الحكومة المصرية تسعى لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة

وزارة التعليم تقرّ مادة «الثقافة المالية»... ومكافآت للناجحين

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)
TT

الحكومة المصرية تسعى لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة

وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)
وزير التعليم المصري محمد عبد اللطيف يتوسط مجموعة يابانية خلال مبادرة لتشجيع الطلاب على التداول في البورصة (وزارة التربية والتعليم)

تشجيعاً للطلاب على التداول في البورصة، وتوعيتهم لاتخاذ قرارات حقيقية داخل بيئة مالية متكاملة، أقرَّت الحكومة المصرية تدريس مادة «الثقافة المالية» لطلاب المرحلة الثانوية، في خطوة يراها خبير تربوي «إيجابية، لكنها تصطدم بعقبات تنفيذية».

ووقَّعت وزارة التربية والتعليم المصرية، الثلاثاء، مذكرة تفاهم مع جامعة «هيروشيما» وشركة «سبريكس» اليابانيتين؛ لتنفيذ منهج «الثقافة المالية» بمدارسها، وذلك بالمقر الرئيسي للبورصة المصرية، وفي حضور وزراء الاستثمار والتجارة الخارجية، والتخطيط، والمالية.

ومن المقرَّر تدريس المادة المستحدثة بوصفها نشاطاً لطلاب الصف الثاني الثانوي، وسيتم تكويد الطالب الناجح في المادة بالبورصة، وفتح محفظة له فيها بمبلغ 500 جنيه (9.5 دولار تقريباً) يمكنه من خلالها التداول في الأسهم.

وتركِّز المادة على الشركات الناشئة، وريادة الأعمال، ومفهوم البورصة، والقدرة على اتخاذ القرارات الاقتصادية السليمة، وفقاً لبيان صادر عن المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، شادي زلطة.

وقال وزير التربية والتعليم، محمد عبد اللطيف، إن الحكومة تتجه نحو إحداث تحول جوهري في منظومة التعليم، يقوم على تمكين الطالب من الانتقال من التعلم النظري إلى الممارسة الفعلية، بحيث لا يقتصر دوره على دراسة آليات الأسواق أو مفاهيم الاستثمار، بل يمتد إلى المشاركة الواقعية واتخاذ قرارات حقيقية داخل بيئة مالية متكاملة، بما يعزِّز من إحساسه بالمسؤولية ويُكسبه خبرات عملية مباشرة.

وأشار إلى أنَّ الطلاب الذين يستكملون هذا البرنامج لن يقتصر دورهم على المحاكاة، أو التدريبات الصفّية، وسيُتاح لهم الوصول إلى حسابات استثمار حقيقية ومَحافظ مموَّلة، تمكِّنهم من الانخراط في تداول فعلي داخل البورصة تحت إشراف وتوجيه متخصص، مما يتيح لهم ممارسةً واقعيةً متكاملةً، وليس مجرد تجربة تعليمية نظرية.

وأوضح أن الهدف الأساسي من تنفيذ منهج الثقافة المالية هو «تعزيز مهارات الطلاب وقدراتهم على اتخاذ القرارات الاقتصادية السليمة في حياتهم، وتعزيز وعيهم الاقتصادي، وتمكين الطلاب من فهم العالم من حولهم، والقدرة على التفاعل معه، والتأثير في مساراته، والمشارَكة بفاعلية في بنائه».

وتُطبِّق وزارة التربية والتعليم مسارَين متوازيين للمرحلة الثانوية؛ فإلى جانب الثانوية العامة التقليدية، استحدثت هذا العام منظومة «البكالوريا» التي تُطبَّق على طلاب الصف الأول الثانوي، وهي تحوي شعباً تخصصية أكثر، بينها مسار للأعمال يتضمَّن دراسة مواد المحاسبة وإدارة الأعمال.

مذكرة تفاهم مصرية مع هيئات يابانية لتدريس مادة «الثقافة المالية» (وزارة التربية والتعليم المصرية)

وقال أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، تامر شوقي، إن تدريس مادة «الثقافة المالية» لطلاب المرحلة الثانوية أمر إيجابي يُفيد شريحةً واسعةً من الطلاب للتعرُّف على مفاهيم أساسية بالنسبة للتعاملات المالية والاستثمار والادخار، وتعريفهم بالخدمات التي تقدِّمها البنوك والهيئات المالية، إلى جانب تعزيز مهاراتهم نحو التداول في البورصة وتشجيعهم على الاهتمام بمجالات ريادة الأعمال.

