حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

أوروبا لديها مخزونات تكفي موسم الربيع

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: شركات الأغذية المصنَّعة تقاضي الحكومات لعرقلة مكافحة السمنة

يوميات الشرق تشمل الأطعمة فائقة المعالجة الوجبات السريعة وحبوب الإفطار السكرية واللحوم المصنعة (بيكسباي)

«الصحة العالمية»: شركات الأغذية المصنَّعة تقاضي الحكومات لعرقلة مكافحة السمنة

صرّح رئيس منظمة الصحة العالمية بأن أكبر شركات الأغذية المصنعة في العالم تعرقل الجهود العالمية لمكافحة أزمة السمنة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق عبارة «من الأفضل الاستخدام قبل» مكتوبة قبل التاريخ على أحد المنتجات في متجر بسان فرانسيسكو (أ.ب)

هل يفسد الغذاء بعد انتهاء صلاحية المنتج؟ إليك ما يقوله الخبراء

يتخلص كثيرون من الطعام لمجرد التاريخ المطبوع على العبوة... فما صحة ذلك؟

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك لا يُنصح بالإكثار من العصائر المحلاة (أرشيفية - رويترز)

8 أطعمة فائقة المعالجة... احذرها!

إليك أبرز المكونات الشائعة التي ينصح الخبراء باستبعادها من نظامنا الغذائي من الأطعمة فائقة المعالجة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تناول اللحوم الحمراء قد يزيد من حرارة الجسم (رويترز)

8 أطعمة يجب تجنبها خلال موجات الحر

يمكن أن تؤثر موجات الحر سلباً على صحتك بطرق عديدة. ويمكن لتناول الأطعمة المناسبة خلال هذه الفترة أن يُحافظ على صحتك العامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد متسوقون في محل تجاري للأغذية والمشروبات بسلطنة عمان (رويترز)

ارتفاع التضخم في سلطنة عمان 3.2 % في أبريل

سجَّل المؤشر العام لأسعار المستهلكين في سلطنة عمان في شهر أبريل الماضي ارتفاعاً بنسبة 3.2 في المائة مقارنة بالشهر المماثل من عام 2025 لسنة الأساس 2018.

«الشرق الأوسط» (مسقط)

أميركا تلجأ لمناجم فحم سابقة لاستخراج المعادن النادرة

حوض لتجميع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بولاية ويست فرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)
حوض لتجميع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بولاية ويست فرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)
TT

أميركا تلجأ لمناجم فحم سابقة لاستخراج المعادن النادرة

حوض لتجميع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بولاية ويست فرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)
حوض لتجميع المياه الملوثة المتدفقة من منجم فحم سابق في محطة تجريبية بولاية ويست فرجينيا الأميركية (أ.ف.ب)

في منطقة جبال الأبالاش في الولايات المتحدة، تتسرّب من مناجم قديمة للفحم مياه حمراء، حمضية ومحمّلة بمعادن ثقيلة ومضرّة بالبيئة، لكنها تحتوي أيضاً على معادن نادرة، هي مواد لا غنى عنها في عدّة تكنولوجيات، باتت تكتسي أهمية كبيرة على الصعيد الجيوسياسي.

وتستخدم هذه المعادن لصنع قطع مغناطيسية شديدة القوّة وفي المركبات الكهربائية وطواحين الهواء، فضلاً عن المسيّرات والطائرات القتالية.

وتندرج هذه الموارد الاستراتيجية في صلب الخصومة القائمة بين الولايات المتحدة والصين التي تهيمن على إنتاج هذه المعادن وتكريرها.

وترى واشنطن في شبه الاحتكار هذا خطراً وتسعى إلى الحدّ من اتّكالها على بكين، وتبحث عن مزوّدين جدد وتطوّر شركاتها المحلية.

