مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده

مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
TT

مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران خلفاً لوالده

مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)
مجتبى خامنئي (أ.ف.ب)

في تطور لافت، قالت وسائل إعلام رسمية في إيران، الأحد، إن «مجلس خبراء القيادة» اختار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للبلاد خلفاً لوالده علي خامنئي، الذي قُتل قبل أسبوع في غارات جوية أميركية وإسرائيلية.

يأتي هذا التطور بعدما كانت شخصيات بارزة داخل المؤسسة الحاكمة تعتبر مجتبى، وهو رجل دين متوسط الرتبة تربطه علاقات وثيقة بـ«الحرس الثوري»، أحد أبرز المرشحين لخلافة والده منذ سنوات.

وعلى الرغم من أن الآيديولوجية الحاكمة في إيران ترفض مبدأ توريث منصب المرشد، فإن مجتبى خامنئي يحظى، وفق مصادر سياسية، بشعبية واسعة داخل صفوف «الحرس الثوري»، إضافة إلى النفوذ الكبير الذي لا يزال يتمتع به مكتب والده الراحل.

وفي المقابل، علّق الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مسألة الخلافة، قائلاً إن أي مرشد تختاره إيران خلفاً لخامنئي «لن يبقى طويلاً» ما لم يحظَ بموافقة الولايات المتحدة.

وقال ترمب، في مقابلة مع شبكة «إي بي سي نيوز»، إن «أي مرشح إذا لم نوافق عليه فلن يبقى طويلاً»، في تصريح يعكس استمرار التوتر السياسي بالتوازي مع التصعيد العسكري في المنطقة.

وكان ترمب قد قال في وقت سابق إن الولايات المتحدة يجب أن تشارك في اختيار المرشد الجديد لإيران، وهو طرح رفضته طهران بشكل قاطع واعتبرته تدخلاً مباشراً في الشؤون الداخلية للبلاد.

ويأتي ذلك في وقت كانت فيه مؤشرات داخل «مجلس خبراء القيادة» تشير إلى اقتراب حسم ملف الخلافة، بعدما تحدث أعضاء في المجلس عن تشكّل أغلبية تميل إلى اختيار مجتبى خامنئي لتولي منصب المرشد.

وفي هذا السياق، قال عضو المجلس عسكر ديرباز، إن أغلبية مناسبة تشكّلت بالفعل داخل المجلس لصالح مجتبى، مشيراً إلى أن الاجتماعات التي عقدها الأعضاء خلال الفترة الماضية ناقشت مسألة الخلافة بشكل مكثف.

كما أعلن عضو آخر في المجلس، هو رحيم توكل، أن الإعلان الرسمي عن خليفة المرشد سيتم قريباً، من دون تحديد موعد محدد لذلك، في ظل الظروف الأمنية والحرب الدائرة في البلاد.

وفي موازاة ذلك، أكد محمد مهدي ميرباقري، وهو عضو آخر في «مجلس خبراء القيادة»، أن رأياً شبه نهائي قد تبلور داخل المجلس، مع بقاء بعض العقبات التي يجري العمل على تذليلها قبل الإعلان النهائي.

لكن في المقابل، قال إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى، إن اختيار المرشد تم بالفعل، مؤكداً أن ما يُتداول عن عدم اتخاذ قرار داخل المجلس «مجرد شائعات لا أساس لها».

وأوضح علم الهدى أن الإعلان الرسمي عن القرار يعود إلى الأمانة العامة لـ«مجلس خبراء القيادة»، التي تتولى إبلاغ القرار النهائي إلى الرأي العام عبر القنوات الرسمية.

وفي سياق متصل، قالت وسائل إعلام إيرانية إن المجلس ناقش أيضاً مسألة ما إذا كان يجب إصدار القرار بعد اجتماع حضوري للأعضاء أو الاكتفاء بالإجراءات الدستورية المتاحة في ظل الظروف الأمنية الحالية.

وتأتي هذه التطورات بعد أن أسفرت الضربات الأميركية والإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) عن مقتل عشرات المسؤولين والقادة الإيرانيين، بينهم المرشد علي خامنئي.

