأصول المجمدة، وتنهي التهديدات والعمليات العسكرية على جميع الجبهات.

ونقلت «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محمد مخبر، مستشار المرشد الإيراني، أن طهران لا تزال منفتحة على الحوار مع الولايات المتحدة، لكنها لا تخلط بين «التفاوض والاستسلام»، وأنها ستدافع عن أمنها وحلفائها من دون السعي إلى الحرب.

وكانت مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو (حزيران) قد انهارت بعد هجمات إيرانية على سفن في المضيق وتبادل الطرفين الاتهامات بانتهاكها، قبل أن تعيد واشنطن فرض الحصار على الموانئ الإيرانية. وقال ترمب في 7 يوليو إن الاتفاق «انتهى».


مقالات ذات صلة

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

شؤون إقليمية مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بأميركا

«الشرق الأوسط» (طهران - لندن)
شؤون إقليمية طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

حرب إيران... يوميات آلاف البحارة على متن «جورج واشنطن»

ينطلق إنذار الطوارئ عبر مكبرات الصوت، فيهرع ديمون دينارد وبحارة آخرون إلى مواقعهم على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
أوروبا أرشيفية لمقاتلة من طراز «إف - 16» تابعة لسلاح الجو الأميركي (أ.ف.ب)

الادعاء البرتغالي يحقق في قانونية استخدام أميركا قاعدة لاجيس في حرب إيران

قال ممثلو ادعاء برتغاليون، اليوم السبت، إنهم فتحوا تحقيقاً في مدى ​قانونية سماح حكومة يمين الوسط للولايات المتحدة باستخدام قاعدة لاجيس الجوية.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
المشرق العربي طائرة من طراز «إيرباص A340-600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

تمكنت حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، من انتزاع موافقة أميركية تسمح بتسيير 40 رحلة جوية يومياً من وإلى مطار النجف الأشرف الدولي لشركات الطيران الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
TT

إيران تحت ضغط الحرب والعقوبات... اعتقالات وانهيار للريال

مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)
مسيّرة إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

تتزايد الضغوط على إيران مع استمرار الحرب، والعقوبات الأميركية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، في وقت تكثف فيه السلطات حملاتها الأمنية ضد من تتهمهم بالارتباط بالولايات المتحدة، وإسرائيل، أو المشاركة في أعمال احتجاجية. وأعلنت طهران يوم السبت تفكيك أربع شبكات، واعتقال 31 شخصاً في محافظة كرمان، بالتزامن مع إعلان القضاء تنفيذ حكم إعدام بحق رجل اعتُقل على خلفية احتجاجات يناير (كانون الثاني). وفي موازاة ذلك، واصل الريال الإيراني تراجعه ليسجل مستوى قياسياً جديداً، مع تجاوز سعر اليورو ثلاثة ملايين ريال في السوق المفتوحة.

تفكيك 4 شبكات واعتقال 31 شخصاً

أعلنت وزارة الأمن الإيرانية تفكيك أربع شبكات منظمة، واعتقال 31 شخصاً في مدينة سيرجان بمحافظة كرمان جنوب شرقي البلاد، متهمة أفرادها بالارتباط بجهات «أميركية - صهيونية» والتخطيط لأعمال تستهدف الأمن، والممتلكات العامة، والخاصة.

وقالت الوزارة إن العملية استندت إلى بلاغات من المواطنين، ومعلومات استخباراتية، وإن التحقيقات كشفت، وفق روايتها، عن خطط لإثارة اضطرابات، وتنفيذ أعمال تخريبية في الشوارع. وأضافت أن المجموعات كانت تستعد لتصنيع كميات كبيرة من زجاجات «المولوتوف»، وأدوات تستهدف كاميرات المراقبة في المدينة، وفق ما ذكرت وكالة «تسنيم».

واتهمت الوزارة المعتقلين بالمشاركة في أعمال عنف وتخريب خلال الاضطرابات التي شهدتها البلاد في يناير، بينها إحراق مبنى المحافظة، وإلحاق أضرار بالبنوك، والمؤسسات الحكومية، والممتلكات العامة، والخاصة، فضلاً عن مهاجمة مركز للشرطة في محاولة، بحسب الرواية الرسمية، للاستيلاء على أسلحة.

