مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده

مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
TT

مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده

مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)

في تطور لافت، قالت وسائل إعلام رسمية في إيران، الأحد، إن «مجلس خبراء القيادة» اختار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للبلاد خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل قبل أسبوع في غارات جوية أميركية وإسرائيلية.

يأتي هذا التطور بعدما كانت شخصيات بارزة داخل المؤسسة الحاكمة تعتبر مجتبى، وهو رجل دين متوسط الرتبة تربطه علاقات وثيقة بـ«الحرس الثوري»، أحد أبرز المرشحين لخلافة والده منذ سنوات.

وعلى الرغم من أن الآيديولوجية الحاكمة في إيران ترفض مبدأ توريث منصب المرشد، فإن مجتبى خامنئي يحظى، وفق مصادر سياسية، بشعبية واسعة داخل صفوف «الحرس الثوري»، إضافة إلى النفوذ الكبير الذي لا يزال يتمتع به مكتب والده الراحل.

وفي المقابل، علّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مسألة الخلافة، قائلاً إن أي مرشد تختاره إيران خلفاً لخامنئي «لن يبقى طويلاً» ما لم يحظَ بموافقة الولايات المتحدة.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «إي بي سي نيوز»، إن «أي مرشح إذا لم نوافق عليه فلن يبقى طويلاً»، في تصريح يعكس استمرار التوتر السياسي بالتوازي مع التصعيد العسكري في المنطقة.

وكان ترمب قد قال في وقت سابق إن الولايات المتحدة يجب أن تشارك في اختيار المرشد الجديد لإيران، وهو طرح رفضته طهران بشكل قاطع واعتبرته تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية للبلاد.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه مؤشرات داخل «مجلس خبراء القيادة» تشير إلى اقتراب حسم ملف الخلافة، بعدما تحدث أعضاء في المجلس عن تشكّل أغلبية تميل إلى اختيار مجتبى خامنئي لتولي منصب المرشد.

وفي هذا السياق، قال عضو المجلس عسكر ديرباز، إن أغلبية مناسبة تشكّلت بالفعل داخل المجلس لصالح مجتبى، مشيراً إلى أن الاجتماعات التي عقدها الأعضاء خلال الفترة الماضية ناقشت مسألة الخلافة بشكل مكثف.

كما أعلن عضو آخر في المجلس، هو رحيم توكل، أن الإعلان الرسمي عن خليفة المرشد سيتم قريباً، من دون تحديد موعد محدد لذلك، في ظل الظروف الأمنية والحرب الدائرة في البلاد.

وفي موازاة ذلك، أكد محمد مهدي ميرباقري، وهو عضو آخر في «مجلس خبراء القيادة»، أن رأياً شبه نهائي قد تبلور داخل المجلس، مع بقاء بعض العقبات التي يجري العمل على تذليلها قبل الإعلان النهائي.

لكن في المقابل، قال إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى، إن اختيار المرشد تم بالفعل، مؤكداً أن ما يُتداول عن عدم اتخاذ قرار داخل المجلس «مجرد شائعات لا أساس لها».

وأوضح علم الهدى أن الإعلان الرسمي عن القرار يعود إلى الأمانة العامة لـ«مجلس خبراء القيادة»، التي تتولى إبلاغ القرار النهائي إلى الرأي العام عبر القنوات الرسمية.

وفي سياق متصل، قالت وسائل إعلام إيرانية إن المجلس ناقش أيضاً مسألة ما إذا كان يجب إصدار القرار بعد اجتماع حضوري للأعضاء أو الاكتفاء بالإجراءات الدستورية المتاحة في ظل الظروف الأمنية الحالية.

وتأتي هذه التطورات بعد أن أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) عن مقتل عشرات المسؤولين والقادة الإيرانيين، بينهم المرشد علي خامنئي.

وفي المقابل، توعد الجيش الإسرائيلي بملاحقة أي خليفة لخامنئي، محذراً من أن إسرائيل ستواصل استهداف كل من يشارك في عملية اختيار المرشد الجديد.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن «الذراع الطويلة لدولة إسرائيل ستواصل ملاحقة الخليفة وكل من يحاول تعيينه»، في إشارة إلى استمرار الضربات داخل إيران.