وفي المقابل، توعد الجيش الإسرائيلي بملاحقة أي خليفة لخامنئي، محذراً من أن إسرائيل ستواصل استهداف كل من يشارك في عملية اختيار المرشد الجديد.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان إن «الذراع الطويلة لدولة إسرائيل ستواصل ملاحقة الخليفة وكل من يحاول تعيينه»، في إشارة إلى استمرار الضربات داخل إيران.

كما وجّه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، تحذيراً مباشراً إلى المشاركين في الاجتماع المتوقع لاختيار المرشد، قائلاً إن إسرائيل «لن تتردد في استهدافهم أيضاً».

مجتبى خامنئي (يسار) مع شقيقيه مسعود وميثم خلال مراسم دينية (جماران)

من كواليس الحكم إلى موقع القيادة

برز اسم مجتبى خامنئي منذ سنوات بوصفه مرشحاً محتملاً لخلافة والده في منصب المرشد، رغم أنه لم يشغل أي منصب حكومي من قبل، ويُعرف بتمسكه الشديد بالسياسات التي انتهجها والده خلال فترة قيادته.

غير أن انتقال المنصب من الأب إلى الابن في حالة المرشد أثار منذ وقت طويل جدلاً واسعاً، إذ يرى منتقدون أن مثل هذه الخطوة قد تثير غضباً ليس فقط بين الإيرانيين المعارضين لحكم رجال الدين، بل أيضاً داخل صفوف بعض مؤيدي النظام، الذين قد يعتبرونها تمهيداً لتوارث الحكم.

وخلال السنوات الماضية، لم يعلن علي خامنئي بشكل رسمي عن أي شخص مفضل لخلافته، كما عارض مراراً خلال مناقشات سابقة فكرة تولي أحد أبنائه منصب المرشد.

وفي عام 2019، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على مجتبى خامنئي، قائلة إنه يمثل المرشد «بصفة رسمية» رغم أنه لم يُنتخب أو يُعيَّن في منصب حكومي، باستثناء عمله داخل مكتب والده.

وفي سبتمبر (أيلول) 2024، انتشر مقطع فيديو لمجتبى خامنئي أعلن فيه توقفه عن تدريس «فقه الخارج»، وذلك خلال محاضرة بُثت عبر الإنترنت، بعدما فُسر بلوغه هذه المرحلة المتقدمة في المدارس الدينية الشيعية مؤشراً محتملاً على دوره في مسألة الخلافة.

وأعادت مواقع إيرانية نشر جزء من تلك المحاضرة، قال فيه مجتبى خامنئي إن «محاضرة اليوم ستكون الأخيرة»، معلناً توقفه عن تدريس «فقه الخارج والأصول»، وهي المرحلة الأخيرة في النظام الحوزوي التي تسبق الحصول على مرتبة «الاجتهاد».

وعزا مجتبى خامنئي قراره التوقف عن التدريس إلى «قرار شخصي»، مؤكداً أنه «لا صلة له بالقضايا السياسية»، وأضاف: «إنها مسألة بيني وبين الله»، مشيراً إلى أن والده كان على اطلاع على هذا القرار.

وفي فبراير 2024، قال عضو «مجلس خبراء القيادة» محمود محمدي عراقي، إن علي خامنئي كان قد عارض في وقت سابق تقييم أهلية أحد أبنائه لتولي منصب المرشد، وذلك لتجنب شبهة توريث المنصب.

وفي يوليو (تموز) من العام نفسه، نفى عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي معلومات نُسبت إليه بشأن تحديد موعد لاختيار خليفة للمرشد الإيراني.

وخلال السنوات الماضية، واجه خامنئي أيضاً اتهامات من معارضين بالسعي إلى تمهيد الطريق أمام تولي نجله المنصب. ففي أغسطس (آب) 2023 حذر الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي، الخاضع للإقامة الجبرية منذ عام 2011، مما وصفه بـ«مؤامرة توريث» منصب المرشد.

وأشار موسوي، في مدونة نشرها موقعه الرسمي، إلى ما يتردد في بعض الأوساط عن إمكانية انتقال القيادة إلى أبناء المرشد بعد وفاته، في إشارة إلى نقاشات داخلية حول انتقال القيادة الدينية.

