مجتبى خامنئي… رجل «البيت» الذي خرج من الظل إلى قمة السلطة

محور المؤسسة المحافظة من همس النخب إلى شعارات الشارع

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يشارك على هامش مجلس عزاء في طهران (أرشيفية - تسنيم)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يشارك على هامش مجلس عزاء في طهران (أرشيفية - تسنيم)
TT

مجتبى خامنئي… رجل «البيت» الذي خرج من الظل إلى قمة السلطة

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يشارك على هامش مجلس عزاء في طهران (أرشيفية - تسنيم)
المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يشارك على هامش مجلس عزاء في طهران (أرشيفية - تسنيم)

بعد سنوات من الجدل والتكهنات والإنكار الرسمي لفكرة التوريث، دخل مجتبى خامنئي إلى واجهة المشهد بوصفه المرشد المعين رسمياً، منتقلاً من موقع النفوذ غير المعلن داخل «بيت» والده إلى الموقع الأعلى على رأس الدولة.

ويأتي تعيينه تتويجاً لمسار طويل بناه بهدوء، مستنداً إلى شبكة علاقات متينة داخل «الحرس الثوري»، ونفوذٍ متنامٍ في المؤسسة الحاكمة، ودور واسع خلف الكواليس، رغم أنه لم يشغل في أي وقت منصباً حكومياً رسمياً.

وبذلك، فإن المسار الذي تحول فيه اسم مجتبى خامنئي من همسات داخل النخب إلى موضوع نقاش علني في الشارع والإعلام، ثم إلى ملف مطروح على المستوى الدولي، جعله شخصية فريدة في السياسة الإيرانية، تجمع بين النفوذ غير الرسمي والغموض السياسي.

يبلغ مجتبى خامنئي 56 عاماً، وقد وُلد في الثامن من سبتمبر (أيلول) 1969 في مدينة مشهد. نشأ في مرحلة كان فيها والده يشارك في قيادة المعارضة ضد الشاه، ثم عايش قيام الجمهورية الإسلامية وصعود والده إلى قمة هرم السلطة.

ومن بين أبناء علي خامنئي الستة، كان مجتبى وحده تقريباً الأكثر ارتباطاً بالشأن العام، وإن بقي حضوره العلني محدوداً، وإطلالاته الإعلامية نادرة، وخطابه العام شبه غائب.

ولم يكن هذا الغياب دليلاً على هامشية دوره، بل على العكس تماماً. فالرجل الذي وُصف لسنوات بأنه «حارس بوابة» المرشد، وبأنه صاحب نفوذ واسع داخل مكتب والده، كان يُنظر إليه في دوائر كثيرة على أنه أحد أكثر الشخصيات تأثيراً في صناعة القرار الإيراني من وراء الستار.

وقد أشارت برقية دبلوماسية أميركية كُتبت عام 2007 ونُشرت لاحقاً عبر «ويكيليكس» إلى ثلاثة مصادر إيرانية وصفت مجتبى بأنه وسيلة الوصول إلى خامنئي، فيما يعكس مبكراً حجم موقعه داخل الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد.

نفوذ من دون منصب

اللافت في مسار مجتبى خامنئي أن نفوذه لم يُبن عبر منصب رسمي، بل عبر الموقع غير المعلن داخل بنية السلطة. فهو لم ينتخب قط، ولم يُعين في أي منصب حكومي، باستثناء عمله داخل مكتب والده.

ومع ذلك، ظل اسمه مطروحاً بوصفه فاعلاً مؤثراً في السياسة الإيرانية، وخصوصاً داخل التوازنات المعقدة بين المؤسسة الدينية والأجهزة الأمنية والعسكرية.

ولم يأتِ هذا التوصيف من معارضيه أو من خصوم إيران الخارجيين فحسب، بل عززته أيضاً العقوبات الأميركية التي فرضت عليه عام 2019. فقد قالت وزارة الخزانة الأميركية آنذاك إنه يمثّل المرشد «بصفة رسمية رغم أنه لم يُنتخب أو يعين في منصب حكومي»، وإن خامنئي فوض جزءاً من مسؤولياته القيادية إلى نجله، الذي عمل من كثب مع «فيلق القدس» و«الباسيج» لتحقيق الأهداف الإقليمية والسياسات الداخلية للنظام.

ويذهب بعض المحللين إلى أن إدراج اسم مجتبى خامنئي في قوائم العقوبات الأميركية لم يكن مجرد إجراء مالي أو قانوني، بل حمل أيضاً دلالة سياسية تتعلق بحجم نفوذه غير الرسمي داخل النظام، وبالرغبة في تسليط الضوء على حدود صلاحياته ودوره في بنية السلطة.

ومن هنا جاءت إحدى أكثر سماته وضوحاً: رجل بلا منصب، لكن بصلاحيات تتجاوز كثيراً حدود المنصب.

