«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

النرويجي «قيمة عاطفية» حاز «الأفضل» دولياً

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
TT

«صوت هند رجب»... لماذا خسر التتويج بـ«الأوسكار»؟

لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)
لقطة من فيلم «صوت هند رجب» (الشركة المنتجة)

بعد الإعلان عن جوائز «الأوسكار»، الأحد، وفوز الفيلم النرويجي الاجتماعي الكوميدي «قيمة عاطفية» بجائزة أفضل فيلم أجنبي، وخسارة الفيلم التونسي «صوت هند رجب» المنافسة، بوصفه الفيلم العربي الوحيد الذي خاض تصفيات أشهر مسابقة عالمياً، ظهرت تساؤلات عن سبب خسارة الفيلم الذي يتناول واقعة حقيقية خلال «حرب غزة» تمثل مأساة إنسانية، ما بين من اعتبروا الجائزة قد تحمل أبعاداً سياسية، خصوصاً مع رفض مخرجة الفيلم تسلم جائزة سابقاً في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي، وبين من رأوا الجائزة تحتكم للمعايير الفنية.

ودعم هذه التساؤلات تعليقات «سوشيالية» حول عدم فوز الفيلم التونسي، خصوصاً مع إعلان كوثر بن هنية في لقاء متلفز خلال حفل «الأوسكار» أن بطل فيلمها الفلسطيني لم يتمكن من الحضور بسبب قرار الرئيس ترمب منع منح تأشيرات للفلسطينيين.

وتناول فيلم «صوت هند رجب» محاولة إنقاذ الطفلة الفلسطينية هند رجب التي تبلغ من العمر 6 سنوات، وظلت لفترة عالقة داخل سيارة بها جثث أهلها الذين قتلتهم القوات الإسرائيلية، وقضت الطفلة خلال أحداث الحرب على غزة عام 2024. والفيلم يمزج بين الوثائقي والدرامي عبر التسجيلات الحقيقية لصوت هند رجب وهي تتحدث إلى مسؤولي الإسعاف الفلسطينيين الذين يحاولون إنقاذها. وشارك في بطولة الفيلم سجى كيلاني، ومعتز ملحيس، وعامر حليحل، وكلارا خوري. وشارك الفيلم في العديد من المهرجانات الدولية، وحاز العديد من الجوائز والإشادات النقدية، بل رفضت مخرجته كوثر بن هنية جائزة «السينما من أجل السلام» في مهرجان برلين احتجاجاً على تكريم جنرال إسرائيلي سابق صوّر الحرب على غزة باعتبارها دفاعاً عن النفس.

جانب من حفل جوائز «الأوسكار» (أ.ب)

واستبعد الناقد الفني المصري، طارق الشناوي، أن يكون عدم فوز «صوت هند رجب» بـ«الأوسكار» لأسباب سياسية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «حفل (الأوسكار) نفسه شهد العديد من مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية، فهناك أكثر من فنان عبروا عن ذلك بشكل معلن، ولكن المعيار هنا فني بالدرجة الأولى».

وتابع الشناوي: «أرى أن (قيمة عاطفية) فيلم جدير بالجائزة، وهذا لا يعني الطعن أو التقليل من فيلم (صوت هند رجب)؛ فقد حصل هذا الفيلم على (الأسد الفضي) في (فينيسيا) في يوليو (تموز) الماضي، وقوبل بحفاوة كبيرة، وحصد جوائز عديدة من المهرجانات، ووصل إلى قائمة الأفلام الخمسة المرشحة لـ(أوسكار)، وكان من بين هذه الأفلام أيضاً الفيلم الإيراني (حادث بسيط)، ولو كان هناك تدخل للسياسة في الجائزة لكان من (الأبدى) حصول الفيلم الإيراني على الجائزة».

ووصف الشناوي الفيلم النرويجي «قيمة عاطفية» بأنه «يستحق الجائزة فنياً»، مستبعداً ربط القيمة الفنية بمفردات اللحظة الراهنة، وقال: «إذا اعتبرنا فيلم (صوت هند رجب)، أو أي فيلم آخر، خسر لأسباب سياسية، فهذا يضعنا في ورطة، وهي أنه يمكن الادعاء بفوز أي فيلم آخر لنا يكون لأسباب سياسية أيضاً، وهذا أمر أستبعده وأرفضه من حسابات صناعة السينما»، مؤكداً جدارة الفيلم النرويجي دون التقليل أبداً من قيمة الفيلم التونسي الذي حظي بحفاوة كبيرة يستحقها.

