آمال جرحى غزة تنعقد على فتح معبر رفح غداً

قائمة طويلة تضم أكثر من 20 ألف فلسطيني بينهم أكثر من 4 آلاف طفل تنتظر العبور

إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)
إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)
TT

آمال جرحى غزة تنعقد على فتح معبر رفح غداً

إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)
إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى أثناء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تجلس على كرسي متحرك داخل خيمة عائلتها في زويدة بقطاع غزة (أ.ب)

أُصيبت الطفلة الغزاوية ريماس أبو ليحية قبل 5 أشهر، عندما أطلقت القوات الإسرائيلية النار على حشد من الجياع الذين كانوا يتجمهرون حول شاحنة مساعدات غذائية في غزة، فأصابت رصاصة ركبتها اليسرى. والآن، أفضل فرصة لها للمشي مجدداً هي إجراء جراحة في الخارج.

وريماس ضمن قائمة طويلة تضم أكثر من 20 ألف فلسطيني، بينهم 4500 طفل، ينتظرون - بعضهم لأكثر من عام - إجلاءهم من القطاع لتلقي العلاج من جروح الحرب أو الأمراض المزمنة، وفقاً لوزارة الصحة في غزة. وتنعقد آمالهم على إعادة فتح معبر رفح الحدودي الحيوي بين غزة ومصر، وهو نقطة محورية في ظل وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه منذ نحو 4 أشهر بين إسرائيل و«حماس». وقد أعلنت إسرائيل أن المعبر سيُفتح في كلا الاتجاهين غداً (الأحد).

إسلام صالح التي أصيبت في ساقها اليسرى جراء غارة إسرائيلية على ملجأ مدرسي بجباليا عام 2024 تعرض تقاريرها الطبية داخل خيمة عائلتها في زويدة بغزة (أ.ب)

وأعلنت الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق المساعدات لغزة، أمس (الجمعة)، أنه سيتم السماح بـ«حركة محدودة للأفراد فقط». وكان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قد صرّح سابقاً بأن إسرائيل ستسمح بمغادرة 50 مريضاً يومياً، بينما تحدث آخرون عن إمكانية مغادرة ما يصل إلى 150 مريضاً يومياً. ويمثل هذا زيادة كبيرة مقارنةً بنحو 25 مريضاً أسبوعياً سُمح لهم بالمغادرة منذ بدء وقف إطلاق النار، وفقاً لإحصاءات الأمم المتحدة. إلا أن الأمر سيستغرق ما بين 130 و400 يوم من عمليات العبور لإخراج جميع المحتاجين.

وقالت أبو ليحية إن حياتها تعتمد على فتح المعبر. وقالت وهي تبكي وتشير إلى الكرسي المتحرك الذي تعتمد عليه في التنقل لوكالة «أسوشييتد برس»: «أتمنى لو لم أكن مضطرة للجلوس على هذا الكرسي. أحتاج إلى مساعدة للوقوف، وارتداء الملابس، والذهاب إلى دورة المياه».

مستشفيات متضررة

وتُعدّ عمليات الإجلاء ضرورية للغاية، إذ تضررت مستشفيات غزة بشدة؛ فقد أدت الحرب الإسرائيلية على غزة إلى تدمير القطاع الصحي في القطاع، حيث اكتظت المستشفيات القليلة المتبقية بالجرحى. ويعاني القطاع من نقص حاد في الإمدادات الطبية، وقد فرضت إسرائيل قيوداً على دخول المساعدات.

