كيف نقدم الرعاية لكبار السن «متعددي الأمراض»؟

من علاج يستهدف الأمراض إلى عناية متكاملة تحسّن جودة الحياة

كيف نقدم الرعاية لكبار السن «متعددي الأمراض»؟
TT

كيف نقدم الرعاية لكبار السن «متعددي الأمراض»؟

كيف نقدم الرعاية لكبار السن «متعددي الأمراض»؟

تشهد المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي، شأنها شأن بقية دول العالم، تحولاً ديمغرافياً متسارعاً يتمثل في تزايد أعداد كبار السن وارتفاع متوسط العمر المتوقع.

ومن خلال الممارسة السريرية، يتضح أن التحديات الصحية، مع هذا التحول، لم تعد مقتصرة على أمراض حادة أو حالات منفردة، بل أصبحت تتجسد في نمط معقّد من تعدد الأمراض المزمنة لدى الشخص الواحد. فالسكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، وأمراض الجهاز التنفسي، وهشاشة العظام، واضطرابات الذاكرة، والاكتئاب، كثيراً ما تجتمع لدى كبار السن، لتشكّل عبئاً صحياً وإنسانياً يتجاوز قدرة النماذج العلاجية التقليدية القائمة على التعامل مع كل مرض بمعزل عن الآخر، ويجعلها غير كافية، بل وقد تكون مضرة إذا لم تُراعَ الصورة الكلية للمريض.

هذا الواقع الجديد يفرض إعادة النظر في مفهوم الرعاية الصحية لكبار السن، والانتقال من منطق «علاج المرض» إلى منطق «رعاية المريض» بكل أبعاده الصحية والنفسية والاجتماعية.

التعدد المرضي لدى كبار السن

يُعرّف التعدد المرضي (Multi-morbidity) بوجود حالتين مزمنتين أو أكثر لدى الشخص نفسه، وهو أمر شائع بين من تجاوزوا سن الخامسة والستين. وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أغلبية كبار السن يعانون من أكثر من مرض مزمن، مع تزايد هذا العبء كلما تقدم العمر نتيجة التغيرات الفسيولوجية الطبيعية، وتراكم عوامل الخطر، وطول فترات التعرض للأمراض المزمنة. ويُعد هذا النمط من المرض أحد أبرز التحديات الصحية المعاصرة، نظراً لتعقيده وصعوبة التعامل معه وفق النماذج العلاجية التقليدية.

غير أن خطورة التعدد المرضي لا تكمن في عدد الأمراض فحسب، بل في تداخلها وتأثيرها المتبادل على القدرات الوظيفية، والاستقلالية، والحالة النفسية، والقدرة على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية. كما يمتد أثره ليشمل الجوانب الاجتماعية، مثل زيادة الاعتماد على الآخرين، وتراجع الدور الاجتماعي، وارتفاع العبء الواقع على الأسرة ومقدمي الرعاية، فضلاً عن العبء الاقتصادي المتزايد على المريض وعلى النظام الصحي ككل. ويؤدي هذا التعقيد إلى جعل الرعاية الصحية في هذه المرحلة مسألة متعددة الأبعاد، تتجاوز التشخيص والعلاج الدوائي إلى معالجة الجوانب الوظيفية والنفسية والاجتماعية.

فالعلاج الأمثل لمرض معين قد يزيد من معاناة مرض آخر، كما أن الالتزام الصارم بإرشادات علاجية مبنية على مرض واحد قد يؤدي إلى نتائج غير متوقعة، أو حتى ضارة، عند تطبيقها على مريض يعاني من عدة أمراض في آن واحد. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة شمولية تراعي الصورة الكلية للمريض، وتوازن بين الفوائد العلاجية والمخاطر المحتملة، بدل الاكتفاء بمعالجة كل مرض على حدة.

التقييم الشامل لكبار السن

> تقييم شامل. يُعد التقييم الشامل لكبار السن (Comprehensive Geriatric Assessment, CGA) حجر الزاوية ونقطة الانطلاق الحقيقية في رعاية المرضى متعددي الأمراض، حيث يوفر إطاراً منهجياً لتقييم الحالة الصحية من جوانب متعددة. هذا التقييم لا يقتصر على التشخيص الطبي، بل يشمل تقييم القدرات الوظيفية، والحالة المعرفية والنفسية، والوضع الاجتماعي، والحالة التغذوية، إضافة إلى مراجعة شاملة للأدوية.

وقد أظهرت دراسات مدعومة بتوصيات منظمة الصحة العالمية أن اعتماد هذا التقييم يسهم في تحسين النتائج الصحية، وتقليل معدلات التنويم المتكرر بالمستشفيات، وتوجيه الرعاية نحو ما يهم المريض فعلياً، لا ما تمليه المؤشرات الرقمية وحدها.

> فريق صحي متعدد التخصصات. أحد أبرز أوجه القصور في رعاية كبار السن متعددي الأمراض هو تجزئة الرعاية بين تخصصات ومرافق متعددة، دون وجود جهة تنسيقية واضحة، وهو ما يؤدي إلى تكرار الفحوصات، أو تعارض الخطط العلاجية، أو غياب رؤية شاملة لحالة المريض. كما أن ضعف التنسيق بين مقدمي الرعاية يزيد من العبء على المريض والأسرة، ويؤثر سلباً على استمرارية الرعاية وجودتها، وهو تحدٍ متكرر في الأنظمة الصحية المعقدة.

هنا يبرز مفهوم تنسيق الرعاية (Care Coordination) كعنصر حاسم في تحسين النتائج الصحية، حيث لا يمكن لطبيب واحد، مهما بلغت خبرته، أن يدير بمفرده تعقيدات التعدد المرضي لدى كبار السن. فالرعاية الفعالة تتطلب فريقاً صحياً متعدد التخصصات يضم أطباء الأسرة، وأطباء الشيخوخة، والصيادلة، والتمريض، وأخصائيي العلاج الطبيعي، والأخصائيين الاجتماعيين.

وتشير التجارب الدولية إلى أن غياب التنسيق لا ينعكس فقط على النتائج الصحية، بل يؤدي كذلك إلى ارتفاع التكاليف الصحية، وزيادة استخدام الخدمات الطارئة، وإرهاق المريض والأسرة في التنقل بين العيادات والتخصصات المختلفة. وفي المقابل، فإن وجود نموذج واضح لتنسيق الرعاية، يقوده طبيب أسرة أو منسق حالة، يتيح بناء خطة علاجية موحدة، تقلل الازدواجية في الفحوصات، وتحد من التعارض الدوائي، وتضمن وضوح الأدوار والمسؤوليات داخل الفريق الصحي. كما يسهم هذا النموذج في تعزيز التواصل المستمر مع المريض والأسرة، وشرح الأهداف العلاجية، ومتابعة الالتزام بالخطة المتفق عليها، وهو ما ينعكس إيجاباً على ثقة المريض بالنظام الصحي ورضاه عن الرعاية المقدمة.