وكانت منافسات «الأوسكار» هذا العام في الدورة 98 شهدت حضور 4 أفلام عربية في القائمة الأولية هي أفلام: «اللي باقي منك» للمخرجة الأميركية - الأردنية من أصل فلسطيني شيرين دعيبس، و«فلسطين 36» للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، و«كعكة الرئيس» للمخرج العراقي حسن هادي،

وفيلم «صوت هند رجب» للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، وهو الوحيد الذي نجح في التأهل للقائمة النهائية في المنافسات.

وهي المرة الثالثة التي يشارك فيها عمل من إخراج كوثر بن هنية في منافسات الفيلم الأجنبي على «الأوسكار» بعد فيلمَي «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».


مقالات ذات صلة

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

خاص الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الأردن يختار فيلم «غرَق» لتمثيله رسمياً في دورة الأوسكار المقبلة، والممثل محمد نزار يتحدّث عن رحلة سينمائية وإنسانية استثنائية خرج منها شخصاً آخر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ملصق فيلم «المواطن أسامة» (وزارة الثقافة الفلسطينية-فيسبوك)

«الثقافة» الفلسطينية ترشح «المواطن أسامة» للأوسكار

قالت وزارة الثقافة الفلسطينية إنها رشحت فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة للمنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم دولي في الدورة التاسعة والتسعين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
يوميات الشرق تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)

الأكاديمية الأميركية تمنع ترشّح الممثلين المُولَّدين بالذكاء الاصطناعي لجوائز الأوسكار

أعلنت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأميركية، أمس الجمعة، أن الممثلين الذين يتم توليدهم بواسطة الذكاء الاصطناعي مستبعدون من الترشح لجائزة الأوسكار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))
يوميات الشرق المخرج الروسي بافيل تالانكين يحمل أوسكار أفضل فيلم وثائقي (أ.ب)

العثور على تمثال أوسكار فاز به مخرج روسي بعد اختفائه في رحلة جوية

أعلنت شركة «لوفتهانزا» الألمانية للطيران، الجمعة، العثور على تمثال أوسكار خاص بمخرج روسي فائز بجائزة أفضل فيلم وثائقي، بعد أن فُقد خلال رحلة من نيويورك لألمانيا

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما يبدو عادياً... قد يثير الشكّ (أ.ف.ب)

جائزة «الأوسكار» تُصنَّف «سلاحاً»... وتختفي في مطار نيويورك

موظّفو إدارة أمن النقل (تي إس إيه) أخبروه أنّ التمثال، الذي يزن 3.8 كيلوغرام، يُشكّل تهديداً أمنياً مُحتملاً...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

أزمة مهرجان الموسيقى العربية تتفاقم بعد اعتذار عاصي الحلاني

الفنان عاصي الحلاني (إنستغرام)
الفنان عاصي الحلاني (إنستغرام)
TT

أزمة مهرجان الموسيقى العربية تتفاقم بعد اعتذار عاصي الحلاني

الفنان عاصي الحلاني (إنستغرام)
الفنان عاصي الحلاني (إنستغرام)

يمر مهرجان الموسيقى العربية في دورته الـ34، المقررة في الفترة من 20 وحتى 30 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بأزمات فنية وإدارية متتالية، ظهرت على الساحة عقب إقامة المؤتمر الصحافي قبل أيام لإعلان تفاصيل الدورة الجديدة.

وتفاقمت أزمة «الموسيقى العربية» بعد إعلان الفنان اللبناني عاصي الحلاني اعتذاره عن عدم المشاركة في المهرجان، لينضم إلى قائمة الاعتذارات الطويلة، وحسب بيان الفنان اللبناني، الخميس، «فإن اعتذاره كان بسبب المستجدات الإدارية الأخيرة المتعلقة بدار الأوبرا، والرغبة في عدم الدخول في أي سجالات أو ملابسات مرتبطة بهذه المستجدات».

