بريطانيا تؤكد جاهزية قواتها المسلحة بعد تهديدات إيرانية

لندن: سنواصل دعم العمليات الدفاعية الأميركية ولن نُجرّ إلى حرب أوسع

القاذفة الأميركية الاستراتيجية «ب - 1» في قاعدة عسكرية بريطانية (رويترز)
القاذفة الأميركية الاستراتيجية «ب - 1» في قاعدة عسكرية بريطانية (رويترز)
TT

بريطانيا تؤكد جاهزية قواتها المسلحة بعد تهديدات إيرانية

القاذفة الأميركية الاستراتيجية «ب - 1» في قاعدة عسكرية بريطانية (رويترز)
القاذفة الأميركية الاستراتيجية «ب - 1» في قاعدة عسكرية بريطانية (رويترز)

أكدت الحكومة البريطانية جاهزية قواتها المسلحة للتصدي لأي هجوم يستهدف المملكة المتحدة، وذلك بعد تهديدات أطلقها «الحرس الثوري» الإيراني باستهداف قواعد بريطانية على خلفية استخدام الولايات المتحدة قاعدة «فيرفورد» الجوية في جنوب غربي إنجلترا لتنفيذ ضربات ضد إيران.

وقال متحدث باسم الحكومة البريطانية إن القوات المسلحة «جاهزة للحفاظ على أمن المملكة المتحدة وحمايتها من أي نوع من الهجمات، سواء فوق أراضيها أو من الخارج»، مؤكداً أن البلاد «على أهبة الاستعداد للدفاع عن نفسها على مدار الساعة».

وأضاف أن بريطانيا تعتمد «نهجاً متعدد الطبقات» للدفاع الجوي والصاروخي، يستند إلى قدرات البحرية الملكية والجيش البريطاني وسلاح الجو الملكي، ويعمل بالتنسيق مع حلفاء لندن في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وجاء الموقف البريطاني بعدما هدد «الحرس الثوري» في بيان، الخميس، باستهداف أي قاعدة تُستخدم في شن هجمات على إيران، قائلاً إن الولايات المتحدة استخدمت قاعدة «فيرفورد» لإقلاع قاذفات نفذت ضربات داخل الأراضي الإيرانية. ولم تؤكد لندن أو واشنطن هذه الرواية، كما لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة.

وكان رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنام قد جدد الأسبوع الماضي التزام حكومته باتفاقية دفاعية قائمة تسمح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية فيما وصفته لندن بأنه «دفاع جماعي عن النفس» في المنطقة.

وأكدت الحكومة البريطانية، الأربعاء، أن هذا الترتيب يشمل العمليات الدفاعية الأميركية الهادفة إلى تحييد مواقع وقدرات صاروخية تُستخدم في مهاجمة السفن العابرة لمضيق هرمز.

ورداً على التهديدات الإيرانية، قال المتحدث إن موقف الحكومة «لم يتغير»، وإن بريطانيا ملتزمة بالدفاع عن شعبها ومصالحها وحلفائها وفق القانون الدولي، مع الحرص في الوقت نفسه على تجنب الانجرار إلى صراع إقليمي أوسع.

وتأتي هذه التصريحات في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة ضرباتها داخل إيران لليلة الثالثة عشرة على التوالي، بعد الانهيار الفعلي لهدنة مؤقتة، بينما أطلقت طهران هجمات باتجاه دول عربية، بينها البحرين والأردن والكويت.

وكان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، قد حذر في وقت سابق الدول الأوروبية من السماح باستخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية في أي عمليات تستهدف إيران، قائلاً إن أي دولة تقدم مثل هذه التسهيلات ستُعد، من وجهة نظر طهران، شريكاً في العدوان وستتحمل تبعات ذلك.

قاذفات قنابل استراتيجية من طراز «بي 52» تابعة للقوات الجوية الأميركية تقف على مدرج قاعدة فيرفورد الجوية البريطانية أبريل الماضي (إ.ب.أ)

وفي هذا السياق، جاء التهديد الإيراني أيضاً بعد موافقة البرلمان البلغاري على السماح للجيش الأميركي باستخدام قاعدة «بيزمر» الجوية لدعم عملياته في الشرق الأوسط. إلا أن الحكومة البلغارية سارعت إلى التأكيد أن الطائرات الأميركية ستؤدي مهمات لوجستية فقط، وأن تنفيذ عمليات قتالية انطلاقاً من الأراضي البلغارية «مستبعد تماماً».