لكنه سلط الضوء في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» على عدد من التحديات التي تواجه تحقيق الاستفادة الفعلية من المادة المستحدثة، منها أنَّ وزارة التربية والتعليم تهدف من إقرار «منظومة البكالوريا» لتقليل عدد المواد الدراسية، كما أنَّ تطبيق المادة الجديدة بوصفها «مادة نشاط» لا يشجِّع على الاهتمام بها من جانب الطلاب الذين يركزون أكثر في المرحلة الثانوية على المواد التي تَدخل في المجموع النهائي، وكذلك على مواد النجاح والرسوب.

وأشار أيضاً إلى عقبات تنفيذية تتعلق بتدريس مادة «الثقافة المالية» على منصة يابانية يدرس عليها الطلاب في مصر مادة «البرمجة» وتتعرَّض لمشكلات متكرِّرة نتيجة سقوط الشبكات، مؤكداً أنَّ الطلاب المصريين يحتاجون أكثر إلى الأنشطة الرياضية والفنية وليس الذهنية.

وعلى هامش توقيع مذكرة التفاهم، أكد رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر، إسلام عزام، أنَّ تدريس مادة «الثقافة المالية» يتماشى مع الارتفاع الملحوظ في مشارَكة الشباب بسوق رأس المال، حيث وصلت نسبة المستثمرين في البورصة من الفئة العمرية بين 18 و40 سنة نحو 79 في المائة؜ مؤخراً.

وبلغت نسبة المستثمرين الشباب في صناديق الاستثمار الجديدة مثل الذهب نحو 80 في المائة، مما يؤكد الحاجة الماسة إلى تكثيف التوعية بالقطاعات المالية غير المصرفية لمساعدة المستثمرين الشباب على اتخاذ القرار السليم وتقليل المخاطر، وفقاً لعزام.


مقالات ذات صلة

التحوّل إلى «الدعم النقدي» في مصر معلّق بقرار «رغيف العيش»

شمال افريقيا مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

التحوّل إلى «الدعم النقدي» في مصر معلّق بقرار «رغيف العيش»

قبل أيام من تطبيقه يبقى التحول إلى «الدعم النقدي» في مصر معلقاً بقرار «رغيف العيش»، وآليات صرفه لحاملي البطاقات التموينية.

عصام فضل (القاهرة )
شمال افريقيا وزراء ومسؤولون مصريون يزورون صحراء سيناء (مجلس الوزراء المصري)

مصر لاستغلال «صحاري سيناء» في مشروعات توليد الكهرباء

تستهدف الحكومة المصرية استغلال «صحاري سيناء» لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، من أجل تنويع مصادر الطاقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا وزراء خارجية السعودية ومصر وباكستان وقطر فى اجتماع رباعي بالرياض في 20 مارس الماضي (الخارجية المصرية)

السعودية ومصر وتركيا وباكستان لـ«ترسيخ التعاون والشراكة»

تستضيف القاهرة، اجتماعاً رباعياً يضم وزراء خارجية دول السعودية وتركيا وباكستان، بعد أيام من بلورة مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف الحرب.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا جهود مصرية لتعزيز كفاءة وجاهزية المنشآت المائية الكبرى (رويترز)

مصر لتطوير قدرات «السد العالي» تحسباً لسيناريوهات مائية صيفية

تعزز مصر منظومة قدرات «السد العالي» جنوب البلاد للتعامل مع مختلف السيناريوهات المائية خلال فصل الصيف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا أطباء داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة (مستشفى القصر العيني)

«أزمة الشاطبي» تشعل الجدل حول «تجاوزات» المستشفيات العامة في مصر

يتصاعد الجدل في مصر حول «التجاوزات الأخلاقية» التي تتعرض لها النساء من بعض أفراد الطواقم الطبية خلال خضوعهن لعمليات الولادة.