الطفلة الغزاوية ريماس أبو ليحية التي أصيبت في ساقها اليسرى بخان يونس (أ.ب)

وتعجز المستشفيات عن إجراء عمليات جراحية معقدة لكثير من الجرحى، بمن فيهم آلاف مبتورو الأطراف، أو علاج كثير من الأمراض المزمنة. وأُغلق مستشفى غزة المتخصص الوحيد لعلاج السرطان في بداية الحرب، وفجرته القوات الإسرائيلية مطلع عام 2025. وزعم الجيش، دون تقديم أي دليل، أن مقاتلي «حماس» كانوا يستخدمونه، رغم أنه كان يقع في منطقة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية طوال معظم فترة الحرب.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، غادر أكثر من 10 آلاف مريض غزة لتلقي العلاج في الخارج منذ بدء الحرب. وبعد أن سيطرت القوات الإسرائيلية على معبر رفح وأغلقته في مايو (أيار) 2024، وحتى وقف إطلاق النار، لم يُجلَ سوى نحو 17 مريضاً أسبوعياً من غزة، باستثناء زيادة وجيزة تجاوزت 200 مريض أسبوعياً خلال فترة وقف إطلاق النار التي استمرت شهرين مطلع عام 2025.

ووفقاً لوزارة الصحة، يعاني نحو 440 من طالبي الإجلاء من إصابات أو أمراض تهدد حياتهم. وأعلنت الوزارة، يوم الثلاثاء، وفاة أكثر من 1200 مريض أثناء انتظارهم الإجلاء.

وقال مسؤول أممي إن أحد أسباب بطء عمليات الإجلاء هو تردد كثير من الدول في استقبال المرضى، لأن إسرائيل لا تضمن عودتهم إلى قطاع غزة. وتحدث المسؤول شريطة عدم الكشف عن هويته لوكالة «أسوشييتد برس». وقد توجهت غالبية المُجَلّين إلى مصر والإمارات العربية المتحدة وقطر وتركيا.

وقال المسؤول إنه ليس من الواضح ما إذا كان الوضع سيتغير مع فتح معبر رفح، أم لا. وأضاف أنه حتى مع عمليات الإجلاء «اليومية أو شبه اليومية»، فإن العدد ليس مرتفعاً جداً. كما صرحت إسرائيل بأنها ستسمح لنحو 50 فلسطينياً فقط بالدخول إلى غزة يومياً، بينما يأمل عشرات الآلاف من الفلسطينيين في العودة.

الضفة الغربية محظورة

وأوضح المسؤول أن إسرائيل حظرت أيضاً إرسال المرضى إلى مستشفيات الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية منذ بدء الحرب، وهي خطوة قطعت ما كان سابقاً المنفذ الرئيسي للفلسطينيين الذين يحتاجون إلى علاج غير متوفر في غزة. وقدّمت 5 منظمات حقوقية التماساً إلى المحكمة العليا الإسرائيلية لرفع الحظر، إلا أن المحكمة لم تصدر حكماً بعد. ومع ذلك، سُمح لمريض سرطان واحد في غزة بالسفر إلى الضفة الغربية لتلقي العلاج في 11 يناير (كانون الثاني)، بعد أن قبلت محكمة القدس الجزئية التماساً في قضيته من منظمة «جيشا» الحقوقية الإسرائيلية.

آلاف من مرضى السرطان ينتظرون

ويحتاج آلاف مرضى السرطان إلى الإجلاء، إذ يوجد في غزة أكثر من 11 ألف مريض سرطان، ونحو 75 في المائة من أدوية العلاج الكيميائي اللازمة غير متوفرة، وفقاً لوزارة الصحة. وأضاف التقرير أن ما لا يقل عن 4 آلاف مريض سرطان بحاجة إلى علاج عاجل في الخارج.

يعاني محمود أبو إسحاق (14 عاماً) من فقدان البصر بسبب حالة في القرنية... يُظهر والده عينه للكاميرا بينما ينتظران الحصول على إذن للسفر خارج قطاع غزة لتلقي العلاج الطبي - خان يونس (أ.ب)

ويُعاني أحمد برهم، وهو طالب جامعي يبلغ من العمر 22 عاماً، من سرطان الدم (اللوكيميا). وقد خضع لعمليتين جراحيتين لاستئصال الغدد الليمفاوية في يونيو (حزيران)، لكن المرض لا يزال ينتشر «بمعدل ينذر بالخطر»، كما قال والده، محمد برهم.

وأضاف برهم الأب: «لا يوجد علاج متوفر هنا».

