المحافظون يحشدون في طهران لمبايعة مجتبى خامنئي

بوتين هنأ المرشد الجديد... وبكين رأت اختياره مسألة داخلية لإيران

إيرانيون خلال تجمعهم لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان «انقلاب» وسط طهران الاثنين (أ.ب)
إيرانيون خلال تجمعهم لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان «انقلاب» وسط طهران الاثنين (أ.ب)
TT

المحافظون يحشدون في طهران لمبايعة مجتبى خامنئي

إيرانيون خلال تجمعهم لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان «انقلاب» وسط طهران الاثنين (أ.ب)
إيرانيون خلال تجمعهم لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان «انقلاب» وسط طهران الاثنين (أ.ب)

نظم أنصار المؤسسة الحاكمة في إيران استعراضاً للقوة، الاثنين؛ إذ خرجوا إلى الشوارع معلنين ولاءهم لمجتبى خامنئي مرشداً للبلاد خلفاً لوالده علي خامنئي. ويُنظر إلى هذا المشهد بوصفه مؤشراً على استمرار سيطرة المحافظين المتشددين على مفاصل السلطة، وهو ما قد يحدّ من احتمالات التوصل سريعاً إلى نهاية للحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

وفي هذه الأثناء، أثار احتمال استمرار تعطل إمدادات الطاقة العالمية، وهو بالفعل من بين الأسوأ في التاريخ، مخاوف متزايدة في الأسواق الدولية. وقد انعكس ذلك في قفزات بأسعار النفط وهبوط حاد في أسواق الأسهم، مع تزايد القلق من تداعيات اقتصادية أوسع إذا طال أمد الحرب.

وفي المقابل، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه لا يقبل بتولي مجتبى خامنئي، البالغ 56 عاماً، منصب المرشد الأعلى، مطالباً إيران بـ«الاستسلام غير المشروط».

ويُعد المرشد الجديد رجل دين يتمتع بالفعل بنفوذ واسع على أجهزة الأمن وعلى شبكة الأعمال الضخمة المرتبطة بها. كما قال ترمب لشبكة «إن بي سي»، رداً على سؤال بشأن المرشد الجديد: «أعتقد أنهم ارتكبوا خطأً فادحاً».

ونقلت صحيفة «نيويورك بوست» عن ترمب قوله رداً على سؤال حول الخطوات المقبلة بعد انتخاب خامنئي الابن: «لن أقول لكم... أنا لست مسروراً».

مجتبى يمشي خلف والده (أرشيفية_موقع المرشد الإيراني)

استعراض رغم الغارات

في غضون ذلك، أفادت وكالة الصحافة الفرنسية بأن آلاف الإيرانيين تجمعوا في ساحة مركزية في طهران لمبايعة المرشد الجديد. ورفع كثيرون في ساحة انقلاب (الثورة) الأعلام الإيرانية وصور مجتبى خامنئي خلال التجمع.

وفي السياق نفسه، بثت وسائل إعلام رسمية لقطات لحشود كبيرة خرجت إلى الشوارع في عدة مدن لإظهار التأييد للمرشد الجديد، رافعين علم البلاد وصوراً له ولوالده، الذي قُتل في قصف خلال اليوم الأول من الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران قبل أكثر من أسبوع.

وفي أصفهان، ذكر التلفزيون الرسمي أن دوي انفجارات قريبة، يُعتقد أنها ناجمة عن غارات جوية، سُمع في وقت احتشد فيه مناصرون للمرشد الجديد في ميدان الإمام وهم يهتفون «الله أكبر» قرب منصة تحمل صوراً لمجتبى وعلي خامنئي.

وفي طهران، أفادت التقارير بسماع منشد محسوب على مكتب خامنئي يردد شعار «إما الموت وإما خامنئي... دمنا يقود إلى الجنة»، في مشهد عكس أجواء التعبئة السياسية التي رافقت الإعلان عن القيادة الجديدة.

بيعة المؤسسات

على الصعيد السياسي، أصدرت مؤسسات إيرانية وشخصيات سياسية تعهدات متتالية بالولاء للمرشد الجديد، كما أفادت وسائل إعلام رسمية بأن زوجته وابنه ووالدته قُتلوا في بداية الهجوم الجوي الأميركي الإسرائيلي.

وفي السياق نفسه، أعلنت مؤسسات ومسؤولون تباعاً «البيعة» للمرشد الجديد. ومن بين الجهات التي أعلنت دعمها علي لاريجاني، ومسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية محسني إيجئي، ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام صادق لاريجاني، إضافة إلى وحدات «الحرس الثوري» ووزارات مختلفة وقوات الشرطة ونواب البرلمان.

رجال شرطة يقفون على سطح سيارتهم حاملين صور المرشد السابق علي خامنئي، ونجله مجتبى، خليفته، خلال تجمع لدعمه في طهران (أ.ب)

وجاء في بيان للجنة الدفاع العليا: «سنطيع القائد حتى آخر نقطة من دمائنا». كما أعلنت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية مبايعة مجتبى خامنئي قائداً أعلى للقوات المسلحة بعد اختياره مرشداً من قبل مجلس خبراء القيادة.