وبعد نحو ثلاثة أسابيع من ذلك التحذير، أثار استخدام موقع «الحوزة العلمية» في قم لقب «آية الله» للمرة الأولى قبل اسم مجتبى خامنئي اهتماماً واسعاً، إذ يُعد هذا اللقب من أعلى الألقاب الدينية في التسلسل الحوزوي الشيعي.

مجتبى خامنئي مع الجنرال قاسم سليماني مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري» الذي قضى بضربة أميركية (تسنيم)

وجاء استخدام اللقب في إعلان فتح باب التسجيل أمام الطلبة الراغبين في حضور دروس مجتبى خامنئي في «فقه الخارج»، وهو ما اعتبره بعض المراقبين مؤشراً إضافياً على بروز دوره الديني والسياسي.

وتلقى مجتبى خامنئي تعليمه الديني في مدرسة «علوي» بمدينة قم، وهي المدرسة نفسها التي تلقى فيها الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي دروس «فقه الخارج» على يد علي خامنئي.

ويُعرف مجتبى خامنئي أيضاً بعلاقاته الوثيقة داخل مؤسسة الحكم، إذ إنه متزوج من ابنة غلام علي حداد عادل، المستشار الثقافي للمرشد الإيراني.

كما يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه أحد أكثر الشخصيات نفوذاً داخل مكتب والده، ويتمتع بعلاقات قوية مع قادة «الحرس الثوري»، خصوصاً فريق الحماية الخاص بمكتب المرشد.

صحيفة «طهران تايمز» تهاجم تقريراً نشرته صحيفة «واشنطن بوست» بشأن احتمال تولي مجتبى خامنئي منصب المرشد منتصف يناير 2025

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه ضمن قائمة ضمت تسعة مسؤولين من الحلقة الضيقة المحيطة بالمرشد الإيراني.

وسلطت الأضواء على دوره داخل مكتب والده خلال الانتخابات الرئاسية عام 2005، عندما وجه الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي رسالة إلى خامنئي يحذر فيها من تدخل مجتبى في الانتخابات لصالح أحد المرشحين، في إشارة إلى محمود أحمدي نجاد.

وفي الانتخابات الرئاسية عام 2009 برز اسم مجتبى خامنئي على نطاق أوسع، إذ واجه اتهامات من معارضين بالتدخل في الانتخابات وقمع الاحتجاجات، بينما ردد المشاركون في احتجاجات «الحركة الخضراء» هتافات ضده.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2018، وجّه كروبي رسالة أخرى إلى خامنئي طالب فيها بتحمل مسؤولية ما جرى خلال ثلاثة عقود من الحكم، قائلاً إنه طلب منه منع تدخل نجله في السياسة، لكنه لم يفعل ذلك.


مقالات ذات صلة

فانس حزين لخسارة أوربان... ويطالب الفاتيكان بـ«التزام الشؤون الأخلاقية»

العالم فانس حزين لخسارة أوربان... ويطالب الفاتيكان بـ«التزام الشؤون الأخلاقية» p-circle

فانس حزين لخسارة أوربان... ويطالب الفاتيكان بـ«التزام الشؤون الأخلاقية»

قال نائب الرئيس الأميركي، الاثنين، إنه «حزين» لخسارة رئيس الوزراء المجري وحليفه اليميني فيكتور أوربان في الانتخابات، لكنه أضاف أن واشنطن ستعمل مع خلفه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الحصار البحري لإيران يختبر الهدنة

الحصار البحري لإيران يختبر الهدنة

بدأت الولايات المتحدة تنفيذ حصار بحري على الموانئ والمناطق الساحلية الإيرانية في محيط مضيق هرمز، في خطوة تختبر صمود الهدنة بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الخليج 
تصاعد الدخان بعد اعتراض طائرة إيرانية مسيرة في المنامة الشهر الماضي (رويترز)

مباحثات خليجية تتناول الأمن الإقليمي

استعرض العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، في اجتماع، تطورات الأوضاع في المنطقة وتأثيراتها على.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

قفزت أسعار النفط بنحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية - رويترز)

