مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

السلطات تكشف تورط سياسيين وضباط في هجمات السبت ضد باماكو

متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)
متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)
TT

مالي: «الفيلق الأفريقي» يعلن القضاء على 150 إرهابياً على حدود موريتانيا

متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)
متمرد يتسلق سارية لإنزال علم بقاعدة عسكرية في تساليت بمالي أمس (رويترز)

قال «الفيلق الأفريقي» التابع لوزارة الدفاع الروسية، السبت، إن الوضع في دولة مالي «لا يزال صعباً»، مشيراً إلى أن طائرة تابعة له قضت على 150 إرهابياً خلال قصف لمعسكر إرهابي قرب الحدود بين مالي وموريتانيا، فيما تصاعدت المخاوف في موريتانيا من الزج بها في الصراع الدائر بمالي.

وأعلن «الفيلق الأفريقي» في بيان، أن طائراته رصدت، الجمعة، «مجموعة كبيرة من المسلحين يبلغ عددها نحو 200 شخص»، مشيراً إلى أنهم كانوا على متن 150 دراجة نارية، و3 شاحنات صغيرة مزودة برشاشات ثقيلة وشاحنة صغيرة مزودة بصاروخ من طراز «ZU-23».

صورة غير مؤرخة نشرها الجيش الفرنسي لمرتزقة روس في شمال مالي (أ.ب)

وأكد «الفيلق الأفريقي» أنه بعد رصد طائرات الاستطلاع للمعسكر الإرهابي «تم قصفه»، مشيراً إلى أن ذلك «أسفر عن القضاء على نحو 150 مسلحاً، وتدمير نحو 70 دراجة نارية، و4 شاحنات صغيرة مزودة بأسلحة ثقيلة».

وذكر «الفيلق» في بيانه، أن العناصر الإرهابية «يحتمل أن يكونوا عبروا الحدود من مالي إلى موريتانيا لتعويض الخسائر التي تكبدتها داخل الأراضي المالية»، مشيراً إلى أن «الجماعات الإرهابية في أفريقيا تستغل أراضي دول الجوار غير المسيطر عليها بشكل جيد، لإعادة تنظيم صفوفها».

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا (وسط) خلال حضوره الخميس جنازة وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا (رويترز)

وأوضح أنه «في حالة مالي، تشمل هذه الدول موريتانيا، والسنغال، وساحل العاج، والنيجر، وبوركينا فاسو، والجزائر»، رغم أن «الفيلق» في بيانه، أشار إلى أن المعسكر الذي تم قصفه كان يقع في قرية كوبليبوغو بإقليم كوليكورو، وسط مالي، وهو بعيد عن أي منطقة حدودية مع موريتانيا، أو أي من الدول الأخرى.

وزير خارجية روسيا في موسكو برفقة وزير الدفاع المالي (يساراً) الذي قُتل قرب باماكو يوم 28 فبراير 2024 (رويترز)

قلق موريتاني

فيما بادرت موريتانيا إلى التنديد بالهجمات التي تعرضت لها باماكو الأسبوع الماضي، وقالت إنها تتابع بقلق شديد تطورات الأوضاع، معربة عن تضامنها مع مالي، وعن «حرصها الدائم على أمنها واستقرارها وسعيها الدؤوب لتحقيق السلام في كل المنطقة»، إلا أن بيان «الفيلق الأفريقي» الأخير أثار مخاوف الموريتانيين من الزج بهم في الحرب الدائرة في البلد الذي تربطهم به حدود تمتد لأكثر من ألفي كيلومتر، عبارة عن صحراء شاسعة ومترامية الأطراف، يشكل تأمينها ورقابتها تحدياً كبيراً.

وفي هذا السياق، قال حزب «جبهة المواطنة والعدالة» الموريتاني إن التعامل مع الوضع على الحدود مع مالي «يتطلب مستوى من الحكمة والرزانة التي يتخللهما أحياناً إظهار القوة والردع»، وعبّر الحزب عن دعمه الموقف الموريتاني الحالي القائم على «قدر كبير من المسؤولية والحذر دون التفريط في الهيبة والحزم».