علاقات وثيقة مع «الحرس الثوري»

إذا كان مجتبى خامنئي قد بنى نفوذه داخل «البيت»، فإن رصيده الأهم تكرّس عبر علاقاته الوثيقة بـ«الحرس الثوري»، المؤسسة الأكثر تماسكاً وتنظيماً وتأثيراً في الجمهورية الإسلامية. وتعود جذور هذه العلاقة، حسب المعلومات المتداولة عنه، إلى مشاركته في وحدة قتالية تابعة لـ«الحرس» خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الإيرانية - العراقية، وهي تجربة أسهمت في توثيق صلته المبكرة بالمؤسسة العسكرية العقائدية.

مجتبى خامنئي مع الجنرال قاسم سليماني مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» الذي قُتل بغارة أميركية أوائل عام 2020 (تسنيم)

ومع مرور الوقت، لم تعد هذه العلاقة مجرد وشائج تاريخية، بل تحولت قاعدة نفوذ فعلي. فمصادر مطلعة قالت إن علاقاته الوثيقة بـ«الحرس الثوري» منحته تأثيراً إضافياً داخل الأجهزة السياسية والأمنية في البلاد. وذهب كسرى أعرابي، رئيس فريق أبحاث «الحرس الثوري» في منظمة «متحدون ضد إيران النووية»، إلى القول إن لمجتبى «قاعدة قوية ودعماً داخل (الحرس الثوري)، ولا سيما بين الأجيال الأصولية الشابة»، واصفاً إياه بأنه يعمل بالفعل بصفته «المرشد المصغر».

هذه الصفة، وإن بدت توصيفاً سياسياً أكثر من كونها وصفاً مؤسسياً، تلخّص صورة ترسخت على مدى سنوات: رجل يتحرك في الظل، لكنه يدير كثيراً من الخيوط الفعلية داخل النظام، وخصوصاً في الدوائر الأكثر تشدداً.

«هو السيد... لا ابن السيد»

سياسياً، يُعدّ مجتبى خامنئي قريباً من الجناح المحافظ في النظام، بل من أكثر مكوناته تشدداً في ملفات الداخل والخارج. ووفق المصادر التي تناولت سيرته، فقد عارض الإصلاحيين الذين سعوا إلى التواصل مع الغرب، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي أو فيما يتصل بمطالب توسيع الحريات العامة. ويتمسك مجتبى، حسب هذه الروايات، بشدة بسياسات والده؛ وهو ما جعل اسمه يرتبط باستمرار خط التشدد أكثر مما ارتبط بأي احتمال للتعديل أو الانفتاح.

في هذا السياق، كان اسمه حاضراً في النزاعات السياسية الكبرى داخل الجمهورية الإسلامية، وخصوصاً في الملفات الانتخابية. فقد اعتُقد على نطاق واسع أنه كان يقف وراء الصعود المفاجئ لمحمود أحمدي نجاد، الذي انتُخب رئيساً عام 2005. وفي انتخابات 2009، عاد اسمه بقوة؛ إذ دعم أحمدي نجاد في انتخابات متنازع على نتائجها أدت إلى احتجاجات واسعة قُمعت بعنف على أيدي «الباسيج» وقوات أمنية أخرى.

وفي ذلك الوقت، وجّه مهدي كروبي، رجل الدين المعتدل والمرشح الرئاسي، رسالة إلى خامنئي يحتج فيها على ما وصفه بدور مجتبى في دعم أحمدي نجاد. ورفض خامنئي الاتهام، لكن اسم نجله خرج يومها من نطاق الهمس السياسي إلى دائرة الجدل العام.

المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي يشارك على هامش مجلس عزاء في طهران (أرشيفية - تسنيم)

ومن الوقائع التي كثيراً ما استُشهد بها في الجدل حول دوره السياسي، ما رواه مهدي كروبي من أن خامنئي رد على أحد السياسيين الذين حذروه من تدخل نجله في الشأن العام بالقول: «هو السيد، لا ابن السيد». وقد فُسرت هذه العبارة على أنها إقرار باستقلال شخصيته السياسية، أو على الأقل إشارة إلى أن نجله لا يُنظر إليه داخل بعض دوائر السلطة بوصفه مجرد ابن للمرشد.

وتشير مسارات الجدل حول مجتبى خامنئي إلى أن الحديث عن دوره بدأ داخل النخب السياسية للنظام، ثم خرج تدريجياً إلى المجال العام. ففي احتجاجات عام 2009، ردد بعض المتظاهرين شعارات ضده، في مؤشر على أن احتمال خلافته لم يعد مجرد تحليل سياسي، بل أصبح أيضاً موضوعاً للنقاش الشعبي.

ثم عاد هذا الاسم ليصبح هدفاً مباشراً لهتافات المحتجين في احتجاجات لاحقة، بما في ذلك الاضطرابات التي اندلعت في 2022 بعد وفاة شابة أثناء احتجازها لدى الشرطة؛ إذ كان مجتبى هدفاً لانتقادات خاصة من المحتجين.

