كيف آلت محاكمات كبار المسؤولين الجزائريين في عهد بوتفليقة؟

وزراء يواجهون تراكم العقوبات وآخرون يستعيدون حريتهم بعد أن ألمّ بهم المرض

ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)
ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)
TT

كيف آلت محاكمات كبار المسؤولين الجزائريين في عهد بوتفليقة؟

ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)
ملاحقة أبرز وجهاء النظام بعد اندلاع الحراك الشعبي عام 2019 (ناشطون)

في الوقت الذي رفضت فيه أعلى هيئة قضائية بالجزائر طلب وزير العدل الأسبق، الطيب لوح، دمج الأحكام الصادرة بحقّه للاكتفاء بالعقوبة الأشد، غادر وزير التضامن الأسبق، جمال ولد عباس، السجن عائداً إلى بيته بعد استنفاد مدة عقوبته. ويُعد الوزيران من أبرز وجوه حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999-2019)، وكلاهما أُدين في قضايا تتعلق بالفساد.

وزير العدل سابقاً الطيب لوح (الوزارة)

أكد موقع «الشروق»، في مقال نشره، أمس الأربعاء، أن «المحكمة العليا» رفضت طلباً تقدَّم به دفاع الوزير لوح (2012-2019)، بغرض الاستفادة من «دمج العقوبات» النهائية الصادرة ضده، بناء على تُهم «فساد».

حالياً، يواجه الطيب لوح أحكاماً نهائية يصل مجموعها إلى 5 سنوات حبساً نافذاً. وبموجب الإجراءات القضائية المعمول بها، كان مِن شأن قبول ضم العقوبات أن يسمح له بقضاء العقوبة الأشد فقط، بدلاً من جمع العقوبات المختلفة؛ إلا أن هذا الرفض يعني التزامه بقضاء كامل مجموع الأحكام المقررة سابقاً، وفق تفسيرٍ قدَّمه محامون، لـ«الشرق الأوسط»، بخصوص هذه القضية.

يأتي هذا القرار في وقتٍ لا يزال فيه الملف القضائي للوزير الأسبق مفتوحاً جزئياً، حيث لا تزال هناك قضية ثالثة قيد التحقيق، أو في انتظار حكم نهائي، تتعلق بتُهم منفصلة وهي: «التصريح الكاذب بالممتلكات والإثراء غير المشروع». وتشمل هذه القضية وقائع تتعلق بزيادة غير مبررة في ممتلكات لوح (72 سنة)، لم يجرِ التصريح بها أثناء تولّيه المنصب.

وزير التضامن سابقاً جمال ولد عباس (الوزارة)

ومع تراكم «الملفات» ضده، يواجه الطيب لوح وضعاً قانونياً معقداً يجمع بين أحكام نافذة وأخرى لا تزال قيد المراجعة، مما يمدّد فترة بقائه خلف القضبان. ونقل محاموه للصحافة أنه «يعاني المرض ولم يعد يتحمل السجن».

سَجن «وجهاء» بعد سقوط بوتفليقة

اعتُقل الطيب لوح وأُودع الحبس الاحتياطي، في 22 أغسطس (آب) 2019، بعد سقوط الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وحكومته التي كان عضواً فيها، في الثاني من أبريل (نيسان) من العام نفسه، تحت ضغط الشارع الذي انتفض ضد ترشحه لولاية خامسة، بينما كان عاجزاً عن الكلام والحركة بسبب المرض منذ 2013. وقد حظي لوح بنفوذ كبير في مرفق القضاء، نتيجة قربه من بوتفليقة.

تنحي الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عجّل بسجن العشرات من رموز حكمه (الرئاسة)

ومنذ شهرين، عاد وزير التضامن السابق، التسعيني جمال ولد عباس، إلى الحياة العادية من جديد، بعد أن أنهى عقوبة في السجن مُدتها أربع سنوات. وقال مصدر قضائي، لـ«الشرق الأوسط»، إن ولد عباس قضى العامين الأخيرين من العقوبة في عيادة سجن «القليعة» (40 كيلومتراً غرب العاصمة)، حيث كان يعالَج من عدة أمراض يعود معظمها إلى كبر سنَه.

وُضع جمال ولد عباس رهن الحبس الاحتياطي في يوليو (تموز) 2019، في إطار قضايا فساد تتعلق بفترة تولّيه وزارة التضامن الوطني (2002-2010)، وصدرت بحقّه أحكام ابتدائية في أغسطس 2022، تقضي بالسجن 3 سنوات نافذة مع غرامة مالية ومصادرة ممتلكات، قبل أن يصدر «مجلس قضاء الجزائر» (محكمة الاستئناف) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 حكماً في الدرجة الثانية يقضي برفع العقوبة إلى 4 سنوات سجن نافذة مع مصادرة ممتلكاته.