ولم تقدم السلطات الإيرانية تفاصيل مستقلة عن هوية المعتقلين، أو الإجراءات القضائية بحقهم، فيما تأتي الاعتقالات في سياق أمني مشدد منذ الاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025 على خلفية الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتسع لتشمل مطالب سياسية.

إعدام مشارك في احتجاجات يناير

شهدت ⁠إيران عدداً كبيراً من عمليات إعدام المدانين بالمشاركة في الاحتجاجات الشعبية (أرشيفية)

وفي تطور منفصل، أعلنت السلطة القضائية الإيرانية تنفيذ حكم الإعدام بحق سياوش جمشيدي خير آبادي، الذي اعتُقل خلال احتجاجات يناير، بعد إدانته بإطلاق النار على الشرطة، وارتكاب جرائم مرتبطة بالأمن القومي.

وقالت السلطة القضائية إن جمشيدي أطلق ثلاث رصاصات على الأقل باتجاه أفراد الشرطة في الثامن من يناير، وإنه اعتُقل بعد يومين في مدينة شهركرد، وكان بحوزته مسدس. كما اتهمته بالتواصل عبر الإنترنت مع أشخاص لتنظيم أنشطة وصفتها بأنها «مناهضة للأمن»، والسعي للحصول على أموال مقابل تنفيذ «مهمة».

وتقول السلطات الإيرانية إن الاحتجاجات التي بدأت في 28 ديسمبر بسبب الصعوبات الاقتصادية تحولت إلى مظاهرات واسعة طالبت بإنهاء حكم المؤسسة الدينية. كما اتهمت جماعات مسلحة وعناصر مدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل بالمشاركة في الاحتجاجات، وبعض أعمال العنف.

ويأتي إعلان الإعدام وسط انتقادات دولية متزايدة لأحكام الإعدام المرتبطة بالاحتجاجات. وأفادت تقارير بأن عشرات الدول أعربت في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة هذا الأسبوع عن قلقها من تنفيذ أحكام إعدام بحق محتجين، ودعت إلى وقفها.

الريال يتجاوز حاجز 3 ملايين لليورو

صراف يحمل أوراقاً نقدية من الريال الإيراني في طهران يوم 17 أغسطس 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي واصل الريال الإيراني هبوطه الحاد في السوق المفتوحة، متجاوزاً للمرة الأولى حاجز ثلاثة ملايين ريال مقابل اليورو.

وبلغ سعر اليورو نحو 3.015 مليون ريال في تعاملات يوم السبت، وفق بيانات سوق الصرف المفتوحة، في وقت اقترب فيه الدولار من 2.7 مليون ريال. وكانت قيمة الدولار قد ارتفعت بأكثر من 8 في المائة خلال أقل من أسبوع، وفق بيانات منشورة عن السوق.

ويأتي هذا الانخفاض في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الإيراني نتيجة العقوبات، والقيود المفروضة على صادرات النفط، وتكاليف الحرب. وتشير بيانات اقتصادية حديثة إلى أن أسعار المستهلكين ارتفعت في سبتمبر (أيلول) بنسبة 89.8 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، بينما بلغ متوسط التضخم خلال الأشهر الـ12 السابقة 73.6 في المائة.

ويؤدي تراجع العملة إلى زيادة كلفة السلع المستوردة، والمواد الخام، والأدوية، والآلات، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع المحلية، ويزيد تآكل القوة الشرائية للأسر، والشركات.

الحرب تضاعف الضغوط الاقتصادية

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتبدو تداعيات انهيار الريال أكثر وضوحاً في أسعار المواد الغذائية، التي يقول سكان في طهران إنها شهدت ارتفاعات كبيرة خلال الأشهر الأخيرة.

