تنظيم «داعش» يكثف هجماته بتكتيك «الذئاب المنفردة» في سوريا

«فوضى عارمة» في مخيم الهول أتاحت «هروب» عائلات من «داعش»

خيمة فارغة في مخيم الهول الذي أغلقته السلطات السورية في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 25 فبراير (أ.ف.ب)
خيمة فارغة في مخيم الهول الذي أغلقته السلطات السورية في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 25 فبراير (أ.ف.ب)
TT

تنظيم «داعش» يكثف هجماته بتكتيك «الذئاب المنفردة» في سوريا

خيمة فارغة في مخيم الهول الذي أغلقته السلطات السورية في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 25 فبراير (أ.ف.ب)
خيمة فارغة في مخيم الهول الذي أغلقته السلطات السورية في محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا يوم 25 فبراير (أ.ف.ب)

كثف تنظيم «داعش» هجماته بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة ضد قوى الأمن والجيش في سوريا بمحافظات المنطقة الشرقية ومنها الرقة ودير الزور، وذلك من خلال «تكتيك الذئاب المنفردة».

وذكرت قناة «الإخبارية السورية»، اليوم الخميس، أن ذلك يأتي بالتزامن مع الإنجازات الأمنية والسياسية التي حققتها الدولة في ملفات عديدة لبسط الاستقرار في ربوع البلاد ولا سيما المنطقة الشرقية.

وأضافت أنه على الرغم من تآكل قدرات التنظيم في سوريا خلال السنوات الماضية، فإنه ما زال قادراً على شن هجمات متفرقة عبر خلاياه في مناطق جغرافية متعددة، خصوصاً في المناطق الصحراوية.

وأشارت إلى أن «التنظيم نفذ، منذ أيام، هجومين على أحد حواجز الأمن الداخلي غرب مدينة الرقة، ما أدى إلى استشهاد أربعة عناصر وإصابة آخرين، كما استشهد عنصر من الجيش العربي السوري جراء استهداف مقر للجيش في محيط مدينة الميادين شرق دير الزور».

الأمن الداخلي يحبط هجوماً لتنظيم «داعش» في الرقة يوم الاثنين الماضي (سانا)

ونقلت «وكالة الأنباء الألمانية» أنه «إزاء تصاعد هجمات التنظيم، كثفت قوى الأمن الداخلي جهودها في ملاحقة خلاياه وإحباط عملياته، فقد تمكنت من تفكيك الخلية التي استهدفت حاجز الأمن الداخلي في الرقة، وحيدت متزعمها وأحد أفرادها، كما اعتقلت أربعة آخرين مع ضبط أسلحة وذخائر كانت بحوزتهم»، وفقاً لوزارة الداخلية.

كما أعلنت الوزارة، أمس الأربعاء، أن «وحدات الأمن الداخلي في مدينة الميادين بريف دير الزور نفذت عملية أمنية أسفرت عن القبض على أحد عناصر (داعش)، المتورط في استهداف أحد عناصر الفرقة 86 في وزارة الدفاع، ما أدى إلى استشهاده».

وزادت هجمات «داعش» على قوى الأمن والجيش منذ أن استعادت الحكومة السيطرة على محافظات دير الزور والرقة والحسكة، كما جاء نشاط التنظيم بعد الوصول إلى تفاهمات أخيرة مع «قسد» أفضت إلى وقف إطلاق النار ودمجها إدارياً وعسكرياً ضمن الدولة الموحدة.

مخيم الهول الخالي تماماً بعد أن أغلقته السلطات السورية في شمال شرقي سوريا وقد شهد فراراً جماعياً لأقارب عناصر يُشتبه بانتمائهم لـ«داعش» (أ.ف.ب)

في محيط مخيم الهول في شمال شرقي سوريا، يروي شهود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «الفوضى العارمة» التي تلت انسحاب القوات الكردية من المخيم الشهر الماضي، وخروج عائلات عناصر تنظيم «داعش» منه إلى جهات مجهولة. وفي جولة داخل المخيم الواقع في محافظة الحسكة والذي بدا مقفراً، شاهد مراسل « الوكالة الفرنسية» خياماً خالية من قاطنيها، وقد تركوا خلفهم ملابسهم وأمتعتهم. وفي القسم الذي كان مخصصاً للأجانب، عاين ألعاب أطفال ودفاتر عليها كتابات بلغات عدة.