وأكدت هيئة الأركان في بيان أن القوات المسلحة ستقف «حتى آخر نفس» تحت قيادة المرشد الجديد في مواجهة ما وصفته بـ«مؤامرات الأعداء». وأضافت أن انتخاب مجتبى خامنئي يمثل «خطوة تؤكد حكمة مجلس خبراء القيادة لعبور البلاد مرحلة تاريخية حساسة».

كما شددت هيئة الأركان على أن القوات المسلحة ستواصل الدفاع عن أمن إيران ومصالحها «حتى آخر نفس وآخر قطرة دم» تحت قيادة المرشد الجديد.

وفي الوقت نفسه، حذرت من أن قواتها ستجعل الولايات المتحدة و«أعداء الأمة» يندمون على أي اعتداء على إيران. وأكد البيان أن المؤسسة العسكرية ستواصل التزامها الدفاع عن البلاد في ظل القيادة الجديدة، مع التشديد على أن أي تهديد خارجي سيقابل برد حازم من قبل القوات المسلحة الإيرانية.

دعوة للوحدة وسط انقسام

في السياق السياسي، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني إن مجلس خبراء القيادة اختار مجتبى خامنئي مرشداً للبلاد وفق مسار قانوني كامل، بعد دراسة أسماء عدة مرشحين. وأضاف لاريجاني أن «الأعداء» ظنوا أن اغتيال علي خامنئي سيدخل إيران في مأزق، إلا أن قرار مجلس الخبراء أفشل هذه الحسابات. كما شدد على أن القيادة الجديدة يجب أن تكون رمزاً للوحدة الوطنية في ظل ظروف الحرب الحالية.

وفي هذا الإطار، دعا لاريجاني جميع القوى السياسية في إيران إلى تجاوز الخلافات السابقة، والالتفاف حول القيادة الجديدة لمواجهة التحديات. كما أعرب عن أمله في أن تشهد إيران في عهد المرشد الجديد تقدماً اقتصادياً وتنموياً وتحسناً في معيشة المواطنين.

إيرانيون خلال تجمعهم في ميدان «انقلاب» بطهران الاثنين لإظهار دعمهم للمرشد الجديد مجتبى خامنئي (إ.ب.أ)

كما قال لاريجاني في رسالة نشرها عبر منصة «إكس» إن اختيار خامنئي الابن قائداً للجمهورية الإسلامية «أصاب الأعداء الذين يشنون الحرب باليأس»، في إشارة إلى رهانات خصوم إيران على حدوث فراغ في القيادة.

ومن جهته، قال رئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي إن اختيار المرشد الجديد جاء بأغلبية حاسمة من أعضاء مجلس خبراء القيادة، مضيفاً أن إيران تخوض حالياً مواجهة مع «عدو غارق في أخطاء حسابية».

وفي موازاة ذلك، هنأ حسن خميني، حفيد المرشد الأول روح الله الخميني، باختيار مجتبى خامنئي مرشداً ثالثاً لإيران، بينما انضم الرئيس الأسبق حسن روحاني بعد ساعات طويلة من الإعلان إلى قائمة المهنئين.

في المقابل، انقسم الإيرانيون بين مؤيدين اعتبروا اختيار المرشد الجديد إعلاناً عن التحدي، ومعارضين يخشون أن يقضي ذلك على آمالهم في التغيير، بحسب ما نقلته وكالة «رويترز».

وكان بعض الإيرانيين قد احتفلوا علناً بمقتل المرشد السابق بعد أسابيع من قمع احتجاجات مناهضة للحكومة وُصفت بأنها الأسوأ منذ الثورة الإسلامية عام 1979، والتي أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى. مع ذلك، لم تظهر مؤشرات واضحة على أنشطة مناهضة للحكومة؛ إذ يخشى نشطاء النزول إلى الشوارع في ظل تعرض إيران لهجمات عسكرية متواصلة.

ويشير مراقبون إلى أن الحرب أسهمت في تقليص مساحة التحرك السياسي داخل البلاد.

موقف إسرائيل

وفي هذا السياق، تقول إسرائيل إن هدفها من الحرب هو الإطاحة بحكم رجال الدين في إيران، في حين كانت واشنطن أكثر حذراً في البداية عندما أعلنت أن هدفها يقتصر على تدمير القدرات الصاروخية والنووية الإيرانية، غير أن ترمب صعّد لاحقاً سقف الأهداف، مطالباً بتشكيل حكومة إيرانية «مذعنة». كما قال إن الولايات المتحدة يجب أن يكون لها رأي في اختيار المرشد.

وفي المقابل، قالت إسرائيل إنها ستقتل من يتولى منصب المرشد ما لم توقف إيران ما وصفته بسياساتها العدائية، في إشارة إلى استمرار التصعيد السياسي والعسكري بين الطرفين.