قائد ‌المجلس العسكري الحاكم في مالي أسيمي غويتا يتفقد جرحى بأحد مستشفيات باماكو (رويترز)

وشدد الحزبُ على أنه لا يمكن الوصول إلى حل «إلا بوحدة مالي أرضاً وسكاناً، ولا وحدة إلا باستيعاب جميع فئات الشعب المالي، ونيل كل المكونات لحقوقها كاملة في إطار وطن موحد وجمهورية جامعة». وخلص الحزب إلى أنه «لا يقضي على الإرهاب والاستبداد شيء مثل توفير الحقوق وضمان الحريات»، وفق تعبير بيان صادر عن الحزب السبت.

«لسنا إرهابيين»

في غضون ذلك، رفضت «جبهة تحرير أزواد» التي تسيطر منذ السبت الماضي، على مناطق واسعة من شمال مالي، وصفها بالحركة الإرهابية، وقالت إنها تتابع باهتمام ردود الفعل الدولية حول الأحداث الأخيرة، مؤكدة أن السلطات الحاكمة في مالي هي التي مارست «الإرهاب» ضد الشعوب.

جانب من مشهد عام لباماكو (رويترز)

وأكدت الجبهة في بيان صحافي، الجمعة، أن «جميع تحركاتها تتوافق مع المبادئ الأساسية للإسلام وقواعد القانون الدولي الإنساني، وتستمد شرعيتها من الدفاع عن الحق غير القابل للتصرف للشعب الأزوادي في تقرير المصير».

وأضافت أنها «ترفض بشكل قاطع وصفها بالإرهاب، وهي التهمة التي يسعى النظام العسكري غير الشرعي في باماكو إلى إلصاقها بها، علماً بأنها أدانت هذا المفهوم بجميع أشكاله وتجلياته»، مشيرة إلى «تمسكها الراسخ بمبدأ الدفاع المشروع، والتزامها الكامل بحماية السكان المدنيين في سياق النزاع».

جنود ينفّذون دوريةً قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

وقالت الجبهة إن سكان الشعب الأزوادي، وهو إقليم يقع شمال مالي ويمثل ثلثي مساحة البلاد، ويسعى للاستقلال عن باماكو منذ عدة عقود، كانوا «على مدى عقود، من بين أبرز ضحايا الإرهاب؛ سواء ذلك الذي مارسه النظام القائم في باماكو، أو الانتهاكات المرتكبة من قبل مرتزقة روس مرتبطين بمجموعة (فاغنر)، أو من قبل جماعات متطرفة أخرى، أو ضمن أجندات تدميرية متعددة موجهة ضده».

وخلصت الجبهة إلى أنها «تعتبر أن الأفعال التي ارتكبتها سلطات باماكو وحلفاؤها خلال السنوات الثلاث الماضية، تندرج ضمن الإرهاب الموجه ضد المدنيين».

تحقيق مالي

في باماكو، تبدو الأمور هادئة بعد مرور أسبوع على الهجمات العنيفة التي شنتها جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين»، التابعة لتنظيم «القاعدة»، ضد العاصمة المالية باماكو ومدن أخرى عديدة في وسط وشمال البلاد، وقتل فيها وزير الدفاع الجنرال ساديو كامارا.

وقد أعلن نائب المدعي العام لدى المحكمة العسكرية في باماكو عبد الله نانتومي، فتح تحقيق في هجمات السبت الماضي، وقال في بيان نشر مساء الجمعة، إن التحقيقات الجارية أثبتت تورط سياسيين وعسكريين عاملين ومفصولين في التخطيط والتنسيق للهجمات وتنفيذها. وكشف نائب المدعي العام بعض المعلومات حول مقتل أحد المتهمين، بالإضافة إلى توقيف 4 ضباط صف، واستمرار البحث عن بقية الضالعين.

يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال (أ.ف.ب)

وجاء في بيان الادعاء العام الذي بثه التلفزيون الحكومي، أن قائمة المتواطئين المحتملين تشمل 3 جنود في الخدمة، وجندياً متقاعداً، وآخر سبق أن تم «تسريحه» وقُتل في اشتباك قرب القاعدة العسكرية الرئيسية للبلاد بكاتي، على بعد 15 كيلومتراً من العاصمة باماكو.

وذكر البيان، كما نقلت عنه «رويترز»: «نُفذت الاعتقالات الأولى بنجاح، ويجري البحث بنشاط عن جميع المجرمين الآخرين والمشاركين والمتواطئين معهم»، دون تحديد عدد المشتبه بهم الذين جرى تحديدهم أو احتجازهم. كما أضاف البيان أن الضباط شاركوا في «تخطيط وتنسيق وتنفيذ» الهجمات، مشيراً أيضاً إلى تورط سياسيين، من بينهم عمر ماريكو، وهو سياسي مالي بارز في المنفى.


مقالات ذات صلة

إنذارات بوجود قنابل على متن طائرات مدنية في أجواء أوروبا

أوروبا لقطة من فيديو تُظهر شرطياً وكلباً بوليسياً يفتشان طائرة تابعة لشركة «رايان إير» وأمتعتها في مورسيا بإسبانيا بعد تلقي تهديد بوجود قنبلة خلال رحلتها من مانشستر يوم 3 نوفمبر 2026 (رويترز)

إنذارات بوجود قنابل على متن طائرات مدنية في أجواء أوروبا

واجهت أربع طائرات مدنية متجهة إلى مطارات أوروبية، الثلاثاء، إنذارات بوجود قنابل تبيّن لاحقاً أنها كاذبة، بحسب ما أعلنت سلطات الدول المعنية.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شؤون إقليمية يواصل حزب «العمال الكردستاني» سحب مسلحيه من معسكراته قرب الحدود التركية لدفع مسار «عملية السلام والمجتمع الديمقراطي» (أ.ب)

«العمال الكردستاني» يواصل إخلاء معسكراته سعياً لدفع «السلام» مع تركيا

كشفت مصادر عن انسحاب حزب «العمال الكردستاني» بالكامل من سفوح جبل كراتشوك في المثلث الحدودي السوري - العراقي - التركي لدفع مسار «عملية السلام» مع تركيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يفتتح أعمال الدورة النيابية الثالثة لمجلس النواب (الديوان الملكي)

العاهل الأردني يندد بالإرهاب... ويجدد رفض الأطماع التوسعية الإسرائيلية

افتتح العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أعمال الدورة النيابية الثالثة لمجلس النواب الحالي. مُذكراً بحادثة «كنيسة حمود» التي راح ضحيتها 9 شهداء، ونحو 40 جريحا

محمد خير الرواشدة (عمّان)
إعلام الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

الإعلام الأردني... الرواية الرسمية في مواجهة «حرب الشائعات»

كان من الطبيعي أن تنشغل كل المؤسسات الإعلامية، على اختلاف وسائلها وأنواعها وأدواتها، بالحادثة «غير المسبوقة» في الأردن.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
شمال افريقيا رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي (إ.ب.أ)

القضاء التونسي ينظر مجدداً في ملف «الجهاز السري» لحركة النهضة

قررت محكمة الاستئناف بتونس تحديد جلسة 19 نوفمبر المقبل للنظر فيما يعرف بملف الجهاز السري لحركة النهضة.

«الشرق الأوسط» (تونس)

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
TT

إقالة مسؤولَين بارزَين في جهاز الأمن الأوكراني على خلفية شبهات فساد

قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)
قوات أمن خارج سكن للمجندين في ضواحي كييف (رويترز)

أعلن جهاز الأمن الداخلي الأوكراني (إس بي يو)، الأربعاء، إقالة مسؤولَين رفيعين ورد اسماهما في تحقيق على صلة بمراكز اتصال احتيالية.