موقع ديني مؤثر... ولكن دون رتبة والده

إلى جانب نفوذه السياسي والأمني، عمل مجتبى خامنئي على بناء موقع داخل المؤسسة الدينية. فقد تلقى تعليمه على أيدي رجال دين محافظين في حوزات قم، مركز الدراسة الفقهية الشيعية في إيران، ودرس كذلك في مدرسة «علوي» بمدينة قم، وهي المدرسة نفسها التي تلقى فيها إبراهيم رئيسي دروس «فقه الخارج» على يد خامنئي.

كما مارس التدريس في قم، وبلغ مرتبة «حجة الإسلام»، وهي رتبة دينية متوسطة في التراتبية الحوزوية، أدنى من رتبة «آية الله» التي كان يحملها والده وروح الله الخميني المرشد المؤسس. وهذه النقطة بالتحديد كانت واحدة من أبرز نقاط الضعف التي أثارها منتقدوه؛ إذ رأى كثيرون أنه يفتقر إلى المؤهلات الدينية التقليدية اللازمة لتولي منصب المرشد.

لكن مسار الرجل لم يخلُ من إشارات فُسرت في أوساط إيرانية على أنها محاولات لتعزيز مشروعيته الدينية. ففي أغسطس (آب) 2023، أخذ الحديث عن احتمال توريث المنصب منحى أكثر جدية عندما استخدم موقع حوزة قم العلمية لقب «آية الله» لأول مرة قبل اسم مجتبى خامنئي، في خطوة عُدَّت مؤشراً على رفع مكانته الدينية. وجاء ذلك بمناسبة الإعلان عن فتح باب التسجيل أمام الطلبة الراغبين في حضور دروسه في «فقه الخارج».

وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انتشر على نطاق واسع مقطع فيديو أعلن فيه مجتبى تعليق دروس «فقه الخارج والأصول». وقال: «محاضرة اليوم ستكون الأخيرة»، مضيفاً أن توقفه عن التدريس نابع من «قرار شخصي» و«لا صلة له بالقضايا السياسية»، وأنه «مسألة بيني وبين الله»، لافتاً إلى أن والده اطلع على قراره. لكن هذه الخطوة أججت التكهنات أكثر، بدلاً من أن تبددها.

شائعات تثبيت الاجتهاد

بدأ مجتبى خامنئي منذ خريف عام 2009 تدريس «درس خارج الفقه» في مدينة قم، وهو أعلى مستوى في الدراسات الفقهية في الحوزة. وقد فُسرت هذه الخطوة آنذاك على نطاق واسع على أنها محاولة لترسيخ مكانته العلمية وإظهار بلوغه مرتبة الاجتهاد، بما قد يعزز أهليته الدينية في حال طرح اسمه مستقبلاً في سياق القيادة.

مجتبى يمشي خلف والده (أرشيفية_موقع المرشد الإيراني)

وأثار هذا التطور نقاشاً داخل الأوساط الدينية؛ إذ تحدثت تقارير إيرانية عن استياء بعض العلماء والمراجع، الذين عدّوا أن مجتبى «يستفيد من موقع والده»، وأنه «ليس في مستوى تدريس درس الخارج». كما عُدَّ اختيار مكتب المرشد في قم مكاناً للتدريس مؤشراً على إدخال الحوزة في إطار السلطة السياسية.

وفي تلك الفترة أيضاً، ترددت في مدينة قم أحاديث عن تحركات لإقناع بعض المراجع الدينيين بإقرار اجتهاده رسمياً. وقد قيل إن شخصيات بارزة زارت عدداً من المراجع في هذا الإطار، وهي معلومات جرى نفيها لاحقاً، لكنها أعادت إلى الأذهان مساعي مشابهة جرت في تسعينات القرن الماضي لتثبيت مرجعية والده.

تدخلات في ملفات الإعلام والإدارة

كما ظهرت مؤشرات أخرى على حضوره في بعض الملفات التنفيذية. فقد كشف محمد سرافراز، الرئيس السابق لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، في مذكراته، عن أن مجتبى خامنئي لعب دوراً في الترتيبات التي أدت إلى استقالته، مشيراً إلى وجود شبكة من الشخصيات النافذة داخل مكتب المرشد والأجهزة الأمنية كانت تعمل في هذا الاتجاه.

وفي السياق نفسه، تحدثت شهرزاد ميرقلي خان، التي عملت مستشارة لسرافراز، عن لقاءات جمعتها مع مجتبى خامنئي بشأن شؤون هيئة الإذاعة والتلفزيون. وقالت إنه كان يدعم شبكة نفوذ اقتصادية وأمنية مرتبطة ببعض مراكز القوة داخل «الحرس الثوري».

التوريث... التهمة التي لازمته

ويرى بعض المراقبين أن الدور غير الرسمي الذي لعبه مجتبى خامنئي داخل النظام يشبه، إلى حد ما، الدور الذي أداه أحمد خميني، نجل المرشد الأول. فالأخير لم يكن يشغل منصباً تنفيذياً رسمياً، لكنه كان يتدخل في ملفات الدولة بموافقة والده.

غير أن الفارق الأساسي، حسب هذه المقارنة، أن علي خامنئي لم يسع علناً إلى إبراز دور نجله أو الترويج له سياسياً بالطريقة التي كان يفعلها الخميني مع نجله أحمد.