كما وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، تحذيراً مباشراً إلى المشاركين في الاجتماع المتوقع لاختيار المرشد، قائلاً إن إسرائيل «لن تتردد في استهدافهم أيضاً».

مجتبى خامنئي (يسار) مع شقيقيه مسعود وميثم خلال مراسم دينية (جماران)

من كواليس الحكم إلى موقع القيادة

برز اسم مجتبى خامنئي منذ سنوات بوصفه مرشحاً محتملاً لخلافة والده في منصب المرشد، رغم أنه لم يشغل أي منصب حكومي من قبل، ويُعرف بتمسكه الشديد بالسياسات التي انتهجها والده خلال فترة قيادته.

غير أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن في حالة المرشد أثار منذ وقت طويل جدلاً واسعاً، إذ يرى منتقدون أن مثل هذه الخطوة قد تثير غضباً ليس فقط بين الإيرانيين المعارضين لحكم رجال الدين، بل أيضاً داخل صفوف بعض مؤيدي النظام، الذين قد يعتبرونها تمهيداً لتوارث الحكم.

وخلال السنوات الماضية، لم يعلن علي خامنئي بشكل رسمي عن أي شخص مفضل لخلافته، كما عارض مراراً خلال مناقشات سابقة فكرة تولي أحد أبنائه منصب المرشد.

وفي عام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى خامنئي، قائلة إنه يمثل المرشد «بصفة رسمية» رغم أنه لم يُنتخب أو يُعيَّن في منصب حكومي، باستثناء عمله داخل مكتب والده.

وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انتشر مقطع فيديو لمجتبى خامنئي أعلن فيه توقفه عن تدريس «فقه الخارج»، وذلك خلال محاضرة بُثت عبر الإنترنت، بعدما فُسر بلوغه هذه المرحلة المتقدمة في المدارس الدينية الشيعية مؤشراً محتملاً على دوره في مسألة الخلافة.

وأعادت مواقع إيرانية نشر جزء من تلك المحاضرة، قال فيه مجتبى خامنئي إن «محاضرة اليوم ستكون الأخيرة»، معلناً توقفه عن تدريس «فقه الخارج والأصول»، وهي المرحلة الأخيرة في النظام الحوزوي التي تسبق الحصول على مرتبة «الاجتهاد».

وعزا مجتبى خامنئي قراره التوقف عن التدريس إلى «قرار شخصي»، مؤكداً أنه «لا صلة له بالقضايا السياسية»، وأضاف: «إنها مسألة بيني وبين الله»، مشيراً إلى أن والده كان على اطلاع على هذا القرار.

وفي فبراير 2024، قال عضو «مجلس خبراء القيادة» محمود محمدي عراقي، إن علي خامنئي كان قد عارض في وقت سابق تقييم أهلية أحد أبنائه لتولي منصب المرشد، وذلك لتجنب شبهة توريث المنصب.

وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، نفى عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي معلومات نُسبت إليه بشأن تحديد موعد لاختيار خليفة للمرشد الإيراني.

وخلال السنوات الماضية، واجه خامنئي أيضاً اتهامات من معارضين بالسعي إلى تمهيد الطريق أمام تولي نجله المنصب. ففي أغسطس (آب) 2023 حذر الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ عام 2011، مما وصفه بـ«مؤامرة توريث» منصب المرشد.

وأشار موسوي، في مدونة نشرها موقعه الرسمي، إلى ما يتردد في بعض الأوساط عن إمكانية انتقال القيادة إلى أبناء المرشد بعد وفاته، في إشارة إلى نقاشات داخلية حول انتقال القيادة الدينية.

وبعد نحو ثلاثة أسابيع من ذلك التحذير، أثار استخدام موقع «الحوزة العلمية» في قم لقب «آية الله» للمرة الأولى قبل اسم مجتبى خامنئي اهتماماً واسعاً، إذ يُعد هذا اللقب من أعلى الألقاب الدينية في التسلسل الحوزوي الشيعي.