ووفق الأرقام الواردة في التقرير، تضاعف سعر رغيف الخبز من نحو 250 ألف ريال إلى 500 ألف ريال، فيما صعد سعر كيلوغرام الأرز من 3.5 مليون ريال إلى نحو 5.5 مليون ريال. وأصبح شراء اللحوم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد متزايد من الأسر.

ويضاف إلى ذلك تراجع قيمة الدخول الحقيقية، مع ارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق قدرة كثير من الأسر على مواكبتها، ما يجعل الأزمة الاقتصادية أحد العوامل الرئيسة التي تزيد الضغط الاجتماعي في البلاد.

وتتزامن الأزمة النقدية مع استمرار الضغوط الخارجية على إيران. فبعد إغلاق طهران مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، فرضت الولايات المتحدة حصاراً على الموانئ الإيرانية بهدف زيادة الضغط الاقتصادي، بينما تراجعت تجارة النفط الإيرانية بصورة حادة.

كما فرضت واشنطن عقوبات إضافية على جهات تقول إنها تدعم إيران، من بينها بنوك، وشركات طيران، في إطار سياسة تهدف إلى تقليص قدرة طهران على الوصول إلى العملات الأجنبية، ومصادر الدخل.

وبذلك تواجه إيران ضغوطاً متزامنة على ثلاثة مستويات: أمني وسياسي بفعل استمرار الملاحقات المرتبطة بالاحتجاجات، واقتصادي نتيجة انهيار العملة وارتفاع الأسعار، وخارجي نتيجة الحرب، والعقوبات، والقيود على صادرات النفط. وتزيد هذه العوامل مجتمعة من صعوبة احتواء التداعيات الاجتماعية للأزمة في الداخل.


حرب إيران... يوميات آلاف البحارة على متن «جورج واشنطن»

طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)
طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران... يوميات آلاف البحارة على متن «جورج واشنطن»

طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)
طائرة «إي - 2 دي هوك آي» تهبط على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ينطلق إنذار الطوارئ عبر مكبرات الصوت، فيهرع ديمون دينارد وبحارة آخرون إلى مواقعهم على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن». وبينما يستعد دينارد لتحميل القنابل على الطائرات، يندفع زملاؤه لتنفيذ المهام الموكلة إليهم، وسط أجواء مشحونة بالتوتر والاستنفار.

ويقول دينارد (23 عاماً)، وهو فني تسليح طيران متدرب في البحرية الأميركية: «كانت لحظات صاخبة». وما إن ينتهي الإنذار حتى يأخذ نفساً عميقاً ويجلس على إحدى القنابل، مازحاً بأنه كان يتوقع أن تكون المهمة أسهل على الأرجح. ويضيف: «الأمر جنوني، لكن في نهاية المطاف، إنه عمل. هذا كل ما في الأمر».

وتحدثت «رويترز» إلى عشرات البحارة خلال سبتمبر (أيلول)، في زيارة نادرة لحاملة الطائرات التي تؤدي دوراً محورياً في الحرب مع إيران. وجاءت الزيارة في أجواء شديدة التوتر، بعد ثلاثة أيام فقط من تفجير الجيش الأميركي خمس ناقلات نفط إيرانية، رداً على استهداف طهران سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية.

وكان انتشار «جورج واشنطن» بالقرب من مضيق هرمز، في مهمة لم يُحدد موعد لانتهائها، مفاجأة لأفراد طاقمها، الذين نُقلوا من اليابان في نهاية أغسطس (آب) لتخفيف العبء عن حاملة طائرات أميركية أخرى.

وتشبه «جورج واشنطن» مدينة عائمة؛ إذ تضم نحو خمسة آلاف فرد، لكل منهم مهمة محددة، تبدأ من ماجيستا أوتشوا، التي تعمل على آلة تسجيل النقد، ولا تنتهي عند الضابط كوماندر برودي ساماها، المعروف بلقب «مطلق النار»، الذي يشارك في الإشراف على إطلاق الطائرات من منجنيق الحاملة.