وقبل عاصي الحلاني، الذي تبرع بأجره وفق حديث رئيس دار الأوبرا، أعلنت مروة ناجي اعتذارها عن عدم المشاركة، مؤكدة أن تصريحات رئيس الدار عن الأمور المادية، وتوقيت الحفل الذي يتعارض مع ارتباطات فنية بالخارج، وفرض غنائها من ألحان بليغ حمدي دون استشارتها، من ضمن أسباب الاعتذار، وفق بيانها.

وكان الفنان محمد ثروت قد أعلن اعتذاره عن عدم المشاركة عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، وكتب: «لن أقبل ولن أشارك في إهانة الفن المصري أو الفنانين المصريين». كما كشف علي الحجار السبب وراء عدم مشاركته لأول مرة بالمهرجان، وكتب: «الميزانية ضعيفة ومهينة لأعضاء الفرقة الموسيقية». واعتذرت أيضاً الفنانة اللبنانية ولاء الجندي بسبب تغيير موعد حفلها.

وبدورها، تحدثت مطربة الأوبرا المصرية رحاب عمر التي ستشارك بالغناء في ليلة الموسيقار بليغ حمدي، عن حجم الأزمات المالية والإدارية التي تعيشها الدار بالتزامن مع مهرجان الموسيقى العربية، مؤكدة أن رئيس الأوبرا لم يخطئ في حديثه، وبالفعل الدار تعاني أزمات مالية وإدارية كبيرة، وفق تعبيرها.

الفنانة رحاب عمر (حسابها على موقع «إنستغرام»)

وأضافت رحاب عمر لـ«الشرق الأوسط»: «فنانو الأوبرا يحملون على عاتقهم ليالي الدار الفنية، وهم السبب الرئيسي في عوائدها المادية»، موضحة أنها رغم ذلك لم تتقاض أجر حفلات قدمتها قبل شهور عدة حتى الآن.

ووصفت رحاب عمر تصريحات رئيس الأوبرا في المؤتمر الصحافي بالاستغاثة لدعم الدار وفعالياتها الفنية، وانتقدت المطربة الشابة ردود فعل بعض النجوم واعتذارهم عن عدم المشاركة في مهرجان مصري عريق، ومنهم محمد ثروت، وعلي الحجار، ومروة ناجي، مؤكدة أن «حديث رضا الوكيل عن تبرع الفنان عاصي الحلاني تحديداً كان من باب التقدير لكونه نجماً لبنانياً، وغير مضطر إلى الغناء دون أجر».

وأشارت رحاب عمر إلى أن «ما حدث كشف عن أهمية نجوم الأوبرا المهمشين لصالح فنانين آخرين كانوا يشترطون عدم ظهور نجوم الأوبرا بحفلاتهم، وعدم إذاعتها تلفزيونياً إلا بمقابل مادي، رغم أن فناني الأوبرا كان ينتظرون المهرجان للظهور على الشاشة خلال دقائق معدودة حسب برنامج الحفل الذي يفرض وجودهم في الفواصل».

في السياق، تراجع الدكتور رضا الوكيل عن موقفه، مؤكداً عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، الجمعة، أن «المهرجان سيُقام في موعده بمشاركة فناني الأوبرا، والفنانين المصريين الأوفياء»، موجهاً شكره إلى كل من وقف بجانب الدار ودعمها، وذلك بعدما أعلن اعتذاره عن منصبه، موضحاً حينها «أنه لن يقبل أن يتحكم أحد في اختياراته».

جانب من المؤتمر الصحافي لمهرجان الموسيقى العربية (دار الأوبرا المصرية)

وفي بيان جديد، كشف الفنان محمد ثروت كواليس عدم مشاركته بالمهرجان، مؤكداً «أن موقفه لا يتعلق بالأجر، بل يتعلق بالمنهج وأكواد المهنة واحترام القامات الفنية، وبتحويل الفن إلى حديث عن أرقام وميزانيات».