نتانياهو: وجّهنا «أقوى ضربة» لإيران في تاريخها

وقال نتانياهو خلال حفل متلفز أقيم في متحف ياد فاشيم الذي يخلد ذكرى الضحايا اليهود لألمانيا النازية «وجّهنا للنظام الإيراني الإرهابي أقوى ضربة في تاريخه».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

نتانياهو: وجّهنا «أقوى ضربة» لإيران في تاريخها

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية - رويترز)
TT

نتانياهو: وجّهنا «أقوى ضربة» لإيران في تاريخها

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية - رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو (أرشيفية - رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، في افتتاح فعاليات إحياء ذكرى ضحايا المحرقة مساء الاثنين، إن بلاده، بدعم من حليفتها واشنطن، وجّهت للنظام الإيراني «أقوى ضربة» في تاريخه.

وقال نتانياهو خلال حفل متلفز أقيم في متحف ياد فاشيم الذي يخلد ذكرى الضحايا اليهود لألمانيا النازية في القدس «وجّهنا للنظام الإيراني الإرهابي أقوى ضربة في تاريخه». وأضاف «لو لم نتحرك، لكانت أسماء مثل نطنز، وفوردو، وأصفهان... ارتبطت إلى الأبد بالعار، مثل أوشفيتز، وتريبلينكا، ومايدانيك، وسوبيبور»، مُشبها المواقع النووية الإيرانية بمعسكرات الاعتقال النازية.

وتحيي إسرائيل ذكرى المحرقة من مساء الاثنين إلى الثلاثاء، تكريما لستة ملايين يهودي قتلهم النازيون خلال الحرب العالمية الثانية. بدأت المراسم الرسمية التي تُقام سنويا في أبريل (نيسان) أو مايو (أيار) بحسب التقويم العبري، في ظل هدنة هشة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أكثر من شهر على اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.

وتزامنا تواصل إسرائيل حربها مع «حزب الله» المدعوم من طهران، في لبنان.


إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)
نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)
TT

إسرائيل تُحيي سراً ذكرى «المحرقة النازية»

نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)
نتنياهو والرئيس هرتسوغ في الكنسيت (أرشيفية - أ.ب)

في خطوة عدّتها تل أبيب «غاية في الدهاء والذكاء لجهاز المخابرات (الشاباك)»، تم إحياء ذكرى ضحايا الحروب الإسرائيلية، وذكرى ضحايا المحرقة النازية بشكل سري وقبل الموعد بعدة أيام، وذلك خشية إقدام إيران أو «حزب الله» أو الحوثيين على إطلاق صواريخ أو مسيّرات لاغتيال قادة إسرائيل الذين يشاركون عادة في هذه المناسبات، مثل الرئيس يتسحق هرتسوغ، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، إضافة إلى كثير من الوزراء وقادة الجيش والمخابرات وغيرهم.

ومن المفترض أن يُقام الحفل الأول مساء الثلاثاء في متحف ضحايا النازية «ياد فاشيم» (يد واسم)، والحفل الثاني في الأسبوع المقبل في القدس الغربية. وتُقام في كل واحد من اليومين عشرات الفعاليات ذات الطقوس الرسمية بحضور كبار المسؤولين. وتدير هذه البرامج هيئة حكومية برئاسة وزيرة المواصلات المقرّبة من نتنياهو، ميري ريغف.

وقررت أجهزة المخابرات إجراء الأحداث المركزية في الخفاء وفي موعد مسبق، خوفاً من قيام إيران أو وكلائها بالانتقام لمقتل المرشد الإيراني علي خامنئي وغيره من قادة الدولة.

حفل مسجل

نتنياهو يلتقي جنود الاحتياط في الشمال ويجيب عن أسئلتهم (أرشيفية - د.ب.أ)

وقال مصدر سياسي في تل أبيب إن «الشاباك قرر عدم المخاطرة؛ ففي إيران ولدى وكلائها ما زالت كميات كبيرة من الصواريخ والمسيّرات القادرة على الوصول إلى إسرائيل، فقرروا التحايل بذكاء ودهاء، وفرضوا على قادة الدولة إحياء هذه الذكرى بشكل سري قبل أيام من الحدث، وتصويرها وبثها عبر القنوات التلفزيونية الإسرائيلية في البلاد والعالم».