منذ سنوات، كان اسم مجتبى خامنئي يقترن باتهامات بالسعي إلى تمهيد الطريق أمام انتقال المنصب من الأب إلى الابن. وقد أثار ذلك حساسية مضاعفة داخل إيران؛ لأن الجمهورية الإسلامية قامت أساساً على أنقاض نظام ملكي وراثي أطاحت به ثورة 1979. ولهذا؛ لم يكن مجرد طرح اسمه أمراً عادياً في المخيال السياسي الإيراني.

صحيفة «طهران تايمز» تهاجم تقريراً نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بشأن احتمال تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد منتصف يناير 2025

في 8 أغسطس 2023، حذَّر الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ 2011، من «مؤامرة توريث» منصب المرشد. وأشار إلى ما تتناقله بعض الأوساط عن إمكانية تولي «أبناء قائد الشيعة بعد وفاته»، لافتاً إلى تركيز مواقع مؤيدة لخامنئي على روايات تتعلق بنقل الإمامة من الآباء إلى الأبناء في التراث الشيعي.

في المقابل، حملت بعض الروايات الرسمية أو شبه الرسمية نبرة نفي أو تحفّظ. فقد زعم عضو «مجلس خبراء القيادة» محمود محمدي عراقي في فبراير (شباط) 2024 أن خامنئي «عارض تقييم أهلية أحد أبنائه لتولي منصب المرشد؛ لتجنب شبهة توريث المنصب». وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، نفى أحمد خاتمي معلومات نُسبت إليه بشأن تسمية خليفة للمرشد. كما نُقل عن خامنئي الراحل أنه عارض مراراً فكرة أن يتولى ابنه زمام الأمور، ولم يعلن يوماً شخصاً مفضلاً لديه للخلافة.

لكن كل هذا لم يمنع استمرار تداول اسم مجتبى، بل جعله في نظر كثيرين المرشح الأقوى، لا سيما بعد وفاة إبراهيم رئيسي في حادث تحطم مروحية عام 2024، وهو ما أزال من طريقه أحد أبرز المرشحين المحتملين.

الزواج والروابط العائلية

على المستوى الشخصي، كان مجتبى خامنئي متزوجاً من زهراء حداد عادل، ابنة غلام علي حداد عادل، رئيس البرلمان السابق والمستشار الثقافي للمرشد. وقد شكّل هذا الارتباط امتداداً لشبكة علاقات عائلية - سياسية داخل قلب المعسكر المحافظ. وقُتلت زوجته أيضاً في الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي قتلت والديه.

مجتبى خامنئي (يسار) مع شقيقيه مسعود وميثم خلال مراسم دينية (جماران)

ويرتدي مجتبى العمامة السوداء، في إشارة إلى انتماء عائلته إلى سلالة النبي محمد، وهو تفصيل يحمل رمزية دينية وشكلية مؤثرة في البيئة الحوزوية والسياسية الإيرانية. كما أن شبهه الكبير بوالده ظل من العناصر التي أسهمت في ترسيخ صورته العامة بوصفه امتداداً مباشراً له.

من المرشح الأوفر حظاً إلى المرشد المعين

بعد مقتل علي خامنئي في الغارة الجوية، تزايدت المؤشرات التي دفعت اسمه إلى صدارة المشهد. وبعد تعيينه، أكدت قناة «خبر» الإيرانية، أن مجتبى نجا من الحرب الجوية الأميركية - الإسرائيلية، وأن المؤسسة الحاكمة تنظر إليه على أنه الخليفة المحتمل. كما قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت إن الولايات المتحدة اطلعت على تقارير تفيد بأن مجتبى خامنئي يُنظر إليه بوصفه المرشح الأوفر حظاً لخلافة والده، وأن أجهزة الاستخبارات الأميركية تراقب الأمر من كثب.

وبينما كان مجلس خبراء القيادة يقترب من حسم قراره، وفق ما قال أحمد خاتمي، كان اسم مجتبى يتقدم على سواه داخل المعادلة الإيرانية، مستفيداً من ثلاثة عناصر متلازمة: قربه العضوي من «الحرس الثوري»، ونفوذه الراسخ في «بيت» المرشد، وتمسكه بخط والده السياسي والأيديولوجي.

هكذا، لم يصل مجتبى خامنئي إلى موقعه من بوابة الدولة الرسمية، بل من بوابة النظام العميق؛ لا عبر وزارة أو رئاسة أو قيادة تنفيذية، بل عبر النفوذ الشخصي، والولاء العقائدي، والتحالفات الأمنية، والموقع العائلي، والقدرة على إدارة السلطة من وراء الستار. ومع تعيينه رسمياً، ينتقل الرجل من مرحلة الاشتباه والتأويل إلى مرحلة الاختبار المباشر: هل سيكون استمراراً صرفاً لعهد والده، أم أن حكمه سيفتح فصلاً مختلفاً داخل الجمهورية الإسلامية؟

مجتبى خامنئي يهمس في أذن وحيد حقانيان المسؤول التنفيذي ومنسق الشؤون الأمنية في مكتب المرشد الإيراني (تسنيم)

المؤكد، وفق كل المعطيات التي أحاطت به طوال العقدين الماضيين، أن مجتبى خامنئي لم يكن اسماً عابراً في معادلة الخلافة، بل مشروع سلطة نضج بصمت، حتى خرج أخيراً من الظل إلى القمة.