وتشهد ليالي المهرجان المهداة لروح الفنان الراحل هاني شاكر، وتحمل أسماء بعض رواد الموسيقى العربية، مشاركة عدد من نجوم الغناء، من بينهم أحمد جمال، وخالد سليم، والموسيقار عمر خيرت، في حين يحيي حفل الختام الفنان مدحت صالح، كما تشهد الحفلات على مشاركة فناني الأوبرا المصرية، وفرق موسيقية.

وأكد الدكتور محمد شبانة، رئيس اللجنة العلمية، أن موضوع المؤتمر العلمي لهذا العام، يحمل عنوان «الموسيقى العربية بين النقد الأكاديمي والتناول الإعلامي»، وستتم مناقشته من خلال 4 محاور. كما سيكرم المهرجان خلال حفل الافتتاح 9 شخصيات أسهمت في إثراء الحياة الفنية في مصر والعالم العربي، من بينهم اسم الفنان الراحل هاني شاكر.


«المهمشون»... عرض نمساوي يقاوم عزلة البشر بالرقص والأكروبات

قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)
قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)
TT

«المهمشون»... عرض نمساوي يقاوم عزلة البشر بالرقص والأكروبات

قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)
قدم العرض ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس» بالقاهرة (إدارة المهرجان)

يضع العرض المسرحي النمساوي «المهمشون Underdogs» العزلة في سياق أوسع يتعلق بموقع الإنسان داخل جماعته، وبما يحدث عندما يشعر الفرد بأنه فقد مكانه في الدائرة التي يُفترض أن ينتمي إليها، من خلال 6 شخصيات تدخل على خشبة المسرح وهي تحمل حكايات واضحة أو ماضياً تشرحه، بل تظهر من خلال أجسادها وعلاقاتها المتغيرة، كأن العرض يبدأ من اللحظة التي يصبح فيها الإنسان مضطراً إلى البحث عن موقعه بين آخرين لا يعرفهم.

ومن هنا، تصبح الحركة في مسرحية «المهمشون» أكثر من وسيلة للتعبير عن مشاعر الشخصيات، لتكون اللغة التي تُبنى بها العلاقات نفسها، الاقتراب والابتعاد، السقوط والنهوض، الدفع والمقاومة، التوازن والاختلال، كلها تتحول إلى أفعال تحمل معنى، وتكشف عن طبيعة العلاقة بين الأفراد قبل أن تتشكل بينهم أي مساحة مشتركة.

يوظف العرض النمساوي الصامت الذي عرض في مصر ضمن فعاليات مهرجان «إيزيس الدولي لمسرح المرأة» الأكروبات والرقص والتمثيل كعناصر استعراضية لتوصيل رسالته مستغنياً عن الكلام بشكل كامل.

وخلال الأحداث لا تختفي العزلة بمجرد تجمع الشخصيات؛ لأن الجماعة نفسها تظل مساحة للتفاوض والصراع، كل فرد يحاول الحفاظ على وجوده، وفي الوقت نفسه يكتشف أن قدرته على الاستمرار مرتبطة بالآخرين؛ لذلك لا يقدم «المهمشون» الانتماء كحل جاهز، بل كعملية شاقة تتشكل من الثقة والاحتكاك والاختلاف، فالجماعة لا تلغي هشاشة أفرادها، لكنها تمنحهم إمكانية تحويل هذه الهشاشة إلى طاقة مشتركة.

وقالت مخرجة العرض النمساوية إديتا براون لـ«الشرق الأوسط» إن «فكرة المسرحية بدأت من إحساس شخصي متزايد بالعجز أمام التحولات السياسية والإنسانية التي يشهدها العالم»، موضحة أنها تعيش في أوروبا، لكنها لم تعد قادرة على التعامل بسهولة مع الحروب والقمع وتغير المناخ وطريقة تعامل الإنسان مع الطبيعة، وهذه الأوضاع جعلتها تشعر عاطفياً بأنها أصبحت خارج مركز المجتمع، وهو الشعور الذي تحول لاحقاً إلى نقطة انطلاق العرض.

وأضافت براون أن «هذا الإحساس دفعني إلى التفكير في الأشخاص الذين يجدون أنفسهم بعيداً عن مركز المجتمع، أو يعيشون في الهامش، والعرض بدأ من هذه الفكرة قبل أن يتحول إلى تجربة أدائية مع 6 راقصين».