وهكذا، فإن الحفل الذي يُبث الثلاثاء سيكون مسجلاً، ولن يراه الجمهور في بث حي، على غير العادة.

يُذكر أن حفل إحياء ذكرى ضحايا النازية يشهد عادة قراءة أسماء نحو 6 ملايين يهودي تقول إسرائيل إن النازية أبادتهم بوسائل وحشية، بينها الخنق والحرق في أفران الغاز، وإشعال 12 شعلة يحمل كلّ واحدة منها أحد المسنين الذين تم إنقاذهم من المحرقة عندما كانوا أطفالاً.

كما يتم اختيار شخصيات مميزة لهذه المهمة، كان لها دور بارز في خدمة إسرائيل، مثل العميد «ب» الذي سيظهر من الخلف وعدم إظهار وجهه لكون شخصيته سرية، لأنه واضع برنامج وخطط هجوم سلاح الجو الإسرائيلي على إيران.

وأيضاً الرائدة نوريت ريش التي أُصيبت في غزة، وعولجت وعادت إلى القتال، ثم جُرحت من جديد وبُترت ساقها. والمواطنة أورا حتان التي تقطن في قرية شتولا على الحدود اللبنانية، وتم إجلاؤها خلال الحرب لكنها أصرت على العودة والبقاء في البلدة أثناء القصف. وطاليك زغويلي، والدة الجندي ران الذي قُتل في أسر «حماس» وكان آخر من سُلّمت جثته بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بالإضافة لشخصيات أخرى.

3 شخصيات تثير الجدل

مشيعون يبكون خلال مراسم جنازة أحد الحاخامات (إ.ب.أ)

وفي حين حظيت هذه الاختيارات بشبه إجماع في المجتمع الإسرائيلي، فإن هناك ثلاثة آخرين يثيرون جدلاً وحرجاً، وهم: غال هيرش، رئيس دائرة المخطوفين والمفقودين، الذي يتعرض لانتقادات لأنه أسهم مع نتنياهو في إطالة الحرب، مما تسبب بمقتل 44 أسيراً إسرائيلياً لدى «حماس».

والثاني هو موشيه أدري، السينمائي الذي أيد خطة وزير المعارف للتدخل في مضمون السينما الإسرائيلية ومحاربة الاتجاهات اليسارية فيها. والثالث هو رجل الدين المستوطن، الحاخام أبراهام زرفيف، الذي تباهى بأنه هدم منازل في قطاع غزة أثناء الحرب، ونشر على الشبكات الاجتماعية توثيقاً ظهر فيه وهو يهدم مبنى في خان يونس بجرافة «دي - 9»، وسُمع وهو يقول: «ينبغي ببساطة تسوية قطاع غزة بالأرض».

ونشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، يوم الاثنين، مقالاً افتتاحياً ربطت فيه اختيار زرفيف لإيقاد الشعلة، بالدعوى التي أقامتها جنوب أفريقيا أمام المحكمة الدولية في لاهاي، ودعت فيها إلى فتح تحقيق ضد دولة إسرائيل بتهمة ارتكاب جرائم حرب في قطاع غزة.

وقالت الصحيفة إن هذا «دليل آخر على الانهيار الداخلي لدولة إسرائيل، لأن الدولة تختار تكريم وتشريف من أصبح رمزاً لتسوية قطاع غزة بالأرض، وتقول للعالم إنها ترى فيه رجلاً وقِيَماً جديرة بالشرف وتمثل الدولة». وأضافت: «فالحاخام زرفيف جدير حقاً بأن يحمل شعلة؛ ليس لأنه جدير بالشرف، بل لأن دولة إسرائيل فقدت الطريق والبوصلة والضمير. ما فعلته إسرائيل في قطاع غزة هو وصمة عار لن تُمحى، وزرفيف يمثل صورتها اليوم».