وقد بينت دراسات منشورة في المجلة الطبية البريطانية (BMJ) أن هذه النماذج التنسيقية تؤدي إلى تحسن ملموس في جودة الحياة، وتقليل معدلات الدخول المتكرر للمستشفيات، خاصة لدى كبار السن المصابين بأمراض مزمنة متعددة. كما تؤكد مراجعات منشورة في مجلة «لانسيت» أن العمل الجماعي المنظم، القائم على تبادل المعلومات واتخاذ القرار المشترك، يقلل من الأخطاء الطبية، ويحسن استمرارية الرعاية، ويعزز النتائج الصحية طويلة الأمد.

> إدارة الأدوية وتخفيف العبء العلاجي. يمثل تعدد الأدوية (Polypharmacy) أحد أخطر تحديات رعاية كبار السن متعددي الأمراض، حيث يؤدي وصف عدة أدوية لمعالجة كل حالة على حدة إلى زيادة خطر التداخلات الدوائية، والآثار الجانبية. كما أن الاستخدام المتزامن لعدة أدوية يزيد من مخاطر تلك التداخلات، وقد يؤدي إلى حالات السقوط، والارتباك الذهني، خاصة مع التغيرات الفسيولوجية المرتبطة بالتقدم في العمر، مثل انخفاض كفاءة الكلى والكبد وتغير الاستجابة الدوائية. ويؤثر ذلك سلباً في الالتزام بالعلاج وجودة الحياة، ويزيد من معدلات الدخول إلى المستشفيات. ويتطلب هذا الواقع موازنة دقيقة بين الفائدة العلاجية والمخاطر المحتملة. وتشير تحليلات في مجلة «لانسيت» إلى أن خفض العبء الدوائي، عندما يتم بشكل مدروس، قد يحسن الوظائف الإدراكية والحركية، ويقلل من معدلات المضاعفات دون التأثير سلباً على السيطرة على الأمراض.

لذا، أصبحت مراجعة الأدوية بشكل دوري، وإيقاف العلاجات غير الضرورية، وضبط الجرعات بما يتناسب مع الحالة الوظيفية للمريض، جزءاً أساسياً من الرعاية الحديثة لكبار السن.

الرعاية طويلة الأمد والتلطيفية

> تخفيف المعاناة. في مراحل معينة من التعدد المرضي، قد لا يكون الهدف من العلاج هو السيطرة الصارمة على الأمراض والمؤشرات الحيوية، بل يتحول إلى تخفيف المعاناة من الأعراض، والمحافظة على الراحة والكرامة الإنسانية وتحسين جودة الحياة. وهنا يبرز دور الرعاية التلطيفية، التي لم تعد حكراً على المراحل النهائية من المرض، بل أصبحت تُدمج مبكراً ضمن خطة الرعاية العلاجية الشاملة. وقد أكدت مراجعات علمية أن هذا النهج يساعد المرضى وأسرهم على اتخاذ قرارات واقعية، ويقلل من التدخلات غير الضرورية، ويحسن تجربة المريض وأسرته والرعاية ككل.

> دور المريض والأسرة والمجتمع. تؤكد الاتجاهات الحديثة في طب الشيخوخة على أهمية التحول من الرعاية المتمحورة حول المرض إلى الرعاية المتمحورة حول المريض. ويضع هذا النموذج المريض في قلب العملية العلاجية، ويأخذ في الاعتبار أهدافه الشخصية، وتفضيلاته، ونوعية حياته، وليس فقط المؤشرات السريرية. كما تؤكد النماذج الحديثة للرعاية الصحية على أهمية إشراك المريض وأسرته في اتخاذ القرار العلاجي، خاصة في ظل التعدد المرضي. فالأهداف العلاجية لدى كبار السن تختلف؛ فبعضهم يفضل الحفاظ على الاستقلالية والقدرة على الحركة، بينما يركز آخرون على تخفيف الألم أو الأعراض المزعجة.

وقد أوضحت تحليلات منشورة أنه لا يمكن فصل الحالة الصحية لكبار السن عن ظروفهم الأسرية والاجتماعية، إذ تؤثر العزلة، والفقر، وصعوبات النقل، وضعف الدعم الأسري بشكل مباشر في النتائج الصحية. كما أن الرعاية، المتمحورة حول المريض، القائمة على الحوار واتخاذ القرار المشترك ترتبط بتحسن الالتزام العلاجي وجودة الحياة.

وقد شددت منظمة الصحة العالمية على أن الصحة النفسية تمثل عنصراً أساسياً في رعاية كبار السن متعددي الأمراض، إذ ترتبط حالات الاكتئاب، مثلاً، بتدهور الحالة الصحية العامة وضعف الالتزام العلاجي، وأكدت المنظمة على ضرورة دمج دعم الصحة النفسية وتعزيز الروابط الاجتماعية ضمن خطط الرعاية لما لذلك من أثر مباشر على جودة الحياة.

> دور الرعاية الأولية والتقنيات الحديثة. تلعب الرعاية الصحية الأولية دوراً محورياً في تنسيق رعاية كبار السن متعددي الأمراض، من خلال الاستمرارية وبناء علاقة طويلة الأمد مع المريض. كما تسهم التقنيات الحديثة، مثل السجلات الصحية الإلكترونية والطب عن بُعد، في تحسين المتابعة، وتقليل الحاجة إلى زيارات متكررة للمستشفيات، وتسهيل التواصل بين مقدمي الرعاية، وهو ما تدعمه تقارير منظمة الصحة العالمية حول التحول الرقمي في الرعاية الصحية.

ختاماً، يتضح من هذا المقال، ومن الاتجاهات الحديثة في النظم الصحية، أن رعاية كبار السن متعددي الأمراض لم تعد تحدياً طبياً فحسب، بل أصبحت مقياساً حقيقياً لقدرة النظم الصحية والمجتمعات على تقديم رعاية إنسانية متكاملة، فعّالة، ومستدامة. ويتطلب النجاح في هذا المجال اعتماد نماذج رعاية شمولية توازن بين التعقيد الإكلينيكي والبعد الإنساني، وتضع كرامة المريض وجودة حياته في صميم صنع القرار الصحي، مستندةً إلى الأدلة العلمية، والعمل الجماعي متعدد التخصصات، واحترام تفضيلات المرضى واحتياجاتهم الفردية. ومع تسارع شيخوخة المجتمعات على مستوى العالم، يغدو الاستثمار في هذا النهج المتكامل ضرورة صحية وأخلاقية لا غنى عنها، تعكس التزام المجتمعات بتوفير رعاية عادلة تحفظ كرامة كبار السن وتعزز استدامة النظم الصحية.