وأشارت إلى أن تصاعد الآيديولوجيات المتطرفة في العالم كان حاضراً أيضاً في أثناء تطوير العمل، بوصفه جزءاً من المناخ الذي تتحرك داخله الشخصيات والأفكار لافتة إلى أن بناء العرض لم يعتمد على نص مكتوب أو سيناريو تقليدي، وإنما انطلق من الارتجال والتجريب، وهي الطريقة التي تعمل بها منذ أكثر من 40 عاماً.

استخدم العرض الرقص والاستعراض لتوصيل رسالته (إدارة المهرجان)

وقالت إن «عملية صناعة العرض تقوم على تعاون مستمر مع المؤدين والملحن، إذ تتشكل المشاهد تدريجياً من خلال الحركة والصورة، بينما يظل النص محدوداً للغاية، لتصبح أجساد الشخصيات وحركتها بمنزلة اللغة الأساسية للعمل»، مشيرة إلى أن اختيار المؤدين يقوم بدرجة كبيرة على المعرفة المتبادلة، إذ تعمل عادة مع فنانين تعرفهم منذ سنوات.

وأضافت أن دورها لا يتمثل في تحديد كل حركة مسبقاً، بل في تنظيم ما يقدمه المؤدون، وتحويل اقتراحاتهم إلى مشاهد، موضحة أنها تحب أن تمنحهم مساحة للاختراع، ما دام ما يقترحونه يخدم البناء الفني للعرض.

وأكدت أن علاقتها الطويلة بالمؤدين أوجدت بينهم لغة خاصة، وتستطيع أن تطلب منهم زيادة كثافة الحركة، أو تسريع الإيقاع، فيفهمون مباشرة ما تقصده، لافتة إلى أن هذه اللغة تشكلت عبر سنوات من العمل المشترك، وأصبحت جزءاً من آلية تطوير المشاهد؛ لذلك لم تواجه لحظات صعبة في التعامل مع فريق المسرحية بقدر ما اعتمدت العملية على الثقة والتفاهم.

وعن تقديم العرض في مصر، قالت براون إن «إحدى أهم مزايا الرقص هو امتلاكه لغة يمكن أن تصل إلى جمهور ينتمي إلى ثقافات مختلفة؛ لأن القضايا التي يناقشها العرض ليست محصورة في أوروبا، وردود الفعل في مصر كانت إيجابية للغاية، خصوصاً تجاه الأكروبات ومستوى الرقص والطاقة العاطفية التي يحملها العرض، إلى جانب رسالته المناهضة للحرب».

وأضافت أن تفاعل الجمهور لم يدفعها إلى تغيير بنية العمل أو تعديل مشاهده، بل كان له تأثير مختلف؛ إذ منح الفريق، على حد تعبيرها، مزيداً من القوة على خشبة المسرح، وهو ما جعل العرض يستمر في مساره الفني بدلاً من إعادة صياغته استجابة للتلقي.

وكشفت براون أنها بدأت بالفعل في تطوير تجربة جديدة تتمثل في تحويل العرض إلى فيلم، إلى جانب تجربة تقديمه في أماكن مفتوحة وخارج فضاء المسرح التقليدي. معتبرة أن هذه الخطوة لا تعني التخلي عن النسخة المسرحية، وإنما توسيع إمكانات العمل، واختبار كيف يمكن للحركة والصورة، اللتين تشكلان جوهر العرض، أن تنتقلا إلى وسيط آخر ومساحات مختلفة.


هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)
يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)
TT

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)
يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

على الرغم من أن فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) يجذب آلاف السياح سنوياً إلى مدينة سالزبورغ، فإن هذا العمل السينمائي لم يكن يوماً من الأمور المحببة لدى سكان المدينة. فعلى مدى عقود، لم يكن كثيرٌ من السكان على دراية حتى بوجود هذا الفيلم الموسيقي الشهير الذي وضع مدينتهم على الخريطة العالمية، أما من عرفوا به فغالباً ما كانوا ينظرون إليه باستخفاف بصفته عملاً فنياً مبتذلاً أو رخيص القيمة. ويهدف متحف جديد، أسسته حكومة المدينة، إلى ردم الفجوة بين الفيلم الموسيقي والقصة الحقيقية لعائلة «فون تراب»؛ وهي عائلة من سالزبورغ شكلت فرقة غنائية ناجحة وفرّت من النمسا بعد ضمها إلى ألمانيا النازية عام 1938.