وباختياره، تطوى أيضاً صفحة من الجدل السياسي الذي امتد لنحو عقدين داخل الأوساط السياسية والدينية والإعلامية في إيران حول هوية المرشح الذي قد يصبح المرشد الثالث للجمهورية الإسلامية. فقد ظل اسم مجتبى خامنئي يتردد طويلاً في التكهنات والتحليلات قبل أن يتحول من احتمال متداول إلى واقع سياسي. ومع ذلك، يرجح أن تستمر النقاشات حول مسار صعوده، إلى أن تتضح بصورة أكبر ملابسات توليه المنصب والظروف التي أحاطت بعملية اختياره.


مقالات ذات صلة

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

شؤون إقليمية لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠السبت، عن أنَّ ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب طهران.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
شؤون إقليمية صورة عامة لصالة ركاب فارغة بعد استئناف الرحلات الجوية في مطار «الإمام الخميني» الدولي وسط وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران (رويترز)

استئناف الرحلات التجارية بمطار طهران الدولي

قال التلفزيون الرسمي الإيراني، اليوم (السبت)، إنه تم استئناف الرحلات التجارية من مطار طهران الدولي.

«الشرق الأوسط» (طهران)
الولايات المتحدة​  الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب (أ.ب)

ترمب: إيران ستقدم عرضا يهدف إلى تلبية المطالب الأميركية

قال الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ​ترمب، ‌لوكالة «رويترز»، اليوم ​الجمعة، إن إيران تعتزم تقديم عرض ‌يهدف ‌إلى ​تلبية ‌المطالب ‌الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

وزارة الخزانة الأميركية تعلن فرض عقوبات على محافظ عملات مشفرة مرتبطة بإيران

قال وزير الخزانة الأميركي ‌سكوت بيسنت إن الوزارة ستفرض ‌عقوبات ‌على ​عدد ‌من المحافظ المرتبطة ‌بإيران؛ ما ‌سيؤدي إلى تجميد عملات مشفرة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: إلغاء زيارة المبعوثين إلى باكستان لا يعني استئناف الحرب مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إنه طلب من مبعوثيه إلغاء زيارة إلى باكستان، كانت مرتقبة في إطار استكمال المباحثات مع إيران بوساطة باكستانية.

وأوضح ترمب، في اتصال مع قناة «فوكس نيوز»: «قلت لهم: كلا، لن تقوموا برحلة تستغرق 18 ساعة للوصول إلى هناك. لدينا كل الأوراق. يمكنهم الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس (حول طاولة) والتحدث عن لا شيء».

وأكد ترمب أن إلغاء زيارة المبعوثين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان لا تعني استئناف الحرب مع إيران، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ولدى سؤاله عمّا إذا كان إلغاء الزيارة يعني استئناف الحرب، أجاب ترمب موقع «أكسيوس» الإخباري، قائلاً: «كلا، لا يعني ذلك. لم نفكّر في ذلك بعد».

وأشار ترمب إلى أن لا أحد يعرف من يتولى زمام القيادة في إيران. وجاء في منشور للرئيس الأميركي على منصته «تروث سوشيال»: «هناك اقتتال داخلي هائل وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بـ(القيادة) لديهم. لا أحد يعرف من المسؤول، بما في ذلك هم أنفسهم».

واختتم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارة إلى إسلام آباد، السبت، وسط مساعٍ لعقد جولة مفاوضات جديدة بين طهران وواشنطن.

وأوردت وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية (إرنا)، بعد ظهر السبت، أن عراقجي غادر إسلام آباد «بعدما التقى بمسؤولين باكستانيين رفيعي المستوى، وبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية».

وبدأ عراقجي، الجمعة، زيارته لإسلام آباد في إطار جولة من المقرر أن تشمل مسقط وموسكو. والتقى رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحق دار، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة بين واشنطن وطهران.

وقالت الخارجية الإيرانية، في بيان، إن عراقجي شكر لباكستان جهودها، وأوضح «مواقف بلادنا المبدئية بشأن آخر التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار والوقف الكامل للحرب المفروضة على إيران».


تركيا: إردوغان وأوزيل يتبادلان رسائل حول إمكانية اللقاء

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس حزب «الشعب الجمهوري» عقب فوز الحزب في الانتخابات المحلية عام 2024 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس حزب «الشعب الجمهوري» عقب فوز الحزب في الانتخابات المحلية عام 2024 (الرئاسة التركية)
TT

تركيا: إردوغان وأوزيل يتبادلان رسائل حول إمكانية اللقاء

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس حزب «الشعب الجمهوري» عقب فوز الحزب في الانتخابات المحلية عام 2024 (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله رئيس حزب «الشعب الجمهوري» عقب فوز الحزب في الانتخابات المحلية عام 2024 (الرئاسة التركية)

أبقى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وزعيم المعارضة رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل البابَ مفتوحاً أمام احتمال لقائهما، على الرغم من التوتر والتصريحات الحادة المتبادلة بينهما في الأشهر الأخيرة.