* استشاري في طب المجتمع


مقالات ذات صلة

عصر التجميل الصامت... انقضى زمن أرداف ساعة الرمل والشفاه المنتفخة

يوميات الشرق دخلت مواد وتقنيات جديدة على خط تعزيز شباب البشرة بعيداً عن المبالغة والتجميل الزائد (بكسلز)

عصر التجميل الصامت... انقضى زمن أرداف ساعة الرمل والشفاه المنتفخة

الإرهاق من التجميل يصيب النساء، ويدفع الطبَّ لإيجاد بدائل تجمّل الوجه والجسد بعيداً عن المبالغة.

كريستين حبيب (بيروت)
علوم اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة. وجاء ذلك في اكتشاف يسلط الضوء على أحد…

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي

هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك نموذج للذكاء الاصطناعي قادر على تحديد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي (غيتي)

الذكاء الاصطناعي يحدد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي الشديد

يشير فوراً للأطفال المعرضين للخطر من أول زيارة للطبيب

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

العقم ليس موضوعاً يُحب الرجال التحدث عنه، ولكنه شائع جداً، إذ يُعاني نحو واحد من كل عشرة أزواج من مشاكل في الإنجاب،

«الشرق الأوسط» (لندن)

أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء... مراقبة متقدمة للحمل

الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى
الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى
TT

أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء... مراقبة متقدمة للحمل

الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى
الفحص التقليدي بالموجات فوق الصوتيى

في خطوة متقدمة للاستفادة الإكلينيكية من تقنية الموجات فوق الصوتية، ومتقدمة أيضاً في متابعة ما قد يهدد الحالة الصحية للأجنة والحمل والأم الحامل، قدم باحثون من جامعة كاليفورنيا في سان دييغو ابتكارهم لصقة ناعمة قابلة للارتداء مزودة بأجهزة تصوير بالموجات فوق الصوتية Wearable Ultrasound Patch، قادرة على مراقبة الجنين باستمرار لساعات متواصلة، حتى مع حركة الجنين والحبل السري المستمرة داخل الرحم.

لصقة مطورة لتصوير الجنين

وتساعد هذه التقنية الواعدة والمتقدمة في إنتاج رقعة الموجات فوق الصوتية اللاصقة والقابلة للارتداء UPatch، الأطباء على اكتشاف المضاعفات مبكراً في حالات الحمل عالية الخطورة عبر المراقبة المستمرة أثناء الحمل.

ونُشرت نتائج دراسة الباحثين في مجلة «نيتشر التكنولوجيا الحيوية» Nature Biotechnology في 26 مايو (أيار)، تحت عنوان «مراقبة الجنين في حالات الحمل عالية الخطورة باستخدام رقعة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء».

وقال الباحثون: «تتمتع تقنية الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء بإمكانية تمكين المراقبة المستمرة للجنين قبل الولادة Prenatal Monitoring، وتحسين نتائج الحمل بطرق لم تكن ممكنة سابقاً».

وفي الاختبارات، أنتجت اللاصقة قياسات مطابقة تقريباً لتلك التي تُنتجها أجهزة الموجات فوق الصوتية المحمولة القياسية.

وفي هذا العمل الجديد، قيَّم الفريق لصقة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء من خلال دراسة إكلينيكية متعددة المراكز أُجريت في مركز جاكوبس الطبي التابع لجامعة كاليفورنيا في سان دييغو، ومستشفى جون رادكليف التابع لجامعة أكسفورد.

وخلال هذه الدراسة الإكلينيكية، قام الباحثون بجمع بيانات مراقبة مستمرة لساعات في كل مرة عبر 62 حالة حمل، بما في ذلك حالات الحمل الصحية وكذلك حالات الحمل المعقدة بسبب سكري الحمل، وتسمم الحمل، وارتفاع ضغط الدم، ونمو الجنين غير الطبيعي. ويخطط الفريق لاحقاً لدمج الرقعة في نظام إلكتروني صغير الحجم، مما قد يُتيح لها العمل لاسلكياً في نهاية المطاف.

وفي الوقت الحالي، لا توفر معظم فحوصات الموجات فوق الصوتية قبل الولادة سوى لمحات «سريعة ومؤقتة» (خلال فترة الفحص التي لا تتجاوز بضع دقائق) عن صحة الجنين. كما أن إجراءها يتطلب وجود فنيين متخصصين في التصوير بالموجات فوق الصوتية لتشغيل الجهاز. وإضافة إلى ذلك قد يتسبب الضغط أثناء التصوير اليدوي بألم أو إزعاج للمرأة الحامل.

وعلى عكس كل ذلك، فقد صُممت لاصقة الموجات فوق الصوتية الجديدة القابلة للارتداء، لتثبت على سطح جلد بطن الحامل دون أي إزعاج أو ألم لها، ولتقوم بعملية التصوير والنقل الحي لتلك الصور بشكل متواصل، ولتتبع باستمرار تشريح الجنين وتدفق الدم لديه في الوقت الفعلي، دون الحاجة إلى توجيه يدوي لمسبار الموجات فوق الصوتية.

وأضاف الباحثون قائلين: «لمراقبة الأمهات والأطفال بشكل شامل على مدار الفترة الزمنية اللازمة لاكتشاف مضاعفات، مثل تسمم الحمل Preeclampsia، نحتاج إلى نظام يعمل باستمرار وبشكل مستقل إلى حد كبير. ولذلك، فإن عمق الاستشعار والقدرات الوظيفية والاستقلالية لهذه التقنية في مجال الموجات فوق الصوتية، تُعدّ عوامل بالغة الأهمية. وبفضل هذه المراقبة المستمرة، تمكّنا من رصد التقلبات الديناميكية في تدفق الدم التي قد لا تُكتشف باستخدام فحوصات الموجات فوق الصوتية التقليدية».