تحرك فرنسي - بريطاني «سلمي» لإعادة الملاحة في «هرمز»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)
TT

تحرك فرنسي - بريطاني «سلمي» لإعادة الملاحة في «هرمز»

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)

باستثناء تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي عبّر فيه، الاثنين، عن تأييده قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض حصار على كل السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، فإن كل القادة والمسؤولين عبر العالم التزموا مواقف حذرة؛ بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة، سواء أكان داخل «حلف شمال الأطلسي»، أو «الاتحاد الأوروبي»، أو في منظومة «الأعين الخمس (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا)؛ ذلك أن مبادرة ترمب أحرجت حلفاء بلاده وأربكتهم.

وبعد أن كان يدعو منذ أسابيع إلى تحرير الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، جراء التدابير القسرية الإيرانية، تبنى ترمب سياسة مغايرة برزت نتائجها العملية سريعاً جداً، حيث عادت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع، ومعها المخاوف العالمية من استفحال أزمة الطاقة، خصوصاً أنه لا أحد يملك تصوراً واضحاً للتطورات الميدانية والجيوسياسية المترتبة على ذلك.

إرباك أوروبي

وبدا الإرباك، خصوصاً لدى «الاتحاد الأوروبي»، من خلال «اللاموقف» من قرار ترمب. وبرز ذلك في تصريح أورسولا فون دير لاين، رئيسة «المفوضية الأوروبية»، التي نبهت، الاثنين، إلى أن «الإغلاق المستمر لمضيق هرمز يسبب أضراراً كبيرة، واستعادة حرية الملاحة ذات أهمية قصوى بالنسبة إلينا».

أما كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في «الاتحاد»، فشددت على أمرين: «الأول: ضرورة أن يعاد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة مجدداً. والثاني: ضرورة أن يبقى باب الوساطة مفتوحاً؛ من أجل معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، بالتوازي مع الحاجة إلى تجنب مزيد من التصعيد، والذهاب نحو حلول دبلوماسية».

وأضافت كالاس أن «الاتحاد الأوروبي» يدعم جهود الوساطة من أجل حل النزاع. والأمر نفسه ينسحب على فريدريتش ميرتس، المستشار الألماني، الذي تجاهل تماماً مستجدات مضيق هرمز، مكتفياً بالقول إنه «لم يفاجأ» بفشل محادثات إسلام آباد؛ لأنه «منذ البداية، لم يكن (لديه) انطباع بأنها كانت مُحضَّرة بشكل جيد فعلاً». في المقابل، كشف ميرتس عن مجموعة من التدابير للتخفيف من تبعات ارتفاع أسعار الطاقة على مواطنيه وشركاتهم.

رئيس الوزراء البريطاني خلال لقائه فريق طائرة «إيه 400» التابعة للقوات المسلحة البريطانية في أبوظبي يوم 9 أبريل 2026 بمناسبة جولته الخليجية (إ.ب.أ)

ومن بين كل المسؤولين الأوروبيين، انفرد رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بالتعبير عن مواقف واضحة وقاطعة، رغم قرب بلاده من واشنطن... ففي حديث لإذاعة «بي بي سي»، الاثنين، أكد ستارمر أن لندن «لا تدعم الحصار» الأميركي الذي تنوي واشنطن فرضه على الموانئ الإيرانية، كما أنها «لن تنجرّ إلى الحرب».

ووفق ستارمر، فإنه «من الحيوي أن نعيد فتح المضيق بشكل كامل، وهذا هو المجال الذي ركزنا عليه كل جهودنا في الفترة الأخيرة، وسنواصل ذلك». وجاء حرصه على النأي ببريطانيا عن خطة ترمب بعد أن أعلن الأخير أن لندن وعدت بإرسال كاسحات ألغام إلى المضيق. وأعلنت لندن مؤخراً أنها قد تساعد في إزالة الألغام من الممر المائي، و«لكن فقط بعد توقف القتال»؛ وهي النقطة التي تجاهلها ترمب. وفي أي حال، فقد أكد ستارمر أن كل القدرات العسكرية البريطانية «موجهة من جانبنا نحو إعادة فتح المضيق بالكامل».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر عند مدخل «الإليزيه» وصول رئيس «الاتحاد الأفريقي» محمود علي يوسف الاثنين (إ.ب.أ)

ستارمر - ماكرون

وحقيقة الأمر أن خيار ترمب بالنسبة إلى مضيق هرمز أطاح الخطط الأوروبية؛ وتحديداً الفرنسية - البريطانية التي يجري العمل عليها منذ أسابيع، وعنوانها تشكيل مجموعة تدخل متعددة الجنسية وأوروبية الطابع؛ من أجل مواكبة السفن المارة عبر مضيق هرمز، ولكن بعد أن تتوقف الأعمال الحربية.

