لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

جين جديد قد يكشف جزءاً من الإجابة

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟
TT

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

لماذا تختلف أمراض القلب لدى النساء؟

رغم أن أمراض القلب تُعد السبب الأول للوفاة بين النساء حول العالم، فإن فهم كيفية تطورها لدى النساء ما زال متأخراً مقارنة بالرجال. لكن دراسة أميركية جديدة قد تساهم في سد جزء من هذه الفجوة بعدما كشفت عن دور جين يبدو أنه يؤثر في تكوّن نوع من الترسبات الشريانية التي تظهر لدى النساء أكثر من الرجال.

الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ونُشرت في مجلة «Circulation Research» في 15 أبريل (نيسان) 2026 سلطت الضوء على جين يُعرف باسم MYH9 قد يساعد في تفسير الاختلافات البيولوجية بين الجنسين في تطور أمراض الشرايين التاجية.

لغز قديم في طب القلب

تنشأ معظم أمراض القلب نتيجة تصلب الشرايين وهي عملية تتراكم خلالها الدهون والخلايا والمواد الالتهابية داخل جدران الأوعية الدموية مكوّنة ما يُعرف باللويحات أو الترسبات الشريانية. ولسنوات طويلة ركز الباحثون على اللويحات غير المستقرة التي قد تتمزق فجأة وتسبب جلطات قلبية حادة. لكن هناك نوعاً آخر يُعرف باللويحات الليفية fibrous plaques يتميز بوجود غطاء سميك من الأنسجة الندبية ويُعتقد أنه أكثر استقراراً.

ورغم أن هذا النوع أقل عرضة للتمزق فإنه لا يخلو من الخطورة؛ إذ يمكن أن يؤدي إلى نوبات قلبية ومضاعفات خطيرة من خلال تآكل سطح اللويحة أو أن تضيق الشرايين بمرور الوقت. وكانت الدراسات السابقة قد أظهرت أن النساء خصوصاً قبل سن الخمسين أكثر ميلاً لتكوين هذه اللويحات الليفية مقارنة بالرجال إلا أن الأسباب البيولوجية وراء ذلك ظلت غير واضحة.

وللوصول إلى تفسير محتمل قام فريق البحث بقيادة ميتي سيفليك، الأستاذة وخبيرة علم الوراثة البشرية في كلية ديفيد جيفن للطب بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس والمؤلفة الرئيسية للمقال، بتحليل النشاط الجيني في خلايا العضلات الملساء الوعائية. وهي الخلايا المسؤولة عن الحفاظ على بنية الأوعية الدموية وتلعب دوراً أساسياً في تكوين اللويحات الشريانية.

وشملت الدراسة أكثر من 150 متبرعاً بشرياً 119 منهم ذكور و32 من الإناث. حيث فحص العلماء الخلايا المأخوذة من شرايين القلوب المتبرع بها للزراعة. كما استعانوا ببيانات إضافية من دراسات سكانية واسعة في هولندا والسويد تضم عينات فعلية من اللويحات الشريانية.

وباستخدام أدوات تحليل جيني وحوسبة متقدمة قارن الباحثون أنماط عمل الجينات بين الرجال والنساء، ليس فقط على مستوى الجينات الفردية بل من خلال دراسة الشبكات الجينية التي تعمل معاً داخل الخلايا.

جين يتصدر المشهد

أظهرت النتائج وجود شبكتين جينيتين أكثر نشاطاً لدى النساء، وكانت إحداهما مرتبطة بشكل واضح بجين MYH9. ووجد الباحثون أن ارتفاع نشاط هذا الجين ارتبط بوجود لويحات تحتوي على عدد أكبر من خلايا العضلات الملساء ونسبة أقل من الدهون، وهي السمات المميزة للويحات الليفية الأكثر شيوعاً لدى النساء. كما تبين أن نشاط الجين يتركز في المناطق المسؤولة عن تكوين الغطاء الليفي الذي يغطي اللويحة الشريانية ويحافظ على استقرارها.