وقال جهاز الأمن الداخلي إن رئيسه أوليكسندر بوكلاد، أعفى مسؤولَين كبيرَين في الجهاز من مهامهما بعد ورود اسميهما في تحقيق يجريه المكتب الوطني لمكافحة الفساد (نابو).

وأضاف في بيان عبر تلغرام أن بوكلاد يتوقّع إجراء تحقيق «شفاف وموضوعي ونزيه» من جانب المكتب، رغم التوتر بين المؤسستين. وتفاقم الخلاف بينهما العام الماضي بعدما حاول الرئيس فولوديمير زيلينسكي تقليص استقلالية مكتب مكافحة الفساد.

من جهته، قال مكتب مكافحة الفساد، إن أحد مسؤولي جهاز الأمن «هدد باستخدام سلاح ناري» ومنع المحققين من دخول مواقع كانوا ينفذون فيها عمليات تفتيش الأربعاء.

ووفقًا للمكتب، فإن مسؤولين كبارًا في جهاز الأمن والنيابة العامة والشرطة دفعوا رشاوى لعناصر من أجهزة إنفاذ القانون مقابل غض الطرف عن أنشطة مراكز اتصال احتيالية.

وأضاف أن عمليات الاحتيال استهدفت أوكرانيين وأجانب، وشملت بيع مخدرات وإنتاج سجائر مقلدة وعملات أجنبية مزورة.

واتهم مجموعة إجرامية مؤلفة من 12 شخصًا على الأقل بتنظيم «اعتداءات وخطف وهجمات مخطط لها».

وكانت التحقيقات دفعت المدعي العام الأوكراني رسلان كرافتشينكو إلى الاستقالة في أيلول/سبتمبر بعد تفتيش مكاتب تابعة له، علمًا أنه نفى ارتكاب أي مخالفات.

وبحسب المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومقرها سويسرا، يوفر قطاع مراكز الاتصال الاحتيالية في أوكرانيا وظائف لنحو 60 ألف شخص، أي ما يعادل نحو ثلثي العاملين في القطاع المصرفي.

وتقدّر المبادرة أن هذه الأنشطة تدر إيرادات قد تصل إلى مليار دولار شهريًا.


زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
TT

زيلينسكي يأمل أن تؤدي نتائج الانتخابات الأميركية إلى المزيد من الدعم لبلاده

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (د.ب.أ)

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، في مقابلة أجريت معه الأربعاء، إنه يأمل في أن تؤدي المكاسب التي حققها الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي بالولايات المتحدة إلى توفير مزيد من الدعم لأوكرانيا في حربها مع روسيا.

وذكر أنه يأمل في أن تكون التغييرات التي ستنتج عن سيطرة الديمقراطيين على مجلسي النواب والشيوخ العام المقبل في صالح كييف.

وأوضح: «أنا ممتن أيضاً للجمهوريين، لكن الديمقراطيين يتحدثون بمزيد من الوضوح عن دعم أوكرانيا وتقديم المساعدة لها».

وأضاف: «إنهم يتحدثون عن تجديد العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا... ولذلك، هناك أمل في أن يتشكل توازن للقوى وأن نتلقى مزيداً من الدعم».

وقال زيلينسكي إن تلقي المزيد من المساعدات الأميركية ربما يكون له تأثير على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وبذل زيلينسكي جهوداً كبيرة لتعزيز العلاقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لا سيما بعد اجتماع شهد توتراً في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025، عندما اتُهم الرئيس الأوكراني «بعدم الامتنان» تجاه المساعدات الأميركية.