رحاب عليوة (القاهرة)

«تمرد بونتلاند»... محاكاة لـ«أرض الصومال» أم ورقة ضغط لحل سياسي؟

جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)
جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

«تمرد بونتلاند»... محاكاة لـ«أرض الصومال» أم ورقة ضغط لحل سياسي؟

جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)
جنود من الجيش الصومالي في محافظة شبيلى السفلى (وكالة الأنباء الصومالية)

في 18 مايو (أيار) 1991، أعلن إقليم «أرض الصومال» انفصاله عن الحكومة الفيدرالية، مستغلاً أزمات داخلية غرقت فيها مقديشو من جراء حرب أهلية.

وبعد نحو 35 عاماً، تظهر «ولاية بونتلاند» بمواقف تناهض الدولة الصومالية وتتوعدها، وسط أزمة سياسية طاحنة تشهدها البلاد.

وتقود «بونتلاند» تمرداً لم يصل ليكون مشروعاً انفصالياً يبحث عن اعتراف دولي، بقدر ما يعكس محاولة لرفع الضغط السياسي على الحكومة الفيدرالية بخاصة في ظل تقارب أهداف المعارضة والولاية منذ اندلاع الأزمة السياسية قبل عام تقريباً، مع رفض الانتخابات المباشرة بالدستور الجديد، وتوسيع صلاحيات الرئيس وتمديد ولايته عاماً انتقالياً، وفق ما يراه خبير في الشأن الصومالي، مستبعداً الصدام المسلح مع توقعات بفرص للحوار أكثر من خيارات التصعيد.

والتوتر قائم بين الحكومة الفيدرالية و«ولاية بونتلاند»، التي أصدرت أكثر من موقف على مدار أكثر من عام مخالف لتوجهات الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورفضت الحوار معه، وانضم رئيسها عبد الله سعيد دني إلى «مجلس مستقبل الصومال المعارض» الذي يطالب برحيل النظام.

«تمرد جديد»

وأعلنت سلطات «بونتلاند»، في بيان، أنها لم تعد جزءاً من الجيش الوطني الصومالي إلى حين التوصل إلى اتفاق بشأن جميع نقاط الخلاف مع الحكومة الفيدرالية.

وأشار البيان الذي صدر عقب اجتماع حكومي برئاسة رئيس الولاية، إلى أن الاجتماع «ناقش الوضع الأمني ​​في بونتلاند بشكل معمق، وقرر أن الولاية لن تكون جزءاً من الجيش الوطني حتى حل جميع الخلافات مع الحكومة الفيدرالية، بما في ذلك عملية إنشاء جيش وطني على المستوى الفيدرالي».

ووجهت رئاسة الإقليم، «جميع المؤسسات الأمنية التابعة لها بعدم السماح للمركبات والقوات التي لا تنتمي إلى قوات حكومة بونتلاند بالبقاء على أراضي الولاية أو المرور عبرها».

وفي مايو الماضي، أعلن دني، عدم الاعتراف بشرعية الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بعدما مدد البرلمان ولايته عاماً إضافياً إلى مايو 2027 في إطار تعديل الدستور.

ودعا إلى «اجتماع عاجل لجميع الأحزاب السياسية في الصومال للاتفاق على عملية انتخابية شاملة».

وتأتي هذه الخلافات بالتزامن مع إعلان «مجلس الإنقاذ المعارض» المدعوم من دني، بدء احتجاجات أسبوعية في مقديشو ابتداءً من 4 يونيو (حزيران)، تُعقد كل خميس، حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن انتخابات البلاد، المقررة دستورياً عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة.

وبحسب ما نقلته «وكالة الأنباء الصومالية» في 16 مايو، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي، وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

رئيس ولاية بونتلاند سعيد عبد الله دني (صفحته على منصة إكس)

من جانبه، يرى المحلل السياسي المختص بالشؤون الأفريقية والصومالية، علي محمود كلني، «أن إعلان بونتلاند يعيد إلى الواجهة التساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين مقديشو والأقاليم الفيدرالية، ومدى قدرة الدولة على احتواء الخلافات المتصاعدة دون الانزلاق إلى مواجهة داخلية جديدة، خاصة أن الحكومة الفيدرالية تواجه تحديات معقدة تتراوح بين الحرب المستمرة ضد حركة الشباب، والخلافات السياسية بشأن التعديلات الدستورية والنظام الانتخابي، وصولاً إلى التوترات المتكررة مع بعض الإدارات الإقليمية التي تتهم المركز بالسعي إلى تقليص صلاحياتها».