ولا تضمّ الولايات المتحدة سوى منجم واحد للمعادن النادرة في منطقة ماونتن باس في كاليفورنيا، حيث تستخرج العناصر «الخفيفة». أما تلك «الثقيلة»، الأصعب استخراجاً والأكثر طلباً، فتأتي بأغلبيتها من الخارج، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال مارك غافين نائب مدير جامعة فرجينيا الغربية: «ما ينقصنا على الصعيد الوطني هو المواد الأولية».

وتبيّن لباحثين من جامعته قبل نحو 10 سنوات أن تصريف المناجم الحمضي الذي يتأتى من استغلالها ويضرّ بالبيئة يحتوي على بعض هذه المعادن النادرة.

هدفان

بفضل تمويل عام، طوّر الباحثون منشأة نموذجية في موقع منجم سابق للفحم في جبال الأبالاش في منطقة ماونت ستورم (شرق).

وتُجمع المياه المتسرّبة من المنجم بداية في حوض تظهر فيه قطع حمراء تؤشّر بوضوح إلى عملية التصريف الحمضي.

ثمّ تُنقل المياه إلى مصنع صغير يعلو قليلاً عن سفح التلّة، حيث تمرّ بثلاثة أحواض وتعالج لإزالة الملوّثات واستخراج معادن نادرة مركّزة.

وعندما تخرج المياه من الجزء المقابل للمعمل لتصريفها في الطبيعة يكون لونها قد تحوّل إلى أزرق.

وأوضح لانس لين الذي يدير المشروع أن «هذه العملية تستوفي هدفين هما استصلاح البيئة واستعادة المعادن النادرة التي تشكّل منتجاً فرعياً ثميناً».

ولفت الباحث إلى أن هذه العملية تزداد أهمية، إذ إن تصريف المناجم الحمضي يختزن معادن نادرة «ثقيلة» منحلّة طبيعياً لا يتطلّب استخراجها إقامة مشاريع منجمية جديدة.

غير أن طاقة المنشأة في ماونت ستورم محدودة وتوازي نحو أربعة أطنان من أكسيدات المعادن النادرة في السنة؛ 45 في المائة منها تقريباً من المعادن «الثقيلة»، وهي نسبة ضئيلة جدّاً من الطلب الأميركي على هذه الموارد.

وتنوي الجامعة إقامة المشروع في مواقع مختلفة لتشكيل مزيد من الإمدادات، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ولفت ديفيد هوفمان المهندس في الجامعة إلى أنه «إذا ما أنتجنا 300 طنّ من المعادن النادرة في السنة من تصريف المناجم الحمضي، فقد نلبّي 7 إلى 8 في المائة من الطلب العالمي».

«الحدّ الأدنى من الإمدادات»

يشكّك تومي لاروشيل المهندس المتخصّص في تطوير عمليات استخراج المعادن النادرة وتكريرها في الفائدة التجارية للمشروع، لكنه يرى فيه «مصدراً للمعادن النادرة لضمان الحدّ الأدنى من الإمدادات للصناعات العسكرية».

وأشار إلى أن الأمر «ممكن على المدى القصير إذا ما توافرت الإرادة السياسية ومصادر التمويل».

وبعد استخراج المعادن النادرة المركّزة، لا بدّ من فصلها عن العناصر الأخرى وتحويلها. غير أن قدرات الولايات المتحدة محدودة في هذا المجال.

وبغية تعويض التأخير، تستثمر واشنطن مبالغ طائلة في شركات للفرز والتكرير وصناعة قطع المغناطيس.

وأبرمت الشركة الناشئة التي تشرف على مشروع الجامعة هذه السنة اتفاقاً مبدئياً مع مجموعة «REalloys» لمعالجة المعادن النادرة المستخرجة من مياه تصريف المناجم الحمضي.

غير أن مارك غافين لاحظ أنه «حتّى لو نسجنا شراكات مماثلة، فلن تحلّ المشكلة بالكامل».

وأضاف: «في وسعنا من دون شكّ إضافة كميّة ملحوظة من المعادن النادرة الثقيلة إلى سلسلة الإمدادات تسمح بإنتاج قطع المغناطيس التي نحتاج إليها على الصعيد الوطني».