وفي الأسابيع الماضية، اتخذ ترمب عدة خطوات تظهر محاباة لروسيا، بما في ذلك اتفاق لاستيراد الديزل الروسي وتخفيف العقوبات.

لكن من المقرر أن تُستأنف محادثات ثلاثية تقودها الولايات المتحدة مع أوكرانيا وروسيا الأسبوع المقبل، بعد توقف دام عدة أشهر.


أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تستقبل نتائج «النصفية» بتفاؤل حذر... وتخشى انتقام الرئيس الجريح

السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)
السيناتور الديمقراطي جون أوسوف يحتفي بفوزه بولاية جديدة عن ولاية جورجيا فجر 4 نوفمبر (أ.ف.ب)

عندما فاز دونالد ترمب بولايته الرئاسية الثانية، استقرَّت في الأوساط الأوروبية موجة من القلق الذي كان يتراكم جراء المخاوف التي تولَّدت من إقامته الأولى في البيت الأبيض، ومن الوعود التي أطلقها خلال حملته الانتخابية وانتهت بوضع الحليف التقليدي في خانة الخصوم، والوعيد المبطّن بتقويض المشروع الأوروبي.

وعندما ظهرت النتائج الأولى للانتخابات النصفية فجر الأربعاء، وتأكدت سيطرة الديمقراطيين على مجلسَي الشيوخ والنواب، سادت في المؤسسات ومعظم العواصم الأوروبية أجواء من الارتياح الحذر؛ خرج عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يلعب بكل أوراقه في انتخابات عامة مسبقة مصيرية أواخر هذا الشهر، إذ قال: «اقترع المجتمع الأميركي، أمس، ضد السياسات التي تتسبب بالفقر، وضد الحقد والذكورية، وضد إنكار التغيُّر المناخي، وضد مزايا النخب»، ثم أضاف: «هذا ما حصل في البرازيل، والآن في الولايات المتحدة، وقريباً في إسبانيا».

ترمب وزيلينسكي على هامش قمة «ناتو» في أنقرة يوم 8 يوليو الماضي (أ.ب)

لكن العواصم الكبرى في الاتحاد اختارت عدم التعليق مباشرة على نتائج الانتخابات النصفية الأميركية، وكذلك فعلت المؤسسات الأوروبية، إدراكاً منها بأن الهزيمة القاسية التي أصابت النهج الترمبي هي رسالة احتجاج شديدة دوافعها محلية بامتياز: ضد غلاء المعيشة المطرد، وطرد مئات الآلاف من المهاجرين وإساءة معاملتهم، وتقليص الخدمات الصحية العامة، والفساد الجامح المتفشي في المحيط العائلي للرئيس، وأن فقدان الأغلبية في الكونغرس لن ينتقص من صلاحياته الواسعة جداً في السياسة الخارجية، لا، بل من المرجح أن يدفعه إلى التركيز عليها أكثر لاستعادة الهيبة التي فقدها داخلياً.

جميع الأوساط الأوروبية التي استمزجتها «الشرق الأوسط» بعد صدور النتائج النهائية للانتخابات النصفية تميل إلى الاعتقاد أن الهزيمة ستحفِّز الرئيس الأميركي على مضاعفة جهوده لإنهاء الحرب في أوكرانيا، وفتح الأبواب أمام أسرته وشركائه لمزيد من الصفقات المجزية في روسيا قبل خروجه من البيت الأبيض.

ويخشى الأوروبيون أنه لن يتردَّد في استخدام الوسائل والأدوات التي في متناوله لدفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نحو مزيد من التنازلات الاستسلامية، مثل المعلومات الاستخباراتية الحيوية التي تزوِّد بها واشنطن القوات المسلحة الأوكرانية، وخدمة «ستارلينك» الساتلية، والأسلحة التي منذ فترة تبيعها الولايات المتحدة لكييف.