ورغم اختلاف المهام وتعددها، يتحدث أفراد الطاقم عن تناغم واضح بينهم في أثناء العمل، لا سيما على سطح الطيران، حيث تتطلب العمليات تنسيقاً دقيقاً واستجابة سريعة. ويقول ساماها: «إنها رقصة، ينظر فيها الكثيرون إلى بعضهم بعضاً»، مشيراً إلى أن سطح الطيران «مكان شديد الخطورة، لا تهاون فيه أبداً».

«لوحة ويجا»... إدارة الطائرات

حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس جورج واشنطن» تعبر مضيق ملقا يوم 13 أغسطس 2026 (رويترز)

تتمتع بريانا رويستون، وهي من ضباط التعامل الليلي مع الطائرات، بمنظور خاص للمناورات المعقدة والخطيرة التي تجري على سطح الحاملة. وتتمثل مهمتها في الإشراف على حركة الطائرات، بما في ذلك نقل المقاتلات إلى سطح السفينة وإعادتها إلى الحظيرة عبر المصاعد الضخمة.

ولتنظيم هذه العمليات، تستخدم رويستون أداة تُعرف في البحرية باسم «لوحة ويجا»، وهي نموذج يحاكي بصورة مباشرة حركة الطائرات على سطح الحاملة، من خلال مجسمات مصغرة تُرتب وفقاً لمواقع الطائرات الفعلية. وتبدو اللوحة أشبه بلعبة استراتيجية، لكنها تُستخدم لإدارة عمليات تتطلب دقة عالية وتنسيقاً مستمراً.

وتقول رويستون: «كنا في حالة تأهب قصوى الأسبوع الماضي، مع المناورات وكل شيء، في ظل كل ما يجري»، مضيفة أن الأوضاع كانت «جنونية نوعاً ما ومكدسة للغاية... إنه أمر مثير للأعصاب، لكنه ممتع».

وتندد الحكومة الإيرانية مراراً بالعمليات العسكرية الأميركية في مضيق هرمز. وفي 25 سبتمبر، قال وزير الخارجية الإيراني إن انعدام الأمن في المضيق هو «النتيجة المباشرة للأعمال العدوانية للولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي».

وبدأت الحرب في فبراير (شباط) بضربات مشتركة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل واستهدفت مواقع إيرانية. ورغم تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيداته أن الصراع سينتهي قريباً، فإن استمراره لفترة أطول مما كان متوقعاً دفع البحرية الأميركية إلى الاستعانة بحاملة الطائرات «جورج واشنطن» لتحل محل حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن».

وكانت تقارير قد تحدثت في أغسطس عن تدهور الأوضاع وانخفاض الروح المعنوية ومحاولات انتحار على متن «أبراهام لينكولن»، التي كانت في البحر منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025. ورداً على تلك التقارير، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن الروايات «شوّهت» الواقع، مشيداً بالبحارة الذين يتحملون ظروفاً قاسية.

ضغوط الانتشار الطويل

صورة نشرتها البحرية الأميركية لحاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» في أثناء أداء عمليات في المنطقة (أ.ف.ب)

تفرض فترات الانتشار الطويلة في البحر ضغوطاً كبيرة على الصحة النفسية لأفراد الطواقم، لا سيما في زمن الحرب، وتمثل تحدياً مستمراً لأي قوة بحرية. ويتعين على البحارة الحفاظ على مستويات عالية من التأهب والاستعداد، وهي مهمة تزداد صعوبة على متن «جورج واشنطن» في ظل خطر التعرض لهجمات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقال الضابط جيفري هيمز، قائد مجموعة حاملة الطائرات الهجومية الخامسة: «الروح المعنوية مهمة حقاً بالنسبة لنا»، مشدداً على أهمية ضمان قدرة أفراد الطاقم على التواصل مع أسرهم وتلقي البريد. وأضاف: «بعض هذه الأمور تؤثر على قدرة البحارة على الصمود في مثل هذه الأوضاع، وهي من المجالات التي أركز عليها بشدة».