ويعتقد كلني، أن «إعلان بونتلاند لا يمثل بالضرورة خطوة نحو الانفصال بقدر ما يعكس محاولة لرفع سقف الضغط السياسي على الحكومة الفيدرالية»، لافتاً إلى أن الإقليم «يعد من أبرز ركائز النظام الفيدرالي الصومالي وطالما أكد تمسكه بوحدة البلاد، لكنه في المقابل يطالب بإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم على أسس أكثر توازناً وشراكة».

واستدرك قائلاً: «ومع ذلك، فإن استمرار هذا النهج يثير مخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية إلى واقع مؤسساتي جديد يضعف سلطة الدولة المركزية ويعزز النزعات المناطقية، خاصة في ظل تجربة أرض الصومال التي تمكنت على مدى أكثر من ثلاثة عقود من بناء مؤسسات حكم منفصلة عن مقديشو رغم غياب الاعتراف الدولي باستقلالها».

ورغم المقارنات المتزايدة بين الحالتين، «تبدو الفوارق السياسية والقانونية كبيرة، فأرض الصومال تتبنى مشروعاً انفصالياً واضحاً وتسعى إلى اعتراف دولي كامل، بينما تطرح بونتلاند نفسها باعتبارها شريكاً في الدولة الفيدرالية لا خصماً لها»، وفق ما يرى كلني.

وحذر من أن «اتساع فجوة الثقة بين الطرفين قد يؤدي عملياً إلى نتائج متشابهة من حيث إضعاف مؤسسات الدولة الوطنية، حتى وإن لم يكن الانفصال هدفاً معلناً، فكلما تراجعت مساحة التوافق السياسي، ازدادت صعوبة إعادة بناء سلطة اتحادية قادرة على إدارة البلاد بشكل متوازن».

مواقف مقديشو

ولم تعلق مقديشو على تصعيد دني، غير أن الفترات الماضية شهدت انتقادات رسمية له وتحركات رئاسية مع وجهاء الولاية.

وفي مايو الماضي، وجه وزير الداخلية في الحكومة الفيدرالية علي يوسف علي (حوش)، انتقادات شديدة إلى دني، متهماً إياه بأنه «عقبة أمام الدولة ووحدة البلاد وتنميتها، بعد إعلانه عدم الاعتراف بشرعية الرئيس حسن شيخ محمود عقب التمديد».

وعن السيناريوهات المحتملة في ضوء تحركات وانتقادات مقديشو، يرى كلني أن «احتمالات لجوء الحكومة الفيدرالية إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع بونتلاند ستكون محدودة في المدى المنظور، خاصة أن الصومال يخوض معركة مفتوحة ضد حركة الشباب»، مؤكداً أن أي صدام بين القوات الحكومية وقوات الإقليم «قد يفتح جبهة داخلية جديدة تستنزف الموارد العسكرية والأمنية وتمنح الجماعات المسلحة فرصة للاستفادة من الانقسامات».

ويعتبر كلني، «أن سيناريوهات التصعيد قد تقود إلى نزاع داخلي بين مكونات الدولة، سيكون مكلفاً سياسياً وأمنياً بالنسبة لجميع الأطراف»، مضيفاً: «في ظل هذه المعطيات، تبدو فرص الحوار أكثر واقعية من خيارات التصعيد، والحكومة الفيدرالية تدرك أن الحفاظ على وحدة البلاد يتطلب توافقات سياسية واسعة، بينما تدرك بونتلاند أن القطيعة الطويلة مع مقديشو قد تفرض عليها تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متزايدة».

لكن المحلل السياسي الصومالي أشار إلى أن «نجاح أي حوار محتمل سيظل مرهوناً بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها توزيع الصلاحيات، وإدارة الموارد، ومستقبل النظام الانتخابي، وآليات تعديل الدستور».