من جهتها، اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية أن مجتبى خامنئي «مستبد» سيواصل «وحشية النظام» في إيران.

ونشرت الوزارة على منصة «إكس» صورة لعلي ومجتبى خامنئي يحمل كل منهما بندقية مع تعليق «كما الأب كذلك الابن». وأضافت الوزارة أن «يدي مجتبى خامنئي ملطختان بالدم الذي طبع حكم والده»، معتبرة أنه «مستبد آخر سيواصل وحشية النظام الإيراني».

مواقف حلفاء طهران

في المقابل، رحب الحوثيون في اليمن باختيار مجتبى خامنئي، معتبرين أنه يشكل «ضربة مدوية» لأعداء إيران. كما أعلنت 3 فصائل عراقية مسلحة موالية لطهران دعمها له، معتبرة أنه يشكل «امتداداً لمسيرة الثورة الإسلامية».

وعرضت وسائل إعلام إيرانية رسمية مشاهد احتفالات في أنحاء مختلفة من البلاد، في محاولة لإظهار تأييد شعبي واسع للقيادة الجديدة.

على الصعيد الدولي، هنأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مجتبى خامنئي بتوليه زعامة إيران، مؤكداً «دعم موسكو الثابت لطهران». وقال إن روسيا ستظل «شريكاً موثوقاً به» للجمهورية الإسلامية.

أما الصين، فقالت إن تعيين مجتبى خامنئي قرار اتخذته إيران وفق دستورها، مؤكدة معارضتها التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وداعية جميع الأطراف إلى العودة إلى المفاوضات لتجنب مزيد من التصعيد.

هيمنة المتشددين

وقال كليمنت ثيرم، الباحث المشارك في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الإبقاء على اسم خامنئي «مهم جداً لدعاية النظام»، مشيراً إلى أن العداء لإسرائيل والولايات المتحدة «جزء لا يتجزأ من آيديولوجيا النظام».

وأضاف ثيرم أن تعيين نجل الزعيم الراحل يعكس سيطرة المتشددين داخل النظام الإيراني، الذين يستمدون قوتهم من أجهزة الأمن والقمع الداخلي، ويسعون إلى مواجهة الضغوط الخارجية بالتصعيد.

كما أشار ثيرم إلى أن مجتبى خامنئي يُعد أكثر تشدداً من والده في مواقفه المحافظة، وأن له علاقات وثيقة بالقائد العام الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي وبالرئيس السابق لجهاز الاستخبارات حسين طائب. وأضاف أن عودة شخصيات أمنية متشددة إلى مواقع النفوذ قد تعزز قبضة التيار المتشدد داخل مؤسسات الدولة، في ظل الحرب الحالية.

متظاهرون يحملون الأعلام الوطنية خلال مسيرة دعم المرشد الجديد مجتبى خامنئي في ميدان إنقلاب وسط طهران (أ.ف.ب)

وبدوره، قال برنار أوركاد، المتخصص في الشأن الإيراني في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، إن مجتبى خامنئي «فقيه عادي»، وإن شرعيته الدينية ليست بعيدة عن الجدل.

وأشار إلى أن «الحرس الثوري» الذي قاد حملة القمع ضد الاحتجاجات، حقق «مكسباً كبيراً» بتولي خامنئي الابن القيادة، معتبراً أنه «رجل في يد العناصر الأكثر تشدداً التي تخوض الحرب».

وأضاف أوركاد أن المتشددين يمكنهم تبرير سياساتهم بالقول إنهم يدافعون عن البلاد في مواجهة الهجمات الأميركية والإسرائيلية، وهو ما قد يغذي دوامة التطرف داخل النظام. كما رأى أن استمرار الحرب أصبح مسألة وجودية للنظام الإيراني الذي أنهكته الاحتجاجات الداخلية، وأن الصراع الحالي قد يؤجل أي احتمال لتغيير سياسي في البلاد.

وفي الوقت نفسه، قال أوركاد إن خروج آلاف الأشخاص إلى ساحة انقلاب في طهران للتعبير عن تأييدهم للمرشد الجديد لا يعني بالضرورة وجود دعم شعبي واسع له.

وأضاف أن أمراً واحداً يبدو مؤكداً في الوقت الحالي، وهو أن ترمب يدرك أنه «لا يستطيع تحريض رجال الدين بعضهم على بعض»، في إشارة إلى تعقيدات المشهد السياسي داخل إيران.


مقالات ذات صلة

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

تحليل إخباري ترمب يَعرض مذكرة وقَّعها للانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني في 8 مايو 2018 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

4 عقد مؤجلة في «اتفاق إيران»... وإسرائيل أكثر تشككاً

يميل الخبراء في واشنطن إلى الاعتقاد بأنَّ الاتفاق المرتقب مع إيران سيبقي 4 عقد أساسية معلقةً دون تسوية حاسمة وواضحة.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)

ماذا نعرف عن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية؟

أعلنت الولايات المتحدة وإيران أنهما على وشك التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب التي قلبت أوضاع الشرق الأوسط رأساً على عقب وأثرت سلباً على الاقتصاد العالمي.