صورة لرقعة الأشعة الصوتية اللاصقة

رصد الإشارات غير الطبيعية

ويُعدّ تحرّك كلٍّ من الجنين والحبل السري باستمرار أحد أبرز التحديات في المراقبة المستمرة للجنين. وللتغلب على هذه المشكلة، طوّر الباحثون خوارزميات تتبّع ذاتية تُحدّد الحبل السري وتتبّعه تلقائياً أثناء حركته. وهذا يُمكّن الجهاز من الحفاظ على قياسات دقيقة حتى مع تغيير الأم أو الجنين لوضعيتهما.

وفي إحدى الحالات خلال التجارب الإكلينيكية، رصدت اللاصقة إشارات جنينية غير طبيعية مطولة استدعت تدخلاً طبياً عبر ولادة قيصرية مبكرة، التي يقول الباحثون إنها ربما ساهمت في إنقاذ حياة الطفل. كما يمكن لهذه التقنية أن توسِّع نطاق الوصول إلى رعاية ما قبل الولادة في المناطق ذات الموارد المحدودة، حيث غالباً ما يكون توفر فنيي الموجات فوق الصوتية المهرة محدوداً، إضافة إلى مصاعب تقديم المراقبة المستمرة طويلة الأمد.

ويستند هذا المشروع إلى أكثر من 10 سنوات من البحث والتطوير المتواصل في مختبرات جامعة كاليفورنيا بسان دييغو. وقد حظيت الأجهزة القابلة للارتداء في السنوات الأخيرة، باهتمام طبي متزايد في جوانب التشخيص والمعالجة. وبفضل مرونتها وسهولة حملها وتوافقها الممتاز، أصبحت أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء WUS أجهزة طبية تشخيصية ناشئة ذات إمكانات هائلة للتطوير. ومع التطورات المستمرة في المواد والتصميم الهيكلي لمحولات الموجات فوق الصوتية، تحسَّن أداء هذه الأجهزة وتزايد استخدامها في المجال الطبي.

وقد قام فريق الباحثين أيضاً في العمل على تطبيقات إكلينيكية أخرى طالت تطوير تقنية الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء لمجموعة من تطبيقات الرعاية الصحية، بما في ذلك المراقبة غير التدخليّة Non-Invasive لضغط الدم المركزي، بالإضافة إلى مراقبة القلب المتنقلة Mobile Heart Monitoring، وجهود استخدام الإيماءات اليومية Everyday Gestures للتحكم الموثوق في الأجهزة الروبوتية.

عصر جديد في الطب الحيوي

وضمن عدد أغسطس (آب) 2024 من مجلة الموجات فوق الصوتية Ultrasonics، تم نشر مراجعة علمية بعنوان «أجهزة الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء: عصر جديد في الطب الحيوي والتطبيق الإكلينيكي». وأفادت أن: «استخدام الأجهزة القابلة للارتداء يتزايد في مرافق تقديم الرعاية الصحية بفضل التقدم في التصميم الإلكتروني، وتحسين الخوارزميات، وتصنيع المكونات. وتُتيح هذه الأجهزة الإلكترونية القابلة للارتداء قياس وتسجيل وتقييم المؤشرات الفسيولوجية الأساسية، ما يُمكّن من المراقبة طويلة الأمد، وبالتالي يُهيئ ظروفاً مواتية للتشخيص المبكر للأمراض وتقييم التنبؤات. كما تُتيح الموجات فوق الصوتية مراقبة مجموعة واسعة من المعلومات الفسيولوجية نوعياً وكمياً، بما في ذلك التحديد التشريحي، وبنية الأنسجة، وديناميكا الدم، ونشاط العضلات».

وأضافت: «وبالمقارنة مع تقنيات التصوير الطبي الأخرى، كالأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب (CT) والتصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، يُعدّ التصوير بالموجات فوق الصوتية أكثر أماناً وأقل تكلفة وأكثر تنوعاً. والأهم من ذلك، أن الموجات فوق الصوتية الطبية تلعب دوراً علاجياً حاسماً في تعديل النشاط العصبي، وإدارة الألم، وإيصال الأدوية، والتأهيل الطبي».

وأوضحت المراجعة العلمية قائلة: «وقد تغلبت التطورات الحديثة في إنتاج رقع الموجات فوق الصوتية، المرنة والقابلة للارتداء، على عيوب الدوائر والأجهزة الصلبة التقليدية الشائعة للفحص بالأشعة الصوتية. حيث يمكن تثبيت هذه الرُقع بسهولة على الجلد أو وضعها عليه لتتبع مختلف الحالات الفسيولوجية، لمناطق معينة داخل الجسم، باستمرار».

وبفضل تحسين الخوارزميات المتقدمة، يُمكن تحليل الإشارات الفيسيولوجية وتسجيلها تلقائياً، مما يُسهّل مراقبة الحالة الصحية ويُساعد الأطباء على مُتابعة تطور المرض وتقييم مآله. علاوة على ذلك، تشهد أجهزة الموجات فوق الصوتية العلاجية تطوراً سريعاً وتُستخدم على نطاق واسع في مجالات مثل تعديل النشاط العصبي وإيصال الأدوية. ونظراً لصغر حجمها، وسهولة ارتدائها، وتوافقها الحيوي الطبي، تُسهّل هذه الأجهزة تحقيق الطب الدقيق والرقمي، ولها آفاق واسعة للتطبيق.

الفحص بالموجات فوق الصوتية لمتابعة الحمل

يُعد التصوير بالموجات فوق الصوتية للجنين اختبار تصوير آمن وغير توغلي ولا يتضمن أي نوع من الأشعة الضارة. وهو وسيلة تشخيصية تستخدم الموجات الصوتية لإنشاء صور للجنين والمشيمة والسائل الأمنيوسي. وللتأكيد، لا يستخدم هذا الفحص أي إشعاع ضار، بل يستخدمه الأطباء لمراقبة نمو الجنين وتطوره وصحته العامة.

إن تصوير الجنين بالموجات فوق الصوتية أحد العناصر الرئيسية والمهمة في متابعة الحمل وصحة الجنين والتخطيط للولادة. ويقول أطباء «مايو كلينك»: «بقدر ما يكون تصوير الجنين بالموجات فوق الصوتية أمراً مثيراً للآباء والأمهات، إذ يمكّنهم من إلقاء نظرة مبكرة على الجنين. فإنه في الوقت ذاته أداة مهمة يستخدمها فريق الرعاية الصحية لفحص صحة الجنين، بما في ذلك تطوره ونموه. ويُستخدم أيضاً لفحص الجوانب الأخرى من الحمل، مثل كمية السائل السلَوي (الأمنيوسي) وموضع المشيمة. وفي بعض الحالات يمكن استخدام التصوير بالموجات فوق الصوتية لاكتشاف المشكلات المحتملة أو للمساعدة في تشخيص مشكلة طبية ما».