ويرجّح العلماء أن MYH9 يؤثر في الطريقة التي تستجيب بها الخلايا الوعائية للضغوط الميكانيكية والإشارات البيولوجية المختلفة، بما في ذلك الهرمونات؛ ما قد يساهم في تشكيل اللويحات بصورة مختلفة لدى النساء والرجال. وتكمن أهمية الدراسة في أنها تقدم تفسيراً بيولوجياً محتملاً لاختلاف أنماط أمراض القلب بين الجنسين، وهي قضية طالما شغلت الباحثين والأطباء. فأعراض أمراض القلب لدى النساء قد تختلف عن الأعراض التقليدية المعروفة لدى الرجال، كما أن بعض الفحوصات التشخيصية قد لا تكشف المرض بالوضوح نفسه. ولهذا السبب تتعرض العديد من النساء للتشخيص المتأخر أو الخاطئ.

ويأمل الباحثون أن يساعد فهم هذه الاختلافات الجينية مستقبلاً على تطوير أساليب أكثر دقة لتقييم خطر الإصابة بأمراض القلب بحيث تراعي الفروق البيولوجية بين النساء والرجال بدلاً من الاعتماد على نموذج واحد للجميع.

ورغم أن النتائج لن تغيّر الممارسات الطبية الحالية بشكل فوري فإنها تمثل خطوة مهمة نحو ما يُعرف بالطب الشخصي أو الدقيق الذي يعتمد على الخصائص الجينية والبيولوجية لكل فرد لتحديد أفضل وسائل الوقاية والعلاج.

ويعمل الباحثون حالياً على دراسة كيفية تأثير الهرمونات الجنسية والكروموسومات الجنسية في نشاط جين MYH9، إضافة إلى محاولة فهم الآليات الدقيقة التي تجعله مؤثراً في تكوين اللويحات الشريانية.

ومع استمرار هذه الأبحاث، قد يصبح بالإمكان في المستقبل تطوير علاجات تستهدف هذا المسار البيولوجي تحديداً؛ ما يفتح الباب أمام استراتيجيات جديدة للوقاية من أمراض القلب وعلاجها، خاصة لدى النساء اللواتي ظللن لفترة طويلة أقل تمثيلاً في الدراسات القلبية.

وتؤكد هذه النتائج حقيقة باتت أكثر وضوحاً في الطب الحديث؛ هي أن أمراض القلب ليست متشابهة لدى الجميع. وقد يكون فهم الاختلافات البيولوجية بين النساء والرجال مفتاحاً لإنقاذ المزيد من الأرواح.


مقالات ذات صلة

الترمس... قيمة غذائية غنية وفوائد صحية عالية

صحتك الترمس... قيمة غذائية غنية وفوائد صحية عالية

الترمس... قيمة غذائية غنية وفوائد صحية عالية

أشارت نتائج دراسة بريطانية حديثة إلى ضرورة إدراج المزيد من البقوليات في وجبات الطعام اليومية للمساعدة في معالجة ارتفاع ضغط الدم كمشكلة صحية عامة.

د. حسن محمد صندقجي (الرياض)
صحتك نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

نهج علاجي جديد لـ«الارتجاع المعدي المريئي»

إذا كنت تعاني مرض «الارتجاع المعدي المريئي gastroesophageal reflux disease GERD»، الذي يتميز بتدفق حمض المعدة بصورة متكررة إلى المريء

جويس هيندلي (كمبردج - ولاية ماساشوستس الأميركية )
يوميات الشرق نجح المركز في التنسيق لإجراء 5 عمليات استئصال أعضاء من متبرعين متوفين دماغياً (واس)

السعودية: إنقاذ حياة 12 مريضاً بأعضاء 5 متوفين دماغياً

أسهم فريق المركز السعودي لزراعة الأعضاء في إنقاذ حياة 12 مريضاً بينهم 4 أطفال، وإنهاء معاناتهم مع أمراض الفشل العضوي، وإعادة البهجة والسرور إلى أسرهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
صحتك الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