وانسحبت «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» في 20 يناير (كانون الثاني) من المخيم الأكبر الذي ضمّ عائلات عناصر من التنظيم المتطرف، في ظل تصعيد عسكري بينها وبين القوات الحكومية السورية. ووصلت القوات الحكومية إلى المخيم الذي كان يؤوي أكثر من 23 ألف شخص، بعد 6 ساعات من انسحاب قوات «قسد» منه «بشكل مفاجئ وغير منسق» معها، وفق ما أفادت وزارة الداخلية السورية.

شهود عيان: فوضى عارمة

يروي صالح محمود الحافظ، أحد سكان قرية الهول أنه بعد انسحاب «قسد»، باتت هناك خلال لحظات فوضى عارمة. ويضيف: «انسحبت (قسد)، وجاء الأهالي ومقاتلو العشائر. من تمكّن من الخروج فقد خرج، وأقلّت سيارات الناس... هامت العائلات كيفما تشاء».

وكانت غالبية قاطني المخيم، وهم إجمالاً من النساء والأطفال، من السوريين والعراقيين. كما كان قرابة 6500 أجنبي من 44 جنسية محتجزين في قسم خاص خضع لحراسة مشددة.

في الطريق المؤدي إلى المخيم، انتشرت حواجز لقوات الأمن السورية. وفي محيطه، تجوّل بعض الأشخاص الذين جاؤوا في محاولة لأخذ حاجياتهم من داخله، لكن القوات الأمنية منعت دخولهم. وتداع العديد من الخيم البيضاء داخل المخيم الذي هجرته كذلك كل المنظمات الإنسانية التي قدّمت لسنوات خدمات لقاطنيه. ولا تزال أكياس القمامة مكوّمة في أزقته.

متعلقات سكان مخيم الهول خارج الخيم ويظهر أفراد من القوات الحكومية السورية بعد أن شهد فراراً جماعياً لأقارب مشتبه بانتمائهم لـ«داعش» (أ.ف.ب)

هروب جماعي

وأعلنت السلطات السورية قبل أيّام إغلاق مخيم الهول بعد إخلائه من آخر قاطنيه الذين نقلتهم إلى مخيم في محافظة حلب (شمال). وسيطرت القوات الحكومية على مناطق واسعة في شمال وشرق سوريا كانت تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، وتسلّمت مخيم الهول، قبل توصّل الطرفين إلى اتفاق نصّ على عملية دمج متدرّجة للقوات العسكرية والإدارية الكردية في محافظة الحسكة في إطار مؤسسات الدولة.

وأوضح المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، الأربعاء، بـ«حدوث حالات هروب جماعي نتيجة فتح المخيم بصورة عشوائية». وقال إن «قوات (قسد) انسحبت دون أي إخطار مسبق للوزارة أو لشركائنا في التحالف الدولي». ووصفت «قسد» في بيان الأربعاء تصريحات البابا بـ«غير المسؤولة»، وقالت إن قواتها «اضطرت إلى الانسحاب»، بعد «هجمات مباشرة وتحشيدات عسكرية لفصائل تابعة لدمشق باتجاه المخيم.. بالتزامن مع تحركات منسقة داخل المخيم من جانب عائلات عناصر تنظيم (داعش) لإثارة الفوضى». وقالت إن «عمليات إخراج وتهريب عائلات (داعش) جرت بعد دخول فصائل دمشق إلى المخيم».

أفراد من القوات الحكومية السورية في مخيم الهول الخالي الذي أغلقته السلطات السورية في محافظة الحسكة شمال شرقي البلاد أمس الأربعاء (أ.ف.ب)

ويروي مرهف العليان (43 عاماً)، وهو أب لخمسة أطفال يقيم منذ ثلاثة أشهر في منزل قريب من المخيم، أنه بعد انسحاب القوات الكردية «جاءت سيارات، وحمّلت العائلات وذهبت» على عجل، مضيفاً أن رجالاً «يرتدون لباساً عسكرياً مموّهاً» هم من أقلّوا العائلات.