وتحدثت «رويترز» إلى البحار دياندري كوك بينما كان يجري مكالمة فيديو مع زوجته في بلده، التي كانت تحمل إحدى ابنتيهما الصغيرتين. وقال كوك إن الابتعاد عن أسرته أمر صعب، لكنه أضاف: «المسافة تجعل العلاقة أقوى». وأُتيحت لـ«رويترز» زيارة حاملة الطائرات «جورج واشنطن» بشرط عدم الكشف عن أي تفاصيل عملياتية، بما في ذلك موقعها الدقيق.

جيل شاب يتعلم النضوج

وبينما كانت المقاتلات تقلع من على متن الحاملة وتحلق فوق رؤوسهم، تجمع مئات من أفراد طاقم «جورج واشنطن» في مراسم لإحياء الذكرى الـ25 لهجمات 11 سبتمبر 2001، وهي أحداث كان كثيرون منهم أصغر من أن يتذكروها.

وأدت هجمات تنظيم «القاعدة» على نيويورك وواشنطن إلى دخول الولايات المتحدة عقدين من الحروب، أرسلت خلالهما قواتها إلى أفغانستان والعراق وسوريا ومناطق أخرى. وكان كثير من مؤيدي ترمب يأملون أن تصبح حروب الشرق الأوسط جزءاً من الماضي، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام حرب جديدة في المنطقة.

وبعد أن أدى أحد البحارة النشيد الوطني، ألقى بن جايت، القس الموجود على متن الحاملة، صلاة، فيما أحنَى أفراد الطاقم المجتمعون رؤوسهم. وقال جايت: «ساعدنا على تكريم الذين سبقونا ورحلوا». وفي حديث لاحق مع «رويترز»، أشار جايت إلى أن كثيراً من أفراد الطاقم لا يزالون في مرحلة تعلم أساسيات النضوج، بما في ذلك اكتساب مهارات الصبر وإدارة العلاقات والتعامل مع التوقعات المهنية.

وقال الكاهن الكاثوليكي: «نسبة كبيرة جداً من أفراد هذه السفينة تتراوح أعمارهم بين 19 و24 عاماً، لذا فهم يحاولون تعلم كيفية أن يكونوا بالغين في أثناء وجودهم هنا». وأضاف أن بعض البحارة يلتحقون بالبحرية هرباً من بلدات صغيرة أو ظروف معينة في مجتمعاتهم الأصلية، لكنهم يكتشفون بعد انضمامهم إلى الخدمة أنهم اصطحبوا معهم بعض المشكلات التي كانوا يحاولون الابتعاد عنها. وقال جايت: «لكنهم يأتون إلى هنا، ثم يدركون أنهم جلبوا معهم بعض الأمور التي ربما كانوا يحاولون الهروب منها».

عدد الأشخاص يفوق سكان بلدة

صورة وزعتها البحرية الأميركية تظهر مروحيتين تقلعان من على سطح حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن»

ومن جانبه، أشار الضابط برايان لاسلي إلى ضخامة حاملة الطائرات، موضحاً أن عدد الأشخاص الموجودين على متنها يفوق عدد سكان بلدته فريدريكتاون في ولاية ميزوري، البالغ 4429 نسمة وفقاً لتعداد عام 2020.

أما كامرين بولارد (24 عاماً)، وهو فني كهرباء اتصالات داخلية من الدرجة الثالثة، فيقول إنه التحق بالبحرية بقرار مفاجئ، بعدما لاحظ في وظيفته السابقة أن زملاءه الأكبر سناً غير راضين عن أوضاعهم المهنية. وأضاف: «أردت أن أغير أشياء في حياتي».

وتابع أن والدته كانت الأكثر صدمة بقراره، في حين رأى شقيقه الأصغر أن التحاقه بالبحرية «أمر رائع إلى حد ما».

ورغم طبيعة المهمة العسكرية التي يؤديها، وما يحيط بها من مخاطر وضغوط، يقول بولارد إنه لا يفكر كثيراً في الأمر، مضيفاً: «إنه مجرد عمل بالنسبة لي».


واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأميركية تجاه إيران، وتتعثر الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب، تكثّف إدارة الرئيس دونالد ترمب مشاوراتها بشأن المرحلة المقبلة، وسط مؤشرات على إبقاء الخيار العسكري مفتوحاً. وبينما اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، صعّد ترمب لهجته تجاه طهران، ملوّحاً باستمرار العمليات القتالية، بالتزامن مع تجدد الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز.

وفي ظل هذه الأجواء، عقد كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترمب اجتماعاً استمر ساعات في كامب ديفيد، لبحث الخطوات المقبلة في الحرب مع إيران، في لقاء لم تعلن عنه الإدارة الأميركية. ونقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن الاجتماع ترأسه نائب الرئيس جي دي فانس، بمشاركة وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين.

وقال أحد المسؤولين للموقع إن «أموراً حُسمت، أو نوقشت على الأقل بعمق»، في إشارة إلى أهمية المشاورات التي تأتي في مرحلة حساسة من الحرب، مع استمرار تعثر المفاوضات وتزايد احتمالات العودة إلى العمليات العسكرية الكبرى.

وذكر «أكسيوس» أن آخر اجتماع مماثل عُقد في يونيو (حزيران) 2025، قبل أيام من شن إسرائيل الحرب على إيران، ما يضفي أهمية إضافية على اجتماع كامب ديفيد، في ظل التهديدات الأميركية المتصاعدة والضبابية التي تحيط بمسار الصراع.

وكان ترمب قد قال مؤخراً إنه بات مضطراً إلى اتخاذ قرار بشأن الحرب، مضيفاً: «عليّ الآن أن أتخذ قراراً: إما أن توقع إيران الاتفاق، وإما أنها لن تعود موجودة»، وفق ما نقله الموقع.

وعندما سُئل، بعد ظهر الجمعة، عن الخطوة الأميركية المقبلة، امتنع ترمب عن الكشف عن تفاصيل، قائلاً: «لو أخبرتكم، لكان لديكم خبر كبير. لكنكم سترون. الأمور تسير على نحو جيد جداً. إيران ليست في وضع جيد».

نهاية قريبة للحرب

ترمب يتحدّث خلال فعالية انتخابية بتكساس في 1 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وفي تصريحات تعكس تمسكه بالضغط على طهران، قال ترمب إن الحرب مع إيران ستنتهي «قريباً جداً، وربما بعد الانتخابات مباشرة»، متوقعاً أن يؤدي توقف العمليات القتالية إلى تراجع كبير في أسعار النفط.

وقال ترمب، خلال تجمع انتخابي في مدينة موبيل بولاية ألاباما مساء الجمعة: «هذه الحرب ستنتهي قريباً جداً، وربما بعد الانتخابات مباشرة. وبمجرد أن تنتهي، ستهوي أسعار النفط»، مكرراً أن الصراع سينتهي قريباً «بطريقة أو بأخرى».

وفي محاولة لإبراز حجم الأضرار التي لحقت بإيران، قال الرئيس الأميركي إن الولايات المتحدة تستطيع الانسحاب من الحرب في أي وقت، وإن طهران ستحتاج إلى سنوات لإعادة بناء ما دمرته العمليات العسكرية الأميركية.

وأضاف: «تستطيع الولايات المتحدة المغادرة غداً، وسيحتاجون إلى سنوات لإعادة بناء ما فعلناه بهم، لأنهم ببساطة رفضوا التفاوض»، متهماً إيران بالتشدد في المفاوضات، بقوله: «لقد لعبوا أوراقهم بتشدد مفرط».

كما تحدث ترمب عن تدهور الأوضاع الاقتصادية في إيران، مدعياً أن معدل التضخم يبلغ نحو 310 في المائة، وأن الاقتصاد الإيراني «انهار تماماً»، مضيفاً أن التضخم هو أحد أبرز المشكلات التي تواجه البلاد.

وقبيل توجهه إلى ألاباما، قال ترمب للصحافيين إن إيران لا تبلي بلاءً حسناً، وإن انتهاء الحرب سيؤدي إلى انخفاض أسعار الوقود في الولايات المتحدة، حسب شبكة «إن بي سي نيوز».