ويستبعد الأوروبيون أن ينجح الكونغرس الأميركي الجديد في دفع ترمب نحو تغيير سياسته من حرب أوكرانيا، خصوصاً ما يتعلق منها بالعقوبات المفروضة على روسيا والتي رفع كثيراً منها مؤخراً، ما لم يخرج من صفوف النواب الجمهوريين العدد الكافي من الرافضين لهذه السياسة، وينضموا إلى الأغلبية الديمقراطية الجديدة التي تعارض التخلي عن أوكرانيا في أحرج مراحل الحرب.

من اليمين: رئيس الوزراء النرويجي والرئيس الأوكراني ونظيره الفنلندي وستيف ويتكوف (أ.ب)

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس صرَّح مؤخراً بأن روسيا خسرت في الشهر الماضي وحده 52 ألف جندي بين قتيل وجريح، وأن هذا «عدد غير قابل للاحتمال».

على الجبهة الأطلسية، لا يتوقع الأوروبيون مزيداً من الصدمات والمفاجآت بعد فصول الضغط الأخيرة التي تعرَّضوا لها لزيادة الإنفاق العسكري والتَّوصُّل إلى اتفاق جديد مع الدنمارك حول غرونلاند.

لكن يخشى البعض، في حال تجدُّد الهجمات ضد إيران، أن يلجأ ترمب إلى التصعيد في وجه الدول التي امتنعت، في السابق، عن فتح مجالها الجوي، أو استخدام قواعدها المشتركة، أمام المقاتلات الحربية الأميركية.

لكن أكثر ما يبعث على الارتياح في الأوساط التي تخشى من عواقب صعود القوى والأحزاب اليمينية المتطرفة على المشروع الأوروبي، وتماهيها مع أهداف استراتيجية الأمن القومي الأميركي الجديدة التي من بينها دعم المقاومة لهذا المشروع، أن دائرة الذين يجنحون نحو الخروج من تحت المظلة الترمبية مرشحة للاتساع في المعسكر اليميني المتطرف، خصوصاً بعد سقوط أوربان في المجر، وبولسونارو في البرازيل، وبعد أن كانت أحزاب يمينية متطرفة وازنة في أوروبا، مثل «التجمع من أجل الجمهورية» في فرنسا، و«إخوان إيطاليا»، قد سلكت هذا الطريق، علماً بأن أحزاباً أخرى مثل «فوكس» الإسباني و «البديل من أجل ألمانيا» ما زالت على ولائها للرئيس الأميركي.

الاشتراكيون الأوروبيون كانوا الأكثر احتفالاً بالنصر الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأميركية، إذ صرَّحت رئيسة الكتلة الاشتراكية في البرلمان الأوروبي، إيراتشي غارسي، بقولها: «إنها الموجة الزرقاء، وهي بداية نهاية حروب ترمب، والرسوم الجمركية غير القانونية، والاعتداءات على النظام الديمقراطي». أما الكتلة الشعبية المحافظة في البرلمان الأوروبي، فقد اكتفت بتصريح مقتضب جاء فيه: «نتيجة هذه الانتخابات كانت واضحة، والاتحاد الأوروبي جاهز للتعاون مع الكونغرس الجديد، بجناحيه، الديمقراطي والجمهوري».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف خلال لقائهما في سان بطرسبرغ الأربعاء (أ.ب)

العبرة الرئيسية التي يخرج بها المحللون الأوروبيون من هذه الهزيمة المدوية التي مُني بها الجمهوريون وترمب في الانتخابات النصفية الأميركية، هي أن الديمقراطية ما زالت حيّة في الدولة التي احتفلت هذه السنة بمرور 250 عاماً على تأسيسها، وأن النظام الديمقراطي قادر دائماً على احتواء الشطط التوتاليتاري ومنع تفشيه أو رسوخه. لكن ثمة مَن يحذِّر من أن هذه الهزيمة قد تؤجِّج عند الرئيس الجريح نزعته الانتقامية المتأصلة، وتدفعه نحو مزيد من التصعيد على أكثر من جبهة.