مجتبى خامنئي مع الجنرال قاسم سليماني مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» الذي قضى بضربة أميركية (تسنيم)

وجاء استخدام اللقب في إعلان فتح باب التسجيل أمام الطلبة الراغبين في حضور دروس مجتبى خامنئي في «فقه الخارج»، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشراً إضافياً على بروز دوره الديني والسياسي.

وتلقى مجتبى خامنئي تعليمه الديني في مدرسة «علوي» بمدينة قم، وهي المدرسة نفسها التي تلقى فيها الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي دروس «فقه الخارج» على يد علي خامنئي.

ويُعرف مجتبى خامنئي أيضاً بعلاقاته الوثيقة داخل مؤسسة الحكم، إذ إنه متزوج من ابنة غلام علي حداد عادل، المستشار الثقافي للمرشد الإيراني.

كما يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل مكتب والده، ويتمتع بعلاقات قوية مع قادة «الحرس الثوري»، خصوصاً فريق الحماية الخاص بمكتب المرشد.

صحيفة «طهران تايمز» تهاجم تقريراً نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بشأن احتمال تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد منتصف يناير 2025

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه ضمن قائمة ضمت تسعة مسؤولين من الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الإيراني.

وسلطت الأضواء على دوره داخل مكتب والده خلال الانتخابات الرئاسية عام 2005، عندما وجه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي رسالة إلى خامنئي يحذر فيها من تدخل مجتبى في الانتخابات لصالح أحد المرشحين، في إشارة إلى محمود أحمدي نجاد.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2009 برز اسم مجتبى خامنئي على نطاق أوسع، إذ واجه اتهامات من معارضين بالتدخل في الانتخابات وقمع الاحتجاجات، بينما ردد المشاركون في احتجاجات «الحركة الخضراء» هتافات ضده.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، وجّه كروبي رسالة أخرى إلى خامنئي طالب فيها بتحمل مسؤولية ما جرى خلال ثلاثة عقود من الحكم، قائلاً إنه طلب منه منع تدخل نجله في السياسة، لكنه لم يفعل ذلك.


مقالات ذات صلة

حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

الولايات المتحدة​ متظاهر معارض لحرب إيران يقاطع جلسة استماع لوزير الحرب في «الكونغرس»... 30 أبريل 2026 (رويترز)

حرب إيران تشعل الانقسامات الأميركية

يرى أنصار ترمب ومنتقدوه أن زيارته إلى الصين الأسبوع المقبل قد تشكّل نقطة حاسمة في مسار حرب إيران.

رنا أبتر (واشنطن)
أوروبا المدمرة البريطانية «إتش إم إس دراغون» تغادر قاعدة «بورتسموث» البحرية الملكية على الساحل الجنوبي لإنجلترا يوم 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

بريطانيا ستنشر مدمّرة في الشرق الأوسط ضمن مهمة بمضيق هرمز

أعلنت المملكة المتحدة، السبت، أنها ستنشر في الشرق الأوسط المدمرة «إتش إم إس دراغون»؛ استعداداً لمهمة في مضيق هرمز «عندما تسمح الظروف».

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

تتكشف ملامح شبكة معقدة من طرق الإمداد، والتحالفات بين روسيا، وإيران، والصين، في مواجهة ضغط أميركي متزايد يستهدف بالدرجة الأولى البرنامج العسكري الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء ​السويدي أولف كريسترسون (أ.ف.ب)

ميرتس: أوروبا تريد بقاء «الناتو» ووقف حرب إيران

قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم (السبت)، إن أوروبا ترغب في ​الحفاظ على استمرارية عمل حلف شمال الأطلسي.

«الشرق الأوسط» (استوكهولم)
الاقتصاد أعمال إنشائية في عمارات بوسط القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

البنك الدولي يرفع حزمة مصر 300 مليون دولار لمواجهة آثار حرب إيران

قال المدير الإقليمي للبنك الدولي، إن مصر ستتلقى 300 مليون دولار إضافية، ضمن حزمة تمويل تنموي من البنك الدولي، لمساعدتها على مواجهة تداعيات حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
TT

روسيا نقلت مكونات مسيّرات إلى إيران عبر قزوين

جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)
جنود البحرية الصينية على ظهر سفينتهم الحربية خلال تمرين بحري مشترك مع إيران وروسيا في خليج عمان... مارس العام الماضي (أ.ب)

في خضم تصاعد التوترات الإقليمية، والعقوبات الغربية المتشابكة، تتكشف ملامح شبكة معقدة من طرق الإمداد، والتحالفات بين روسيا، وإيران، والصين، في مواجهة ضغط أميركي متزايد يستهدف بالدرجة الأولى البرنامج العسكري الإيراني، وقدرته على الاستمرار في التصنيع، والانتشار.

