الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

تقنيات متطورة تتيح مراقبة ملايين الخلايا الدماغية في وقت واحد

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر
TT

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

الجينات ترصد رحلة الدماغ مع التقدم في العمر

على مدى عقود ظل الدماغ المتقدم في العمر أشبه بقارة مجهولة بالنسبة للعلماء، فبينما تظهر آثار الشيخوخة بوضوح على الجسد بقيت التغيرات الدقيقة التي تحدث داخل مليارات الخلايا العصبية لغزاً يصعب تتبعه.

واليوم نجح باحثون في جامعة روكفلر الأميركية في الاقتراب أكثر من هذا العالم الخفي عبر تطوير تقنيات جينية متطورة تتيح مراقبة ملايين الخلايا الدماغية في وقت واحد، ورصد كيفية تواصلها، وتغير نشاطها مع مرور الزمن. ويأمل العلماء أن تقود هذه الاكتشافات إلى فهم أعمق للشيخوخة وأمراض التنكس العصبي، وربما تمهد الطريق مستقبلاً لاستراتيجيات جديدة تحافظ على صحة الدماغ وتؤخر تدهوره.

قراءة الدماغ بطريقة مختلفة

يقود هذه الأبحاث العالم جونيو كاو من مختبر علم جينوم الخلية المفردة وديناميات السكان جامعة روكفلر نيويورك المتخصص في تقنيات تحليل الخلايا المفردة. وقد طور فريقه أداتين جديدتين تحملان اسم «IRISeq» و«EnrichSci» صُممتا لدراسة الشيخوخة من زاويتين مختلفتين.

التقنية الأولى التي سميت «إعادة بناء الصور باستخدام التسلسل المفهرس» IRISeq Imaging Reconstruction using Indexed Sequencing نشرت في مجلة Nature Neuroscience في 12 مايو (أيار) 2026، تعتمد على فكرة مبتكرة هي استخدام الحمض النووي «دي إن إيه» نفسه كخريطة لتحديد مواقع الخلايا وعلاقاتها ببعضها داخل أنسجة الدماغ من دون الحاجة إلى المجاهر التقليدية.

وبدلاً من التقاط صور للخلايا تستخدم التقنية ملايين الجزيئات المشفرة وراثياً لجمع معلومات حول الخلايا المتجاورة وطريقة تفاعلها. ومن خلال هذه البيانات يستطيع الباحثون إعادة بناء خريطة دقيقة للنسيج الدماغي، وفهم كيفية تواصل الخلايا مع بعضها في أثناء الشيخوخة.

ويصف الباحثون هذه الطريقة بأنها أشبه بتحويل تقنيات التسلسل الجيني إلى وسيلة جديدة «لرؤية» الأنسجة البيولوجية، ولكن بتكلفة أقل وقدرة أكبر على دراسة عينات ضخمة.

وقد اكتشف العلماء أمراً لافتاً عند تطبيق التقنية الجديدة على أدمغة متقدمة في العمر وجود مناطق التهابية خفية داخل الدماغ؛ لأن بعض أنواع الخلايا المرتبطة بالالتهاب لا تنتشر بشكل عشوائي، بل تتجمع في «أحياء خلوية» محددة داخل المادة البيضاء للدماغ.

وشملت هذه التجمعات خلايا مناعية وخلايا داعمة للأعصاب تتفاعل مع بعضها بطريقة قد تعزز الالتهاب المزمن المرتبط بالتقدم في السن.

كما كشفت الدراسة أن بعض الخلايا المناعية المعروفة باسم الخلايا اللمفاوية تنشط بشكل مكثف في مناطق محددة قرب تجاويف الدماغ المملوءة بالسائل الدماغي. ويرى الباحثون أن هذا النشاط الموضعي ربما كان سيبقى غير مكتشف لولا القدرة الجديدة على رصد المواقع الدقيقة للخلايا داخل النسيج.

وتشير النتائج إلى أن هذه المناطق قد تكون من أكثر أجزاء الدماغ عرضة للتدهور المرتبط بالعمر؛ ما يجعلها أهدافاً محتملة للعلاجات المستقبلية.