وسأل: «هل نحن الحلّ؟ كلا. هل نحن جزء من الحلّ؟ بالتأكيد».


ألمانيا تقترح فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات النفط

سيدة تزود سيارتها بالوقود بإحدى المحطات في لشبونة (رويترز)
سيدة تزود سيارتها بالوقود بإحدى المحطات في لشبونة (رويترز)
TT

ألمانيا تقترح فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية لشركات النفط

سيدة تزود سيارتها بالوقود بإحدى المحطات في لشبونة (رويترز)
سيدة تزود سيارتها بالوقود بإحدى المحطات في لشبونة (رويترز)

في ظل ارتفاع أسعار الوقود، بدأ وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل، بالتعاون مع خمسة من نظرائه الأوروبيين، تحركاً جديداً على مستوى الاتحاد الأوروبي.

ودعا الوزراء في رسالة إلى فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية التي تحققها شركات النفط نتيجة الارتفاع الكبير في أرباحها على خلفية حرب إيران.

وجاء في الرسالة الموجهة إلى وزير المالية الآيرلندي: «نشهد واحدة من أكبر صدمات الإمدادات منذ عقود، ويزداد الاستياء في جميع أنحاء العالم من ارتفاع تكاليف المعيشة».

وتتولى آيرلندا حالياً الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي.

وكتب وزراء مالية البرتغال وإسبانيا والنمسا وإيطاليا وبولندا وألمانيا في الرسالة، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية، أن الإجراءات الحكومية المتخذة حتى الآن لم تكن كافية لخفض الأسعار أو استقرارها بشكل دائم بالنسبة إلى الشركات والمواطنين.

وجاء في الرسالة: «لذلك نحتاج إلى تحرك مشترك يضمن أن أولئك الذين يستفيدون من الأزمة يسهمون بدورهم في تخفيف العبء عن عامة السكان».

وأضاف الوزراء: «علينا معالجة مسألة ارتفاع أسعار الطاقة من خلال مناقشة إطار على مستوى الاتحاد الأوروبي لفرض ضرائب على الأرباح الاستثنائية»، مشيرين إلى أنه ينبغي في هذا السياق الاستفادة من الخبرات المتعلقة بكيفية شمول أرباح شركات النفط بصورة أكثر استهدافاً، وكتبوا في الرسالة: «علاوة على ذلك، من الضروري أن تصل إلينا نتائج التحقيق الأوروبي بشأن هوامش أرباح المصافي في أقرب وقت ممكن، لضمان عدم استغلال المصافي للوضع الحالي في مجال الطاقة».

وحسب مجلة «دير شبيغل»، جاءت الرسالة بمبادرة من كلينغبايل. ووفقاً للمطالب الواردة فيها، فإنه من المنتظر إدراج موضوع ضريبة الأرباح الاستثنائية على جدول أعمال اجتماع وزراء الاقتصاد والمالية في الاتحاد الأوروبي المقرر عقده في منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل في دبلن.

ومع ارتفاع أسعار الوقود بسبب حرب إيران، تصاعدت الدعوات إلى تدخلات حكومية جديدة. وكانت الحكومة الألمانية قد اتفقت في الربيع على تشديد الرقابة على شركات النفط من جانب مكتب مكافحة الاحتكار الألماني.

وشمل ذلك أيضاً قاعدة الساعة 12، التي تنص على أنه لا يجوز لمحطات الوقود في أوروبا رفع الأسعار إلا مرة واحدة يومياً في الساعة 12 ظهراً، ثم جاء إجراء خصم الوقود.

وانتهى هذا الخفض المؤقت للضرائب على الوقود في نهاية يونيو (حزيران) الماضي. ومنذ ذلك الحين، عاودت الأسعار في محطات الوقود الارتفاع، مما زاد من حدة النقاش حول التدخلات الحكومية.