ويخلص كلني إلى أن «الصومال ليس أمام تمرد مسلح بالمعنى التقليدي بقدر ما يواجه أزمة ثقة عميقة بين المركز والأقاليم، قد تتحول إلى فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني إذا أحسن الأطراف استثمارها، أو إلى محطة جديدة في مسار الانقسامات إذا استمرت لغة التصعيد وتراجعت فرص التسوية السياسية».


ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: «خطاب الكراهية» يضع «المهاجرين» في دائرة الاستهداف

ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)
ليبيون وسط العاصمة يحتجون رفضاً لـ«توطين المهاجرين» في ليبيا (أ.ف.ب)

أعاد الجدل المصاحب للاحتجاجات المناهضة لما يُعرف بـ«توطين المهاجرين غير النظاميين» إلى الواجهة قضية «خطاب الكراهية» في ليبيا، الذي ارتبط لسنوات بالصراعات السياسية والأمنية، لكنه بات مؤخراً يضيق الخناق بصورة متزايدة على المهاجرين واللاجئين.

مظاهرة في طرابلس الأسبوع الماضي ضد «توطين المهاجرين» (صفحة حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين)

منذ سنوات، تشكو ليبيا من تصاعد «خطاب الكراهية» بين الأطراف المتنازعة، كسلاح للنيل من الخصوم في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً ممتداً منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي. لكن عدوى هذا الخطاب والتحذيرات منه انتقلت فيما يبدو إلى ملف المهاجرين، وسط مخاوف دولية وحقوقية من أن يؤدي إلى «مزيد من الاستهداف والعنف بحق آلاف المهاجرين وطالبي اللجوء».

ويحظى تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في ليبيا بمتابعة وثيقة من الأمم المتحدة، التي أبدت قلقاً متزايداً إزاء تداعياته. وقد تصدّر هذا الملف إحاطة المبعوثة الأممية هانا تيتيه الأخيرة أمام مجلس الأمن، الخميس، إذ تحدثت بوضوح عن «موجة عارمة من التضليل وخطاب الكراهية والمعلومات المغلوطة والتحريض»، تستهدف اللاجئين والنازحين والعاملين في الأمم المتحدة، وذلك على خلفية مزاعم متداولة بشأن وجود خطة لتوطين المهاجرين في ليبيا.

مهاجرون سريون تم توقيفهم بعد تسللهم إلى البلاد عبر جنوب ليبيا (الشرق الأوسط)

وجاء تحذير تيتيه حاسماً عندما اعتبرت أن هذه الادعاءات أسهمت في «خلق أجواء من العدائية والعنف»، في إشارة إلى ما يمكن أن تفضي إليه حملات التضليل والكراهية. ومع أنها أقرت بأن ملف الهجرة يثير مخاوف مشروعة لدى الليبيين، فإنها شددت على ضرورة التعامل معه استناداً إلى الحقائق والخطاب المسؤول، لا عبر السرديات القائمة على التحريض والتضليل وتأجيج المخاوف.

وقال الحقوقي الليبي طارق لملوم، مدير «مركز بنغازي لدراسات الهجرة واللجوء»، إن «خطاب الكراهية والتحريض ضد المهاجرين تصاعد بشكل ملحوظ وضيّق الخناق عليهم، بالتزامن مع انطلاق المظاهرات المناهضة لما يعرف بالتوطين، حيث جرى تكريس صورة نمطية تُحمّل المهاجرين مسؤولية الأزمات التي تعانيها ليبيا».

وأضاف لملوم، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الأمر «لم يعد يقتصر على خطاب عام، بل تطور إلى استهداف جنسيات بعينها، مثل الإريتريين والإثيوبيين ومواطني جنوب السودان، مع تداول معلومات عن أماكن وجودهم وتمركزهم».

وفي المقابل، يقول ناشطون يقودون الحراك المناهض لما يصفونه بـ«توطين المهاجرين» إن تحركاتهم لا تستهدف المهاجرين أنفسهم، بل تنبع من مخاوف تتعلق بالتوازن الديموغرافي والهوية الوطنية. ويستند هؤلاء إلى التقديرات التي تشير إلى وجود نحو 990 ألف مهاجر ولاجئ في ليبيا، وفق بيانات المنظمة الدولية للهجرة.