وتشير معطيات استخباراتية، ومسارات تجارية وملاحية إلى أن بحر قزوين، الذي طالما بقي هامشياً في حسابات الصراع الدولي، بات اليوم أحد أهم الممرات اللوجستية غير التقليدية في دعم القدرات العسكرية الإيرانية، خصوصاً في مجال الطائرات المسيّرة، وبالتوازي مع حملة عقوبات جديدة تستهدف شبكات إمداد مرتبطة بشركات في الصين، وهونغ كونغ، وفق تقريرين منفصلين نشرتهما السبت صحيفة «نيويورك تايمز».

سفينة إيرانية استُهدفت في بحر قزوين من قِبل الطيران الإسرائيلي في مارس 2026 (فيديو وزعه الجيش الإسرائيلي)

قزوين... الممر البديل

وفق تقديرات مسؤولين أميركيين، بدأت روسيا في نقل مكوّنات أساسية للطائرات المسيّرة إلى إيران عبر هذا الممر، في خطوة تُسهم في إعادة بناء جزء من الترسانة الإيرانية بعد خسائر كبيرة قُدّرت بنحو 60 في المائة من مخزونها من الطائرات المسيّرة خلال جولات القتال الأخيرة.

هذه الشحنات لا تأتي في إطار عسكري صرف، بل تتداخل مع حركة تجارية واسعة تشمل القمح، والذرة، وزيوت الطعام، والأعلاف، وتُنقل عبر موانئ إيرانية مطلة على بحر قزوين تعمل على مدار الساعة لتأمين احتياجات الاقتصاد الإيراني المتأثر بالعقوبات.

ويرى خبراء أن هذا التحول في مسارات الإمداد يعكس «تكيّفاً استراتيجياً» بين موسكو وطهران، إذ باتت روسيا تعيد توجيه صادرات كانت تمر عبر البحر الأسود، ومضايق أكثر هشاشة أمنياً، نحو الشمال الإيراني الأكثر عزلة عن الرقابة الغربية.

وفي هذا السياق، تقول الباحثة نيكول غرايفسكي، المتخصصة في الشأنين الروسي والإيراني، إن «بحر قزوين يمثل البيئة المثالية تقريباً للالتفاف على العقوبات، ونقل المعدات الحساسة، نظراً لطبيعته المغلقة، وصعوبة تتبعه».

وتشير بيانات ملاحية إلى أن جزءاً من حركة السفن بين الموانئ الروسية والإيرانية يتم دون تشغيل أجهزة التتبع، ما يزيد من تعقيد عملية الرصد الدولي للشحنات، ويحول بحر قزوين إلى ثقب أسود جيوسياسي.

ولا تقتصر أهمية هذا المسار البحري على التجارة التقليدية، بل تمتد إلى البنية العسكرية الإيرانية نفسها. فالمكوّنات الروسية التي تصل عبر بحر قزوين، بحسب مسؤولين أميركيين، تُستخدم لتعزيز قدرة إيران على إنتاج الطائرات المسيّرة بوتيرة أسرع، ما يمنحها هامشاً أكبر في الصراعات الإقليمية، وفي مواجهة التفوق العسكري الأميركي، والإسرائيلي.

وبينما لا يعتقد أن هذه المكونات تغيّر ميزان القوى بشكل جذري، إلا أنها توفر لإيران قدرة مستمرة على إعادة الإمداد، وهو ما يُعد عاملاً حاسماً في الحروب طويلة الأمد.

في المقابل، ترى موسكو وطهران في هذا التعاون جزءاً من «اقتصاد مقاوم للعقوبات»، يتيح لكلا البلدين تقليل الاعتماد على المسارات التجارية الخاضعة للرقابة الغربية، مثل مضيق هرمز، أو البحر الأسود.