نيويورك تايمز (واشنطن)
شؤون إقليمية صورة من الأقمار الاصطناعية تظهر مجمّع أنفاق محفوراً في تضاريس صخرية بالقرب من منشآت مطوّرة في أصفهان يوم 11 نوفمبر 2025 (غيتي)

تقرير: إيران حصّنت اليورانيوم المخصب بالألغام

صعّدت إيران في الأسابيع الأخيرة من جهودها بشكل كبير لإحكام إغلاق مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى مستويات قريبة من درجة الاستخدام العسكري لصنع القنابل النووية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة مدمجة تُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

إشادة نتنياهو لا تخفي القلق من «اتفاق سيئ» مع إيران

حرص رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على الإشادة بالاتفاق المرتقب بين واشنطن وطهران، إلا أن مسؤولين وخبراء قالوا إنه «سيئ جداً» لتل أبيب.

نظير مجلي (تل أبيب)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث للصحافيين في المكتب البيضاوي (رويترز)

تحليل إخباري «اتفاق إيران» يكرّس الهدنة ويؤجل الملفات الكبرى

في غضون ساعات، انتقل الخطاب الأميركي من التهديد بضرب إيران «بقوة شديدة» ومهاجمة جزيرة خرج، إلى الحديث عن مذكرة تفاهم قريبة التوقيع.

إيلي يوسف (واشنطن)

«معهد الدراسات اليهودية»: الإسرائيليون يخشون «حرباً أهلية»

امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
TT

«معهد الدراسات اليهودية»: الإسرائيليون يخشون «حرباً أهلية»

امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)
امرأتان من عناصر الشرطة الإسرائيلية توقفان يوم السبت متظاهرة ضد حكومة بنيامين نتنياهو قرب مقر إقامته في القدس (د.ب.أ)

كشف التقرير السنوي لـ«معهد الدراسات اليهودية» الذي نُشرت نتائجه الأحد، عن تصاعد المخاوف من الانقسام الداخلي داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث اعتبر أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع، أن الاستقطاب المجتمعي يمثل التهديد الأخطر الذي يواجه الدولة، فيما عبر التقرير عن وجود خشية لدى الإسرائيليين مما وصفته وسائل إعلام عبرية بـ«حرب أهلية محتملة» عدّوها «أخطر على وجودهم من الفلسطينيين، و(البرنامج) النووي الإيراني».

ووفقاً للتقرير، رأى 55 في المائة من المستطلعين أن الانقسام الداخلي يشكل الخطر الأكبر على إسرائيل، متقدماً بفارق ملحوظ على «التهديد النووي الإيراني» الذي اختاره 23 في المائة، أو الصراع مع الفلسطينيين (18 في المائة).

وقالت صحيفة «معاريف» إن التقرير أظهر أن «الإسرائيليين يخشون بشدة خطر الحرب الأهلية أكثر من الفلسطينيين والنووي الإيراني». ويتفق 6 من كل 10 إسرائيليين (60 في المائة) على وجود خطر حقيقي حالياً لإراقة الدماء والعنف الجسدي داخل إسرائيل (حرب أهلية).

وفي التقرير يعترف نحو نصف الجمهور العلماني في إسرائيل (الذي يشكل أكبر مجموعة بين اليهود)، بأنهم لم يعودوا مقتنعين بأن إسرائيل هي المكان الصحيح، والأكثر أماناً لأطفالهم وأحفادهم للعيش فيه.

وبينما تؤيّد غالبية الجمهور (80 في المائة) تجنيد «الحريديم» (اليهود المتشددين)، فإن الرفض لدى «الحريديم» لا يزال صلباً؛ إذ عبّر 79 في المائة من بينهم عن معارضة التجنيد «حتى عندما يتم تقديم أطر عمل مخصصة، ومنفصلة مصممة خصيصاً لتلبية احتياجاتهم».

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي يوم 30 يونيو 2024 (أ.ب)

وقالت وسائل إعلام إسرائليية إن التقرير يؤكد بوضوح أن العامل الرئيسي الذي يمنع الإسرائيليين من الشعور بالتقارب فيما بينهم اليوم، ليس الجنسية أو العرق أو الأصل؛ بل الانتماء إلى معسكر سياسي متنافس (يمين أو يسار).

وقالت «معاريف»: «يؤدي الاستقطاب السياسي إلى تدمير كل شيء: إذ يقيّم أنصار اليسار مدى قربهم من أنصار اليمين بدرجة 1.25 فقط، بينما يقيّم أنصار اليمين مدى قربهم من اليسار بدرجة 3.48».