وبينما لم يبدِ إردوغان أي تحفظ على لقاء أوزيل على اعتبار أنه رئيس البلاد ورئيس الحزب الحاكم، أكّد أوزيل أنه لا توجد أرضية حالياً لعقد مثل هذا اللقاء، في ظل ممارسة أساليب عدائية ضد حزبه تحت ستار القانون.

وامتنع أوزيل عن لقاء إردوغان خلال الاحتفال بالذكرى الـ106 لتأسيس البرلمان التركي، التي يحتفل بها في 23 أبريل (نيسان) من كل عام تحت اسم «عيد السيادة الوطنية والطفولة»، مكتفياً بعقد لقاءات مع رؤساء الأحزاب الأخرى، ومنهم رئيس حزب «الحركة القومية» الحليف الوثيق لإردوغان، قبل أن يُغادر مقر البرلمان.

تلميحات متبادلة

وسخر إردوغان من سؤال أحد الصحافيين عندما سأله: «هل تُفكر في لقاء رئيس حزب (الشعب الجمهوري) أوزغور أوزيل؟ وهل سيكون هناك أي تواصل؟»، قائلاً: «ما هذا السؤال؟ أنا رئيس الحزب الحاكم (حزب العدالة والتنمية)، وهو رئيس حزب المعارضة الرئيسي (الشعب الجمهوري). لا يوجد في منطقنا أو في طبيعة العمل السياسي ما يمنع اللقاء، فلماذا لا نلتقي؟»، مضيفاً: «هل يُطرح مثل هذا السؤال على صحافي؟!».

أوزيل اشترط في تصريحات الجمعة وقف الحملة على حزبه للموافقة على لقاء إردوغان (حساب حزب «الشعب الجمهوري» في «إكس»)

وعلّق أوزيل في اليوم التالي (الجمعة) على تصريح إردوغان، قائلاً: «أنا أيضاً زعيم الحزب الأكبر في البلاد حالياً (بعد الفوز بالانتخابات المحلية عام 2024، وتصدّر استطلاعات الرأي حتى الآن) وإذا لزم الأمر فسألتقي بالتأكيد مع ثاني أكبر حزب، وهو حزب (العدالة والتنمية)»، مشترطاً وقف الحملة على حزبه.

وأضاف: «لا يوجد اجتماع مخطط له. وإذا رغب السيد إردوغان في الاجتماع معنا، وتلقينا طلباً مباشراً بذلك، فسندرس الأمر بالتأكيد. لكن عليهم أولاً التوقف عن تطبيق ما يُسمّى بـ(قانون العدو) ضدنا»، في إشارة إلى الحملة القانونية على حزب «الشعب الجمهوري» وبلدياته، والتي طالت حتى الآن 21 بلدية، عبر توقيف عدد من المسؤولين بتهم تتعلق بالفساد، وهو ما يصفه الحزب بأنه حملة ذات دوافع سياسية.

وقال أوزيل، الذي سبق أن بادر لـ«تطبيع سياسي» عقب الانتخابات المحلية التي فاز بها حزبه عام 2024 وتبادل اللقاءات مع إردوغان، إن حزب «الشعب الجمهوري» يسير نحو السلطة، ومن ورائه الشعب التركي يدعمه، وسيتولى حكم البلاد في أول انتخابات مقبلة.

«الشعب الجمهوري» يرسم خريطة طريق

وعقد أوزيل اجتماعاً مع رؤساء البلديات التابعة للحزب، السبت، جرى خلاله استعراض العمليات التي استهدفت البلديات التابعة له، ودعوته إلى إجراء انتخابات فرعية لشغل المقاعد الشاغرة في البرلمان، بوصف ذلك نوعاً من الضغط على الحكومة لإجراء انتخابات مبكرة، وخريطة الطريق التي سيتبعها الحزب في المرحلة المقبلة، في ظل الحملة المستمرة عليه.

أوزيل عقد اجتماعاً مع رؤساء بلديات حزب «الشعب الجمهوري» لبحث خريطة الطريق للمرحلة المقبلة في ظل الحملة عليها (حساب الحزب في «إكس»)

وقال أوزيل، في كلمة عقب الاجتماع مع رؤساء البلديات، الذي سبق اجتماعاً لمناقشة خريطة الطريق: «بغض النظر عن المعاناة التي ألحقتها هذه المظالم والتجاوزات بزملائنا من رؤساء البلديات، فإن الأمة تتوقع منا الثبات والصمود، والتوجه إلى صناديق الاقتراع، وتولي السلطة، لذلك سنواصل النضال بكل قوتنا».