وسبق أن طالت الهجمات الإيرانية منشآت عسكرية مرتبطة ببريطانيا. وأفادت تقارير في مارس (آذار) بأن إيران أطلقت صاروخين باليستيين باتجاه القاعدة العسكرية الأميركية - البريطانية في جزيرة دييغو غارسيا بالمحيط الهندي، إلا أنهما أخطآ الهدف.

كما تسببت طائرة مسيّرة إيرانية الصنع من طراز «شاهد» في أضرار طفيفة، في الثاني من مارس، بعدما أصابت منشآت في قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية بجنوب قبرص. وقالت لندن لاحقاً إن القاعدة لن تُدرج ضمن الاتفاقية الدفاعية التي تسمح للولايات المتحدة باستخدام منشآت بريطانية لتنفيذ عمليات في المنطقة.

ويرى خبراء أن إيران ربما تمتلك صاروخاً قادراً من حيث المدى على بلوغ لندن، إلا أن افتقاره المرجح إلى الدقة يجعل مستوى الخطر المباشر منخفضاً.

وتشهد العلاقات بين لندن وطهران توتراً متصاعداً منذ أشهر، إذ تتهم السلطات البريطانية إيران بالوقوف وراء هجمات إلكترونية واستخدام شبكات إجرامية ووكلاء لاستهداف معارضين ومصالح داخل المملكة المتحدة.

وقالت الأجهزة الأمنية البريطانية إنها كشفت خلال العام الماضي 20 مؤامرة مدعومة من إيران، كان من المحتمل أن تؤدي إلى سقوط قتلى.

كما أعلنت بريطانيا هذا الشهر حظر تقديم أي دعم لـ«الحرس الثوري» بموجب صلاحيات أمنية جديدة أُقرت لمواجهة ما وصفته بتزايد استخدام طهران للوكلاء المدعومين منها.

وجاءت الخطوة أيضاً بعد سلسلة من الهجمات استهدفت مواقع يهودية في لندن. وقالت الحكومة البريطانية إن «الحرس الثوري» مسؤول «بدرجة تكاد تكون مؤكدة» عن توجيه مجموعة يُعتقد أنها تقف وراء عدد من تلك الهجمات.

وفي تطور متصل، صدرت هذا الشهر أحكام بالسجن على مواطنين رومانيين اثنين، قال الادعاء إنهما كانا يعملان لصالح إيران، بعد إدانتهما بالتورط في طعن صحافي يعمل لدى مؤسسة إعلامية ناطقة بالفارسية في لندن.

وفي المقابل، تنفي طهران باستمرار تورطها في مثل هذه الهجمات، وتصف الاتهامات البريطانية بأنها «لا أساس لها من الصحة» وذات دوافع سياسية.

ميليباند في الدوحة

على الصعيد السياسي، استقبل رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، اليوم الجمعة، وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند.

وعرض الجانبان علاقات التعاون بين البلدين وسبل دعمها وتعزيزها، ومناقشة آخِر المستجدات الإقليمية، ولا سيما الجهود الدبلوماسية المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء القطرية «قنا».

وأكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، خلال المقابلة، ضرورة التزام الأطراف بالحوار والدبلوماسية، وتنفيذ ما جرى التوافق عليه في إطار مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، بما في ذلك ضمان حرية الملاحة بمضيق هرمز، للحفاظ على أمن المنطقة، وصون المكتسبات التي تحققت، وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وجدد دعم قطر الكامل لكل المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق السلام المستدام في المنطقة.