وأُدرج برهم اسم ابنه، الذي فقد 35 كيلوغراماً (77 رطلاً)، على قائمة الانتظار العاجلة للإحالة إلى الخارج الأسبوع الماضي، لكنه لم يتلقَّ تأكيداً للسفر حتى الآن. وقال الأب: «ابني يموت أمام عيني».

وفي انتظار فتح معبر رفح، ينتظر محمود أبو إسحاق، البالغ من العمر 14 عاماً، منذ أكثر من عام على قائمة الإحالة لتلقي العلاج في الخارج. وانهار سقف منزل عائلته عندما سقطت غارة إسرائيلية بالقرب من بلدة بني سهيلة جنوب البلاد. وأُصيب الصبي بانفصال في شبكية العين. وقال والده، فواز أبو إسحاق: «أصبح الآن كفيفاً تماماً. ننتظر فتح المعبر».

آلاف ينتظرون العلاج

أُصيبت أبو ليحية في أغسطس (آب) الماضي، عندما خرجت من خيمتها العائلية في مدينة خان يونس جنوب البلاد، بحثاً عن شقيقها الأصغر، مهند، كما صرّحت لوكالة «أسوشييتد برس». وكان الصبي قد خرج في وقت سابق من ذلك الصباح، على أمل الحصول على بعض الطعام من شاحنات الإغاثة.

في ذلك الوقت، حين كانت غزة على وشك المجاعة، كانت حشود غفيرة تنتظر الشاحنات بانتظام، وتسحب صناديق الطعام منها، وكثيراً ما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار على هذه الحشود. وادعى الجيش الإسرائيلي أن قواته كانت تطلق طلقات تحذيرية، لكن مئات الأشخاص لقوا حتفهم على مدى عدة أشهر، وفقاً لمسؤولين صحيين في غزة.

وعندما وصلت أبو ليحية إلى مشارف منطقة سيطرة عسكرية كانت تمر منها الشاحنات، كان عشرات الأشخاص يفرون بينما كانت القوات الإسرائيلية تطلق النار. وقالوا إن رصاصة أصابت أبو ليحية في ركبتها، فسقطت على الأرض وهي تصرخ.

وفي مستشفى ناصر القريب، خضعت لعدة عمليات جراحية، لكن الأطباء لم يتمكنوا من إصلاح ركبتها. وأخبرها الأطباء بأنها بحاجة إلى جراحة استبدال مفصل الركبة خارج غزة.

وأبلغ المسؤولون العائلة الشهر الماضي بأنها ستُجلى في يناير. لكن حتى الآن لم يحدث شيء، كما قال والدها، سرحان أبو ليحية. وتابع: «حالتها تتدهور يوماً بعد يوم»، وقال: «إنها تجلس وحيدة وتبكي».


مقالات ذات صلة

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

المشرق العربي فلسطيني يحمل طفلة بينما يصل الفلسطينيون القادمون من معبر رفح الحدودي إلى مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم 9 فبراير الحالي (رويترز) p-circle 05:08

«أغروهم بالمال للرجوع إلى مصر»... صدمة إسرائيلية من العائدين إلى غزة

خيّمت الصدمة على السلطات الإسرائيلية من أعداد الفلسطينيين الراغبين في العودة لقطاع غزة رغم ما حل به من دمار، بينما نقلت شهادات عن إغرائهم بالأموال للرجوع لمصر

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية مبانٍ مدمرة في مخيم جباليا للاجئين بشمال غزة (أ.ف.ب) p-circle

الجيش الإسرائيلي يقتل أربعة «مسلّحين» خرجوا من نفق في رفح

قال الجيش الإسرائيلي، الاثنين، إنه قتل أربعة مسلحين فلسطينيين عند خروجهم من نفق في رفح بجنوب قطاع غزة، متهماً إياهم بأنهم كانوا يطلقون النار على جنود إسرائيليين

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
خاص عائدون من مصر دخلوا من معبر رفح أمام مستشفى ناصر في خان يونس الأربعاء (أ.ف.ب) p-circle 05:08