بنيت يحذر من انتخاب نتنياهو مجدداً

في غضون ذلك، شن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بنيت، هجوماً شرساً على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، محذراً الإسرائيليين من أن «فترة ولاية أخرى لنتنياهو ستترك إسرائيل بلا مجتمع».

وجاء تصريحات بنيت وهو المنافس الأبرز لنتنياهو في الانتخابات المقبلة والمتوقعة في أواخر العام الحالي، خلال مقابلة مع صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، ندد خلالها بنهج نتنياهو في كل شيء.

واعتبر بنيت «أنه (نتنياهو) فقد ببساطة القدرة على الحكم، وعلى كسب الحروب، وعلى استعادة الأمن والنظام، وعلى دمج المتشددين دينياً في المجتمع الإسرائيلي، وعلى إصلاح مكانة إسرائيل المتضررة في العالم».

كما هاجم بنيت «الحرب المطولة» على جبهات متعددة، باعتبار أنها «لم تكن عقيدة إسرائيل»، لأنها «تستنزف المجتمع والجنود والاقتصاد، وتضر بمكانة الدولة».

ووصف بنيت الانتخابات المقبلة في إسرائيل بأنها «أهم انتخابات في تاريخ إسرائيل»، مضيفاً في حديثه مع الصحيفة بمقر حملة حزب «معاً»؛ الحزب الجديد المندمج الذي يقوده الآن مع رئيس الوزراء السابق يائير لبيد، أن إسرائيل تواجه «لحظة وجودية»، وحذر من أن ولاية أخرى في ظل الحكومة الحالية، ستترك إسرائيل بلا اقتصاد ولا مجتمع ولا مكانة دولية فاعلة.

بنيت ولبيد خلال مؤتمر صحافي مشترك بمدينة هرتسيليا الإسرائيلية مساء الأحد (إ.ب.أ)

واعتبر بنيت الذي شغل منصب رئيس الوزراء في الفترة من 2021 إلى 2022 بعد إزاحة نتنياهو، أن اعتماد نتنياهو على شريكيه في الائتلاف من اليمين المتطرف؛ إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، قد جعله عاجزاً عن العمل. كما انتقد بنيت بشدة تعامل الحكومة مع أزمة التجنيد الإجباري لليهود «الحريديم»، واصفاً نهج إسرائيل الممتد لعقود تجاه الحكم الذاتي لـ«الحريديم»، بأنه حالة «انتحار وطني بطيء».

وفيما يتعلق بعنف المستوطنين، أدان بنيت العنف ضد الفلسطينيين الأبرياء وضد الجنود «بأشد العبارات الممكنة». وأضاف: «سأعيد القانون والنظام إلى إسرائيل».

وبالنسبة للفلسطينيين، قال: «سنحمي أمن إسرائيل مع الحفاظ على كرامة الشعب الفلسطيني وسبل عيشه. لن يرحلوا، ولن نرحل نحن أيضاً. علينا أن نتحلى بالحكمة الكافية لاتخاذ خطوات تُحسّن حياتهم اليومية دون المساس بأمن المواطنين الإسرائيليين».

وتحدث بنيت عن إضعاف المجتمع الإسرائيلي عبر الحكومة الحالية حتى قبل 7 أكتوبر (تشرين الأول)، عبر «الإصلاح القضائي والطريقة التي تصرفت بها الحكومة، والتي كانت بمثابة رسالة إلى نصف الشعب الإسرائيلي: نحن نحتقركم، وسننتقم منكم».


أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
TT

أوباما يقلل من فرص «تحسن ملموس» باتفاق ترمب

الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)
الرئيسان الأميركيان دونالد ترمب وباراك أوباما في المكتب البيضاوي يوم 10 نوفمبر 2016 (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما إن من غير الواقعي توقع أن يحقق أي اتفاق جديد بين إدارة الرئيس دونالد ترمب وطهران «تحسناً ملموساً» مقارنة بالاتفاق النووي الذي أبرمته إدارته مع إيران قبل 11 عاماً.

وفي مقتطفات من مقابلة بُثت، الأحد، ضمن برنامج «هذا الأسبوع» على شبكة «إيه بي سي نيوز»، قال أوباما إن التوصل إلى اتفاق لا يلبي كل مطالب واشنطن يبقى أفضل من الانزلاق إلى حرب شاملة، حسبما أوردت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتحدث أوباما عن الاتفاق النووي المبرم عام 2015، الذي انسحب منه ترمب خلال ولايته الأولى، مشككاً في «إمكان وجود اختلاف جذري أو تحسن ملموس بين أي اتفاق يتم التوصل إليه حالياً والاتفاق الذي أبرمناه في البداية». وأضاف أن اتفاقه «بقي سارياً مدة طويلة قبل انسحاب الولايات المتحدة منه».

وتأتي تصريحات أوباما بينما يلوح ترمب منذ أشهر بإمكان التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران، من دون أن توقع طهران أي وثيقة حتى الآن. ويقول ترمب إن الاتفاق المرتقب سيمنع إيران إلى الأبد من امتلاك سلاح نووي، وسيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز المغلق عملياً.