مقالات ذات صلة

ترمب بين ضغط الجمهوريين ومصالح النفط في أزمة الديزل قبل الانتخابات

الاقتصاد وزير الطاقة كريس رايت يتحدث خلال إعلان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة (إ.ب.أ)

ترمب بين ضغط الجمهوريين ومصالح النفط في أزمة الديزل قبل الانتخابات

تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خيارات عدة لاحتواء الارتفاع الحاد في أسعار الديزل، من بينها فرض قيود على الصادرات.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد يظهر انعكاس أحد المارة على شاشة عرض أسعار الأسهم في مبنى بورصة سيدني للأوراق المالية (أ.ف.ب)

التضخم الأسترالي يتسارع إلى 4 % رغم رفع الفائدة

تسارع التضخم في أستراليا خلال أغسطس (آب)، مع ارتفاع تكاليف الوقود واستمرار اتساع ضغوط الأسعار.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد ناقلة نفط تمر فوق أفق مدينة فانكوفر أثناء إبحارها في الميناء (أ.ب)

النفط يرتفع بعد نفي ترمب بحث تخفيف العقوبات على إيران

ارتفعت أسعار النفط الأربعاء بعدما نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات المفروضة على إيران.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
المشرق العربي مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

فصائل تهدد بإسقاط حكومة بغداد

هددت «كتائب حزب الله» بإسقاط حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي وإغلاق منافذ البلاد مع دول الجوار إذا استمر حظر الطيران الإيراني في المطارات العراقية. وقال بيان.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي عراقي يسير بمحاذاة إعلان مثبت على جانب شارع في بغداد يوم 29 سبتمبر 2026 تزامناً مع نهاية مهمة التحالف الدولي ضد «داعش» (أ.ف.ب)

فصائل لكسر حصار إيران بـ«إسقاط حكومة بغداد»

تُظهر بغداد حتى الآن موقفاً متماسكاً بشأن عدم السماح لشركات الطيران الإيرانية بالهبوط في المطارات العراقية استجابة لعقوبات وزارة الخزانة الأميركية.

فاضل النشمي (بغداد)

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

ذكرت «شبكة أخبار الطلبة» أن إيران أعدمت اليوم الأربعاء رجلين أدينا بالاضطلاع بدور في قتل أربعة من أفراد قوات الأمن خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026 في مدينة مشهد شمال شرق البلاد.

وأفادت الشبكة بأن المحكمة العليا الإيرانية أيدت حكمي الإعدام الصادرين بحق الرجلين، ونفذ الحكمان بعد استكمال الإجراءات القانونية.


طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
TT

طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)

تترقب إيران رداً أميركياً على مقترحها لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد محادثات أجراها الوسطاء مع الطرفين في نيويورك الاثنين. ويأتي ذلك في وقت حذّرت طهران من أن البنى التحتية في المنطقة لن تكون في مأمن.

وأفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد لقائه وسيطاً قطرياً قبل مغادرة نيويورك أمس، بأن الاتصالات عبر الوسطاء باتت «أكثر جدية»، معرباً عن أمله في تلقي الرد الأميركي خلال وقت قصير (بحلول أمس الثلاثاء). وشدد على أن مواقف طهران لم تتغير. وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن الجهود تتركز على «بناء أرضية مشتركة» و«جسر الفجوة».

ونفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يكون عرض تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة لإنهاء الحرب مقابل خطوات نووية، قائلاً: «لم أعرض عليهم شيئاً».

وفيما بدا تهديداً للدول المجاورة، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: «في المنطقة التي لا نبيع فيها نفطنا، لن يبيع أحد نفطاً، وإذا لم يتحقق أمننا فلن تكون أي بنية تحتية في مأمن»، متوعداً بردّ «قاسٍ ودقيق وسريع» على أي «اعتداء أو مغامرة».

بدوره، قال برايان كاتوليس، من «معهد الشرق الأوسط» في الولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن البلدين في «اختبار إرادات». ورأى فرزين نديمي، من «معهد واشنطن»، أن ورقة هرمز تراجعت ولم تختفِ، فيما رجّح باراك بارفي، من مؤسسة «نيو أميركا»، أن استئناف القتال بات أقرب من إنهائه. (تفاصيل ص3-4) روسيا تعارض خروج إيران من «معاهدة حظر الانتشار»


ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أعاد نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران مقابل تنازلات نووية الغموض إلى وساطات تبحث عن أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران. وبين إشارات أميركية عن مرونة تفاوضية، وتمسك إيراني برفع الحصار واستعادة العائدات النفطية، يتجاوز الخلاف مضمون التسوية إلى ترتيب تنفيذها: من يقدم التنازل أولاً؟ وبأي ضمانات؟

ويتزامن هذا التعثر مع تحسن تدفقات النفط من المنطقة واستعادة مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يمنح واشنطن هامشاً لمواصلة الضغط.