وزير العمل سابقاً محمد بوغازي غادر السجن بسبب المرض (الوزارة)

وفي ملفات أخرى منفصلة، صدرت بحقّه أحكام إضافية، ليصل مجموع العقوبات بعد دمجها إلى 10 سنوات سجناً نافذاً، جرى الاحتفاظ بالأشد منها، وفق القانون الجزائري. وقد تعلقت التهم أساساً بـ«اختلاس وتبديد أموال عمومية، وإساءة استغلال الوظيفة ومخالفات في الصفقات العمومية».

وفي يوليو 2023، غادر سعيد بركات، خليفة ولد عباس في الوزارة نفسها، السجن بعد أن قضى كامل مدة العقوبة التي أُوقعت عليه، وهي 4 سنوات حبساً نافذاً في قضية فساد تتعلق بــ«اختلاس أموال وزارة التضامن الوطني»، وقد التحق بعائلته في بسكرة (450 كيلومتراً جنوب العاصمة). وقال أفراد من عائلته إن صحته تدهورت بشكل كبير.

ومنذ تنحي بوتفليقة، شنت مصالح الأمن حملة كبيرة على رموز سلطته، مدنيين وعسكريين، لم تستثنِ أي واحد منهم، في حين هرب كثير إلى الخارج للإفلات من الملاحقة والسجن. وقد أصدر القضاء أوامر اعتقال دولية ضدهم، وأدانهم غيابياً بأحكام ثقيلة.

إطلاق سراح كبار المسؤولين

في مايو (أيار) 2025، أُطلق سراح مدير الأمن الداخلي بشير طرطاق، المُكنى «عثمان»، بعد انتهاء محكوميته. وكان طرطاق قد أُوقف في 2019 ضِمن سلسلة اعتقالات شملت محمد مدين المعروف بـ«توفيق»، وسعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الراحل ومستشاره الخاص، ولويزة حنون، رئيسة «حزب العمال» اليساري، بتهمة «التآمر على سلطة الدولة والجيش»، ومحاولة الإطاحة بالفريق أحمد قايد صالح، قائد الجيش، الذي توفي في نهاية 2019. وقد برّأت محكمة الاستئناف العسكريّة معظم المعتقلين، لكن طرطاق وسعيد ظلّا في السجن بسبب ملفات فساد أخرى أمام القضاء المدني.

الوزير الأول سابقاً أحمد أويحي مسجون بتهمة الفساد (متداولة)

وكان أول المسؤولين الكبار الذين أُفرج عنهم، بعد استقالة الرئيس بوتفليقة، وزير التجارة عمارة بن يونس في نهاية 2020، تلاه وزير الصناعة محجوب بدة في صيف 2021 بعد انتهاء عقوبته البالغة عامين، ثم وزير النقل بوجمعة طلعي في صيف 2022، الذي تُوفي لاحقاً متأثراً بمرض. وفي الفترة نفسها، غادرت وزيرة الثقافة خليدة تومي السجن، مستفيدة من إفراج مشروط قبل انتهاء محكوميتها بسنة، بسبب تُهم فساد مرتبطة بأموالٍ أُنفقت على مشاريع ثقافية وفنية، خلال أكثر من عقد من عملها.

السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس الراحل ومستشاره الخاص (متداولة)

كما استعاد وزير العمل السبعيني، محمد غازي، حريته في أغسطس 2022 بعد قضائه 3 سنوات فقط من حكم بالسجن 10 سنوات، بعدما أخذ القضاء بعين الاعتبار ملف «خبرة عقلية» يثبت فقدانه الذاكرة بشكل كامل بسبب إصابته بمرض ألزهايمر أثناء سجنه.