وقبل نحو عامين على موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة في 2028، تدور نقاشات واسعة عن مرشح المعارضة للرئاسة في ظل احتجاز رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، الذي أعلن «الشعب الجمهوري» ترشيحه للرئاسة، واستمرار محاكمته بتهمة «الفساد» وفي عدد من القضايا الأخرى.

ولا يعد مرشح المعارضة وحده هو مثار النقاش والجدل، إذ يواجه «تحالف الشعب»، المؤلف من حزبي «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، نفسه، أكبر التحديات، ففي حين لا يستطيع إردوغان الترشح في الانتخابات المقبلة، دستورياً، لا يُطرح أي اسم آخر.

ويطالب حزب «الشعب الجمهوري» بإجراء انتخابات مبكرة منذ أكثر من عام بعد اعتقال إمام أوغلو في 19 مارس (آذار) 2025، لكن الحكومة تتجاهل مطالباته المتكررة.

بهشلي مصافحاً إردوغان خلال احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة» بالبرلمان التركي الخميس (الرئاسة التركية)

ولمّح رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، خلال اجتماع مجموعة حزبه في البرلمان الثلاثاء الماضي، إلى أنه يملك مفتاح الحل في يده، قائلاً: «من الواضح تاريخ الانتخابات والنتيجة التي ستُسفر عنها».

وهناك الآن أحد طريقين لضمان ترشح إردوغان، إما تعديل الدستور، وإما وضع دستور جديد والاستفتاء عليه، أو الدعوة إلى تجديد الانتخابات وإجراء انتخابات مبكرة بأغلبية 360 صوتاً. ويملك «تحالف الشعب» حالياً 321 صوتاً، منها 275 صوتاً لحزب «العدالة والتنمية»، و46 صوتاً لحزب «الحركة القومية»، وقد ترتفع إلى نحو 330 صوتاً في حال موافقة حزبي «الرفاه من جديد» و«هدى بار». وعلى فرض انضمام أحزاب «الديمقراطية والتقدم» و«المستقبل» و«السعادة»، فإن إجمالي الأصوات لن يتجاوز 350 صوتاً لصالح تجديد الانتخابات، وهو ما يستلزم توسيع قاعدة «تحالف الشعب» للوصول إلى النصاب المطلوب.

وحتى في هذه الحالة، يتطلب الأمر دعماً من حزب «الجيد» أو «الديمقراطية والمساواة للشعوب» أو قراراً مشتركاً يشمل حزب «الشعب الجمهوري»، لترشيح إردوغان مرة أخرى.

ويعني دعم المعارضة إجراء انتخابات مبكرة أن يتم تقاسم السلطة، أو توقيع بروتوكول بشأن الخطوات التي ستُتخذ بعد الانتخابات، وهذا وحده كفيل بتقليص نفوذ إردوغان عن طريق وجود شريك جديد.

أعلن رئيس حزب «الرفاه من جديد» فاتح أربكان تأييده لإردوغان في الجولة الثانية لانتخابات الرئاسة عام 2023 (الرئاسة التركية)

وكشف رئيس حزب «الرفاه من جديد»، فاتح أربكان، في تصريحات قبل أيام قليلة، عن أن «تحالف الشعب» يريد إجراء انتخابات تحت السيطرة، أي انتخابات يُحدد فيها النظام كل شيء، بدءاً من المرشح المنافس، وصولاً إلى شروط الانتخابات وموعدها.

وعدّت المعارضة والأوساط الشعبية أن تقييم أربكان، الذي أيد إردوغان في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 2023، دلالة على ما يُخطط له إردوغان وحليفه بهشلي، وأنهما يُخططان لإجراء «انتخابات مُدارة»، نتائجها معروفة سلفاً، ولذلك تتوالى الضربات على حزب «الشعب الجمهوري» لإضعافه تدريجياً.


مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)
لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)
TT

مضيق هرمز... وسط حصارين إيراني وأميركي

لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)
لقطة جوية تُظهر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان (أ.ف.ب)

قال وزير الدفاع بيت هيغسيث، صباح الجمعة، إنَّ القوات الأميركية ستُبقي على حصار مضيق هرمز «ما دام الأمر اقتضى ذلك». وقبل ذلك بيوم، أعلن مسؤول إيراني كبير، على وسائل التواصل الاجتماعي، أنَّ مقاتليه كانوا يختبئون في كهوف بحرية داخل المضيق لـ«تدمير المعتدين».

لقد سعت كلٌّ من الولايات المتحدة وإيران إلى فرض السيطرة على مضيق هرمز منذ اتفاقهما على وقف إطلاق النار. وتقول إيران إنَّ السفن التي تحصل فقط على إذن من «الحرس الثوري» سيكون مسموحاً لها بالمرور. بينما تقول البحرية الأميركية إنها تعترض جميع السفن المقبلة من الموانئ الإيرانية أو المتجهة إليها.