ويكرّر فرحان عباس (86 عاماً) المقيم قرب المخيم الرواية ذاتها. ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «فرّ الناس، فرحوا بأنهم تخلّصوا من الظلم». ويضيف: «شاهدنا أناساً يهربون من (قسد)... كانوا يفرّون في كلّ الجهات بعدما حوصروا لسنوات».

في فبراير (شباط)، أكدت مصادر من منظمات إنسانية وشهود لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن معظم الأجانب الذين كانوا في المخيّم غادروه بعد انسحاب القوات الكردية منه. وأفاد مدرّسون في إدلب (شمال غرب) عن تسجيل أطفال من الجنسية الأوزبكية في مدارسهم، اعتباراً من أواخر يناير.

وأوردت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقرير، الاثنين، أنه منذ سيطرة القوات الحكومية على الهول، «انخفض عدد السكان، إذ غادر الكثيرون بطريقة غير منظمة وفوضوية إلى حدّ كبير». وقالت إن «الطريقة التي جرت فيها عمليات المغادرة عرّضت النساء والأطفال لمخاطر جسيمة، منها الاتجار والاستغلال والتجنيد من جماعات مسلّحة».

هذا، ولا تزال القوات الكردية تسيطر على مخيم روج قرب الحدود مع تركيا الذي تحتجز فيه أفراد عائلات عناصر من تنظيم «داعش» يناهز عددهم 2200، وغالبيتهم أجانب. وشكّل ملف عناصر التنظيم وعائلاتهم لسنوات مسألة شائكة، مع رفض الدول المعنية تسلّم رعاياها منهم رغم نداءات الأكراد المتكررة. وبعد التطورات الأخيرة، أعلنت واشنطن نقل أكثر من 5700 من عناصر التنظيم الذي كانوا في معتقلات كردية، من سوريا إلى العراق المجاور.


مقالات ذات صلة

أكراد العراق يخشون «فراغاً أمنياً» بعد انسحاب «التحالف الدولي»

المشرق العربي جنود أميركيون يتجمّعون في قاعدة عسكرية شمال الموصل بالعراق (أرشيفية - رويترز)

أكراد العراق يخشون «فراغاً أمنياً» بعد انسحاب «التحالف الدولي»

مع اقتراب انسحاب «التحالف الدولي» من العراق، تتصاعد مخاوف أكراد من تراجع الحماية ضد المسيّرات، فيما يرى عراقيون الخطوةَ استعادةً للسيادة...

«الشرق الأوسط» (أربيل)
أفريقيا عناصر أمن في أبوجا عاصمة نيجيريا 12 يونيو الماضي (رويترز)

مقتل 5 أشخاص بهجوم إرهابي في نيجيريا

مقتل 5 أشخاص في هجوم إرهابي في نيجيريا والجيش يحبط هجوما لبوكو حرام ويعتقل 4 إرهابيين.

«الشرق الأوسط» (نواكشوط)
أوروبا أفراد من الشرطة الفرنسية (رويترز - أرشيفية)

السجن 30 عاماً لـ«داعشي» فرنسي دين بارتكاب جرائم قتل

قضت محكمة فرنسية، الثلاثاء، بسجن عثمان غاريدو، العضو السابق في تنظيم «داعش» في سوريا، 30 عاما لإدانته بارتكاب جرائم قتل ضمن جماعة منظّمة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
قوات من الجيش السوري تغلق أحد شوارع بلدة الصنمين في درعا خلال حملة عسكرية واسعة لحفظ الأمن (أرشيفية - أ.ف.ب)

مدير منطقة «الصنمين» لـ«الشرق الأوسط»: ضالعون بمقتل عناصر أمن يريدون تسليم أنفسهم

كشف مدير منطقة الصنمين السورية أن مسلحين ضمن المجموعة الضالعة بمقتل 3 من عناصر قوى الأمن الداخلي في المدينة «يجرون اتصالات من أجل تسليم أنفسهم».