وتنقسم الحكومة الألمانية بشأن مسألة فرض ضريبة على الأرباح الاستثنائية. ويطالب الحزب الاشتراكي الديمقراطي منذ فترة طويلة بفرض مثل هذه الضريبة على الأرباح الإضافية التي تحققها شركات النفط بسبب الحرب. وفي المقابل، ترفض وزيرة الاقتصاد كاترينا رايشه فرضها.


من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
TT

من برميل الخام إلى مضخة الوقود... هوامش التكرير تشعل الأسعار

أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)
أسعار الديزل تتجاوز 7 دولارات للغالون... معروضة على مضخة في محطة وقود بلوس أنجليس - 21 أغسطس (أ.ف.ب)

لا تكمن الضغوط التي تواجه أسواق الطاقة العالمية في ارتفاع أسعار النفط الخام وحده؛ فمع استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط وروسيا، انتقل جانب مهم منها إلى المصافي التي تحول النفط الخام إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات، لتقفز قيمة هذه المنتجات مقارنة بتكلفة الخام الذي تدخل به المصافي.

وتشير هذه التطورات إلى أن سوق الوقود المكرر أصبحت أكثر ضيقاً من سوق الخام، في وقت تعمل فيه المصافي بمعدلات مرتفعة لتلبية الطلب وتعويض النقص الناتج عن تعطل عدد من المنشآت وتراجع صادرات بعض المنتجين.

والنتيجة هي ارتفاع ما يعرف باسم «هوامش التكرير»، وهي أحد أهم المؤشرات التي تحدد ربحية المصافي، لكنها في الوقت نفسه تساعد في تفسير جانب من الارتفاع الذي يصل في النهاية إلى المستهلك عند محطة الوقود.

ما هوامش التكرير؟

ببساطة، يمثل هامش التكرير الفرق بين قيمة المنتجات النفطية التي تنتجها المصفاة وتكلفة النفط الخام الذي تستخدمه لإنتاجها؛ فإذا اشترت مصفاة برميلاً من النفط الخام مقابل 80 دولاراً، واستطاعت بيع المنتجات الناتجة عنه بما يعادل 95 دولاراً، فإن الفارق البالغ 15 دولاراً يمثل بصورة مبسطة هامشاً قبل احتساب تكاليف التشغيل والنقل وغيرها.

لكن العملية أكثر تعقيداً من مجرد طرح سعر النفط من سعر البنزين؛ فالمصفاة تنتج مزيجاً من البنزين والديزل ووقود الطائرات والمنتجات الأخرى، وتختلف قيمة كل منتج وفقاً للطلب والمواصفات والمنطقة الجغرافية.

لذلك يستخدم قطاع التكرير مجموعة من المؤشرات لقياس ربحية تحويل الخام إلى منتجات.

ماذا يعني «3-2-1»؟

من أشهر هذه المؤشرات هامش التكسير «3-2-1»، وهو معيار شائع في السوق الأميركية، ويفترض أن المصفاة تشتري 3 براميل من النفط الخام وتحولها إلى برميلين من البنزين وبرميل واحد من الديزل.

وبالتالي، يقيس المؤشر الفرق بين قيمة المنتجات الثلاثة وتكلفة براميل الخام الثلاثة.

ووفقاً لبيانات نقلتها «وول ستريت جورنال»، تجاوز هامش «3-2-1» في الولايات المتحدة 70 دولاراً للبرميل الشهر الماضي، مقارنة بمستويات معتادة في نطاق العشرات المنخفضة.

وهذا الارتفاع يعكس مدى اتساع الفجوة بين قيمة الوقود المكرر وتكلفة الخام، ويشير إلى أن المصافي التي تستطيع تأمين الخام وتشغيل وحداتها بكامل طاقتها تحقق هوامش استثنائية.

سائق ينتظر في شاحنة نقل ثقيلة بمحطة وقود «ألون» في بيكوس بتكساس (أ.ف.ب)

لماذا ترتفع الهوامش الآن؟

السبب الرئيسي أن العالم فقد كميات من المنتجات المكررة بوتيرة أسرع من فقدانه الخام؛ فالحرب في إيران والاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، إلى جانب الهجمات الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية وقيود الصين على صادرات الوقود، أدت إلى تقليص المعروض من البنزين والديزل ووقود الطائرات.