مهاجرون من جنوب أفريقيا داخل أحد مراكز الاحتجاز في طرابلس (الشرق الأوسط)

تداعيات هذا الموقف لم تقتصر على الخطاب المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتدت آثارها إلى وقائع ميدانية أثارت استياءً واسعاً. ومن بين تلك الوقائع تداول مقطع فيديو يظهر الاعتداء على مهاجر أفريقي في إحدى المدن الليبية على خلفية دينية، وهو ما أعاد النقاش بشأن حماية المهاجرين وحرية المعتقد في ظل تنامي التحريض ضد الوافدين.

وتقول «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا» إنها وثّقت «اعتداءً جسدياً» على أحد الوافدين الأفارقة في سوق الكريمية بطرابلس على أيدي أشخاص وصفتهم بـ«الخارجين عن القانون»، معتبرة أن الواقعة جاءت في سياق التحريض والعنصرية المتزايدة ضد المهاجرين عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كما تحدثت المؤسسة عن واقعة أخرى تعرّض فيها لاجئ سوداني لاعتداء وحرق بالنار في منطقة رأس أجدير، على الحدود الليبية - التونسية، قبل أن يتدخل عدد من شباب مدينة الجميل لنقله إلى إحدى المصحات لتلقي العلاج.

ويرى لملوم أن «هذا التحريض دفع بعض مالكي المساكن إلى طرد مهاجرين من شققهم خلال ساعات الليل، بينهم نساء وأطفال وعائلات كاملة، كما سُجلت اعتداءات طالت أطفالاً مهاجرين».

يشار إلى أن المظاهرات التي شهدتها العاصمة الليبية، خلال وقت سابق من الشهر الحالي، ترافقت مع اعتداءات وإغلاقات استهدفت مقارّ المفوضية السامية لشؤون اللاجئين والبعثة الأممية والمنظمة الدولية للهجرة في ليبيا، في سياق تصاعد التوتر المرتبط بملف الهجرة واللاجئين.

ويعتقد حقوقيون ليبيون أن مخاطر هذه الحملة قد تتجاوز حدود التحريض اللفظي. وفي هذا السياق، حذّر لملوم «من أن استمرار هذا الخطاب في ظل انتشار السلاح ووجود مجموعات مسلحة قد يعرّض المهاجرين لمخاطر جسيمة».

من جانبه، يرى رئيس «المنظمة العربية لحقوق الإنسان في ليبيا»، عبد المنعم الزايدي، أن انتشار خطاب الكراهية، الذي لا يقتصر على المهاجرين، «ليس عفوياً، بل ممنهج ومدعوم تقنياً».

ودعا الحر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى «تبني استراتيجية وطنية متكاملة، تبدأ من تحصين الفضاء الرقمي، وتبني النخب السياسية لخطاب تصالحي، وصولاً إلى تعزيز التربية الإعلامية الرقمية للمواطن الليبي لتمييز التحريض وتفكيكه، قبل أن يتحول إلى واقع ميداني ملموس».


التحوّل إلى «الدعم النقدي» في مصر معلّق بقرار «رغيف العيش»

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
TT

التحوّل إلى «الدعم النقدي» في مصر معلّق بقرار «رغيف العيش»

مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)
مصريون يشترون طعام الإفطار من أحد المطاعم في القاهرة (رويترز)

قبل أيام من تطبيقه، يبقى التحول إلى «الدعم النقدي» في مصر معلقاً بقرار «رغيف العيش»، وآليات صرفه لحاملي البطاقات التموينية، وسط جدل حول المنظومة الجديدة، وتخوفات من ارتفاع أسعار «الخبز» الذي يشكل المكون الرئيسي على موائد المصريين.

وتشهد مصر نقاشات واسعة بسبب اتجاه الحكومة لتحويل «الدعم العيني» (سلع غذائية) إلى نقدي في يوليو (تموز) المقبل، وفق تصريحات رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحافي قبل نحو أسبوعين. ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من منظومة الدعم التمويني بمصر، حسب وزارة التموين.