موفق محمد (دمشق)
بيئة في الأعوام الماضية أصدرت محاكم عراقية أحكاماً بالإعدام والسجن مدى الحياة على خلفية الانتماء إلى «جماعة إرهابية» في قضايا إرهاب وقتل بحق أشخاص بينهم أجانب (واع)

العراق يبدأ محاكمة 6 فرنسيين يشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش»

مثُل 6 فرنسيين، الأحد، أمام القضاء في العراق؛ حيث يُحتَجز الآلاف من المشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش» من جنسيات مختلفة بانتظار محاكمتهم.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
TT

سلام لبزشكيان: لبنان يتطلع إلى علاقة مع إيران تحترم سيادة البلدين

خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)
خلال لقاء رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان في نيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (صفحة رئاسة مجلس الوزراء اللبناني على «إكس»)

عقد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام اجتماعاً مع رئيس الجمهورية الإيرانية مسعود بزشكيان، في نيويورك، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، بحضور وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.

وشدد سلام على أن لبنان دفع ثمناً باهظاً من أمنه واستقراره واقتصاده، وأنه لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، وفق ما نقلته رئاسة الوزراء اللبنانية.

وأوضح أن العلاقة بين لبنان وإيران تاريخية بين البلدين والشعبين، وأن لبنان يتطلع إلى فتح صفحة جديدة فيها وبناء علاقة سليمة من دولة إلى دولة، تقوم على احترام سيادة كل منهما واستقلاله، وعدم التدخل في شؤون الآخر، وعلى المصالح المشتركة.

وقال سلام: «نتمنى لإيران وشعبها كل الخير والأمن والاستقرار والازدهار والنمو». كما دعا إيران إلى ترشيح سفير جديد لها في لبنان.

وأكد أن الأولوية هي لانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية ووقف اعتداءاتها، وللمضي في بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها وحصر السلاح بيدها.


آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
TT

آلاف السوريين يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة

طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)
طوابير لسوريين في مطار حلب الدولي (هيئة الطيران المدني)

لا تزال القرارات الأمنية والتهم القضائية الصادرة بحق آلاف السوريين خلال فترة حكم نظام بشار الأسد، تطارد الكثير من الناشطين والسياسيين الذين يكتشفون وجود أحكام غيابية ومذكرات بحث جنائية لا تزال سارية بحقهم، رغم تعدد القرارات والإجراءات الحكومية لمعالجة هذا الملف الشائك، وإلغائها الملاحقات الأمنية بحق المعارضين.

وبينما يتصدر مجلس الشعب السوري مسار العدالة الانتقالية، بوصفه المقر التشريعي الذي أنهى القوانين الاستثنائية، ومن بينها إلغاء محكمة الإرهاب، يبقى ملف المحكومين والملاحقين بقضايا جنائية إبان سنوات الأزمة السورية معلقاً دون حلول جذرية، ليفشل في طي صفحة هذه المعاناة المستمرة وتسوية هذا الملف الشائك، والتي تواجه العديد من العائدين إلى البلاد عبر المنافذ البرية أو الجوية.

ورغم سلسلة القرارات والمراسيم الحكومية التي صدرت تباعاً بهدف معالجة هذه المعضلة وتفكيك إرث الحقبة الماضية، فإن الآلاف من السوريين ما زالوا يواجهون تبعات قانونية وقضائية معقدة، حيث يرى حقوقيون أن الإجراءات التنفيذية ما زالت عاجزة عن مواكبة التوجهات التشريعية الجديدة، مما يبقي مصير العديد من الملاحقين قضائياً معلقاً بين وعود العدالة وبيروقراطية المؤسسات.

المشرعون السوريون يحضرون الجلسة الأولى لمجلس الشعب في دمشق يوم 12 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

في شهر مارس (آذار) لعام 2025، أصدرت وزارة الداخلية قراراً بإلغاء جميع بلاغات منع السفر المتضمنة طلبات التوقيف والإعلام والمراجعة والتخلف عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية الصادرة بحق المواطنين، مؤكدة وجود أكثر من ثمانية ملايين شخص، أي ما يقارب نحو ثلث الشعب السوري، كانوا مطلوبين لأجهزة المخابرات والأمن التابعة للنظام البائد.

تبعها إعلان وزير العدل مظهر الويس، في شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، إلغاء المحاكم والأحكام الاستثنائية، تماشياً مع قرار إلغاء القانون رقم 22 لعام 2012 الخاص بإنشاء «محكمة قضايا الإرهاب» الاستثنائية، وعزل القضاة الذين أداروا هذه المحكمة.