تغيرات أعمق من الجينات نفسها

أما التقنية الثانية «إثراء الخلايا المستهدفة الموجهة بالنسخ لتسلسل الحمض النووي الريبي (آر إن إيه) RNA أحادي الخلية القابل للتطوير» EnrichSci Transcript-guided Targeted Cell Enrichment for Scalable Single-Cell RNA Sequencing فتركز على دراسة أنواع نادرة من الخلايا التي يعتقد أنها الأكثر تأثراً بالشيخوخة، وقد نُشرت في مجلة Cell Genomics في 11 مارس (آذار) 2026، وباستخدام هذه الأداة تمكن الباحثون من عزل مجموعات خلوية محددة داخل أدمغة الفئران المسنة، وتحليل نشاطها الجيني بدقة عالية.

وكانت المفاجأة أن بعض التغيرات المهمة لم تظهر في مستوى نشاط الجينات نفسها، بل في أجزاء أصغر تُعْرف باسم «الإكسونات» exons (الإكسونات هي أجزاء من الجينات التي تُكوّن نسخ الحمض النووي الريبي RNA الناضجة والتي تُترجم إما إلى بروتينات، أو تؤدي وظائف بيولوجية أخرى).

ووجد العلماء أن هذه التغيرات ترتبط بعملية تُعرف باسم «التضفير البديل» post-transcriptional regulation، وهي آلية تسمح للجين الواحد بإنتاج عدة أشكال مختلفة من البروتينات. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة؛ لأن اضطرابات التضفير البديل ارتبطت سابقاً بأمراض عديدة من بينها أمراض التنكس العصبي وبعض أنواع السرطان.

ويعتقد الباحثون أن فهم هذه التغيرات قد يساعد في تطوير علاجات تستهدف المراحل المبكرة من التدهور العصبي المرتبط بالعمر.

نافذة جديدة لفهم الدماغ

ورغم أن التركيز الحالي ينصب على فهم الشيخوخة فإن تطبيقات هذه التقنيات قد تمتد إلى مجالات أوسع كثيراً؛ فالتقنية الأولى يمكن أن تساعد في دراسة كيفية تفاعل الخلايا المناعية مع الأورام السرطانية، بينما قد تسهم التقنية الثانية في كشف التغيرات الجينية الدقيقة التي ترافق تطور العديد من الأمراض المزمنة.

ويرى العلماء أن القيمة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن في قدرتها على دراسة الخلايا ضمن بيئتها الطبيعية بدلاً من تحليلها بمعزل عن محيطها.

تكشف هذه الدراسات أن الشيخوخة ليست مجرد تراجع تدريجي في وظائف الجسم، بل عملية معقدة تشمل شبكة واسعة من التفاعلات بين الخلايا والتغيرات الجينية الدقيقة.

ومع تطور أدوات التحليل الجيني يقترب العلماء أكثر من فك شيفرة ما يحدث داخل الدماغ مع التقدم في العمر، وقد لا يساعد ذلك فقط في فهم الشيخوخة، بل أيضاً في تطوير علاجات جديدة تحافظ على صحة الدماغ، وتؤخر ظهور الأمراض العصبية التي تزداد انتشاراً مع ارتفاع متوسط العمر حول العالم.


مقالات ذات صلة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

علوم اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة. وجاء ذلك في اكتشاف يسلط الضوء على أحد…

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم المستقبل للتخصصات الصحية بالذكاء الاصطناعي

هل يكفي أن تكون طبيباً في عام 2030؟

الذكاء الاصطناعي قد يكون المرشح ليصبح المهارة المهنية الجديدة التي يحتاج إليها كل طبيب وصيدلاني وممرض وممارس

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك نموذج للذكاء الاصطناعي قادر على تحديد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي (غيتي)

الذكاء الاصطناعي يحدد الأطفال المصابين بالالتهاب الرئوي الشديد

يشير فوراً للأطفال المعرضين للخطر من أول زيارة للطبيب

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
علوم حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

حيوانات منوية مُستنبتة مختبرياً للمساعدة في الإنجاب

العقم ليس موضوعاً يُحب الرجال التحدث عنه، ولكنه شائع جداً، إذ يُعاني نحو واحد من كل عشرة أزواج من مشاكل في الإنجاب،

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

جين «صامت» يكشف سراً جديداً عن التوحد

في اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لأحد أكثر الاضطرابات العصبية تعقيداً، نجح باحثون كنديون في تحديد جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط مباشرة بالسمات الأساسية لاضطراب

د. وفا جاسم الرجب (لندن)

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)
البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)
TT

حكّة لدغة الحشرة… متعة مؤقتة تُخفي دائرة التهاب تتفاقم مع الحكّ

البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)
البعوض يتعلَّم كيف يهزم خوفه (شاترستوك)

قد تبدو حكّة لدغة الحشرة أو الطفح الجلدي لحظةً تمنح قدراً من الارتياح، لكن العلم اليوم يقدّم تفسيراً مختلفاً تماماً لهذا الشعور، ويكشف لماذا يتحوّل الحكّ إلى سلوك يفاقم المشكلة بدلاً من أن يخففها.