باختصار، من المستحيل معرفة مَن يسيطر على هذا الممر الملاحي الحيوي عند مدخل الخليج العربي. وما هو مؤكّد أن مصير المضيق أصبح قضيةً حاسمةً، ليس فقط لتسوية الصراع بين إيران والولايات المتحدة، بل أيضاً للاقتصاد العالمي. وفيما يلي ما نعرفه عمّا يحدث في هذا الممر المائي الضيّق:

معظم السفن لا تتحرك

قالت القوات الإيرانية إنها استولت على سفينتَي شحن قرب المضيق، الأربعاء، بينما قال الجيش الأميركي، الجمعة، إنه أوقف وأعاد توجيه 34 سفينة منذ بدء فرض الحصار على الموانئ الإيرانية.

وتخشى شركات الشحن وشركات التأمين التابعة لها أن تكون إيران قد زرعت ألغاماً في القنوات الرئيسية، وقد تهاجم السفن التجارية. وقد ردع ذلك معظم مئات السفن المحتجزة في الخليج العربي عن محاولة المغادرة.

أفراد مشاة بحرية «الحرس الثوري» يقتحمون سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز (أ.ف.ب)

مع ذلك، سمحت إيران لبعض السفن، بما في ذلك سفنها الخاصة، بالمرور عبر المضيق باستخدام مسار يمر بالقرب من ساحلها، وقد يتضمَّن الرسو في موانئ إيرانية. وقد مرّت ما لا يقل عن 150 سفينة عبر المضيق منذ الإعلان الأول عن وقف إطلاق النار في 7 أبريل (نيسان)، وفقاً لبيانات شركة «كبلر» العالمية لتتبع السفن.

ولا يزال حجم الحركة اليومية في المضيق أقل بكثير من مستوياته قبل الحرب. ففي الأوقات العادية، كان نحو خُمس إمدادات النفط العالمية وحصة كبيرة من الغاز الطبيعي تمر عبر المضيق على متن السفن. وقد أدت التوترات في هذا الممر المائي إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية، مع تداول النفط مجدداً بالقرب من 100 دولار للبرميل.

وأظهرت بيانات «كبلر» أنه بين الأربعاء والخميس، عبرت 17 سفينة الممر المائي.

إيران تستطيع عرقلة معظم التجارة

رغم أن جزءاً كبيراً من البحرية الإيرانية النظامية دُمِّر نتيجة الهجمات الإسرائيلية والأميركية في وقت مبكر من الصراع، فإنَّ «الحرس الثوري» لا يزال ينشر قوارب صغيرة وسريعة لتعطيل حركة الشحن. وتُعرَف هذه القوة باسم «أسطول البعوض»، وقد صُمِّمت لمضايقة السفن، غالباً عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة.

كما قال الإيرانيون إنهم زرعوا ألغاماً بحرية في الجزء من المضيق الذي كان، قبل الحرب، يضم ممرّين محددين جيداً لعبور السفن: أحدهما للسفن الداخلة إلى الخليج العربي والآخر للسفن المغادرة. وقد أجبر ذلك السفن على استخدام ممر أقرب إلى إيران يسهل على قواتها السيطرة عليه.

وفرضت طهران مؤخراً قواعد للعبور عبر الممر المائي، بما في ذلك الحصول على تصاريح لمسارات محددة مسبقاً. كما قدّم مسؤولون إيرانيون تشريعات في البرلمان لفرض رسوم عبور على السفن الراغبة في المرور عبر المضيق.

مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش - 64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

«لا شيء يفلت» من البحرية الأميركية

في الجهة المقابلة، قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية ستُبقي على الحصار حتى تتوصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق سلام دائم. وقد جعلت إيران رفع الحصار شرطاً لاستئناف المحادثات.

وبفضل دعم جوي كبير وأسطول من السفن الحربية التي تجوب خليج عُمان وبحر العرب جنوب شرقي المضيق، تتعقب البحرية الأميركية السفن التجارية المغادرة من الموانئ الإيرانية، وتواجه تلك التي تنجح في العبور، وتجبرها على العودة أو مواجهة خطر الصعود إليها.

وقال هيغسيث، الجمعة، إن 34 سفينة تم اعتراضها وإجبارها على العودة. كما تم تعطيل سفينة شحن واحدة، هي «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني، بعدما حاولت تفادي الحصار الأميركي يوم الأحد، بنيران البحرية، وتم احتجازها مع طاقمها في 19 أبريل في بحر العرب. ونددت إيران بالاستيلاء على السفينة وعدّته «قرصنة».

ورغم أن الجيش الأميركي قال إنه لم تتمكَّن أي سفينة إيرانية من اختراق شبكته، فإنَّ محللي «لويدز ليست» يقولون إن ما لا يقل عن 7 سفن مرتبطة بإيران تمكَّنت من المرور عبر مضيق هرمز والحصار الأوسع منذ 13 أبريل 2026.

وقد تمكَّنت بعض السفن من تفادي الحصار عبر إدخال بيانات منشأ أو وجهة زائفة، والتظاهر بأنها تقود سفينة أخرى بالكامل. كما يمكن للسفن إيقاف أجهزة الإرسال الخاصة بها مؤقتاً، فتبدو كأنها تختفي في مكان وتظهر في آخر.

*خدمة «نيويورك تايمز»

واشنطن: براناف باسكار