ويضيفون: «يوضع أثناء التصوير بالموجات فوق الصوتية جهاز يُسمى محوّل الطاقة على بطن الحامل. وقد يوضع في بعض الحالات داخل المهبل أو في المنطقة الواقعة بين المهبل والشرج. وتتحول الموجات الصوتية إلى نمط مكون من مناطق فاتحة وأخرى داكنة تصنع صورة للجنين تظهر على الشاشة».

وثمة أنواع عدة من فحوصات الموجات فوق الصوتية للجنين، وهي ما تشمل:

- الموجات فوق الصوتية ثنائية الأبعاد القياسية: تُنتج صوراً متحركة مسطحة بالأبيض والأسود على الشاشة.

- الموجات فوق الصوتية دوبلر: تُقيّم تدفق الدم في قلب الجنين أو الحبل السري أو المشيمة.

- الموجات فوق الصوتية ثلاثية ورباعية الأبعاد: تُنتج صوراً ثلاثية الأبعاد نابضة بالحياة أو مقاطع فيديو متحركة للجنين، وتُستخدم غالباً لإجراء تقييمات تفصيلية للوجه أو سطح الجسم.

والأوقات الشائعة لإجراء فحوصات الموجات فوق الصوتية هي:

- فحص الثلث الأول من الحمل (الأسابيع 6-13). وذلك لتأكيد الحمل، وتقدير موعد الولادة المتوقع، وفحص نبضات القلب، وتقييم حالات الحمل المتعدد.

- فحص التشريح (الأسابيع 18-22): فحص شامل لدماغ الجنين وقلبه وعموده الفقري وأعضائه للتأكد من سلامته البدنية التطور.

- فحص الثلث الثالث من الحمل: ويُجرى أحياناً لمراقبة نمو الجنين، والتحقق من وضعية الجنين (الرأس للأسفل مقابل المقعدة)، وتقييم مستويات السائل الأمنيوسي.

لصقة مصممة بأجهزة تصوير قادرة على رصد حركة الجنين والحبل السري لساعات

لصقات الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء

يعمل جهاز الموجات فوق الصوتية القابل للارتداء باستخدام لصقات إلكترونية مرنة Flexible Electronic Patches - غالباً ما تكون رقيقة بحجم طابع بريدي - تلتصق بالجلد. وتنقل هذه اللصقات بأمان موجات صوتية عالية التردد وغير ضارة إلى داخل الجسم، وتلتقط أصداءها المرتدة لتوفير تصوير مستمر وفوري للأنسجة والأعضاء الداخلية وتدفق الدم.

وتتضمن كيفية عمل هذه التقنية الأساسية النقاط التالية:

- محولات الطاقة الكهروإجهادية Piezoelectric Transducers: تحتوي اللصقات على مجموعة من العناصر الصوتية الدقيقة المصنوعة من مواد كهروإجهادية. وعند تطبيق تيار كهربائي على هذه المواد، تهتز بترددات أعلى من نطاق السمع البشري، مولدةً موجات صوتية.

- أصداء صوتية Acoustic Echoes: أثناء انتقال هذه الموجات الصوتية عبر الجسم، ترتد عند اصطدامها بتغير في كثافة الأنسجة (مثلاً بين الدم والعضلات، أو حافة صمام القلب).

- معالجة البيانات Data Processing: تلتقط اللصقة هذه الأصداء المرتدة، وتحولها إلى إشارات كهربائية. تُرسل هذه الإشارات إلى وحدة معالجة صغيرة أو هاتف ذكي، حيث تُحوّل البيانات إلى صور أو رسوم بيانية متصلة.

وعلى عكس أجهزة الموجات فوق الصوتية التقليدية الضخمة التي يُشغّلها فنيون مُدرّبون في العيادات، تعتمد الموجات فوق الصوتية القابلة للارتداء على بعض الابتكارات في المواد، ومنها:

- ركائز مرنة Flexible Substrates: تُدمج المجسات الصوتية في مواد مرنة ومتوافقة حيوياً، مثل الهيدروجيل والسيليكون، مما يسمح للرقعة بالتكيف مع الجلد والحفاظ على التلامس حتى أثناء الحركة أو التعرّق أو ممارسة الرياضة.

- دمج الذكاء الاصطناعي AI Integration: تستخدم العديد من هذه الأجهزة الذكاء الاصطناعي للمساعدة في معالجة البيانات الصوتية الخام وتحويلها إلى تدفقات واضحة وسهلة القراءة دون الحاجة إلى خبير لضبط المجس يدوياً.

ومن التطبيقات الشائعة حالياً لهذه التقنية المتقدمة:

- مراقبة القلب والأوعية الدموية Cardiovascular Monitoring: تتبّع ضغط الدم وتصوير بنية القلب باستمرار أثناء نشاط المستخدم.

- رعاية الحمل Pregnancy Care: توفير مراقبة آمنة ومستمرة لمعدل ضربات قلب الجنين وتدفق الدم في الحبل السري والمشيمة.

- إعادة التأهيل Rehabilitation: توفير تغذية بصرية فورية حول تنشيط العضلات والتئام الأنسجة أثناء العلاج الطبيعي.


تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية
TT

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

تعزيز صحة الرجل... رؤية وطنية ترتبط بجودة الحياة والإنتاجية

يعيش الرجال في مختلف دول العالم في المتوسط أعماراً أقصر من النساء، ويواجهون معدلات أعلى من الوفاة المبكرة بسبب أمراض يمكن الوقاية من جزء كبير منها، أو اكتشافها في مراحل مبكرة. ورغم التقدم الكبير الذي شهدته الرعاية الصحية خلال العقود الأخيرة، لا تزال صحة الرجل تمثل تحدياً صحياً ومجتمعياً يستحق التوقف عنده، ليس بسبب الاختلافات البيولوجية وحدها، بل أيضاً نتيجة أنماط سلوكية وثقافية تؤثر بصورة مباشرة في طريقة تعامل الرجال مع صحتهم، وطلبهم للرعاية الطبية.

وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن النساء يعشن في المتوسط فترة أطول من الرجال في جميع دول المنظمة تقريباً، حيث بلغ متوسط الفجوة في العمر المتوقع عام 2023 نحو 5.2 سنوات. ويرى الباحثون أن هذه الفجوة لا يمكن تفسيرها بالعوامل الوراثية وحدها، بل ترتبط أيضاً بعوامل قابلة للتعديل، مثل التدخين، والسمنة، وضعف النشاط البدني، وتأخر إجراء الفحوصات الوقائية، فضلاً عن التردد في طلب الرعاية الصحية عند ظهور الأعراض الأولى للمرض.