فمنذ الطفولة، يتكرر التحذير: لا تحكّ لدغة الحشرة؛ لأن ذلك سيجعلها أسوأ. غير أن السؤال الذي ظلّ مطروحاً لسنوات هو: كيف لشيء يمنح شعوراً بالراحة أن يقود إلى ضرر فعلي؟

تشير أبحاث حديثة إلى أن الحكة ليست مجرد إحساس مزعج، بل استجابة بيولوجية معقدة قد ترتبط بأسباب مختلفة، بعضها بسيط كلسعة بعوض، وبعضها الآخر مرتبط بأمراض جلدية أو التهابات أعمق. وفي كل الحالات، يبدو أن الحكّ المفرط يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات الالتهابية داخل الجلد.

ولفهم هذه الآلية، لجأ الباحثون إلى تجارب مخبرية على الفئران، شملت وضع «أقماع عار» بيطرية صغيرة لمنعها من حكّ المناطق المصابة، ثم مقارنة النتائج مع فئران أخرى تُركت لتقوم بالحكّ بشكل طبيعي. وكانت النتيجة لافتة: الفئران التي مُنعت من الحكّ أظهرت تورماً أقل واستجابة التهابية أضعف، ما يشير إلى أن الحكّ نفسه ليس مجرد رد فعل، بل عامل يفاقم الالتهاب، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» للأنباء.

وفي تجربة أخرى، استخدم الباحثون مواد مهيّجة تُسبب طفحاً جلدياً على آذان الفئران، ولاحظوا أن الحيوانات التي حكّت المناطق المصابة شهدت تدفّقاً أكبر للخلايا المناعية، مقارنةً بتلك التي لم تتمكن من الحكّ. ما يعزز الفرضية بأن الحكّ يدخل الجلد في دائرة مغلقة من التهيّج المتزايد.

ويشرح أطباء الجلد أن الخلايا البدينة (Mast Cells)، وهي من أوائل الخلايا المناعية استجابةً لأي تهيّج، تلعب دوراً محورياً في هذه العملية؛ إذ تطلق مواد مثل الهيستامين تزيد الإحساس بالحكة. لكن الجديد في الأبحاث أن الحكّ نفسه يمكن أن ينشّط هذه الخلايا عبر إشارات عصبية مرتبطة بالألم، مما يؤدي إلى تضخيم الاستجابة الالتهابية.

ومن اللافت أن الحكّ لا يبدو مجرد رد فعل بشري؛ إذ يُلاحظ سلوك مشابه لدى بعض الحيوانات وحتى الأسماك، ما دفع الباحثين إلى الاعتقاد بوجود أصل تطوري لهذا السلوك، ربما كآلية دفاع ضد الطفيليات أو الميكروبات.

ورغم هذا التفسير التطوري المحتمل، يؤكد الباحثون أن الفائدة لا تبرر الضرر. ويقول أحدهم: «إذا تُركت لدغة البعوض دون حكّ، فإنها غالباً تختفي خلال دقائق، أما الحكّ فيحوّلها إلى التهاب قد يستمر لأيام».

ومع ذلك، تبقى الإجابة عن سبب شعور الحكّ بالراحة في لحظته الأولى مثار نقاش علمي. بعض الفرضيات تشير إلى أنه قد يكون آلية قديمة للتخلص من الطفيليات، بينما تشير أخرى إلى دوره في تعزيز استجابة مناعية محدودة ضد بعض البكتيريا الجلدية.

لكن الخلاصة الطبية لا تزال ثابتة: الحكّ يفاقم الالتهاب أكثر مما يخففه.