وعقد وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق اجتماعاً نهاية الأسبوع الماضي مع مسؤولين في «شعبة المخابز» بـ«اتحاد الغرف التجارية»، لبحث سبل تطوير منظومة الدعم، والتصورات الخاصة بتطبيق الدعم النقدي الموجّه. وأكد «أهمية استمرار التنسيق والتعاون بين الوزارة والشعبة العامة للمخابز خلال مراحل تطوير المنظومة بما يحقق التوازن بين مصالح المواطنين وأصحاب المخابز».

ومطلع الشهر الحالي، أكد رئيس الوزراء أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي»، موضحاً أن «الحكومة تعمل بصورة شبه يومية لإنهاء الدراسات الخاصة بملف التحول من الدعم العيني إلى النقدي».

رئيس الشعبة العامة للمخابز بـ«اتحاد الغرف التجارية» عبد الله غراب تحدث عن تخوفات من ارتفاع أسعار «الخبز» عقب تطبيق «الدعم النقدي»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «آليات التعامل مع رغيف الخبز المدعم في منظومة الدعم النقدي لم تحدد بعد؛ فما زالت النقاشات جارية في الوزارات المعنية وداخل شعبة المخابز». ويتابع: «ما زلنا نقوم بدراسة أفضل الآليات، لكن يوجد اتجاه باستمرار تخصيص 5 أرغفة لكل مواطن يومياً بوزن 70 غراماً يشتريها من نقود الدعم النقدي».

اجتماع وزير التموين شريف فاروق مع مسؤولين بشعبة المخابز الأسبوع الماضي (وزارة التموين)

وبحسب غراب، فإنه «يُتوقع أن يؤدي تطبيق الدعم النقدي إلى ارتفاع أسعار الخبز السياحي غير المدعم نتيجة ارتفاع الطلب عليه»؛ لذلك «لا يمكن عملياً البدء في تطبيق الدعم النقدي قبل تحديد آليات التعامل مع رغيف الخبز».

وتعكف وزارة التموين على وضع تصورات لآليات التحول إلى «الدعم النقدي»، بما فيها الموقف من «رغيف الخبز». وعقد الوزير فاروق اجتماعاً أخيراً مع وفد شركة «برايم لاستشارات الأعمال»، لدراسة عدد من النماذج والرؤى الفنية المتعلقة بآليات تطبيق الدعم النقدي، إلى جانب استعراض تجارب دولية متنوعة في هذا المجال.

في المقابل، يرى محمود العسقلاني رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء» (أهلية)، أن تطبيق الدعم النقدي لن يؤدي إلى ارتفاع سعر «رغيف الخبز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق منظومة الدعم النقدي، سيحصل المواطن على مبلغ مالي يشتري به أي سلعة يريدها، ومنها الخبز، الذي يمكن أن يشتريه بأي وزن يريده، وهذا أفضل، وسيضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، لكن ستظل الإشكالية المستقبلية هي مواجهة التضخم».

تخوف من ارتفاع سعر الخبز مع بدء تطبيق الدعم النقدي (شعبة المخابز بالقاهرة)

وتطبق الحكومة منظومة لدعم السلع الضرورية منذ عقود طويلة، بهدف خفض نفقات المعيشة لـ«الفئات الأولى بالرعاية»، ويحصل المواطن على السلع المدعمة من خلال البطاقات التموينية.

ورفعت مصر قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة، التي ستطبق بداية من يوليو المقبل، إلى 832.3 مليار جنيه، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 49.90 جنيه).

ورجح الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن «يتم إرجاء تطبيق منظومة الدعم النقدي لحين تحديد مصير رغيف الخبز»، ودلّل على ذلك بأن «الحكومة ليس لديها رؤية أو تصورات محددة لمنظومة الدعم النقدي بشكل عام، أو آليات التعامل مع رغيف الخبز؛ لذلك ربما يتم إرجاء موعد التطبيق إلى حين الانتهاء من الدراسات اللازمة»، حسب رأيه. لكن عبده أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «تطبيق الدعم النقدي سيؤدي إلى زيادة سعر رغيف الخبز، فهو سلعة غير مرنة؛ بمعنى أنه ليس له بدائل، وسيضطر المواطن لشرائه بأي سعر».