شمل الإلغاء جميع القضايا السياسية وقضايا الرأي والتهم الكيدية، بينما استُثنيت الجنايات الخطيرة التي تتعلق بالحقوق الشخصية (مثل التسبب بموت إنسان) أو الجرائم المنظمة مثل اتجار المخدرات، التي أُحيلت للقضاء العسكري العام للنظر فيها وفق الأصول القانونية العادلة، الأمر الذي حافظ على استمرارية الملاحقات المتعلقة بالقضايا الجنائية.

إلغاء لا يسقط التهم

يؤكد عضو مجلس الشعب السوري، عقيل حسين، أهمية تشريع المجلس قرار إلغاء محاكم الإرهاب والمحاكم العسكرية والقرارات والمراسيم الأمنية «الاستثنائية» التي أصدرها النظام البائد خلال فترة الثورة بحق السوريين، «وهي تشمل إلغاء جميع القرارات والأحكام المترتبة والصادرة عنها».

القرار «غير مرتبط بملف الأحكام الجنائية التي يرجع حلها للمؤسسات المختصة، إلا أنه يسهم في تعجيل إنهاء هذا الملف ومعاناة المتضررين»، بحسب حسين، الذي أشار إلى وجود عمل مشترك بين مختلف الجهات «لوضع آلية قادرة على تسريع المعالجة والاستجابة المباشرة».

بدورها، تقر مصادر أمنية في حديثها لـ«الشرق الأوسط» باتباع النظام البائد كل الوسائل للتضيق على السوريين، ومنها التهم الجنائية، وتركيزه على تهم قضايا الإرهاب لحساسيتها الدولية. إلا أنها لم تفوت الفرصة للحديث عن «حسم جزء كبير من هذه الادعاءات، بينما تحمل التهم الجنائية والقضايا الشخصية وضعاً خاصاً، بسبب التعقيدات التقنية وارتباط العديد من الجهات في هذا الملف».

واعترفت المصادر الأمنية بوجود حالة من «البطء في المعالجة بسبب الحجم الضخم، وارتباطه بالقضايا المدنية وتشعبها، ومواجهة البعض لمشاكل في حال كانت تهمهم متعلقة بادعاء شخصي أو ما شابه ذلك».

إلا أنها أشارت أيضاً إلى قدرة المتضررين على مراجعة مراكز الاختصاص في دمشق لتسوية أي مشكلة استثنائية، من قبيل استمرار الملاحقات رغم إغلاق ملف البلاغ، أو ضياع إضبارته الخاصة وغيرها من الأمور».

استمرار إرث النظام البائد

ومع ذلك، لا يزال كثير من المطلوبين يواجهون مساراً بيروقراطياً طويلاً أمام تسوية وضعهم القانوني، ما أدى إلى تقييد حريتهم وحقوقهم المدنية، فقد تحدث البعض عن وجود ادعاءات جنائية شخصية موجهة ضدهم.

وبالعودة إلى أساس الدعوى، تبين تقديمها خلال فترة وجودهم خارج البلاد، ومنهم من أشار إلى غياب الجهة المدعية أساساً، بينما أكد آخرون عادوا إلى سوريا وجود أمر إلقاء القبض لقضايا جنائية، وخلال مراجعتهم المؤسسات والمراكز العدلية، تبين ضياع مستندات الدعوى وتلفها، فيما ظلت الملاحقة القضائية مستمرة.

وأشار بعض من واجه هذه المشكلة إلى وجود «حالة من ضعف الربط التقني وقلة خبرة الموظفين الجدد»، حيث اضطر العديد من الأشخاص لمراجعة المراكز العدلية والأفرع الجنائية في دمشق، ليتبين شطب سجلاتهم، بينما لا تزال مذكرات التوقيف المرسلة للمنافذ الحدودية سارية المفعول».

وتكمن الأزمة، وفقاً لمصادر حقوقية متقاطعة، في وجود فجوة تنظيمية واسعة بين القرارات السياسية والأمنية ومفرداتها، وسجلات النيابة العامة والمحاكم المختصة، وتحول هذه البيروقراطية دون شطب القيود الجنائية تلقائياً؛ إذ يتطلب إلغاء مذكرة البحث أو إسقاط الحكم الغيابي إجراءات قانونية معقدة وطويلة، تبدأ بالتماس «كف بحث» ومراجعة الجهة القضائية الصادرة عنها.