أما عملياً، فينصح الأطباء بعلاجات بسيطة لتخفيف الحكة، مثل كريمات الهيدروكورتيزون، وغسول الكالامين، أو حمّامات الشوفان، إلى جانب مضادات الهيستامين في بعض الحالات. كما قد تساعد الكريمات المحتوية على المنثول في خداع الجلد وإحلال إحساس البرودة محل الحكة، ما يمنح فرصة لكسر الحلقة المفرغة بين الإحساس والاستجابة.

ويختصر أحد الباحثين الأمر بالقول: «إن أخطر ما في الحكة ليس الإحساس نفسه، بل الاستسلام له؛ لأن الحكّ قد يبدو لحظة راحة... لكنه في الواقع بداية دائرة التهاب متصاعدة».


لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
TT

لماذا تحدث الزلازل في بعض الدول أكثر من غيرها؟

مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)
مبنى مدمَّر جراء زلزال في كاتيا لامار بفنزويلا (إ.ب.أ)

حدوث الزلازل هو جزء من السلوك الطبيعي للأرض. فهي تحدث مع حركة الصفائح التكتونية التي تشكل الطبقة الخارجية للكوكب. يمكنك أن تتخيل الصفائح على أنها غلاف خارجي صلب إلى حد ما، يجب أن يتحرك ليسمح للأرض بإطلاق حرارتها الداخلية.

تحمل هذه الصفائح القارات والمحيطات، وهي في حالة تصادم بطيء الحركة باستمرار بعضها مع بعض.

إذا لاحظنا نمط حدوث الزلازل حول العالم، فمن الواضح أن معظم النشاط يتركز في عدد من الأحزمة الزلزالية المتميزة. تحوي الأرض تحت أقدامنا عديداً من الصدوع الناتجة عن ماضي كوكب الأرض الجيولوجي المضطرب.

بعض هذه الصدوع يمكن ملاحظتها على السطح ورسم خرائطها من الجيولوجيين؛ بينما البعض الآخر يقع على بُعد كيلومترات عديدة تحت السطح. هذه الصدوع هي أماكن يمكن أن تحدث فيها الزلازل، وفقاً لموقع المسح الجيولوجي البريطاني.

تطويق مبنى مائل في أعقاب الزلزال الذي ضرب مدينة هوالين شرق تايوان، أبريل 2024 (أ.ب)

وقال جيمي تورو، جيولوجي من جامعة ويست فيرجينيا في مقال لموقع «بي بي إس» الأميركي، إن السلوك الدوري للصدوع يسمح لعلماء الزلازل بتقدير المخاطر الزلزالية إحصائياً. على حدود الصفائح ذات الحركات السريعة، مثل تلك الموجودة على طول حافة المحيط الهادئ، تتراكم الطاقة المرنة بسرعة ولديها القدرة على توليد زلازل كبيرة متكررة.

ويضيف أن الصدوع على حدود الصفائح بطيئة الحركة فتستغرق وقتا أطول للوصول إلى حالة حرجة. فعلى طول بعض الصدوع، قد تمر مئات بل آلاف السنين بين الزلازل الكبيرة. وهذا يتيح وقتاً للمدن للنمو وللناس لفقدان ذاكرة الأجداد عن الزلازل الماضية.

الحزام الهائل من الجبال الذي يمتد من جبال أطلس في شمال أفريقيا إلى جبال البيرينيه والألب ومعظم الجبال عبر جنوب أوروبا والشرق الأوسط هو نتاج تصادم الصفائح. ومع ذلك، وبسبب أن حركات هذه الصفائح بطيئة بالقرب من المغرب، فإن الزلازل الكبيرة ليست متكررة جداً مقارنةً بأفغانستان مثلاً التي تقع فوق عديد من الصدوع الناتجة عن تصادم صفائح الهند مع أوراسيا. فالصفيحة الهندية، العتيقة والصلبة، كانت تصطدم بالحافة الجنوبية لأوراسيا على مدى الأربعين مليون سنة الماضية.

السكان يمرون بجوار مبنى منهار بعد زلزال ضرب مدينة جنرال سانتوس في الفلبين (أ.ب)

حزام الزلازل

تُعرِّف الموسوعة البريطانية حزام الزلازل بأنه منطقة جغرافية ضيقة على سطح الأرض يتركز على طولها معظم النشاط الزلزالي. وتتكون الطبقة الخارجية للأرض (الغلاف الصخري) من عدة صفائح تكتونية كبيرة. الحواف التي تتحرك عندها هذه الصفائح بعضها باتجاه بعض هي موقع الزلازل.