لماذا يعيش الرجال أعماراً أقصر؟ إن الجزء الأكبر من الفجوة الصحية بين الجنسين يرتبط بالسلوك الصحي، ونمط الحياة. فالرجال أكثر عرضة للانخراط في بعض السلوكيات عالية الخطورة، وأقل ميلاً إلى الاستفادة من برامج الوقاية، والفحص المبكر.

وفي كثير من الأحيان لا يُنظر إلى الفحص الدوري باعتباره جزءاً من الرعاية الذاتية، بل يُؤجل إلى حين ظهور أعراض واضحة. وهنا تكمن المشكلة؛ إذ إن العديد من الأمراض المزمنة تبدأ بصمت، وتستمر سنوات قبل أن تعطي إشارات تحذيرية واضحة. وعندما تظهر الأعراض تكون بعض فرص الوقاية أو العلاج المبكر قد ضاعت بالفعل.

البروفسور صالح بن صالح

رؤية وطنية لتعزيز صحة الرجل

وفي هذا السياق، يؤكد البروفسور الأستاذ الدكتور صالح بن صالح، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لصحة الرجل (SSMH)، أن قضية صحة الرجل لم تعد شأناً طبياً محدوداً، بل أصبحت قضية تنموية ووطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي، ويقول:

«تمثل صحة الرجل في المملكة العربية السعودية تحدياً صحياً وتنموياً في الوقت نفسه؛ فارتفاع معدلات السمنة، والسكري، وأمراض القلب، إلى جانب تأخر كثير من الرجال في طلب الرعاية، أو إجراء الفحوصات الوقائية، كل ذلك يجعلنا أمام قضية لا يمكن التعامل معها باعتبار أنها موضوع طبي محدود، بل أصبحت أولوية وطنية ترتبط بجودة الحياة، والإنتاجية، واستدامة النظام الصحي. وفي المقابل، تملك المملكة اليوم فرصة تاريخية لبناء نموذج متقدم في صحة الرجل، مستفيدةً من التحول الصحي، والطب الوقائي، والصحة الرقمية، وتنامي الوعي المجتمعي.

ورؤيتنا أن ننتقل من مرحلة علاج المرض بعد ظهوره إلى مرحلة استباقية تقوم على الكشف المبكر، وتكامل الرعاية الأولية، والتخصصية، وتأسيس مسارات واضحة لصحة الرجل تشمل القلب، والسكري، والسمنة، والصحة النفسية، والصحة الجنسية والإنجابية، وسرطانات الرجال.

وفي هذا السياق نرى أن من أهم الحلول الممكنة تبنّي مفهوم عيادات صحة الرجل، واستحداث برامج فحص في أماكن العمل، وربط الصحة الجنسية بالصحة القلبية، والاستقلابية، وإنشاء سجل وطني لمؤشرات صحة الرجل.

إن الاستثمار في صحة الرجل ليس رفاهية طبية، بل إنه استثمار مباشر في الأسرة، والمجتمع، والاقتصاد، وجودة الحياة».

وتؤكد البيانات العلمية أن هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب النظري، بل تتمثل في مجموعة من الأمراض، والمشكلات الصحية التي لا تزال تحصد أرواح الرجال، أو تؤثر في جودة حياتهم، رغم أن كثيراً منها قابل للوقاية، أو الاكتشاف المبكر.

أمراض شائعة

> أمراض القلب. تظل أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة على مستوى العالم. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أنها تسببت في نحو 19.8 مليون وفاة عام 2022، أي ما يقارب 32 في المائة من جميع الوفيات العالمية. كما أن 85 في المائة من هذه الوفيات تعود إلى النوبات القلبية، والسكتات الدماغية.

والمثير للقلق أن كثيراً من عوامل الخطر المؤدية إلى أمراض القلب يمكن اكتشافها مبكراً، والسيطرة عليها، مثل ارتفاع ضغط الدم، وارتفاع الكوليسترول، والسكري، والتدخين، والسمنة، وقلة النشاط البدني. ومع ذلك، فإن عدداً كبيراً من الرجال لا يعلمون بإصابتهم بهذه المشكلات إلا بعد حدوث مضاعفات خطيرة.

> الصحة النفسية: حين يصبح الصمت خطراً. إذا كانت أمراض القلب تمثل القاتل الجسدي الأول، فإن مشكلات الصحة النفسية تمثل أحد أكثر التحديات الصحية صمتاً، وتعقيداً. فالاكتئاب، والقلق، والضغوط النفسية لا تقل خطورة عن الأمراض الجسدية، لكنها غالباً ما تحاط بدرجة أكبر من الصمت، والتردد في طلب المساعدة.

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 720 ألف شخص يموتون بسبب الانتحار سنوياً حول العالم، وأن الانتحار يعد ثالث سبب للوفاة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً. كما تُظهر البيانات في العديد من الدول أن معدلات الوفاة بالانتحار أعلى بين الرجال مقارنة بالنساء.

ويرى المختصون أن أحد الأسباب الرئيسة لذلك يتمثل في تأخر طلب الدعم النفسي، أو الامتناع عنه. فبعض الرجال لا يزالون ينظرون إلى التعبير عن الضغوط النفسية أو المشكلات العاطفية على أنه نوع من الضعف، في حين تؤكد العلوم الطبية أن طلب المساعدة النفسية يمثل خطوة إيجابية ومسؤولة للحفاظ على الصحة العامة، وجودة الحياة.

> السرطان والفحص المبكر. من بين أهم الإنجازات الصحية الحديثة أن كثيراً من أنواع السرطان أصبحت قابلة للكشف المبكر، والعلاج الفعال، إذا تم تشخيصها في الوقت المناسب. ومن أبرز الأمثلة على ذلك سرطان القولون والمستقيم الذي يعد ثالث أكثر أنواع السرطانات شيوعاً عالمياً.

ووفقاً للوكالة الدولية لأبحاث السرطان، تم تسجيل أكثر من 1.9 مليون حالة جديدة من سرطان القولون والمستقيم عام 2022، كما تسبب المرض في أكثر من 900 ألف وفاة حول العالم. ورغم هذه الأرقام، فإن هذا النوع من السرطان يُعد من أكثر السرطانات التي يمكن الوقاية منها، أو اكتشافها مبكراً من خلال برامج الفحص المنتظمة.