الساركوما... سرطان نادر لا يثير الانتباه بأعراضه المألوفة

قد يحمل أحدهم كتلة صغيرة في ذراعه أو ساقه لأشهر، لا تؤلمه، ولا تعوقه عن عمله، أو ممارسة حياته اليومية، فيطمئن إلى أنها مجرد تجمع دهني، أو أثر لإصابة قديمة،

د. عبد الحفيظ يحيى خوجة (جدة)
صحتك حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

حنان الأم يحمي الأطفال الخدج من المشكلات العاطفية والنفسية

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من جامعة أولو University of Oulu في فنلندا، نُشرت في التاسع من يوليو (تموز) الحالي، بمجلة «طب النمو وعلم الأعصاب»

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

كيف أعاد «المنطق الضبابي» رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي؟

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
TT

كيف أعاد «المنطق الضبابي» رسم مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي؟

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري
المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري

عندما يدخل مريض إلى العيادة وهو يشكو من ألم في الصدر، نادراً ما تكون الإجابة الطبية فورية أو قاطعة. فالطبيب لا يفكر عادة بمنطق «مريض» أو «سليم»، بل يتحرك داخل مساحة واسعة من الاحتمالات: خطر منخفض أو متوسط أو مرتفع، وأعراض قد تشير إلى أكثر من مرض، وتشخيصات تتغير مع كل معلومة جديدة.

هذه المنطقة الرمادية هي جوهر الممارسة الطبية اليومية، فالجسد البشري لا يتحدث بلغة الأرقام الحاسمة، بل بلغة الاحتمالات وعدم اليقين. ولهذا ظل الطب، لعقود طويلة، أكثر تعقيداً من أن يُختزل في معادلات بسيطة أو قرارات ثنائية جامدة.

ومن هنا برز أحد أكثر المفاهيم إثارة للاهتمام في الذكاء الاصطناعي الحديث: «المنطق الضبابي» (Fuzzy Logic)، وهو نموذج رياضي يسمح للآلة بالتعامل مع درجات الاحتمال والتدرج، بدل الاكتفاء بأحكام صارمة من نوع «نعم» أو «لا». وقد طوّر هذا المفهوم البروفيسور لطفي زادة، عالم الرياضيات الأميركي من أصل أذربيجاني وأستاذ جامعة كاليفورنيا في بيركلي، في ستينات القرن الماضي، قبل أن يعود اليوم إلى قلب النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي بوصفه من الأدوات الواعدة لجعل الذكاء الاصطناعي أقرب إلى الطريقة التي يفكر بها الأطباء في العالم الحقيقي.

كيف يفكر المنطق الضبابي؟

«المنطق الضبابي»

• عودة علمية قوية. لم يكن المنطق الضبابي مجرد فكرة رياضية قديمة عادت إلى الحياة فجأة، بل جاء رجوعه استجابةً لمشكلة بدأت تزداد وضوحاً مع انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة في الطب. ففي مراجعة علمية موسعة نُشرت في أبريل (نيسان) 2026 في مجلة «أنظمة الخبراء مع التطبيقات» (Expert Systems With Applications)، قادها الباحث الإيطالي ماسيمو سالفي من جامعة البوليتكنيك في تورينو، حلّل الباحثون 88 دراسة منشورة بين عامي 2017 و2025 تناولت استخدام المنطق الضبابي في التطبيقات الصحية. وكشفت النتائج عن عودة ملحوظة للاهتمام بهذا المجال منذ عام 2023، بعد سنوات من هيمنة نماذج التعلم العميق التي بدت لفترة طويلة الخيار الأكثر تطوراً في الذكاء الاصطناعي الطبي.