وهنا تظهر المفارقة: المصافي ما زالت قادرة في مناطق عدة على الحصول على الخام وتشغيل وحداتها، لكن الحصول على المنتجات المكررة أصبح أكثر صعوبة.

ويقول محللون إن كل برميل إضافي من الوقود أصبح أكثر قيمة في السوق من برميل إضافي من الخام، وهو ما يدفع هوامش التكرير إلى الارتفاع.

«هرمز» يعيد رسم خريطة تجارة النفط

أدت الاضطرابات في مضيق هرمز إلى إعادة ترتيب تدفقات النفط والمنتجات المكررة حول العالم؛ فالمصافي الآسيوية لجأت إلى إمدادات من حوض الأطلسي ومخزونات الطوارئ لتعويض جزء من البراميل المفقودة من الشرق الأوسط، بينما استمرت بعض الإمدادات الخليجية في الوصول إلى الأسواق من خلال عمليات نقل من سفينة إلى أخرى والالتفاف حول جنوب أفريقيا.

وفي أوروبا، عوضت المصافي جزءاً من الإمدادات الشرق أوسطية بخام من الولايات المتحدة وكازاخستان وبحر الشمال وغرب أفريقيا وأميركا اللاتينية.

هذه التغييرات تعني أن النفط لا يزال متاحاً، لكنه أصبح أكثر تكلفة وتعقيداً في الوصول إلى المكان الذي تحتاجه المصافي.

روسيا تضيف ضغطاً جديداً على سوق الديزل

لا يقتصر الضغط على الشرق الأوسط؛ فالهجمات الأوكرانية المتواصلة على البنية التحتية للطاقة الروسية أدت إلى تراجع إنتاج المصافي الروسية إلى أدنى مستوياته منذ أكثر من عقدين، وفق بيانات شركة «كبلر».

وتكتسب التطورات في روسيا أهمية خاصة بالنسبة لسوق الديزل؛ إذ كانت موسكو من كبار المصدرين عالمياً، قبل أن تفرض قيوداً مؤقتة على صادرات الديزل، ما أدى إلى تقليص الإمدادات المتاحة للأسواق الأوروبية.

وبذلك، جاء نقص الإمدادات الروسية في وقت كانت فيه المصافي تواجه بالفعل ضغوطاً من اضطرابات الشرق الأوسط، ما عزز المنافسة على الشحنات المتاحة.

أشخاص يزودون سياراتهم بالوقود في محطة بنزين بمدينة بيشاور الباكستانية (إ.ب.أ)

الصين تملك الطاقة... لكنها لا تصدّرها

أما الصين، فتقدم حالة مختلفة؛ فالبلاد تمتلك طاقة تكريرية كبيرة، لكنها فرضت قيوداً وحصصاً على صادرات الوقود بهدف تعزيز أمن الطاقة المحلي.

وتحد هذه السياسة من كميات البنزين والديزل ووقود الطائرات المتاحة للأسواق الخارجية، ما يدفع مصافي آسيوية أخرى إلى زيادة معدلات التشغيل لتعويض النقص.

وبالتالي، لا تحتاج السوق بالضرورة إلى توقف مصفاة صينية حتى ترتفع الأسعار؛ يكفي أن تتراجع الصادرات الصينية حتى تضطر المصافي الأخرى إلى العمل بطاقة أكبر.

مَن الرابح الأكبر؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع هوامش التكرير يعني أن شركات النفط كلها تحقق أرباحاً ضخمة بالدرجة نفسها، لكن الصورة أكثر تعقيداً؛ فالمصفاة تستفيد عندما يكون سعر المنتجات التي تنتجها مرتفعاً مقارنة بتكلفة الخام. ولذلك، يمكن أن ترتفع أرباح قطاع التكرير حتى في وقت لا ترتفع فيه أسعار الخام بالمعدل نفسه.