وتوصي مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها الأميركية (CDC) ببدء الفحص المنتظم لمعظم البالغين اعتباراً من عمر 45 عاماً، مع مراعاة عوامل الخطورة، والتاريخ العائلي.

أما سرطان البروستاتا، فيعد من أكثر السرطانات شيوعاً بين الرجال. وتوصي الهيئات العلمية بأن يناقش الرجال، خصوصاً بين سن 55 و69 عاماً، خيارات الفحص مع أطبائهم لاتخاذ القرار الأنسب وفق عوامل الخطورة الفردية. والهدف ليس إجراء الفحوصات بصورة عشوائية، بل الوصول إلى توازن بين فوائد الكشف المبكر وتجنب التدخلات غير الضرورية.

• السمنة والسكري. وهي من أخطر عوامل الخطر على صحة الرجل. وشهدت العقود الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات السمنة، وزيادة الوزن على مستوى العالم، وأصبحت هذه الظاهرة أحد أهم العوامل المساهمة في انتشار الأمراض المزمنة. فالسمنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمراض القلب، والسكري، وارتفاع ضغط الدم، وبعض أنواع السرطان. وفي المملكة العربية السعودية أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024 أن نسبة السمنة بين السكان بعمر 15 سنة فأكثر بلغت 23.1 في المائة، بينما بلغت نسبة زيادة الوزن 45.1 في المائة. وهي أرقام تعكس حجم التحدي الصحي المرتبط بأنماط الحياة الحديثة.

كما تشير بيانات الاتحاد الدولي للسكري إلى أن معدل انتشار السكري بين البالغين في المملكة يبلغ نحو 23.1 في المائة، وهو من أعلى المعدلات عالمياً. وتعكس هذه المؤشرات أهمية تعزيز النشاط البدني، وتحسين العادات الغذائية، والحد من عوامل الخطر التي تؤدي إلى الإصابة بالأمراض المزمنة.

• الصحة الجنسية: رسالة مبكرة من الجسم. لا تقتصر صحة الرجل على القلب، أو الوزن، أو الفحوصات الدورية، بل تشمل أيضاً الصحة الجنسية التي تمثل جزءاً مهماً من الصحة العامة، وجودة الحياة. وتشير دراسات عديدة إلى أن بعض المشكلات الجنسية قد لا تكون مجرد مشكلات موضعية، بل قد تمثل أحياناً مؤشراً مبكراً على وجود أمراض كامنة، مثل السكري، أو ارتفاع ضغط الدم، أو أمراض القلب والأوعية الدموية.

ومن الأمثلة المعروفة في هذا المجال ضعف الانتصاب الذي قد يكون في بعض الحالات إحدى العلامات المبكرة على وجود اضطرابات وعائية أو استقلابية تحتاج إلى تقييم طبي. ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وتشعب جوانبه الطبية، والنفسية، والاجتماعية، فإننا لن نتوسع في مناقشته هنا، على أن نفرد له مقالاً مستقلاً في عدد قادم.

التردد في استشارة الطبيب يؤدي إلى أعمار أقصر وتدني جودة الحياة

التردد في استشارة الطبيب

> لماذا يتأخر الرجال في زيارة الطبيب؟ ربما يكون هذا السؤال هو جوهر الأزمة الصحية الصامتة لدى الرجال. فالدراسات تشير إلى أن النساء أكثر ميلاً إلى استخدام خدمات الرعاية الصحية، والإبلاغ عن المشكلات الصحية مقارنة بالرجال.

وتتداخل في ذلك عوامل متعددة، بعضها ثقافي، وبعضها نفسي، واجتماعي. فهناك من يربط بين القوة والقدرة على تحمل الألم، أو تجاهل الأعراض، بينما يرى آخرون أن الوقت أو الالتزامات المهنية لا تسمح بالاهتمام بالصحة إلا عند الضرورة القصوى.

لكن الواقع الطبي يؤكد أن كثيراً من الأمراض الخطيرة لا تبدأ بأعراض شديدة، بل بمؤشرات بسيطة يمكن التعامل معها بسهولة إذا تم اكتشافها مبكراً. ولذلك فإن تأخير الفحص أو الاستشارة الطبية قد يحوّل مشكلة بسيطة إلى أزمة صحية معقدة.

• الرجولة الصحية تبدأ بالوقاية. في عالم تتزايد فيه التحديات الصحية، وتتطور فيه وسائل الوقاية، والتشخيص، والعلاج، فإنه لم يعد هناك مبرر أن تبقى كثير من الأمراض الخطيرة مجهولة حتى مراحلها المتقدمة. وصحة الرجل ليست اختباراً للتحمل، وليست دليلاً على القوة، أو الضعف، بل هي مسؤولية شخصية ومجتمعية تتطلب الوعي، والمتابعة، والوقاية.

إن كثيراً من الأمراض التي تحصد أرواح الرجال لا تبدأ بأعراض خطيرة، بل تبدأ بفرصة ضائعة للفحص المبكر، أو زيارة مؤجلة للطبيب. ولذلك فإن حماية صحة الرجل لا تبدأ داخل المستشفى، بل تبدأ بقرار شخصي بالإنصات للجسد قبل أن يضطر إلى إطلاق إنذار متأخر.

ولا تكمن الشجاعة الحقيقية في تجاهل الأعراض، أو تأجيل الفحص، بل في اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب. وربما يكون أفضل استثمار يمكن أن يقدمه الرجل لنفسه ولأسرته هو أن يمنح صحته ما تستحقه من اهتمام قبل أن تضطره الظروف إلى ذلك. ولنتذكر دائماً أن كثيراً من الرجال لا يموتون بسبب المرض وحده، بل بسبب التأخر في اكتشافه.

*استشاري طب المجتمع


تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية

تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية
TT

تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية

تتبُّع الأبناء «رقمياً» بشكل مستمر يأتي بنتائج عكسية

كشف استطلاع للرأي لباحثين من جامعة ميتشيغان University of Michigan بالولايات المتحدة، نُشر أخيراً في شهر يونيو (حزيران) الماضي، عن عدم جدوى تتبع الأبناء رقمياً من خلال تطبيقات الهواتف الذكية، التي توفر معرفة أماكن وجودهم. وقال الباحثون إن هذا التتبع في الأغلب يؤدي إلى نتائج عكسية، مثل زيادة قلق الآباء وشعور الأبناء بفقدان الثقة.