شاهد الزوار معرضاً لملصقات أفلام بلغات عدة بمتحف «صوت الموسيقى» (Sound of Music) الجديد في سالزبورغ بالنمسا (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

يقول ماتياس بيرغسمان، أمين متحف «صوت الموسيقى»: «نريد استقطاب الجمهور المحلي والسياح على حد سواء. قد يجد السكان المحليون القصة الحقيقية أكثر إثارة للاهتمام، في حين أن كثيراً من معجبي الفيلم الموسيقي لا يدركون حتى وجود عائلة حقيقية؛ لذا علينا مخاطبة كلتا المجموعتين».

يشاهد الزوار مشهداً من فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) بالمتحف الجديد المخصص للفيلم في مدينة سالزبورغ بالنمسا المخصص له إلى التوفيق بين الأسطورة السينمائية والتاريخ المحلي للمدينة (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

يقع المتحف -الذي افتُتح هذا الشهر- في المبنى الذي كان يُستخدم سابقاً إسطبلاً للعربات ونُزلاً للصيد، والتابع لقصر مصمم على طراز الباروك في ضواحي سالزبورغ. وقد خُصص الطابق الأرضي لعرض بدايات فيلم «صوت الموسيقى» وردود الفعل تجاهه. تبدأ القصة بالسيرة الذاتية التي كتبتها ماريا فون تراب عام 1949، والتي ألهمت فيلماً ناطقاً بالألمانية؛ ثم جاء عام 1959 ليشهد العرض الموسيقي الناجح في برودواي من تأليف ريتشارد رودجرز وأوسكار هامرستين، وهو العمل الذي حوّله المخرج روبرت وايز تحفةً خالدة في تاريخ السينما.

يعرض أحد أركان الاستماع مقابلة إذاعية أجرتها جولي أندروز -التي لعبت دور «ماريا» في الفيلم- أثناء التصوير؛ حيث اشتكت فيها من طقس سالزبورغ «السيئ للغاية»، لكنها أشادت بالممثلين الذين أدوا أدوار أطفال عائلة «فون تراب»، واصفةً إياهم بأنهم «ساحرون». (يُذكر أن أندروز، البالغة من العمر 90 عاماً، اعتذرت عن تلبية دعوة حضور حفل الافتتاح، لكن بيرغسمان ذكرت أنها أرسلت رسالة تحية ليتم تلاوتها خلال الحفل).

يجري الاحتفاء بالظاهرة العالمية «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) في غرفة وردية اللون تحمل اسم «أشيائي المفضلة» (My Favorite Things)؛ وتضم الغرفة ملصقات وأسطوانات وصوراً وبعض الهدايا التذكارية ذات الطابع التجاري البسيط التي حصل عليها المتحف من روجر بلويم، وهو جامع مقتنيات هولندي شغوف. كما يضم المكان نسخة طبق الأصل من «الكشك» (gazebo) الذي غنت فيه شخصية «ليزل فون تراب» -التي أدتها الممثلة شارميان كار- أغنية «Sixteen Going on Seventeen» ضمن أحداث الفيلم. وفي الطابق العلوي من المتحف، يتحول التركيز إلى عائلة «فون تراب» الحقيقية.

سياح يلتقطون صوراً بجوار حافلة مخصصة لجولات فيلم «صوت الموسيقى» (Sound of Music) في مدينة سالزبورغ بالنمسا (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

كان جورج فون تراب -وهو قائد غواصة في البحرية النمساوية المجرية- أباً لسبعة أطفال من زوجته الأولى، أغاث وايتهيد. وفي عام 1927، وبعد وفاة زوجته، تزوج من مربية الأطفال، ماريا كوتشرا. وبمساعدة قس العائلة، شكلت عائلة «فون تراب» جوقة غنائية.