ولهذا الغرض، جرى اتصال هاتفي بين ستارمر والرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، مساء الأحد. وقد اكتفى مكتب الأول بالإشارة إلى أن المسؤولَين يتفقان على الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة. لكن ماكرون أوضح في تغريدة على منصة «إكس»، صباح الاثنين، أن فرنسا وبريطانيا «ستنظمان، خلال الأيام القليلة المقبلة، مؤتمراً مع الدول المستعدة للمساهمة إلى جانبنا من أجل إطلاق (مهمة متعددة الجنسية ذات طابع سلمي)؛ تهدف إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز. وستكون هذه المهمة (ذات طابع دفاعي بحت ومستقلة عن أطراف النزاع، على أن تُنشَر عندما تسمح الظروف».

وشدد ماكرون على أنه «ينبغي عدم ادخار أي جهد من أجل التوصل بسرعة إلى تسوية قوية ودائمة للنزاع في الشرق الأوسط عبر المسار الدبلوماسي... تسوية تُمكّن من إرساء إطار متين يسمح للجميع بالعيش في سلام وأمن». وفي نظره، «تتعين معالجة كل القضايا الجوهرية، وإيجاد حلول مستدامة لها، سواء أتعلقَ الأمر بالأنشطة النووية والباليستية لإيران، أم بأعمالها المزعزعة للاستقرار في المنطقة؛ وكذلك من أجل السماح باستئناف الملاحة الحرة ودون عوائق في مضيق هرمز بأقرب وقت ممكن».

سفينة شحن قريبة من مضيق هرمز كما شوهدت من إمارة رأس الخيمة الإماراتية قرب حدود منطقة مسندم العامرية المطلة على المضيق (رويترز)

ضبابية «المهمة»

واللافت أن ماكرون لم يتناول مباشرة مبادرة ترمب. ورغم تغير الظروف، فإن باريس ولندن متمسكتان بـ«المهمة» التي يريدان لها أن تكون بعيدة عمّا تقوم به القوات الأميركية في المنطقة. وسبق لهما أن أكدتا، قبل أن يُطرح موضوع الحصار، أن «المهمة» الدفاعية المذكورة، أي مواكبة السفن، ستجري بالتفاهم مع طهران وبعد انتهاء الحرب أو العمليات العسكرية الكبرى. وعلى هذا الأساس، عُقدت اجتماعات عسكرية ودبلوماسية متنقلة عدة بين باريس ولندن بحضور ما لا يقل عن 35 دولة أوروبية وغير أوروبية للتعرف على الدول المستعدة للمساهمة فيها؛ إن كان عسكرياً أم لوجيستياً أم تمويلياً. ووفق باريس، فإنها ستكون على غرار «مهمة أسبيدس» الأوروبية التي أطلقت في عام 2023 لتأمين إبحار السفن في البحر الأحمر بين باب المندب وقناة السويس. ونجحت هذه المهمة في ضمان سلامة ما لا يقل عن 600 سفينة.

غير أن ترمب، بمبادرته، «قلب الأمور رأساً على عقب»، وفق توصيف مصدر أوروبي في باريس. من هنا، جاء استعجال ماكرون وستارمر في الدعوة إلى «اجتماع قمة عاجل» لإعادة تعريف «المهمة» متعددة الجنسية وظروف عملها، خصوصاً أن الأوضاع في المضيق والخليج بشكل عام مرشحة لأن تشهد تصعيداً كبيراً. وتقوم المقاربة الأوروبية على الامتناع عن دعم الحصار، وتفضيل العمل الدبلوماسي، والتخوف من تصعيد عسكري كبير تكون له تبعات اقتصادية تفاقم انعكاساته على اقتصاداتهم.