وأظهر الاستطلاع الذي أجري في شهر فبراير (شباط) من العام الحالي، وشمل ما يزيد على 1500 من الآباء الأميركيين، أن التتبع منتشر بين آباء المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً، أكثر من آباء الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و25 عاماً. وتم سؤال الآباء بالتفصيل، عن تطبيقات الهواتف الذكية الخاصة بمشاركة الموقع، وهل يستخدمونها من عدمه؟ وعن الدافع الرئيسي لاستخدام هذه التطبيقات؟ وهل يتم استخدام هذه التطبيقات بموافقة الأبناء؟ وهل ساهمت في طمأنتهم من عدمه؟

تتبع رقمي شائع

أظهرت النتائج، أن تتبع مواقع الأبناء من الأمور الشائعة في أوساط الآباء، خاصة في فترة المراهقة ومشارف البلوغ، حيث بلغت نسبة الآباء الذين قاموا بتتبع موقع أبنائهم 50 في المائة تقريباً، وفي المقابل، كانت هناك نسبة منهم بلغت 25 في المائة، قالوا إن هذا التتبع يثير قلقهم أحياناً أكثر من طمأنتهم، وفي الأغلب تتبع الآباء بناتهم أكثر من أبنائهم.

وقال الآباء، إن القلق هو الدافع الرئيسي وراء استخدامهم هذه التطبيقات، ودائماً هناك مخاوف تتعلق بأمن الأبناء مثل، هل وصلوا بسلام؟ هل هم في المكان الذي وعدوا بالوجود فيه؟ وأفادت نسبة من الآباء بلغت 68 في المائة، بأنهم يستخدمون أجهزة التتبع لطمأنة أنفسهم، بينما قال 64 في المائة إنهم يستخدمونها فقط تحسباً لحدوث حالة طوارئ، وذكر 17 في المائة منهم أن ذلك للتأكد من وجود أبنائهم في مكان يعدونه آمناً.

وأشارت نسب أقل إلى استخدام الخاصية للبقاء على اطلاع بما يفعله أطفالهم، أو للتأكد من وجودهم في أماكن يوافق عليها الآباء. والجدير بالذكر أن 11 في المائة من الآباء، الذين تتبعوا موقع أطفالهم، قالوا إنه ليس لديهم سبب محدد للقيام بذلك.

أكد جميع الآباء تقريباً، أن أبناءهم كانوا على علم بالأمر، ومع ذلك، قال أقل من نصفهم إنهم منحوا أبناءهم خيار رفض مشاركة الموقع. من جهتهم قال الآباء الرافضون لاستخدام تطبيقات التتبع، إن التتبع يُعد انتهاكاً لخصوصية الأبناء، وقال نصفهم أيضاً إنه قد يعوق تنمية الاستقلالية، والمسؤولية الشخصية، ويؤدي إلى حدوث خلل في علاقتهم بأبنائهم.

وتم سؤال الآباء عن الوقت المُفعل لمعرفة موقع الأبناء، وأفاد أكثر من ثلثي الآباء الذين يستخدمون هذه الخاصية بأنها مفعلة بشكل دائم، بينما يستخدمها أقل من الثلث في حالات محددة فقط، مثل وجود ابنهم أو ابنتهم خارج المنزل في وقت متأخر من الليل، أو في مكان غير مألوف، أو عند استخدام خدمة مشاركة الركوب أو سيارة أجرة، أو عند قضاء وقت مع شخص غريب.

حذر الباحثون الآباء، من المبالغة في تقدير قدرتهم على توفير الأمان لأبنائهم عن بعد، إذ وعلى الرغم من أن الشعور بالأمان بمعرفة مكان وجود الأبناء قد يكون مطمئناً، فإنه في حقيقة الأمر مجرد شعور زائف بالأمان، لأن مجرد معرفة المكان لا يعني إمكانية التدخل وقت الخطر الحقيقي، وأكد الباحثون أن معرفة المعلومات عن أماكن وجود الأطفال بشكل مستمر تساهم في زيادة الإحساس بالقلق.

الإفراط في الحماية

أوضحت الدراسة، ان أسلوب التربية المفرطة في الحماية، لا يعلم الأطفال الاستقلالية والاعتماد على الذات، ولكن يجعلهم غير قادرين على اتخاذ أي قرارات مهما كانت بسيطة، ويجب عليهم اتخاذ قرارات مسؤولة بأنفسهم، (حتى لو كانت قرارات خاطئة) لأن ذلك هو ما سيجعلهم أكثر أماناً في المستقبل. وعندما لا يتمتع الأطفال الصغار، وخاصة الأكبر عمراً منهم، بالاستقلالية لاتخاذ قراراتهم بأنفسهم، فقد يؤدي ذلك إلى توتر العلاقة مع آبائهم ويساهم في خلق شعور بانعدام الثقة.

ويدفع التتبع المستمر للموقع، الآباء إلى التدخل في إدارة حياة أبنائهم اليومية، متسائلين عن سبب غيابهم عن المدرسة أو مواعيد الطبيب أو العمل بعد التخرج، ومع هذا النوع من المراقبة، يفقد المراهق السيطرة على جدوله الزمني والتزاماته، ويقل شعوره بالمسؤولية تجاه بناء حياته كشخص بالغ مستقل.

نصحت الدراسة، بضرورة إجراء حوار بين الآباء والأبناء، حول الطريقة التي تحقق الموازنة بين اطمئنان الآباء على أطفالهم، وفي الوقت نفسه لا تتعارض مع خصوصية الأبناء وفقدان استقلاليتهم، مثل أن يكون التحكم في مشاركة المواقع اختياري بالنسبة للأبناء.

وقال الباحثون إن الأبناء يمكنهم تفعيل خاصية التتبع في وقت إحساسهم بالخطر فقط، أو يمكن الاتفاق على أوقات معينة لتفعيل خاصية التتبع، مثل الأوقات المتأخرة ليلاً فقط، كما يمكن أن يقوم الأبناء بمشاركة موقعهم مع صديق موثوق به، ويجب ألا يكون التتبع هو الإجراء الوحيد المتخذ.

ومن النتائج غير المتوقعة للاستطلاع، أن التتبع غالباً ما يكون متبادلاً، وقال نصف الآباء تقريباً إن أبناءهم المراهقين يتتبعون مواقعهم، وربما يكون ذلك لرغبة الأبناء في الاطمئنان على آبائهم خاصة كبار السن، وقال الباحثون إن الآباء يمكن أن يستفيدوا من هذا التفكير، في شرح الأسباب التي تدعوهم لمتابعة أبنائهم، بسبب الرغبة في الطمأنينة وليس للشك في سلوك الأبناء أو مراقبتهم.

* استشاري طب الأطفال