جانب من عملية إطلاق سابقة لمسيرات إيرانية الصنع (أرشيفية - إكس)

خناق على الشبكات الآسيوية

بالتوازي، أعلنت الولايات المتحدة عن حزمة جديدة من العقوبات تستهدف أفراداً وشركات في الصين، وهونغ كونغ، إلى جانب كيانات في بيلاروسيا، بتهمة المساعدة في تزويد إيران بمعدات تدخل في تصنيع الصواريخ، والطائرات المسيّرة.

تأتي هذه الخطوة في إطار سياسة أميركية أوسع تهدف إلى تفكيك سلسلة الإمداد الصناعية التي تدعم البرنامج العسكري الإيراني، عبر استهداف حلقاته الوسيطة، وليس فقط المنتج النهائي.

وتشير واشنطن إلى أن شركات صينية خاصة، بعضها مرتبط بمصافي نفط، لعبت دوراً في تسهيل تدفق الموارد إلى الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات القائمة منذ سنوات.

وتكتسب هذه الإجراءات بعداً سياسياً إضافياً، إذ تتزامن مع تحضيرات لقمة مرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ في بكين، وسط توتر متصاعد حول دور الصين في دعم الاقتصاد الإيراني عبر مشترياتها من النفط.

وتظهر الصورة الكاملة اليوم أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لم يعد يقتصر على البرنامج النووي، أو المواجهات العسكرية المباشرة، بل تحول إلى حرب شبكات إمداد عالمية تمتد من بحر قزوين إلى بحر الصين الجنوبي، مروراً بالموانئ الخليجية، والمصافي المستقلة في آسيا.

وفي هذا الإطار، تبدو إيران وروسيا والصين وكأنها تبني تدريجياً منظومة بديلة للتجارة، والتسليح، وتعمل خارج النظام المالي والتجاري الغربي، لكنها تظل عرضة لضغوط العقوبات، ومحاولات الاحتواء المستمرة.

ومع تصاعد هذه الشبكات المتشابكة، يبدو أن بحر قزوين، رغم هدوئه الجغرافي، قد تحول إلى أكثر المساحات حساسية في صراع عالمي يتجاوز حدود المنطقة إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية نفسها.


تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
TT

تقرير: إسرائيل ستطلق اليوم سراح ناشطَي «أسطول الصمود» تمهيداً لترحيلهما

الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)
الناشط الإسباني سيف أبو كشك الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

أفادت منظمة حقوقية بأن إسرائيل ستطلق اليوم السبت سراح الناشطين في «أسطول الصمود العالمي» الداعم لغزة، البرازيلي تياغو أفيلا والإسباني سيف أبو كشك، على أن يبقيا في عهدة سلطات الهجرة تمهيداً لترحيلهما من البلاد، وففاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة»، الذي يتولى تمثيل الناشطين: «اليوم، أبلغ جهاز الشاباك (الأمن الداخلي) فريق (عدالة) القانوني أنه سيتمّ اليوم السبت التاسع من مايو (أيار) 2026 إطلاق سراح الناشطين في أسطول الصمود العالمي تياغو أفيلا وسيف أبو كشك، من الاحتجاز الإسرائيلي»، على أن يسلّما إلى «سلطات الهجرة الإسرائيلية في وقت لاحق اليوم، ويبقيا في عهدتها في انتظار ترحيلهما».

ودعا أسطول الصمود العالمي الذي يحمل مساعدات إنسانية لغزة إلى إعادة التجمع في ميناء مرمريس التركي في الأيام المقبلة.

الناشط البرازيلي تياغو أفيلا الذي تم احتجازه على متن أسطول الصمود العالمي المتجه إلى غزة يظهر أمام محكمة في جنوب إسرائيل (رويترز)

وقال النشطاء، أمس الجمعة، إن العديد من القوارب وصلت بالفعل في خليج البلدة وهناك قوارب أخرى من اليونان وإيطاليا في طريقها إلى هناك.

كما أظهرت البيانات من منصة تعقب إلكترونية أمس الخميس أن القوارب متجهة إلى مرمريس.