لكن التهديد الإيراني باستهداف البنية التحتية يضع حدوداً لهذا الرهان، ويثير سؤالاً موازياً: هل يؤدي إضعاف ورقة الملاحة إلى تسهيل الاتفاق، أم يدفع المواجهة نحو منشآت الإنتاج والتصدير؟

إيرانيون على دراجات نارية يمرون أمام صواريخ وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين وعلماء نوويين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية بطهران الاثنين (أ.ب)

نفي يضاعف الغموض

بعدما نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين استعداد ترمب لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل خطوات ملموسة في الملف النووي، نفى الرئيس هذه التقارير وعدّها غير صحيحة.

وجاء التناقض بينما كان وسطاء قطريون وباكستانيون يحاولون تقريب المواقف عبر اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسؤولي الإدارة الأميركية.

وعدّ مسؤول أميركي المحادثات غير المباشرة بأنها إيجابية وبناءة، مشيراً إلى مرونة إيرانية حيال القضايا النووية، لكنه شدد على استحالة الاتفاق دون معالجتها.

وفي السياق نفسه، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن مسؤول إيراني أن عدم استقرار موقف ترمب يصعب تحديد ما يمكن لواشنطن قبوله وتحويل النقاشات إلى ترتيب عملي.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يثبت النفي وحده انهيار الاتصالات أو إغلاق باب تخفيف العقوبات مستقبلاً، لكنه يترك الوسطاء أمام فجوة بين ما ينقله المسؤولون وما يعلنه ترمب، ويصعب تثبيت المقابل الاقتصادي الذي تطلبه طهران.

ويصف برايان كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط، تصريحات ترمب، بأنها «من دون معنى تقريباً»، عادّاً أن محاولة تحليل كل موقف آني لا تفيد كثيراً، لأن قليلاً مما قاله منذ اندلاع الحرب يرتبط بالواقع، وفق تقديره.

ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن البلدين ما زالا في مواجهة واختبار إرادات، يظهر ذلك في التصريحات، بينما يجسدهما التحرك الميداني ومساعي التوصل إلى اتفاق.

التفاهم وعقدة التنفيذ

تتقاطع المقترحات عند الحاجة إلى خفض التصعيد وإعادة انتظام الملاحة وإبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، لكنها تختلف في نقطة الانطلاق. فطهران تريد أولوية لرفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول، بينما تتمسك واشنطن بخطوات نووية ملموسة، وترفض تقديم مكاسب اقتصادية كبيرة مقابل وعد باستئناف التفاوض.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن أن الوسطاء يعملون على إحياء إطار «تفاهم إسلام آباد»، الذي تناول وقف العمليات العسكرية، والملاحة، والملف النووي، والعقوبات. وأعقبته محادثات في سويسرا أفضت إلى لجنة سياسية ومجموعات عمل وآليات للمراقبة وتسوية النزاعات وخط اتصال لتجنب سوء التفاهم.

وتستند أهمية العودة إلى هذا الإطار إلى وجود بنية تفاوضية سابقة، لكن تجدد المواجهة كشف أن إنشاء اللجان لا يضمن احترام الالتزامات. ويتهم مسؤول أميركي نقل عنه «أكسيوس» إيران بخرق التفاهم السابق عبر إطلاق النار على سفن تجارية في يوليو (تموز)، وهو اتهام يزيد تشدد واشنطن بشأن الضمانات.

أما المقترح الإيراني الأخير فيربط إعادة فتح مضيق هرمز بوقف القتال لمدة 7 أيام وتلبية مطالب اقتصادية وأمنية، بينها إنهاء الحصار. وتخشى الإدارة الأميركية أن تقدم تنازلات مسبقة بينما تحتفظ طهران عملياً بقدرة على التحكم بالممر.

لذلك، تبدو المعضلة متعلقة بالتزامن والتحقق بقدر تعلقها بالأهداف: كيف تربط كل خطوة اقتصادية بإجراء أمني أو نووي قابل للفحص؟ وهذه حاجة تحليلية تفرضها الخلافات، وليست آلية متفقاً عليها.