ويعد الحزامان الزلزاليان الرئيسيان هما الحزام المحيط بالهادئ (Circum-Pacific Belt)، الذي يحيط بالمحيط الهادئ، والحزام الألبي (Alpide Belt)، الذي يمتد من جزر الأزور عبر البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط إلى جبال الهيمالايا وإندونيسيا، حيث يلتقي مع الحزام المحيط بالهادئ.

أكثر الدول تعرضا للزلازل

إليك أكثر 10 دولا معرضة للزلازل بسبب وجودها على أحزمة زلازل، وفقاً لموقع «هاو ستف وركس»:

طفل ينام خارج منازل متضررة من الزلزال في كاتيا لا مار بفنزويلا (أ.ب)

1- اليابان: الدولة الأكثر تعرضاً للزلازل

تُعد اليابان شديدة التعرض للزلازل، إذ تمتلك شبكة كثيفة من أجهزة الرصد تكتشف حتى عن الهزات الصغيرة. تقع اليابان فوق أربع صفائح تكتونية، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق اضطرابا في العالم.

يحدث ما بين 10 و20 في المائة من جميع الزلازل التي تبلغ قوتها 6 درجات أو أكثر في اليابان أو بالقرب منها.

2- إندونيسيا: نشاط زلزالي مستمر

تقع إندونيسيا على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة، بما في ذلك زلازل كبرى بقوة تزيد على 6 درجات كل عام تقريباً.

في السنوات الأخيرة، سجلت آلاف الهزات سنوياً، مما يجعلها واحدة من أكثر المناطق نشاطاً في العالم.

3- الصين: تاريخ طويل من الزلازل المدمرة

تمتلك الصين تاريخاً طويلاً من الزلازل الكارثية، بما في ذلك بعض أكثر الكوارث الطبيعية دموية في التاريخ الحديث.

أحداث مثل زلزال تانغشان عام 1976 وزلزال مقاطعة سيتشوان عام 2008، تسببت في دمار هائل وخسائر بشرية فادحة.

4- الفلبين: زلازل وبراكين متكررة

تقع الفلبين على طول حدود صفائح رئيسية في حزام النار بالمحيط الهادئ، مما يجعلها شديدة التعرض للزلازل. وتشهد بانتظام نشاطاً زلزالياً إلى جانب نشاط بركاني، مما يزيد من المخاطر الإجمالية.

صورة من الجو تظهر مبان مدمرة بالكامل في لاغوايرا بفنزويلا عقب زالزلين مدمرين (أ.ف.ب)

5- المكسيك: نشاط على طول ساحل المحيط الهادئ

موقع المكسيك على طول الساحل الغربي يضعها مباشرةً في منطقة زلزالية كبرى. وتسجل باستمرار عدداً كبيراً من الزلازل كل عام.

6- إيران: خطوط صدع متعددة

تقع إيران على عدة خطوط صدع نشطة حيث تلتقي الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى زلازل متكررة. تجعلها جغرافيتها واحدة من أكثر الدول عرضة للزلازل في الشرق الأوسط.

7- تركيا: مناطق صدع رئيسية

تقع تركيا بالقرب من خطوط صدع رئيسية بين الصفائح التكتونية، مما يؤدي إلى نشاط زلزالي منتظم وزلازل مدمرة عرضية. تسببت هذه الزلازل في أضرار واسعة النطاق للمدن والبنية التحتية.

8- الولايات المتحدة: مناطق زلزالية متنوعة

تشهد الولايات المتحدة زلازل في عدة مناطق، خصوصاً على طول صدع سان أندرياس في كاليفورنيا وفي ألاسكا. تُنتج هذه المناطق زلازل صغيرة وأخرى كبيرة يمكن أن تؤثر على أعداد كبيرة من السكان.

9- بيرو: نشاط على طول حزام النار

تقع بيرو على طول حزام النار في المحيط الهادئ وتشهد زلازل متكررة بسبب مناطق الانغراز، معظمها هزات صغيرة، لكن المنطقة قادرة على إنتاج زلازل كبرى.

10- إيطاليا: نشاط زلزالي في أوروبا

تُعد إيطاليا واحدة من أكثر الدول الأوروبية عرضة للزلازل بسبب موقعها على عدة خطوط صدع. تشهد زلازل دورية تؤثر على المدن التاريخية والبنية التحتية الحديثة.