لكن مع اتساع استخدام هذه النماذج، ظهرت مشكلة جوهرية. فأنظمة كثيرة كانت قادرة على الوصول إلى نتائج دقيقة، لكنها لم تكن قادرة دائماً على تفسير الكيفية التي وصلت بها إلى تلك النتائج. وهكذا برز ما يعرف في الأوساط العلمية بـ«مشكلة الصندوق الأسود»، حيث تقدم الخوارزمية الإجابة، لكنها لا تكشف بوضوح مسار التفكير الذي قاد إليها.

وفي الطب، لا تكفي الدقة وحدها. فالأطباء لا يريدون معرفة التشخيص فقط، بل يريدون فهم المنطق الذي يقف وراءه، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تؤثر في حياة المرضى. وهنا عاد المنطق الضبابي إلى الواجهة، ليس بوصفه منافساً للذكاء الاصطناعي الحديث، بل أداةً قد تساعد على جعل قراراته أكثر شفافية وقابلية للفهم.

• كيف يفكّر المنطق الضبابي؟ تكمن الفكرة الأساسية في المنطق الضبابي في أنه لا يجبر الآلة على الاختيار بين «نعم» و«لا» فقط، بل يسمح لها بالتعامل مع درجات متعددة من الاحتمال وعدم اليقين. فبدل أن تصنّف الحالة على أنها مرض أو لا مرض، تستطيع الخوارزمية أن تقدّر أن خطر الإصابة مرتفع أو متوسط أو منخفض، وأن بعض المؤشرات تميل إلى تشخيص معين أكثر من غيره.

وهذا ما يجعل المنطق الضبابي أقرب إلى طريقة التفكير السريري التي يعتمدها الأطباء في حياتهم اليومية. فالقرار الطبي لا يُبنى غالباً على معلومة واحدة حاسمة، بل على مجموعة من المؤشرات التي تختلف قوتها وأهميتها من مريض إلى آخر.

ووفقاً للمراجعة العلمية، دخل المنطق الضبابي اليوم إلى عدد كبير من التطبيقات الطبية، شملت تحليل صور الرنين المغناطيسي والأشعة المقطعية، واكتشاف أورام الدماغ، وتشخيص الأمراض العصبية المرتبطة بتدهور وظائف الدماغ مثل ألزهايمر وباركنسون، فضلاً عن تحليل إشارات الدماغ والقلب ودعم القرار السريري داخل المستشفيات.

واللافت أن بعض الأنظمة التي جمعت بين المنطق الضبابي وتقنيات التعلم العميق حققت مستويات دقة تجاوزت 95 في المائة ببعض تطبيقات التصوير الطبي وتحليل الإشارات الحيوية، ما يشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يعتمد على قوة الخوارزميات وحدها، بل على قدرتها على التعامل مع التعقيد وعدم اليقين اللذين يميزان الطب الحقيقي.

المنطق الضبابي في خدمة القرار السريري

تحديات الجيل الحديث للذكاء الاصطناعي

يرى الباحثون أن عودة المنطق الضبابي لا تعكس حنيناً إلى فكرة قديمة، بل استجابة لتحديات جديدة فرضها الجيل الحديث من أنظمة الذكاء الاصطناعي. فمع ازدياد قوة الخوارزميات وقدرتها على تحليل كميات هائلة من البيانات، برزت في المقابل مشكلة أخرى لا تقل أهمية عن الدقة نفسها: قابلية التفسير.

فالطب بطبيعته لا يقوم على حقائق مطلقة دائماً. فالأعراض قد تتشابه بين أمراض مختلفة، وصور الأشعة قد تحتمل أكثر من قراءة، والبيانات السريرية قد تكون ناقصة أو غير مكتملة. وفي مثل هذه البيئات المليئة بالغموض وعدم اليقين، تبدو الأنظمة القادرة على التعامل مع التدرج والاحتمالات أكثر قرباً من التفكير السريري الحقيقي.

ولهذا يكتسب المنطق الضبابي أهمية متجددة، لأنه لا يكتفي بتقديم إجابة نهائية، بل يستطيع التعبير عن درجة الثقة ومستوى عدم اليقين المرتبطين بالقرار الطبي نفسه. وبذلك لا يحصل الطبيب على النتيجة فقط، بل على صورة أوضح لكيفية الوصول إليها وحدود الثقة بها.