خاص عائدون إلى غزة... من غربة صعبة إلى رحلة شاقة للقطاع

عاش العائدون رحلة طويلة شاقة لم يتوقعها أي منهم، في ظل التغيرات التي أحدثتها الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين على القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيات يبكين خلال جنازة لضحايا غارة إسرائيلية استهدفت مخيماً يؤوي نازحين في خان يونس جنوب غزة يوم الأربعاء (رويترز) p-circle

إسرائيل ترفع وتيرة التصعيد في غزة... وتضغط بتعطيل سفر المرضى

صعّدت إسرائيل من وتيرة التصعيد الدموي في شمال قطاع غزة وجنوبه، الأربعاء، وقتلت غاراتها 21 شخصاً بينهم ستة أطفال، بينما ضغطت بتعطيل سفر المرضى من القطاع للعلاج.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أطفال يمرون بجوار الخيام والملاجئ المؤقتة في مخيم البريج للاجئين وسط قطاع غزة أمس (أ.ف.ب) p-circle

عشرات القتلى والجرحى في القصف الإسرائيلي على غزة

أعلن مسؤولو الصحة في قطاع غزة، الأربعاء، مقتل 23 مواطناً وإصابة العشرات بنيران إسرائيلية، منذ فجر اليوم في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)

رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
TT

رحيل البريطاني بول كونروي... شاهد العيان على «مجزرة الصحافيين» في بابا عمرو

الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)
الصحافي البريطاني بول كونروي من غرفته في مستشفى لندن يخضع للعلاج بعد نجاته من مذبحة ارتكبها نظام الأسد في بابا عمرو بحمص وسط سوريا (مواقع تواصل)

عاد اسم المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي إلى الواجهة، مع استعادة واحدة من أبرز التجارب الإعلامية التي وثّقت مرحلة مفصلية من تاريخ الثورة السورية، وذلك بعد رحيله، أمس (السبت)، عن عمر ناهز 61 عاماً إثر أزمة قلبية مفاجئة، ومسيرة حافلة في تغطية أخطر الحروب، وبؤر الصراع حول العالم، مثل البلقان، ليبيا، سوريا، أوكرانيا، وغيرها.

استحضار تجربة كونروي اليوم لا يأتي من باب التوثيق فقط، بل بوصفها شهادة حية على الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحقّ المدنيين، بمن فيهم الأطفال والنساء، حتى الصحافيون الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة، حيث كانت مهمته الصحافية أكثر من مجرد توثيق، كانت مواجهة مباشرة مع آلة القتل، ومحاولة لإيصال الحقيقة إلى العالم رغم الحصار والقصف والتهديد الدائم للحياة، بحسب وكالة «سانا» الرسمية.

المصوّر الصحافي البريطاني بول كونروي رحل عن 61 عاماً إثر أزمة قلبية (إكس)

كونروي كان واحداً من القلائل الذين تمكنوا من دخول حي بابا عمرو في مدينة حمص عام 2012، في وقت كانت فيه الصورة تحاصر كما البشر، وكان الوصول إلى الحقيقة محفوفاً بالموت.

هناك، تحولت مهمته الصحافية إلى مواجهة مباشرة مع آلة القتل، حين تعرض المركز الإعلامي الذي كان يعمل فيه لقصف، أسفر عن مقتل الصحافية الأميركية ماري كولفن، والمصور الفرنسي ريمي أوشليك، فيما أُصيب هو، ونجا لاحقاً بعد إخراجه إلى لبنان في عملية معقدة، شارك فيها ناشطون، وسط ظروف إنسانية بالغة القسوة.

توثيق الجرائم... من قلب حمص

لم يكن ما وثّقه كونروي في بابا عمرو مجرد مشاهد حرب، بل دلائل حية على حجم الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق المدنيين. ووصف كونروي بعد خروجه القصف على حمص بأنه يشبه مذبحة سربرنيتسا (في البوسنة)، «مذبحة عشوائية للرجال والنساء والأطفال»، مشيراً إلى أن آلاف المدنيين ظلوا محاصرين بلا كهرباء أو ماء، وبقليل من الطعام، وسط البرد وتساقط الثلوج.