أشخاص يبحثون عن ناجين تحت أنقاض مبنى منهار بعد زلزال ضرب سينديرجي في مقاطعة باليكسير غربي تركيا، أغسطس 2025 (رويترز)

وقال موقع المسح الجيولوجي الأميركي إنه وفقاً للسجلات طويلة المدى (منذ نحو عام 1900)، يتوقع حدوث نحو 16 زلزالاً كبيراً في أي سنة معينة. يشمل ذلك 15 زلزالاً في نطاق قوة 7 درجات، وزلزالاً واحداً بقوة 8 درجات أو أكثر. وأضاف: «في السنوات الأربعين إلى الخمسين الماضية، تُظهر سجلاتنا أننا تجاوزنا المتوسط طويل الأجل لعدد الزلازل الكبيرة نحو اثنتي عشرة مرة».

كان العام الذي شهد أكبر عدد إجمالي هو عام 2010، إذ بلغ عدد الزلازل الكبيرة 23 زلزالاً (بقوة تساوي أو تزيد على 7 درجات). وفي سنوات أخرى، كان الإجمالي أقل بكثير من المتوسط السنوي طويل الأجل البالغ 16 زلزالاً كبيراً. ففي عام 1989، لم يحدث سوى 6 زلازل كبيرة، وفي عام 1988 لم يحدث سوى 7 زلازل فقط.


اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة
TT

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

اكتشاف خلل جيني يهدّد حياة الأطفال منذ الولادة

تمكن فريق دولي من العلماء من تحديد اضطراب وراثي لم يكن معروفاً من قبل، يتسبب في مرض رئوي شديد يبدأ منذ الطفولة المبكرة. وجاء ذلك في اكتشاف يسلط الضوء على أحد الأسباب الخفية للفشل التنفسي لدى الأطفال، ويفتح آفاقاً جديدة للتشخيص والعلاج.

اكتشاف جيني

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة «American Journal of Human Genetics» في 8 يونيو (حزيران) 2026، حيث أظهرت أن المرض الرئوي ينجم عن طفرات تؤدي إلى فقدان وظيفة جين يُعرف باسم TMEM63B. وكشف الباحثون من كلية بايلور للطب الأميركية ومستشفى تكساس للأطفال بالتعاون مع مؤسسات بحثية في آسيا وأوروبا، عن أن الأطفال الذين يرثون نسختين معطوبتين من هذا الجين يعانون مشكلات تنفسية خطيرة منذ الأشهر الأولى من الحياة، إضافة إلى تأخر في النمو.

ويُعدّ هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أحد الأمراض الوراثية النادرة التي ظلت أسبابها مجهولة لسنوات طويلة.

• رحلة الاكتشاف. بدأت رحلة الاكتشاف مع طفل التحق ببرنامج الشبكة الأميركية للأمراض غير المشخّصة (UDN) في كلية بايلور للطب ومستشفى تكساس للأطفال. وكان الأطباء يحاولون تفسير أعراض تنفسية حادة عنده، لم تنجح الفحوص التقليدية في تحديد سببها.

وأظهرت التحاليل الجينية وجود طفرات نادرة في جين TMEM63B. وبعد نشر هذه الملاحظات عبر شبكة الأمراض غير المشخّصة، تمكن الباحثون من العثور على أربعة مرضى آخرين من ثلاث عائلات غير مرتبطة يحملون طفرات مشابهة ويعانون أعراضاً متقاربة.

وبذلك تم التعرف على أول خمس حالات معروفة لهذا الاضطراب الوراثي الجديد.

• أعراض متشابهة. وقد عانى جميع الأطفال ضيق تنفس ومشكلات رئوية ظهرت في وقت مبكر من الحياة، كما أظهرت الفحوص وجود تغيرات غير طبيعية في أنسجة الرئة وتأخر في النمو والتطور. ومن اللافت أن المرضى لم يعانوا نوبات صرع رغم أن طفرات أخرى في الجين نفسه كانت قد ارتبطت سابقاً باضطرابات عصبية تشمل الصرع وتأخر النمو.

جين واحد ومرضان مختلفان

يحمل جين TMEM63B تعليمات إنتاج بروتين يعمل كقناة أيونية، وهي بوابات مجهرية تسمح بمرور الأيونات عبر أغشية الخلايا وتؤدي دوراً مهماً في وظائف الكثير من الأعضاء، بما في ذلك الدماغ والرئتان.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن بعض الطفرات تجعل هذه القنوات مفرطة النشاط، أي تبقى مفتوحة عندما يفترض أن تكون مغلقة. وقد ارتبط هذا النوع من الطفرات باضطرابات عصبية وظهور نوبات صرع.