ومن غير الواضح متى يعتزم النشطاء الإبحار مجدداً من مرمريس باتجاه قطاع غزة مع إمدادات المساعدات.

وقال المنظمون إن المزيد من المعلومات بشأن «المرحلة المقبلة» من الحملة سوف تتوفر في 12 مايو (أيار).

واعترضت البحرية الإسرائيلية الأسبوع الماضي، أكثر من 20 سفينة من أسطول الصمود العالمي في المياه الدولية غرب جزيرة كريت واعتقلت 175 شخصاً.


هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
TT

هرمز... سجن بحري مفتوح يحتجز آلاف البحارة

صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز
صورة نشرتها «سنتكوم» لحاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» خلال عملياتها في المنطقة غداة عبورها بحر العرب باتجاه مضيق هرمز

تحول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إلى ما يشبه «سجناً بحرياً مفتوحاً» يحتجز آلاف البحارة العالقين على متن سفن الشحن، وناقلات النفط، وسط تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، واستمرار إغلاق المضيق منذ أسابيع.

ووفقاً لتقرير نشرته «وول ستريت جورنال»، فإن نحو 20 ألف بحار ما زالوا عالقين داخل الخليج العربي، فيما بدأت الإمدادات الغذائية والطبية بالنفاد على عدد من السفن، بينما يعيش البحارة تحت تهديد الطائرات المسيرة، والصواريخ، والألغام البحرية.

ويقول بحارة إنهم باتوا يقضون أيامهم في ترقب التعليمات العسكرية، والتحذيرات المتكررة عبر أجهزة اللاسلكي، في وقت أصبحت فيه العودة إلى الموانئ، أو محاولة العبور عبر المضيق محفوفة بالمخاطر.

«المنطقة حمراء»

وفي واحدة من أكثر الشهادات تعبيراً عن حجم الأزمة، روى ضابط الملاحة البنغلاديشي شميم صبير، العامل على متن ناقلة نفط مملوكة لشركة صينية، كيف بات طاقمه يعيش أيامه الأخيرة من الإمدادات الغذائية بعد أكثر من شهرين من التعطل داخل المضيق.

وقال صبير إن سفينته كانت ضمن أكثر من 800 سفينة تنتظر السماح لها بالمغادرة، مضيفاً أن الطائرات المسيّرة الإيرانية كانت تحلق باستمرار فوق السفن العالقة، بينما امتلأت قنوات الاستغاثة البحرية بنداءات بحارة يطلبون الطعام، والمياه، والمساعدة الطبية.

وأضاف أن رد البحرية الإيرانية على استفسارات الطواقم بشأن موعد فتح المضيق كان يتكرر بصورة ثابتة: «المنطقة خطيرة جداً... إنها منطقة حمراء».

ويقول البحارة إن بعض السفن اضطرت إلى التخلص من النفايات الفاسدة في البحر بعد تراكمها لأسابيع، فيما بدأ الطعام ينفد تدريجياً على عدد من السفن التي كانت تعتقد أن إغلاق المضيق لن يستمر طويلاً.

أزمة إنسانية في البحر

وتقول المنظمة البحرية الدولية إن ما لا يقل عن عشرة بحارة لقوا حتفهم منذ بدء الحرب، بينما تعرضت أكثر من 30 سفينة لهجمات بطائرات مسيّرة، وصواريخ إيرانية.

وبحسب التقرير، فإن الأزمة الإنسانية تتفاقم بشكل متسارع، خصوصاً على السفن التي تعاني نقصاً في المياه العذبة، والأدوية، والوقود.

وأبلغ بحار هندي عبر أجهزة الاتصال البحرية أن سفينته نفدت منها المؤن، والمياه، فيما دخل اثنان من أفراد الطاقم في حالة صحية حرجة. كما قال بحار روسي يعمل على ناقلة نفط إن أفراد طاقمه لم يتبقَّ لهم سوى الماء، والأرز، دون توافر أدوية لعلاج حالته المرضية المرتبطة بارتفاع ضغط الدم.

ويقول خبراء شحن إن الأزمة مرشحة للتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، مع ازدياد أعداد السفن التي تتخلى عنها الشركات المالكة بسبب الخسائر المالية الضخمة، وارتفاع تكاليف التأمين.