بول كونروي الصحافي البريطاني يرفع علم الثورة السورية من أمام السفارة السورية في لندن رفقة متظاهرين عام 2012

وقال كونروي وقتها من غرفته في مستشفى لندن: «كيف سمحنا لهذا أن يحدث؟ إنهم يموتون وهم بحاجة إلى المساعدة»، ودعا المجتمع الدولي إلى التدخل لإنقاذ سكان سوريا مما ينتظرهم، لتظل شهادته إحدى أكثر الروايات تأثيراً في نقل معاناة المدنيين إلى العالم.

وفي تلك المرحلة، شكّلت الصور والشهادات التي خرجت من حمص عنصراً أساسياً في كسر العزلة الإعلامية التي حاول النظام البائد فرضها، وكشفت حجم المعاناة الإنسانية الحقيقية.

محاولة لإسكات الحقيقة

في المكان ذاته الذي سقط فيه عدد من الصحافيين، كان استهداف الإعلاميين رسالة واضحة: إسكات الصورة، ومنع الحقيقة من الوصول إلى الرأي العام الدولي.

غير أن تلك المحاولة لم تنجح، إذ تحولت حادثة قصف المركز الإعلامي إلى نقطة تحول في مسار التغطية الإعلامية للأحداث، وساهمت في تسليط الضوء على الانتهاكات التي ارتكبت بحقّ الصحافيين والمدنيين على حد سواء.

بول كونروي أصدر كتاباً في بريطانيا عن تجربته في حي بابا عمرو بسوريا رفقة زميلته الصحافية الفرنسية الأميركية ماري كولفن التي قضت في المجزرة التي ارتكبها نظام الأسد بحق الصحافيين في حمص 2012

بعد خروجه من حمص، لم تتوقف رواية كونروي عند حدود التجربة الشخصية، بل استمر في نقل شهادته عبر وسائل الإعلام والمنابر المختلفة، مستنداً إلى ما عايشه ميدانياً، ومسلطاً الضوء على الانتهاكات التي شهدها.

وشكّلت هذه الشهادات جزءاً من السردية التي نقلت معاناة السوريين إلى الخارج، وأسهمت في إبقاء القضية حاضرة في النقاشات الإعلامية والسياسية على المستوى الدولي.

مسارات العدالة الدولية

ومع مرور السنوات، عادت حادثة استهداف المركز الإعلامي في بابا عمرو إلى الواجهة، في سياق المسارات القضائية الدولية، حيث أصدر القضاء الفرنسي مذكرات توقيف بحقّ عدد من مسؤولي النظام البائد، على خلفية استهداف الصحافيين.

وتعكس هذه الخطوات استمرار الجهود الرامية إلى محاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة، والتأكيد على أن استهداف المدنيين والصحافيين لا يمكن أن يمر دون مساءلة.

بين العدسة والرحيل... شهادة لا تموت

رحل المصور الصحافي بول كونروي، لكن إرثه باقٍ، حيث لم تكن عدسته مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل كانت صوتاً يصرخ بالحقيقة حين حاول النظام البائد طمسها، ووسيلة لإنقاذ الإنسانية في لحظات كان الموت فيها قريباً من كل زاوية.

في بابا عمرو، حيث قتل صحافيون ودمرت مبانٍ، ووسط القصف العشوائي الذي وصفه كونروي لاحقاً بـ«مذبحة للرجال والنساء والأطفال»، لم يخف من الاقتراب من الخطر، بل كان يركض نحوه لينقذ من يستطيع، مصوراً كل لحظة من الشجاعة والمعاناة والإنسانية.

صور وحكايات كونروي تبقى شاهدة على الحقائق التي حاول النظام البائد دفنها، وعلى الأطفال والنساء الذين عاشوا تحت الحصار والبرد والجوع، وعلى الصحافيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً لكشف الحقيقة.