ولم تؤكد طهران بعد استعدادها للتوقيع، وقالت إن محادثات السلام مع الولايات المتحدة «لا جدوى» منها حالياً، بعد ضربة إسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت. وتصر إيران على أن يشمل أي اتفاق كل جبهات النزاع.

وقال أوباما إن تعثر المسار الجديد يذكر بأن واشنطن لا تستطيع «فرض إرادتها بالقوة، أو شق طريقها نحو الحلول بالقصف» بدلاً من اعتماد دبلوماسية شاملة. وأضاف: «كان يُفترض أن نكون قد تعلمنا هذا الدرس».


الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
TT

الرئيس الإيراني يرفض تخوين فريق التفاوض

بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)
بزشكيان يلتقي ممثلي وسائل الإعلام في طهران اليوم (الرئاسة الإيرانية)

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن من يؤمن بالوحدة والتماسك الوطني، ويدّعي الالتزام بولاية الفقيه، فعليه أن يجعل قرارات المجلس الأعلى للأمن القومي أساساً للتحرك، باعتبارها حصيلة رأي جميع أركان النظام، في رد مباشر على تصاعد الهجمات الداخلية ضد مسار التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن بزشكيان قوله إن المجلس الأعلى للأمن القومي خلص إلى أن «مسار الحوار يجب أن يستمر»، مؤكداً أن قرار الحرب والتفاوض يعود إلى المجلس الذي يضم ممثلين عن مختلف مؤسسات الحكم، ومن بينهم ممثلو المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

ووجه بزشكيان انتقاداً مباشراً إلى التلفزيون الرسمي، قائلاً إن ما يُطرح أحياناً في الهيئة، بشأن الحرب والمفاوضات لا يعكس بالضرورة مواقف المجلس الأعلى للأمن القومي أو المجلس الأعلى للدفاع أو توجيهات المرشد. وحذر من محاولات «خلق انقسامات داخلية» وتعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي.

وأضاف أن التطورات الأخيرة أظهرت أن «لا دولة أكثر حرصاً من إيران نفسها على مصالحها»، وأن طهران «لا ينبغي أن تتكئ على أحد...». وقال: «لن ننحني أمام أي قوة، لكننا نعد أنفسنا مسؤولين ومطالبين بالرد أمام الشعب الإيراني ومطالبه المشروعة»، مشدداً على أن المقصود بالشعب «كل الإيرانيين، لا تيار أو مجموعة بعينها».

وشدد بزشكيان على أنه لا يجوز لأي فرد أو تيار أن يضع نفسه فوق آليات اتخاذ القرار الرسمية، أو أن يحاول فرض قراءته الخاصة عبر ضغط إعلامي أو سياسي. وقال إن أي مسار تفاوضي يبقى مرهوناً بموافقة المرشد الإيراني وتقديره، مؤكداً أنه يعدّ نفسه ملزماً بالقرار النهائي للنظام، حتى إذا خالف رأيه الشخصي.

وأضاف أن النقد والمطالبة «حق طبيعي للمجتمع»، لكنه اعتبر مهاجمة أشخاص كلفوا بمهام قانونية «بعيدة عن الإنصاف والمروءة». وتابع: «من المؤسف أن من يؤدون واجباتهم في إطار مهام رسمية، وبهدف حماية المصالح الوطنية وكرامة البلاد، يواجهون اتهامات مثل الخيانة أو بيع الوطن».

وربط الرئيس الإيراني بين مسار التفاوض والضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب، قائلاً إن أولوية حكومته هي تحسين معيشة الإيرانيين وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن الأسر.

وشدد على أن التفاوض لا يعني التخلي عن المبادئ أو الخضوع للضغوط، بل هو إحدى أدوات تأمين المصالح الوطنية، مؤكداً أن حكومته تسعى، عبر الحفاظ على الاقتدار الوطني، إلى «إيجاد انفراجة للبلاد وتأمين مصالح الشعب».

وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار يستقبل محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي لدى وصولهما إلى إسلام آباد للمشاركة في الجولة الأولى من المحادثات الأميركية - الإيرانية في 11 أبريل الماضي (أرشيفية - الخارجية الإيرانية)

شعارات ضد قاليباف وعراقجي

جاءت تصريحات بزشكيان بعدما تحولت تجمعات مؤيدة للمرشد وتحشد لها السلطات يومياً في طهران ومشهد، إلى استعراض ضد الاتفاق المحتمل مع واشنطن، وقادتها وجوه توصف بأنها قريبة من «جبهة بايداري» الأصولية المتشددة. وفي ساحة ابن سينا بطهران، هتف محتجون ضد وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهما من أبرز الوجوه المرتبطة بمسار التفاوض.