وهذا هو سبب أهمية مراقبة أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات إلى جانب سعر خام برنت وغرب تكساس الوسيط؛ فالسوق قد تشهد ارتفاعاً معتدلاً في سعر النفط الخام، لكن قفزة كبرى في أسعار المنتجات المكررة إذا كان المعروض من المصافي محدوداً.

المستهلك يدفع الفاتورة

ارتفاع هوامش التكرير لا يبقى محصوراً داخل قطاع الطاقة؛ فكلما ارتفعت تكلفة إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات، زادت الضغوط على أسعار الوقود، قبل أن تنتقل آثارها تدريجياً إلى قطاعات النقل والشحن والطيران والسلع.

وفي الولايات المتحدة، تجاوز متوسط سعر البنزين 7 دولارات للغالون هذا العام، مقارنة بنحو 3.16 دولار قبل عام.

وهكذا، يمكن أن تتحول أزمة المصافي إلى موجة تضخمية أوسع، لأن الوقود يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تكلفة نقل معظم السلع والخدمات.

عامل يحمل مضخة بنزين في محطة وقود بمدينة بيشاور بباكستان (إ.ب.أ)

المصافي تعمل قرب حدود طاقتها

يزداد الضغط لأن المصافي في الولايات المتحدة وأوروبا لا تملك مساحة كبيرة لرفع الإنتاج؛ فبعد سنوات من إغلاق عدد من المصافي نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل والتحول نحو الطاقة منخفضة الكربون، أصبحت الطاقة التكريرية المتاحة أكثر محدودية.

ويقول محللون إن تشغيل المصافي بأكثر من 90 إلى 95 في المائة، يعني أن هامش المرونة التشغيلية يصبح ضئيلاً للغاية.

وفي هذه الحالة، يمكن لتعطل مصفاة واحدة أو توقف وحدة إنتاج رئيسية، أن يكون له تأثير أكبر بكثير على السوق، لأن المصافي الأخرى لا تملك طاقة فائضة كافية لتعويض النقص بسرعة.

الخطر المقبل

قد يبقى الضغط على هوامش التكرير مرتفعاً خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع بدء أعمال الصيانة الموسمية للمصافي، بدءاً من سبتمبر (أيلول).

وتعني أعمال الصيانة خروج جزء من الطاقة التكريرية مؤقتاً من السوق في وقت لا تزال فيه الإمدادات العالمية من المنتجات المكررة تعاني ضغوطاً.

وهذا يضع الأسواق أمام معادلة حساسة: طلب مستمر على الوقود، وطاقة تكريرية محدودة، وإمدادات عالمية أكثر اضطراباً.

القصة التي تتجاوز سعر برميل النفط

لذلك، فإن مراقبة أسعار النفط الخام وحدها لم تعد كافية لفهم اتجاه أسعار الطاقة؛ ففي المرحلة الحالية، قد تكون المصفاة هي الحلقة الأكثر حساسية في سلسلة الإمداد: الخام يمكن أن يجد طريقه إلى السوق عبر مسارات بديلة، لكن تحويله إلى بنزين وديزل ووقود طائرات يحتاج إلى منشآت تعمل بكفاءة، وإلى طاقة تكريرية متاحة، وإلى إمدادات منتظمة من الخام.

ومع استمرار اضطرابات الشرق الأوسط وروسيا وقيود صادرات الوقود الصينية، أصبح السؤال بالنسبة للأسواق ليس فقط كم يبلغ سعر برميل النفط، وإنما أيضاً كم يكلف تحويله إلى الوقود الذي يحتاجه العالم.

وهنا تحديداً تكمن قوة هوامش التكرير في دفع أسعار الوقود، وتحويل اضطراب محدود في منشآت التكرير أو طرق التجارة إلى أزمة أوسع تصل آثارها في النهاية إلى المستهلك.