عارض «جورج» النازية ورفض رفع علم الصليب المعقوف بعد ضم النمسا. وقد هاجر مع عائلته بعد ذلك بوقت قصير، وإن لم يفرّوا سيراً على الأقدام عبر الجبال إلى سويسرا كما صُوِّر في الفيلم (إذ كانت تلك الرحلة ستتطلب قطع مسافة 150 ميلاً). وبدلاً من ذلك، استقلوا القطار إلى إيطاليا واستقروا لاحقاً في الولايات المتحدة، حيث واصلوا أداء الأغاني الشعبية النمساوية حتى عام 1957. تدير العائلة اليوم نُزُلاً ومنتجعاً على طراز جبال الألب في ولاية فيرمونت.

ولا تزال إحدى حفيدات «جورج»، وتُدعى «إليزابيث فون تراب»، تنظم جولات مشي صيفية في مدينة سالزبورغ. وفقاً لتقديرات المدينة، يتوافد ما بين 300 ألف و350 ألف زائر إلى سالزبورغ سنوياً، مدفوعين في المقام الأول بشهرة فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music). ويأتي هؤلاء الزوار من أميركا الشمالية والجنوبية وبريطانيا وأستراليا، بالإضافة إلى أعداد متزايدة من الصين وكوريا الجنوبية والهند. وتنقلهم حافلات سياحية عدة يومياً إلى مواقع التصوير في أنحاء المدينة، وإلى كنيسة في بلدة «موندسي» المجاورة، حيث صُوِّر مشهد زفاف «ماريا» و«جورج» (إذ لم تسمح كنائس سالزبورغ لطاقم العمل بتركيب منصات التصوير). وبالعودة إلى المدينة، تشمل كثير من الجولات السياحية «حدائق ميرابيل»، التي كانت «ماريا» والأطفال يركضون فيها بحيوية أثناء غناء أغنية «دو-ري-مي» (Do-Re-Mi).

ماتياس بيرغسمان القيّم على متحف «صوت الموسيقى» (Sound of Music) الجديد في سالزبورغ بالنمسا (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

وأعرب بيرغسمان عن أمله في أن تشمل الجولات زيارة المتحف، مشيراً إلى أنه يجري مناقشات بهذا الشأن مع الجهات المشغلة للرحلات، لكنه قد يحتاج إلى بذل جهد أكبر لجذب السكان المحليين.

وكان فيلم وثائقي تلفزيوني قد عُرض في النمسا العام الماضي -تزامناً مع الذكرى الستين لإطلاق الفيلم- قد استعرض تاريخ تصوير «صوت الموسيقى» (The Sound of Music)، بما في ذلك مقاومة سلطات المدينة لطلبات طاقم العمل بإعادة تجسيد واقعي لحدث «الضم» (الأنشلوس) عام 1938، وما كان يرافقه من شعارات نازية ومسيرات للقوات العسكرية. كما تناول الفيلم الوثائقي أصداء طرح العمل سينمائياً في ذلك الوقت، حيث مُني الفيلم بفشل ذريع في شباك التذاكر في كل من النمسا وألمانيا. وقال بيرغسمان: «لقد كان الاستقبال في المناطق الناطقة بالألمانية مختلفاً تماماً عما كان عليه في الولايات المتحدة. لكن ذلك كان بعد مرور 20 عاماً فقط على نهاية الحرب العالمية الثانية، وربما لم يكن الكثير من النمساويين مستعدين لرؤية تلك الأحداث مجسدة بصرياً؛ فقد كانت الجراح لا تزال غائرة، وكانت عملية استيعاب ومعالجة كل ما حدث قد بدأت للتو».

ويرصد المتحف تزايد تقبّل مدينة سالزبورغ لعمل «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) من خلال لقطات لعرضين مسرحيين أُقيما في المدينة؛ إذ كان مسرح الدمى في سالزبورغ سبّاقاً في هذا المجال بتقديم عرضٍ مستوحى من المسرحية الموسيقية، وهو عرضٌ ظلّ مدرجاً ضمن برنامجه الفني منذ عام 2008. وتلاه مسرح ولاية سالزبورغ عام 2011، حيث واصل تقديم هذا العمل المسرحي ضمن برنامجه منذ ذلك الحين.

* خدمة «نيويورك تايمز»