وردد المحتجون شعارات من بينها: «عراقجي، اخجل... واترك البلاد»، و«قاليباف، عراقجي... ماذا عن دم قائدنا؟». كما تجمع عشرات الأشخاص أمام مبنى وزارة الخارجية في مشهد، احتجاجاً على تصريحات عراقجي بشأن الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة.

وبحسب مقاطع نشرتها وكالة «فارس»، رفع المحتجون شعارات ضد عراقجي، معتبرين أن التفاهم المحتمل لا يصب في مصلحة إيران، ويضعف ورقة الضغط التي تمتلكها طهران في مضيق هرمز.

وترافق ذلك مع تصعيد من نواب محافظين ومتشددين. وقال محمود نبويان، عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، الذي قال إنه اطلع على النص النهائي للاتفاق، إن توقيعه سيجعل إيران «رسمياً مستعمرة لأميركا». وأضاف أن الاتفاق ينص على فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون قيود أو رسوم، بينما تبقى «مسألة رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة غامضة».

وقال نبويان إن اليورانيوم المخصب «يجب أن يخفف» بموجب الاتفاق، متسائلاً عما إذا كان هذا النص يحقق المصالح الوطنية. كما انتقد، في تصريحات أخرى، صياغة البنود الأولى، قائلاً إنه كان يجب أن يشير النص إلى أن الولايات المتحدة هي من بدأت الحرب، لا أن يضع واشنطن وطهران على قدم المساواة.

مفاوضون تحت الهجوم

وامتد السجال إلى اتهامات بشأن غموض النص. وادعى النائب كامران غضنفري أن فريق التفاوض أبرم «اتفاقاً سرياً» مع الأميركيين يتناقض مع ما يعلنه للرأي العام، متهماً الفريق بمحاولة منع وصول النص الإنجليزي إلى الشعب والمسؤولين والنواب «حتى لا يتضح مدى تعارضه مع المصالح الوطنية والأمن القومي».

وقال المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، النائب إبراهيم رضائي إنه «لا ينبغي الوقوع في خطأ حسابي»، مضيفاً أنه حتى لو كان هناك اتفاق أو تفاهم، فإن مساره يجب أن يكون «تأديب الكيان الصهيوني».

أما النائب مرتضى محمودي، فقال إن معارضة المفاوضات ونص الاتفاق «حق أكيد»، لكنه حذر من أن بعض المشاركين في التجمعات يحاولون، عبر الإهانات والهتافات ضد مسؤولين، حرف مطالب «الشعب الثوري» ومنح «تيار التسوية» فرصة للظهور بمظهر الضحية.

وفي المقابل، هاجم النائب المعتدل جلال رشيدي كوتشي معارضي الاتفاق، قائلاً إنهم «يدعون علناً إلى التمرد في الشوارع، ويهينون قادة الميدان والمفاوضات، ويضعفون النظام بكل قوة، ويهاجمون القائد الجديد بلا مبالاة». وأضاف أنهم جعلوا «كلمات ترمب حرفاً بحرف» أساساً لتحليلاتهم، لأنهم يدركون، حسب قوله، أنهم «سيُرسلون إلى مزبلة التاريخ مثل فرقان وحجتية».

وفي سجال منفصل، اتهم رشيدي كوتشي النائب نبويان بإشعال «نار الفتنة والانقسام»، وقال إنه خالف التوجيهات بعدم تحويل الخلافات إلى صراع وتفرقة، معتبراً أن إثارة الشكوك حول «قادة ميدان التفاوض» حولت النصر إلى هزيمة وأضعفت موقع إيران أمام خصومها.

قرار النظام

وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن القرار بشأن التفاهم المحتمل مع الولايات المتحدة يتخذ على مستوى «النظام والحكومة»، وإن مهاجمة المفاوضين تعني مهاجمة «قرار وطني».

ودافعت عن قاليباف وعراقجي، قائلة إن لكل منهما سجلاً في الدفاع عن «المصالح الوطنية». وأضافت أن «الدبلوماسية ليست ضد الميدان، بل استمرار للميدان»، وأن التفاوض من موقع قوة لا يعني التراجع.

وكتب عزت الله ضرغامي، وزير الثقافة الأسبق، أن موضوعاً بهذا الحجم لا يمكن أن يكون خارج الإشراف الدقيق للمرشد، داعياً إلى الحفاظ على التضامن بوصفه «السلاح الأكثر فعالية».

وقال حسن خميني، حفيد المرشد الإيراني، إن الظروف الحالية لا تحتمل «الشجار والخلاف والكلمات الحادة»، داعياً إلى الثقة بـ«الحكمة الجماعية» والقرارات الكبرى التي يتخذها كبار مسؤولي النظام. وشدد على أن الجميع يمكنهم تقديم آراء استشارية، لكن بعد اتخاذ القرار النهائي «يجب الالتزام به».