ويخلص الباحث كاتوليس في هذه النقطة للقول إن غياب الثقة يجعل تصور اتفاق قريب أمراً صعباً.

النفط يغير الحسابات

في موازاة التفاوض، قد يبدل تحسن الصادرات النفطية عبر المسارات البديلة حسابات الاستعجال. وأوردت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن صادرات كبار منتجي الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) قدرت بنحو 16.328 مليون برميل يومياً، بينها 9.719 مليون عبر هرمز. والفصل بين الرقمين ضروري: تعافي إجمالي الصادرات لا يعني عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي، ولا زوال أخطار الإمدادات.

أشخاص يقودون مركباتهم قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ويرى فرزين نديمي كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، أن هذه المسارات تقلّص ورقة هرمز بدرجة كبيرة، لكنها لا تحسمها. ويشير في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تنقل بالفعل حصة كبيرة من نفط البلدين بعيداً عن المضيق، وأن توسعات مقررة خلال 2027 - 2029 قد تتيح تجاوز هرمز لكميات تعادل نحو 60 في المائة من تدفقاته النفطية المعتادة، وفق تقديره.

ويضيف أن الأسواق تكيفت، فلم يعد الإغلاق يحدث الصدمة العالمية التي تسعى إليها طهران. لكن صادرات الكويت والغاز الطبيعي المسال القطري ومعظم الصادرات العراقية تبقى معرضة للخطر، فضلاً عن قابلية استهداف البنية التحتية البديلة؛ ولذلك تراجعت الورقة الإيرانية ولم تختفِ.

ويؤكد نديمي أن العقوبات والحصار البحري لم يكفيا بعد لفرض تنازلات نووية حقيقية ودائمة. فالضغط المالي فعلي، لكن النظام تحمّله حتى الآن، وإن كان اشتداده قد يغيّر ذلك. وتحدّ القدرة المتبقية على التعطيل والتصعيد وتحمل الألم الاقتصادي من فاعلية الاستراتيجية، بما يضيّق خيارات طهران على المديين القصير والمتوسط دون إجبارها وحده على التنازل.

ضغط من دون حسم

جاء تحذير رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، ليكشف هذا الجانب من المواجهة. فقد ربط أمن البنية التحتية الإقليمية بضمان أمن إيران، مهدداً بأن منعها من بيع النفط سيمنع الآخرين أيضاً. ويشير التهديد إلى أن تراجع فاعلية تعطيل الملاحة قد يقابله توسيع نطاق الأهداف المحتملة.

وفي هذا السياق، يرى باراك بارفي الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ترمب يبدو مسلّماً بتعذر التوصل إلى اتفاق في الظروف الراهنة، ويتجه نحو استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية، حين تتراجع الضغوط الداخلية عليه.

ويعد أن الإيرانيين توصلوا إلى الخلاصة نفسها من موقع معاكس: فتعطيل هرمز فقد فاعليته، في تقديره، بينما يزيد الحصار الأميركي الضغط على طهران. ولذلك، يرجّح أن الطرفين باتا يدركان أن استئناف الأعمال القتالية هو الاحتمال الأقرب حالياً، لا إنهاء القتال.

لكن في المقابل، لا يعني التلويح الإيراني برفع التكلفة على دول الجوار أنه لن يعرضها لرد أوسع نطاقاً، وقد يوسع دائرة الدول المعارضة والمستعدة للتصدي لهذا التصعيد. وبدلاً من تخويف دول المنطقة قد يدفها ذلك إلى الرد وتصعيد المواجهة. ومع ذلك، لا تعني زيادة الضغوط الاقتصادية تلقائياً استعداد النظام الإيراني لتنازلات نووية أو اقترابه من الانهيار.

ويرى ماثيو غولد الدبلوماسي البريطاني السابق في مقالة رأي في «واشنطن بوست»، أن تغيير النظام يتطلب، إلى جانب الاحتجاجات المستمرة، تصدع الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة، وأن القصف والتشجيع الأميركي وحدهما لا يكفيان.

وتبقى مهمة الوسطاء تحويل الضغط إلى التزامات متبادلة قابلة للتنفيذ، قبل أن يصبح تحسن تدفق النفط سبباً لإطالة المواجهة، وتتحول التهديدات إلى جولة تصعيد جديدة.