مقالات ذات صلة

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

شمال افريقيا محكمة سيدي امحمد بالعاصمة المختصة في جرائم الفساد (الشرق الأوسط)

الجزائر: محاكمة ثلاثة رؤساء سابقين لـ«فاف» بتهم فساد

يواجه ثلاثة رؤساء سابقين للاتحاد الجزائري لكرة القدم اتهامات عدة بالفساد، في محاكمة انطلقت أمس الثلاثاء، ويُرتقب أن تستمر عدة أيام.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

الجزائر: تعيين وزير جديد للداخلية

عيّن الرئيس الجزائري، عبد المجيد تبون، اليوم الثلاثاء، إبراهيم مراد، في منصب وزير دولة وزيراً للداخلية والجماعات المحلية، خلفاً لسعيد سعيود.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الفريق أول السعيد شنقريحة يبحث مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جماهير ترفع العلمين المغربي والجزائري (أ.ف.ب)

مخاوف من أزمة جديدة بعد توقيف الجزائر 61 مغربياً

أعلنت الشرطة الجزائرية توقيف 61 مغربياً في مدينة وهران، بشمال غربي البلاد، بتهمة الانضمام إلى شبكة إجرامية دولية والتخطيط «لارتكاب أعمال تخريبية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر محمد عرقاب يتحدث في جلسة حوارية ضمن «مؤتمر البترول» العالمي بالرياض (الشرق الأوسط)

الجزائر: «أنبوب الغاز العابر للصحراء» يستهدف نقل 20 مليار متر مكعب إلى أوروبا

أكد وزير الدولة وزير المحروقات في الجزائر، محمد عرقاب، أن بلاده تعمل على تعزيز قدراتها الإنتاجية وتوسيع استثماراتها في قطاع الغاز الطبيعي...

«الشرق الأوسط» (الرياض)

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
TT

تيتيه تؤكد وجود «دعم واسع» للاتفاق الليبي... وتحذر من تعطيل الانتخابات

من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)
من جلسة مجلس الأمن حول ليبيا (المجلس)

أبلغت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل)، الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، أعضاء مجلس الأمن، الأربعاء، أن الاتفاق الذي توسطت فيه لإنهاء الجمود السياسي في هذا البلد العربي الأفريقي يحظى بدعم واسع. غير أنها حذرت من أن رفضه من إحدى الهيئتين التشريعيتين يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات، المقررة في غضون السنتين المقبلتين.

«مسار قابل للتطبيق»

جاء ذلك خلال تقديم تيتيه إحاطتها الدورية أمام أعضاء المجلس في نيويورك، والتي أفادت فيها بأن الاتفاق الذي وقع في طرابلس في 30 من أغسطس (آب) الماضي، بعد أربعة أشهر من المحادثات بين الأطراف المختلفة، يمثل نهاية سنوات من الشلل المؤسسي، ويحدد «مساراً قابلاً للتطبيق» لإجراء انتخابات تشريعية، ورئاسية، تحت سلطة تنفيذية موحدة في غضون 24 شهراً.

وأوضحت تيتيه أن الاتفاق ينص على إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتسوية القضايا المتنازع عليها في الإطار الدستوري والقانوني للتصويت، مبرزة أن كلاً من حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس، والجيش الوطني الليبي المتمركز في الشرق، ومجلس النواب، ونائب رئيس المجلس الرئاسي موسى الكوني وافقوا جميعاً على الاتفاق.

رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

بيد أن المجلس الأعلى للدولة في طرابلس رفضه في 5 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بذريعة أن الاتفاق والقوانين ذات الصلة -التي أقرها مجلس النواب- تجاوزا الأطر الدستورية والقانونية والتوافقية، التي تحكم العملية السياسية.

وحذرت من أن هذا الرفض يعكس «الاستعداد المحدود» لبعض أعضاء المجلس للمشاركة بشكل بناء، واعتبرت أن «ليبيا لا تستطيع السماح للمفسدين بعرقلة العملية».

في سياق ذلك كشفت تيتيه أنها ستلتقي أطراف «الاجتماع الأصغر» هذا الشهر، وقالت إن أحد الخيارات التي سينظرون فيها هو الانتقال إلى آلية وطنية ذات تمثيل واسع النطاق، على النحو المنصوص عليه في المادة الخامسة من الاتفاق.

وجاءت إحاطة المبعوثة الأممية بعد تغيير القيادة في مجلس النواب. ففي 5 من أكتوبر الجاري، صوت المشرعون لصالح تطبيق نظام الرئاسة الدورية لمدة 12 شهراً. وفي اليوم التالي انتخبوا الصالحين عبد النبي رئيساً للمجلس، ليحل محل عقيلة صالح، الذي شغل هذا المنصب لمدة 12 عاماً.

تأثيرات الانقسام السياسي

بخصوص الوضع الاقتصادي في ليبيا، قالت تيتيه إن الانقسام السياسي لا يزال يضر بالاقتصاد، موضحة أن ارتفاع أسعار النفط العالمية كان ينبغي أن يحقق مكاسب غير متوقعة للإيرادات العامة. لكن بدلاً من ذلك، يواجه العديد من الليبيين ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وضعف الدينار، وتضخماً يتجاوز 14 في المائة.

وخصت بالذكر نظام دعم الوقود، حيث استوردت ليبيا في الفترة ما بين يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) الماضيين 8.15 مليون طن متري من الوقود بتكلفة 8.9 مليار دولار.

تيتيه حذرت من أن رفض إحدى الهيئتين التشريعيتين للاتفاق يمكن أن يعطل إجراء الانتخابات (مفوضية الانتخابات الليبية)

وأوضحت أن ما يقدر بنحو 30 إلى 50 في المائة من تلك الواردات فقدت بسبب التهريب، بقيمة تتراوح بين 2.4 إلى 4.4 مليار دولار. ولفتت إلى تعطل إنتاج النفط بعدما أغلق حرس المنشآت النفطية من الزنتان خط أنابيب الحمادة - الزاوية في سبتمبر الماضي، وخط أنابيب الشرارة - الزاوية في الفترة ذاتها تقريباً.

أما بخصوص الوضع الأمني، فقد أكدت تيتيه أنه لا يزال هشاً، لكنها أشارت إلى خطوات نحو التعاون بين القوات الشرقية والغربية، حيث التقى رئيسا الأركان المتنافسان في سرت في يوليو (تموز) الماضي.

كما عقد قادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي اجتماعاً للمتابعة هناك في 9 من سبتمبر الماضي. كما أمرا أيضاً بفتح مراكز مشتركة لأمن الحدود في بنغازي، وطرابلس.

من جهة ثانية، أعربت تيتيه عن قلقها من إعدام 58 شخصاً في بنغازي خلال الشهرين الماضيين، بعد إدانتهم بجرائم تتعلق بالإرهاب، وحثت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على وقف تنفيذ المزيد من عمليات الإعدام، ومراجعة الإجراءات. كما أدانت موجة التضليل، وخطاب الكراهية، والتحريض ضد المهاجرين، واللاجئين، والعاملين في مجال الإغاثة، وموظفي الأمم المتحدة.

كما حضت تيتيه المجلس على دعم خريطة الطريق بحوافز، وضمانات، ومحاسبة من يُعرقلونها. وقالت: «لا يزال الطريق إلى ليبيا مستقرة وموحدة ومزدهرة طويلاً، لكن هدفنا لا يزال في متناول اليد».


بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

بعد سبتة... ملك إسبانيا يزور مليلية

ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)
ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا خلال زيارتهما مليلية الأربعاء (إ.ب.أ)

قام ملك إسبانيا فيليبي السادس وزوجته الملكة ليتيزيا بزيارة مليلية، الأربعاء، غداة زيارتهما جيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب، حيث دافع عن السيادة الإسبانية على المدينتين الواقعتين في شمال المغرب، واللتين تطالب بهما الرباط، حسب ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

واستقبلت حشود الزوجين وسط هتافات وأعلام إسبانية، وفقاً لما أظهرته لقطات التلفزيون العام، في امتداد لاستقبالهما الحاشد في سبتة، الثلاثاء.

وتعد هذه الزيارة الأولى لعاهل إسباني منذ زيارة خوان كارلوس، والد فيليبي السادس، عام 2007، التي أثارت حينها أزمة دبلوماسية مع الرباط. وتأتي بعد تدفّق غير مسبوق لأكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، ما أدى إلى أزمة هجرة في المدينة الصغيرة.

كما تأتي هذه الزيارة قبل أقل من سبعة أسابيع من الانتخابات المبكرة، المقرر إجراؤها في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فيما يُتوقع أن تكون مسألة الهجرة أحد أهم المحاور الرئيسية في الحملة الانتخابية.

وقال الملك فيليبي، الثلاثاء، إن سبتة ومليلية «جزء لا يتجزأ من الواقع السياسي والوطني الذي تمثله إسبانيا. وسيادة بلادنا ووحدة أراضيها ليستا موضع تفاوض».

كما شدد الملك الإسباني، الذي نادراً ما يدلي بمواقف سياسية، على ضرورة أن تحافظ إسبانيا على «علاقات حسن الجوار» مع الرباط، وتعهد ألّا تترك الدولة الإسبانية سكان سبتة، البالغ عددهم 80 ألف نسمة، «بمفردهم أو بلا حماية».

وتضع هذه الزيارة العلاقات مع المغرب على المحك، إذ كان العاهل المغربي الملك محمد السادس قد دافع الجمعة عن «الشراكة» مع إسبانيا، مع رفضه القاطع لأي محاولة «للضغط» أو «الابتزاز». وأكد أمام البرلمان أن الشراكة مع مدريد شهدت «تطورات مهمة»، بما في ذلك في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية، لكنها تواجه اليوم «تحديات كبيرة».


عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

عمال اليومية في مهب ريح الحرب بالسودان

مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مزارعون يحصدون محصول الجرجير بالخرطوم يوم 5 أكتوبر 2026 (أ.ب)

في الخرطوم التي تحاول استعادة إيقاع الحياة بعد سنوات الحرب، لا تزال أبواب كثيرة مغلقة أمام «عمال اليومية» الذين كانوا يعتمدون على ما يكسبونه في نهاية كل يوم.

فغياب العمل هنا لا يعني مجرد يوم من دون دخل، بل قد يعني أسرة من دون طعام، أو طفلاً يذهب للمدرسة دون مصروف، أو مريضاً يتوقف عن العلاج لأن تكلفة الدواء أصبحت خارج المتناول.

على الأرصفة والأسواق وورش الحرف، يبحث عمال اليومية عن فرصة صغيرة «تسند يومهم»، لكن عدد الباحثين عن العمل ارتفع في وقت تقلصت الأعمال المتاحة وانكمشت قيمة الأجور مع ارتفاع الأسعار، وتراجع قيمة الجنيه السوداني.

وبينما تتسع الفجوة بين الدخل وتكلفة المعيشة، يجد كثير من العمال أنفسهم أمام خيار صعب: قبول أجور أقل أم العودة إلى منازلهم خاليي الوفاض.

أعباء متشابكة

يقول النقابي العمالي عبد الله يوسف إن الأغلبية العظمى من العمال «فقدت وظائفها بسبب الحرب والنزوح والتشرد»، مشيراً إلى أن العمل اليومي الذي كان متاحاً قبل اندلاع الحرب أصبح شحيحاً.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن غالبية العمال يعيلون أسراً تضم خمسة أو ستة أطفال في مراحل دراسية مختلفة، في حين دفع تدهور الوضع الاقتصادي بعض الأسر إلى الاستدانة، بل إن البعض دخل السجن لعجزه عن الوفاء بالتزاماته.

سودانية تغرس بذوراً في حقل بولاية القضارف بشرق السودان يوم 18 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

وبالنسبة للعامل اليومي، لا يرتبط الأجر بعدد ساعات العمل فقط، وإنما بقدرته على تغطية احتياجات أسرة كاملة. ومع ارتفاع أسعار الغذاء والخدمات، يكون ما يحصل عليه في نهاية يومه قد فقد جزءاً كبيراً من قيمته قبل أن يصل إلى المنزل.

ويقول بابكر خليفة، وهو عامل باليومية وأب لثلاثة أطفال، إن الحرب «دمرت الاقتصاد»، وإن أسرته تعتمد بصورة أساسية على وجبات محدودة من الفول والعدس، من دون قدرة على شراء اللحوم أو الفواكه والخضراوات بصورة منتظمة.

العامل بابكر خليفة قال إن أطفاله يبكون من الجوع في بعض الليالي (الشرق الأوسط)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أبناءه يحتاجون إلى مصروفات يومية للمدرسة، بينما لا يكفي الطعام المتاح في المنزل احتياجاتهم؛ مضيفاً أن أطفاله «يبكون من الجوع في بعض الليالي».

ولا يختلف حال بابكر الطاهر كثيراً، فقد نزح إلى القضارف عقب اندلاع الحرب قبل أن يعود إلى الخرطوم، لكنه وجد نفسه أمام واقع اقتصادي أشد قسوة.

يقول عن أسرته المكونة من أربعة أطفال: «أحياناً نأكل ومرات أخرى لا نأكل»؛ موضحاً أن ارتفاع الأسعار والتضخم قللا بصورة كبيرة من القيمة الحقيقية لأجر العامل اليومي.

العامل بابكر الطاهر أجبرته الظروف على العمل بأجر أقل لإطعام أسرته (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أن ارتفاع عدد الباحثين عن العمل جعل العامل مضطراً في أحيان كثيرة إلى قبول أجور أقل، حتى لا يعود إلى أسرته بخُفيّ حُنين.

«نحتاج إلى معجزة»

ولا تقتصر الأزمة على العمال الذين ينتظرون فرصة عمل يومية، فحتى أصحاب المهن والحرف الذين ما زالوا يمارسون أعمالهم يواجهون مشكلة أخرى تتمثل في تراجع القوة الشرائية، وارتفاع تكلفة مستلزمات المعيشة والإنتاج.

يقول عبد الكريم إبراهيم، وهو ترزي يعول أسرة مكونة من ولدين وبنتين، إن العمل اليومي لم يعد كافياً لتلبية متطلبات أسرته.

الترزي عبد الكريم إبراهيم يروي كيف أصبح علاج أسرته عبئاً إضافياً (الشرق الأوسط)

ويصف الوضع الاقتصادي بأنه «يحتاج إلى معجزة»، مشيراً إلى أن أسعار المواد الغذائية أصبحت خارج متناول كثير من الأسر، بينما أصبح الحصول على العلاج عبئاً إضافياً.

ويواجه الحلاق الشاب عثمان علي واقعاً مشابهاً، ويقول إن دخله لم يعد يغطي الاحتياجات الأساسية بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور قيمة العملة.

ولا تتوقف مشكلاته عند تراجع القدرة الشرائية، إذ يشير إلى انقطاع الكهرباء لفترات طويلة وتعطل التطبيقات البنكية التي يعتمد عليها في تحويلات عملائه، ما يزيد صعوبة الحصول على مستحقاته.

الشاب عثمان علي اضطر إلى ترك دراسته وممارسة الحلاقة بسبب الحرب (الشرق الأوسط)

عثمان نفسه اضطر إلى ترك الدراسة في المرحلة الثانوية بسبب ظروف الحرب، والتوجه إلى العمل للمساهمة في إعالة أسرته الكبيرة، ليصبح واحداً من جيل دفع ثمناً مباشراً للحرب من مستقبله التعليمي.

والضغوط على المواطنين لم تعد مرتبطة بالحرب وحدها، كما يقول النقابي العمالي يوسف، وإنما تفاقمت مع زيادة الجبايات والرسوم وارتفاع الدولار الجمركي وحظر بعض السلع المستوردة، وهي عوامل يقول إنها أسهمت في اتساع الفجوة داخل الأسواق.

ويطالب يوسف بتحسين أجور العاملين وأوضاع أرباب المعاشات، مشيراً إلى أن بعض الموظفين يتقاضون مستحقات محدودة للغاية، بينما يحصل بعض المتقاعدين، حسب قوله، على مبالغ لا تتناسب مع سنوات خدمتهم.

كما يطالب بتدخل حكومي عاجل لمعالجة أوضاع العاملين وأسرهم، عادّاً أن استمرار الفجوة بين الأجور والأسعار يضع ملايين الأسر أمام أوضاع معيشية بالغة الصعوبة.

«الأكثر هشاشة»

ويقول الخبير الاقتصادي محمد الناير إن العمالة اليومية تُعد من أكثر الفئات تضرراً من الحرب في السودان، جراء توقف أعمال البناء والتشييد وتراجع الأنشطة الحرفية، ما أفقد أعداداً كبيرة منهم مصادر رزقهم.

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الفئات تواجه أوضاعاً معيشية بالغة الصعوبة، في ظل فقدان فرص العمل والارتفاع غير المسبوق في أسعار السلع والخدمات، إلى جانب تراجع قيمة العملة الوطنية وزيادة معدلات التضخم والبطالة والفقر».

وأشار إلى أن انطلاق برنامج متكامل لإعادة الإعمار يمكن أن يسهم في استيعاب أعداد كبيرة من العمالة اليومية من خلال توفير فرص عمل في قطاعات البناء والتشييد والأنشطة المرتبطة بها، لكنه شدد على أن هذه الفئات لا تزال الأشد تضرراً نظراً لاستمرار تعطل مصادر دخلها.

وأكد الناير ضرورة اضطلاع الدولة بمسؤولياتها في حماية الشرائح الضعيفة والفقيرة، داعياً إلى وضع برنامج متكامل للحماية الاجتماعية يستجيب للتحديات الاقتصادية الراهنة، ويوفر الدعم اللازم للفئات الأكثر تضرراً من تداعيات الحرب.

وتتوافق هذه الشهادات مع تحذيرات منظمة العمل الدولية من التأثيرات العميقة للحرب على سوق العمل في السودان، إذ أدت إلى فقدان وظائف وتراجع النشاط الاقتصادي، وتعطيل سبل كسب العيش، فيما يُعد العاملون في الاقتصاد غير الرسمي من أكثر الفئات هشاشة.