أما في الدراسة الحالية، فقد اكتشف الباحثون نوعاً مختلفاً تماماً من الطفرات يؤدي إلى اختفاء القناة الأيونية أو فقدانها وظيفتها بالكامل بسبب وراثة نسختين معطوبتين من الجين واحدة من كل والد. وأكدت التجارب المختبرية أن هذه الطفرات تؤدي بالفعل إلى فقدان كامل لوظيفة البروتين.

• لماذا تتضرر الرئتان أكثر من الدماغ؟ وأحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الدراسة هو أن فقدان وظيفة الجين TMEM63B يؤثر بشدة في الرئتين بينما يبدو أن تأثيره على الدماغ أقل حدة.

ويرجح الباحثون أن الدماغ يمتلك قنوات أيونية أخرى قادرة على تعويض غياب الجين جزئياً في حين لا تملك الرئتان آليات تعويض مماثلة. وبالتالي، يؤدي غياب هذه القناة إلى اضطراب عمليات حيوية ضرورية للحفاظ على وظائف الرئة الطبيعية؛ ما يفسر ظهور الفشل التنفسي الحاد لدى الأطفال المصابين.

كما تتوافق هذه النتائج مع دراسات سابقة على الفئران التي عُدلت وراثياً لتفتقر إلى الجين نفسه، حيث عانت الحيوانات فشلاً تنفسياً شديداً بعد الولادة مباشرة.

• سبب جديد لأمراض الرئة النادرة. يرى الباحثون أن الطفرات في جين TMEM63B قد تمثل سبباً جديداً وغير معروف سابقاً لبعض أنواع أمراض الرئة الخلالية interstitial lung disease لدى الأطفال، وهي مجموعة من الأمراض النادرة التي تؤثر في الأنسجة الدقيقة للرئتين وتعيق عملية التنفس.

وغالباً ما ترتبط هذه الأمراض بخلل في إنتاج أو وظيفة المادة الخافضة للتوتر السطحي الرئوية surfactant، وهي مادة تساعد الرئتين على التمدد والانكماش بسهولة أثناء التنفس.

وقالت الدكتورة كيرين ماشول، قسم علم الوراثة الجزيئية والبشرية كلية بايلور للطب هيوستن تكساس الباحثة المشاركة في الدراسة، إن التعرف على الجين TMEM63B بوصفه سبباً لهذه الحالات قد يساعد الأطباء على تشخيص المرض مبكراً وتقديم الرعاية المناسبة للمرضى وأسرهم.

• أهمية التشخيص الجيني. ومن المتوقع أن تؤثر هذه النتائج في استراتيجيات الفحص الجيني للأطفال الذين يعانون أمراضاً تنفسية مجهولة السبب. فحتى الآن كان هذا الجين معروفاً أساساً بدوره في بعض الاضطرابات العصبية، لكن الدراسة الجديدة أظهرت أن نوع الطفرة نفسها هو ما يحدد طبيعة المرض، سواء كان عصبياً أو رئوياً.

وقد يساعد ذلك المختبرات والأطباء على التعرف على هذا الاضطراب بشكل أسرع وتقديم تشخيص أكثر دقة للحالات المشابهة مستقبلاً.

ويؤكد الباحثون أن هذا الاكتشاف ما كان ليتحقق لولا التعاون الدولي وتبادل البيانات بين المراكز الطبية والبحثية حول العالم. فالحالات النادرة غالباً ما تكون موزعة بين دول مختلفة؛ ما يجعل الربط بينها أمراً صعباً. لكن مشاركة المعلومات الجينية والسريرية سمحت للعلماء بجمع الأدلة اللازمة لإثبات العلاقة بين طفرات الجين TMEM63B والمرض الرئوي الشديد.

ورغم أن كثيراً من الأسئلة ما زالت في حاجة إلى إجابات، فإن هذا الاكتشاف يمثل خطوة مهمة نحو فهم أفضل للأمراض الوراثية النادرة التي تصيب الجهاز التنفسي، ويمنح الأمل لعائلات ظلت لسنوات تبحث عن تفسير لمعاناة أطفالها.