الحلول موجودة

أول رحلة مباشرة ومنتظمة للخطوط الجوية السورية تحمل مغتربين سوريين قادمة من فيينا في النمسا (هيئة الطيران المدني)

رغم أن السلطات الجديدة اتخذت خطوات مهمة في هذا الاتجاه، «فإنها لا تزال غير كافية، واستمرار معاناة المتضررين يؤكد عدم حل المشكلة»، بحسب القانوني والناشط الحقوقي ميشيل شماس.

ويوضح شماس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» وجود فروقات بين صدور قرار عام ووصول أثر هذا القرار إلى كل قاعدة بيانات وكل جهة وكل ملف، فالنظام السابق هو الذي أنشأ هذه الملفات، والدولة الجديدة هي التي ورثت مؤسساته وسجلاته، ويجب أن تتحمل مسؤولية مراجعتها وتصحيحها.

ويرى شماس أن مشروع إلغاء محكمة الإرهاب أو إنهاء العمل بالقوانين الاستثنائية التي استخدمها النظام ضد المعارضين «خطوة ضرورية، إلا أنها لا تحل المشكلة، لا سيما أن إلغاء المحكمة لا يمحو تلقائياً آثار آلاف الأحكام والمذكرات والإشارات التي صدرت عنها أو عن أجهزة أخرى».

ويرى أن الحل السريع موجود، ويتمثل «بتشكيل لجنة قضائية مستقلة وقاعدة بيانات موحدة، لتصنيف الملفات إلى جنائية حقيقية وسياسية وأمنية، وإلغاء جماعي للقيود السياسية، وتوفير خدمة رسمية يستطيع المواطن من خلالها معرفة وضعه القانوني دون وسيط».


«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
TT

«طعن وأوراق بيضاء»... ماذا يجري في انتخابات رئاسة «حماس» في غزة؟

(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)
(من اليمين) القياديون في «حماس»: محمد درويش وخليل الحية ونزار عوض الله خلال لقاء مع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في فبراير 2025 (موقع خامنئي - أ.ف.ب)

كشفت 4 مصادر من «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، في إفادات منفصلة لـ«الشرق الأوسط» عن أن جولة الإعادة لانتخاب رئيس المكتب السياسي للحركة بالقطاع، قد تم إيقافها، بعد فشل الحسم في الجولة الأولى التي جرت قبل 3 أسابيع.

وتطابقت تصريحات المصادر حول أن الجولة الأولى «لم تحسم بسبب استخدام من يحق لهم الانتخاب أوراقاً بيضاء، وذلك في تكرار للظاهرة التي كانت قد حدثت خلال انتخابات تحديد الرئيس العام للمكتب السياسي في مايو (أيار) الماضي، وأعيدت بجولة ثانية حسمها لصالحه خليل الحية، على حساب خالد مشعل».

كما أشارت 3 مصادر من قطاع غزة والخارج إلى أن إيقاف جولة الإعادة على قيادة مكتب «حماس» في غزة جاء على خلفية تقديم نزار عوض الله (المقيم في الخارج)، الذي ينافس علي العامودي (المقيم في الداخل)، وكلاهما من أعضاء المكتب السياسي، طعناً في بعض الإجراءات التي اتُبعت في جولة الإعادة.

لقطة من فيديو نشره الإعلام العسكري لحركة «حماس» تُظهِر مقاتلاً من «كتائب القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وقال المصدر الرابع الموجود خارج غزة إن «هناك خلافات أخرى دفعت باتجاه تجميد الانتخابات مؤقتاً على أن تستكمل قريباً بعد إجراء بعض الترتيبات» التي لم يوضحها. ورأى أن «هذه خلافات طبيعية، في إطار القوانين والأنظمة التي تحكم أي عملية انتخابية داخل الحركة».

وربطت بعض المصادر جانباً من إرجاء الحسم إلى «الوضع الأمني وما يمر به القطاع، وظروف التعامل مع واقع الانتخابات بعد حرب غزة»، كما أشار مصدر آخر إلى أن الانتخابات «تجري في ظل تتبع إسرائيل للكثير من المعلومات الاستخباراتية التي تهدف لمحاولة الوصول لأي من المشاركين في الانتخابات أو غيرها، وهذه جميعها أسباب دفعت لبروز ثغرات قانونية أدت للواقع الحالي».