ودافع حسن خميني عن موقع قاليباف في مسار القرار والتفاوض، واصفاً إياه بأنه «قائد حرب ومن كبار مديري الجمهورية الإسلامية»، وقال إن مهاجمة كبار صناع القرار «لا طائل منه»، خصوصاً أن هذه القرارات تتم، بحسب قوله، تحت إشراف المرشد الإيراني ومصادقته.

كما سعى عضو مجلس خبراء القيادة محمد مهدي ميرباقري إلى تهدئة المخاوف، قائلاً إن المفاوضات الجارية «لن تسير بشكل ضعيف»، وإن المرشد الإيراني «يمارس إشرافاً جدياً ويصدر توجيهات حاسمة ويسيطر على المشهد». وأضاف أن فريق التفاوض الحالي «يختلف عن الفرق السابقة»، داعياً إلى عدم ضخ القلق في المجتمع.

ثلاثة تيارات معطلة

وقال موقع «خبر أونلاين» المقرب من حكومة بزشكيان إن المعارضة المنظمة للمفاوضات تقودها ثلاثة تيارات: هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية، وأنصار حكومة الرئيس الأسبق إبراهيم رئيسي، و«جبهة بايداري» المتشددة، بشبكتها الإعلامية ونوابها في البرلمان. ورأى الموقع أن هذه التيارات لا تقدم نقداً فنياً، بل تعتمد الاتهام وتشويه الشخصيات وبث التشاؤم تجاه أي تفاعل دبلوماسي مع واشنطن.

وأشار التقرير إلى أن هيئة الإذاعة والتلفزيون تحولت عملياً إلى منصة لمعارضي التفاوض، عبر برامج بثت خطابات تصف التفاوض بأنه «حرام» أو تعبيراً عن ضعف الإيمان. كما انتقد طريقة تناول الإعلام الرسمي لتصريحات القيادة، قائلاً إن بعض المقاطع تعرض وكأن النظام يرفض أي تفاوض مطلقاً.

أما أنصار حكومة رئيسي، فيربطون أي تفاوض جديد بتجربة الاتفاق النووي السابق وحكومة حسن روحاني، رغم أن الفريق الحالي لا ينتمي تنظيمياً إلى تلك الحكومة، وأن قاليباف نفسه شخصية أصولية. ووفق التقرير، فإن الهدف لم يعد نقد مضمون التفاوض بقدر ما أصبح تصفية حسابات سياسية مع خصوم سابقين.

أما «جبهة بايداري»، فاتهمها التقرير بنشر معلومات غير مؤكدة وتحليلات تتناقض مع الروايات الرسمية، وبإعلان دعم شكلي للفريق المفاوض أحياناً، ثم مهاجمته عملياً عبر الإعلام والتصريحات.

دور «الحرس الثوري»

ورغم أن الجدل ظهر في صورة خلاف إعلامي وبرلماني، فإن خلفيته تتصل أيضاً بموازين القوة داخل النظام. ونسبت «وول ستريت جورنال» إلى مسؤولين ووسطاء قولهم إن أحمد وحيدي، قائد «الحرس الثوري»، برز بوصفه أحد مراكز القوة التي تدفع طهران إلى التمسك بخط متشدد في التفاوض مع واشنطن.

وقالت الصحيفة إن وحيدي تجاوز، خلال الحرب، مواقف أكثر اعتدالاً للرئيس بزشكيان ووزير الخارجية، اللذين دفعا باتجاه اتفاق سريع لتجنب انهيار اقتصادي تحت ضغط الحصار الأميركي.

وفي المقابل، ركز وحيدي على إعادة ترسيخ الردع الإيراني وربط الجبهة اللبنانية بالحرب، وجعل أي اتفاق مع واشنطن مشروطاً بإنهاء إسرائيل حربها مع «حزب الله».

وتولى «الحرس الثوري» فرض السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو ما جعل ورقة المضيق حاضرة بقوة في الخلاف الداخلي. فبينما يرى مؤيدو التفاهم أن فتحه مقابل رفع الحصار الأميركي يمكن أن يثبت مكاسب الحرب، يحذر معارضوه من خسارة أهم أوراق الضغط قبل حسم ملفات النووي والعقوبات والأموال المجمدة.

وقال المحلل الإصلاحي أحمد زيد آبادي في مدونة عبر شبكات التواصل إن قوى متشددة محدودة «وصلت إلى مرحلة كسر العظم» في محاولتها إفشال اتفاق تحقق بعد جهود كبيرة، محذراً من أنها مستعدة لدفع البلاد نحو الفوضى وعدم الاستقرار. واعتبر أن هذه القوى لا تتحرك لخدمة النظام، بل تريد وضع النظام في خدمتها، حتى لو كان الثمن تهديد بقاء البلاد. وكتب أن منح هذه التيارات مساحة نفوذ يشبه «تربية أفعى في الكم»، لأنها قد تنقلب في لحظة الأزمة على مصالح النظام والدولة.

ورأى أن اتفاقاً متوازناً يمكن أن ينقذ إيران والمنطقة من الانزلاق إلى «ثقب أسود جهنمي».