محاولة أميركية متعثرة

وكانت الولايات المتحدة قد أطلقت عملية محدودة لإخراج السفن العالقة أطلقت عليها اسم «مشروع الحرية»، حيث تواصلت البحرية الأميركية مع عدد من السفن، وشجعتها على محاولة المغادرة، مؤكدة أنها نجحت في تقليص مخاطر الألغام البحرية باستخدام طائرات مسيّرة، وتقنيات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.

لكن العملية توقفت بعد نحو 36 ساعة فقط، وسط استمرار التهديدات الإيرانية، والهجمات المتبادلة في المنطقة.

وقال أحد الضباط العاملين على متن سفينة شحن إن كثيراً من البحارة لم يقتنعوا بسلامة الممرات البحرية التي تحدثت عنها واشنطن، مضيفاً: «الحرس الثوري ينتظر في البحر، ومعه أسلحة... الوضع ليس آمناً بالنسبة لنا».

وأشار بحارة إلى أن التحذيرات الإيرانية عبر أجهزة اللاسلكي لا تتوقف، وتشمل رسائل متكررة تؤكد أن «مضيق هرمز مغلق بالكامل».

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

تكاليف قياسية للشحن والتأمين

ألقت الأزمة بظلالها الثقيلة على قطاع الشحن العالمي، إذ ارتفعت أقساط التأمين على السفن الموجودة داخل المضيق إلى مستويات غير مسبوقة، وصلت إلى نحو 8 ملايين دولار لناقلة نفط كبيرة واحدة، أي أكثر من 30 ضعف مستويات ما قبل الحرب.

وتقول شركات شحن إن كثيراً من ملاك السفن باتوا عاجزين عن تحمل التكاليف المتزايدة، فيما بدأت الخلافات تتصاعد بين بعض الشركات وأطقم السفن بسبب تأخر الرواتب، ونقص الإمدادات.

وأكد اتحاد عمال النقل الدولي أنه تلقى أكثر من ألفي طلب استغاثة من بحارة عالقين، نصفها يتعلق بعدم دفع الرواتب، بينما ترتبط مئات البلاغات الأخرى بنقص الطعام، والوقود، والمياه.

وقال منسق الاتحاد في الشرق الأوسط محمد العرشدي إن ما يجري «غير مسبوق في تاريخ الملاحة الحديثة».

محاولات يائسة للمرور

وفي محاولة للحصول على مرور آمن، بدأت بعض السفن تغيير أعلامها، أو كتابة عبارة «الطاقم كله صيني» على أجهزة التعريف الخاصة بها، بينما لجأت سفن أخرى إلى إطفاء أجهزة التتبع، والإبحار باستخدام المناظير فقط بعد تعرض إشارات الملاحة للتشويش.

ورغم ذلك، لم تتمكن سوى أعداد محدودة من السفن من عبور المضيق خلال الأيام الأخيرة.

وفي حادثة لافتة، ذكرت الصحيفة أن يختاً فاخراً يملكه الملياردير الروسي أليكسي مورداشوف تمكن من عبور الحصار الإيراني قبل ساعات من زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى موسكو للقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

وفي ظل استمرار الأزمة، يحاول البحارة الحفاظ على توازنهم النفسي بوسائل بسيطة. بعضهم يمارس الرياضة على سطح السفن، وآخرون يشاهدون الأفلام، أو يقرأون الكتب، أو يحاولون التواصل مع عائلاتهم رغم الانقطاع المتكرر لخدمات الإنترنت والاتصالات.

وقال صبير إن طاقمه بدأ يقتصد فيما تبقى من الطعام، الذي يقتصر حالياً على الشعيرية سريعة التحضير، وبعض الخضراوات.

وأضاف: «الوضع أصبح حرجاً للغاية».

ومع استمرار إغلاق المضيق، وتصاعد المخاوف من مواجهات بحرية جديدة، أو انتشار الألغام، يبقى آلاف البحارة عالقين في انتظار إجابة عن السؤال الذي يحدد مصيرهم، ومصير جزء كبير من حركة التجارة والطاقة العالمية: متى سيُعاد فتح مضيق هرمز؟