لماذا عادت الأوراق البيضاء؟

وبشأن استخدام الأوراق البيضاء مجدداً، قال مصدران من داخل القطاع، إنها طبيعية تعود لخلاف الفكر حول الشخصيات المتنافسة ونهجها الذي قد تتبعه ويراه البعض غير مناسباً للمرحلة الحالية، كما جرى في الانتخابات العامة.

ولم تحدد أي من المصادر، فيما إذا كان رئيس المكتب السياسي للحركة، خليل الحية، يدعم أي من المتنافسين: علي العامودي، أو نزار عوض الله.

وتمر «حماس» بمرحلة شديدة التعقيد لم تمر بها منذ تأسيسها عام 1987، عقب هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الذي بدأته بمهاجمة المواقع والبلدات الإسرائيلية المحاذية للقطاع، والذي دفع إسرائيل لشن حرب طويلة ومتواصلة.

ماذا نعرف عن علي العامودي؟

وكانت مصادر قد كشفت لـ«الشرق الأوسط» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عن أن العامودي، وهو أسير محرر وعضو مكتب سياسي، وكان مسؤولاً عن الدائرة الإعلامية للحركة قبل الحرب، أصبح مسيراً لأعمال مكتبها السياسي في قطاع غزة، بعدما تم تكليفه وعدد من المقربين من قائد «حماس» الراحل يحيى السنوار، بإدارة الحركة في القطاع، وغالبيتهم ممن يقطنون في خان يونس جنوب القطاع.

والعامودي، وهو محرر أفرج عنه خلال صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011، أصبح منذ نحو عام الشخصية المركزية والمحورية في إدارة القطاع، وكان من الأشخاص المقربين جداً من السنوار، خلال فترة اعتقالهما في السجون الإسرائيلية، وعند تحررهما، ورافقه كثيراً في كثير من الاجتماعات والمناسبات، وغيرها، وجرت عملية تكليف له بالتزكية والتشاور لإدارة القطاع، فيما رأت بعض المصادر حينها أن ما جرى تم بطريقة التفافية على القوانين الداخلية، وهذا ما قد يفسر إجراء الانتخابات الداخلية بغزة.

وخلال الفترة الماضية، أثير الكثير من الجدل حول قرارات العامودي بغزة، وما أجراه من تغييرات وإعفاء مسؤولين من مناصبهم، ما تسبب بحالة غضب في أوساط قيادات محلية بالقطاع، ما دفع بعض أعضاء المكتب السياسي في الخارج، حينها للتدخل ومحاولة حل أي أزمات.

ماذا نعرف عن نزار عوض الله؟

يعد نزار عوض الله من الجيل التاريخي في حركة «حماس»، الذي قاد سراً إدارة المكتب السياسي للحركة في الفترة الممتدة ما بين نهاية 2004 وحتى بدايات 2007، كما كان له دور بارز في عديد من المحطات المهمة في تاريخ الحركة المعاصر، ومنها قيادته لملف مفاوضات صفقة شاليط، وكذلك مشاركته الفاعلة والمهمة في مفاوضات الحرب الأخيرة، إلى جانب لعبه دوراً مهماً في جولات المصالحة الفلسطينية التي كانت تجري بين عدة عواصم بعد سيطرة حركته على القطاع عام 2007.

وكان عوض الله مقرباً للغاية من الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»، وكذلك مع عبد العزيز الرنتيسي، وغيرهما من القيادات التاريخية والأولى للحركة، والذي كان هو واحداً منهم.

ولمع نجم عوض الله، وهو مهندس معماري يبلغ من العمر (68 عاماً)، ويقطن في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، وقصف منزله عدة مرات في حروب سابقة.

وخلال الانتخابات الداخلية الأخيرة التي جرت عام 2021، نافس يحيى السنوار على قيادة المكتب السياسي في قطاع غزة، والتي خسرها حينها لصالح السنوار بعدما جرت جولة إعادة ثانية للانتخابات آنذاك.