رحل كونروي، لكن صوته يبقى: في كل صورة نجت، في كل شهادة بقيت حية، وفي كل ذكرى للمدنيين الذين وثق معاناتهم، شهادة لم تمت، لأنها حملت الحقيقة، والحقيقة تبقى حية.


الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون استخدموا وسائل قديمة ضد إيران... وفوجئوا من نجاحها

صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)
صورة جوية التقطتها شركة فانتور ونُشرت الأحد لمبانٍ مُدمّرة في مُجمّع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

على الرغم من قيود الرقابة العسكرية الشديدة، تتسرب للإعلام العبري والأجنبي معلومات عديدة تبين كيف دارت عمليات الإعداد للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وكيف تحققت المفاجأة التي كان لها دور حاسم في توجيه الضربة الأولى القاصمة، بيد أن المعلومة الأهم في هذه التسريبات هي ما يكشفه الطيارون الإسرائيليون الذين نفذوا عمليات الاغتيال الأولى. فهؤلاء يتحدثون عن «مفاجأة حقيقية» من سهولة نجاحهم في تنفيذها.

ويقصد الطيارون، الذين تحدثوا إلى الإذاعة الرسمية، الأحد، الغارات الأولى التي استهلت بها إسرائيل عملياتها الحربية، والتي لم يعرف بعد مدى الخسائر الإيرانية فيها.

ونقلت الإذاعة الرسمية أنه تم إرسال الطيارين لتدمير 3 مواقع، يجتمع فيها أهم القادة العسكريين والأمنيين، ومعهم المرشد الأعلى، علي خامنئي، وعادوا منها وقد اغتالوا معه 42 شخصية قيادية، بينهم وزير الدفاع عزيز نصير زاده، وهو نفسه صاحب خبرة عسكرية غنية، إذ كان قد تولى عدة مناصب عليا في الماضي، مثل قائد سلاح الجو ونائب رئيس أركان القوات المسلحة، كما كان مسؤولاً عن الصناعات التي تنتج صواريخ بعيدة المدى ووسائل قتالية نُقلت إلى حلفاء النظام، وكذلك عن منظمة «سبند» التي دفعت مشاريع في مجالات السلاح النووي والبيولوجي والكيميائي.

كما اغتالوا علي شمخاني، الأمين العام لمجلس الدفاع، الذي تعتبره إسرائيل «من أبرز صُنّاع القرار الأمني في إيران والمستشار الشخصي للمرشد الإيراني علي خامنئي للشؤون الأمنية» وتحمله مسؤولية البطش الشرس في قمع المظاهرات الأخيرة التي أدت إلى مقتل أكثر من 30 الفاً، ومحمد باكبور، قائد «الحرس الثوري» الذي تقول عنه إنه «يعد من العقول المدبرة لـ«خطة تدمير إسرائيل»، وصلاح أسدي، رئيس شعبة الاستخبارات في قيادة الطوارئ وكبير ضباط الاستخبارات في القيادة العليا للقوات الإيرانية، وغيرهم.

أما الأمر الذي فاجأ الإسرائيليين أنهم استخدموا الأدوات نفسها التي اعتمدوها في يونيو (حزيران) الماضي، خلال الجولة الأولى للحرب، التي أصبحت تعرف بـ«حرب الـ12 يوماً».

ففي حينه، تم رصد اجتماع لرئاسة أركان سلاح الجو الإيراني في طهران، وتم تفجير المكان وقتل غالبية الحاضرين، ومع ذلك فإن الإيرانيين لم يظهروا جدية في الإفادة من تلك التجربة. وتمكن الإسرائيليون من رصد تحركات هؤلاء القادة فرداً فرداً، طيلة 9 أشهر، عبر أجهزة التجسس البشرية والإلكترونية، ومن خلال العمليات التي يقودها عملاء الموساد، الذين أقاموا لهم فرعاً نشطاً داخل الأراضي الإيرانية يعمل على مدار 24 ساعة في اليوم.