ونفى الرئيس الأميركي أن يكون حظر صادرات الديزل مطروحاً، مشيداً بما وصفه بمساهمة أوروبية «كبيرة» من النفط، ومشيراً إلى أن الولايات المتحدة ستسهم بدورها.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه المعارضة الأميركية للحرب، حسب «إن بي سي نيوز»، فيما يبلغ متوسط سعر غالون البنزين في الولايات المتحدة 4.39 دولار، وفق البيانات المتاحة، ما يضع التداعيات الاقتصادية للصراع في صلب النقاش الداخلي الأميركي.

هجمات جديدة على ناقلات النفط

وعلى وقع التهديدات المتبادلة والتعثر الدبلوماسي، تعرضت ناقلتا نفط لهجوم أثناء عبورهما مضيق هرمز، الجمعة، في أحدث تطور يهدد حركة الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية لنقل الطاقة في العالم.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بأن الناقلة الأولى تعرضت لضربة بمقذوف مجهول أثناء إبحارها للخروج من المضيق، ما أدى إلى اندلاع حريق محدود وانقطاع التيار الكهربائي على متنها. وأوضحت أن الحريق أُخمد، وأن السفينة واصلت رحلتها، من دون تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم أو أضرار بيئية.

وبعد ساعات، أبلغت ناقلة نفط خام عن تعرضها لضربة بمقذوف مجهول شرق سلطنة عُمان، من دون وقوع إصابات أو تسجيل أضرار بيئية، وفق الهيئة التي أشارت إلى أن السلطات المختصة فتحت تحقيقاً في الحادثتين.

ويكتسب استهداف الناقلتين أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي لمضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية قبل اندلاع الحرب. ومنذ بدء الصراع، أصبحت حركة الملاحة في المضيق إحدى أبرز ساحات المواجهة، مع اتهامات لإيران بإعاقة عبور السفن وإطلاق النار على تلك التي تقول إنها تستخدم مسارات غير مرخصة، في مقابل فرض واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية.

وتثير الهجمات المتكررة مخاوف من اتساع نطاق الاضطراب في إمدادات الطاقة والتجارة البحرية، خصوصاً في ظل ارتباط أسعار النفط والوقود بمسار الحرب، والتصريحات الأميركية التي تربط انتهاء العمليات العسكرية بانخفاض الأسعار.

استخدام قاعدة لاجيس الجوية

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

وفي امتداد للتداعيات السياسية للحرب خارج منطقة الشرق الأوسط، فتح الادعاء البرتغالي تحقيقاً في قانونية سماح حكومة يمين الوسط للولايات المتحدة باستخدام قاعدة لاجيس الجوية في جزر الأزور خلال الصراع مع إيران، وذلك عقب شكوى تقدم بها حزب «الكتلة اليسارية» المعارض.

وقال مكتب المدعي العام البرتغالي، السبت، إن التحقيق فُتح بناءً على شكوى قدمها أعضاء في الحزب، من دون تقديم تفاصيل إضافية. وأحجمت وزارة الخارجية البرتغالية عن التعليق على القضية.

وتسمح اتفاقية قائمة منذ فترة طويلة بين البرتغال والولايات المتحدة لواشنطن باستخدام قاعدة لاجيس من دون إذن مسبق في أوقات السلم، لكنها تشترط الحصول على موافقة لشبونة عند اندلاع أعمال قتالية.

وكانت البرتغال قد سمحت، خلافاً لإسبانيا المجاورة، بعدة رحلات عبور أميركية عبر القاعدة، الأمر الذي أثار انتقادات من أحزاب المعارضة اليسارية، وأعاد فتح النقاش بشأن مدى انخراط لشبونة في العمليات المرتبطة بالحرب.

وطلب حزب «الكتلة اليسارية» في أبريل (نيسان) الماضي من الادعاء التحقيق في استخدام القاعدة، معتبراً أن السماح بذلك يرقى إلى «انتهاك جسيم للقانون الدولي».