ومن هنا يرى عدد كبير من الباحثين أن الجيل المقبل من الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يُقاس فقط بسرعة المعالجة أو حجم البيانات التي يحللها، بل بقدرته على تفسير قراراته بطريقة يفهمها الطبيب ويستطيع الدفاع عنها أمام المريض.

الجيل القادم من الذكاء الاصطناعي الطبي

«الذكاء المرن»

• من «الآلة الدقيقة» إلى «الذكاء المرن». وربما تكمن أكثر النتائج إثارة في هذه المراجعة العلمية في التحول الفكري الذي بدأ يتشكل داخل أبحاث الذكاء الاصطناعي الطبي نفسها. فبعد سنوات من التركيز على بناء أنظمة تعتمد على البيانات الضخمة والقدرات الحسابية الهائلة، بدأ الباحثون يدركون أن التفكير الطبي البشري لا يقوم على الأرقام وحدها.

فالطبيب الخبير لا يتخذ قراره اعتماداً على نتيجة مخبرية أو صورة شعاعية فقط، بل يدمج بين المعرفة العلمية والخبرة السريرية والتقدير التدريجي للمخاطر والاحتمالات. وبعبارة أخرى، فإن جزءاً مهماً من التفكير الطبي يعيش داخل المنطقة الرمادية التي يصعب اختزالها في معادلات رقمية صارمة.

ولهذا بدأت تظهر أنظمة هجينة تجمع بين تقنيات التعلم العميق والمنطق الضبابي، في محاولة للاستفادة من قوة الحوسبة الحديثة دون التخلي عن المرونة التي تميز التفكير السريري البشري. ويصف بعض الباحثين هذا التوجه بأنه انتقال من «الآلة الدقيقة» إلى «الذكاء المرن»؛ أي ذكاء لا يسعى فقط إلى العثور على الإجابة الصحيحة، بل إلى فهم درجة عدم اليقين الكامنة داخل السؤال نفسه.

وفي عالم الطب، قد يكون هذا الفارق بالغ الأهمية، لأن القرار الأفضل ليس دائماً ذلك الذي يبدو الأكثر يقيناً، بل ذلك الذي يدرك حدود يقينه أيضاً.

• هل يقترب الذكاء الاصطناعي من طريقة تفكير الطبيب؟ ربما لا تكمن أهمية المنطق الضبابي في كونه أداة رياضية جديدة، بل في أنه يعكس تحولاً أعمق في الطريقة التي ينظر بها العلماء إلى الذكاء الاصطناعي نفسه. فبعد عقود من السعي إلى بناء أنظمة أكثر سرعة ودقة، بدأ الاهتمام يتجه نحو بناء أنظمة أكثر قدرة على التعامل مع الغموض وعدم اليقين، وهما عنصران يلازمان الممارسة الطبية منذ نشأتها.

إن الطبيب لا يواجه يومياً حقائق مطلقة، بل يتعامل مع أعراض غير مكتملة، وبيانات ناقصة، واحتمالات تتغير مع كل معلومة جديدة. ولهذا لا تقوم الخبرة السريرية على اليقين الكامل، بل على القدرة على اتخاذ القرار في ظل قدر من الشك المحسوب.

ومن هنا تكتسب عودة المنطق الضبابي دلالة تتجاوز الجانب التقني. فهي تشير إلى أن مستقبل الذكاء الاصطناعي الطبي قد لا يكون في بناء أنظمة تفكر بطريقة أكثر صرامة من الإنسان، بل في تطوير أنظمة تفهم أن العالم الحقيقي ليس أبيض أو أسود دائماً. فكلما اقتربت الخوارزميات من فهم المنطقة الرمادية التي يعيش فيها الطب، ربما اقتربت خطوة إضافية من فهم الطريقة التي يفكر بها الأطباء أنفسهم.