دخان يتصاعد بعد غارة جوية إسرائيلية في طهران الثلاثاء 17 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

وتشير وسائل الإعلام العبرية إلى أن حجم الانكشاف ظهر في أن الإسرائيليين علموا بانعقاد 3 اجتماعات رفيعة المستوى في آن واحد، الثامنة من صبيحة السبت.

ويتضح أن الاجتماع الأهم، الذي جمع بين المرشد خامنئي وبين وزير الدفاع وغيره من القادة العسكريين، كان مقرراً مساء السبت، وفي سبيل التكتيك الأمني تم تبكيره إلى الثامنة صباحاً، وكانت إسرائيل على علم بذلك التغيير أيضاً، إذ إن طائراتها كانت تحلق في الجو عند موعد الاجتماع، وتم تحديد ساعة الصفر لحظة دخول خامنئي بالضبط.

متى اتخذ القرار؟

كشف تقرير لصحيفة «يديعوت أحرونوت» أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتخذ قرار اللجوء إلى هذه الحرب فقط في يوم الجمعة، أي قبل يوم واحد من تنفيذ الهجوم المشترك مع إسرائيل، فبينما كانت التهديدات الأميركية لإيران تسير جنباً إلى جنب مع المفاوضات بين البلدين، حيث تلقى تقريراً من نائبه جي دي فانس، الذي كان تكلم لتوّه مع المبعوثين ستيف وتكوف وجارد كوشنير، بأن المفاوضين الإيرانيين يتخذون موقفاً عبثياً، وهدفهم بالأساس إطالة المفاوضات.

وبحسب الصحيفة، فإن ترمب أعطى عندها الأوامر، فانطلق الهجوم، الذي يجري الإعداد له منذ شهور طويلة، واتخذ طابعاً عملياً في 14 يناير (كانون الثاني) الماضي، إذ كان يرغب في شنّ الحرب في نهاية الشهر، لكن الضغوط العربية جعلته يعطي مهلة أخرى للمفاوضات.

وتابعت الصحيفة، نقلاً عن مصادرها، أنه «بعد شهر، وتحديداً في 18 فبراير (شباط)، حدّد ترمب لإيران 10 أيام لإنهاء المفاوضات بشكل ايجابي، لكنهم في طهران لم يفهموا الرسالة. وتصرفوا من خلال الاتفاق على استئناف المفاوضات الاثنين المقبل، تماماً كما حصل عشية الحرب في يونيو».

التوقيت

تقول إسرائيل إن توقيت الهجوم حدّدته عملياً إيران. وذلك أن المخابرات الإسرائيلية، نتيجة اختراقها العميق للدولة على اختلاف أجهزتها، حصلت على معلومة ذهبية عن 3 اجتماعات سيعقدها قادة إيرانيون في الثامنة من صبيحة السبت، 28 فبراير. واعتبرت توجيه ضربة قاضية وقاتلة على هذه الاجتماعات سيكون أفضل صدمة معنوية للقيادة الإيرانية.

ونظراً لأن البداية ستكون يوم السبت، فإن الردّ الإيراني سيأتي بأقل تأثير ممكن، على تل أبيب، حيث إنه يوم العطلة الأسبوعية، والإسرائيليون المتدينون يبقون في بيوتهم. فإذا سقطت صواريخ وشظايا ستصيب الحدّ الأدنى منهم.

الرمز

ولم تخلُ الحرب كعادة إسرائيل من رموز دينية، إذ إنها جاءت قبل يوم من عيد المساخر (البوريم) في إسرائيل، أو عيد الفرح والهزل.

ويرتبط «عيد المساخر» بشكل وطيد بإيران، إذ إن نشأته تعود إلى بلاد فارس القديمة. ويحكى أن الزعيم المهووس بالعظمة (هامان) كان يعمل مستشاراً لدى ملك فارس، أحشويروش، الذي لا يعتبر فذّاً في الذكاء، وكان همه الأساس المتع الشخصية وحفلات الطعام والشراب.

ووفق الرواية اليهودية، قد حرّض هامان ملكه على اليهود الأغنياء، وأقنعه بأن يسمح بذبحهم جميعاً، لكن تدخل مستشار آخر للملك، هو اليهودي موردخاي، وأجهض المؤامرة وأنقذ اليهود، بعدما أحضر للملك بنت أخيه الجميلة، إستير، التي كانت ملكة جمال، فأغرته وأقنعته بأن يعفو عن اليهود ويقتل هامان، وهو ما حدث، ومنذ ذلك الحين يقيم اليهود احتفالات يسخرون فيها من هامان وكل عدو آخر، ويرتدون ملابس تنكرية.


تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني إلى أبريل «لعدم توافر الظروف الملائمة»

عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
TT

تأجيل مؤتمر دعم الجيش اللبناني إلى أبريل «لعدم توافر الظروف الملائمة»

عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)
عناصر في الجيش اللبناني يقومون بتدريبات عسكرية (قيادة الجيش - أرشيفية)

أعلنت لبنان وفرنسا تأجيل المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانية، الذي كان مقرراً انعقاده في الخامس من مارس (آذار) في باريس، إلى شهر أبريل (نيسان) المقبل من دون تحديد تاريخ ثابت، «نظراً لعدم توافر الظروف الملائمة للإبقاء على موعده المحدد» في إشارة إلى الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية التي تأثرت بها دول منطقة الخليج والشرق الأوسط.

وصدر القرار بعد اتصال هاتفي أجراه الرئيسان اللبناني جوزيف عون والفرنسي إيمانويل ماكرون مساء الأحد، جرى خلاله «البحث في آخر المستجدات التي تؤثر على أمن المنطقة بأسرها، بما في ذلك الدول الصديقة، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة».

وحسب بيان صادر عن الرئاستين، أكد عون وماكرون أن خطورة الوضع الإقليمي تعزز ضرورة الحفاظ على استقرار لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، وضمان استعادة سيادته الكاملة.

وأشار البيان إلى أن فرنسا ولبنان وشركاءهما في مجموعة الخماسية سيواصلون جهودهم في هذا الاتجاه، بما يضمن استمرار الدعم الدولي للمؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية وتعزيز مقومات الاستقرار في البلاد.

ووفق البرنامج الذي كانت قد وزعته وزارة الخارجية الفرنسية، فإن المؤتمر كان سينتهي «بالإعلان عن الالتزامات التي قدمتها الأطراف المشاركة التي يبلغ عددها نحو 60؛ منها 50 دولة و10 منظمات إقليمية ودولية».

دورية مشتركة بين الجيش اللبناني وقوات «يونيفيل» في جنوب لبنان (حسابها على «تلغرام»)

وقالت «الخارجية» الفرنسية إن ثمة 3 أهداف رئيسية للمؤتمر الذي جرى التمهيد له باجتماع استضافته القاهرة يوم الثلاثاء الماضي. يتمثل الهدف الأول، في «دعم الجيش اللبناني (والقوى الأمنية) لاستعادة سلطة الدولة، والحفاظ على الوحدة الوطنية، وتهيئة الظروف لتحقيق استقرار دائم في لبنان والمنطقة». أما الهدف الثاني، فقوامه «ضمان الاتساق بين الالتزامات الدولية المتخذة والتقدم المحرز في تنفيذ خطة نزع السلاح».

وكان قد شارك قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل في اجتماع القاهرة الذي بحث تحديد أولويات الدعم العسكري والأمني، سواء فيما يتعلق بالعتاد والتجهيزات، أو التدريب، أو المساعدات اللوجيستية والمالية، في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة التي ترخي بثقلها على المؤسستين العسكرية والأمنية منذ عام 2019.

عنصران من الجيش اللبناني ينقلان حطام مسيَّرة إسرائيلية سقطت فوق جنوب لبنان في 2024 (أرشيفية - رويترز)

عاجل غارات إسرائيلية تستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت