الجزائر تُفعّل «التسوية المشروطة» بديلاً لملاحقة المتورطين في قضايا فساد

آلية جديدة تتضمن تعليقاً مؤقتاً للمتابعات دون إسقاط التهم

وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة (الوزارة)
وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة (الوزارة)
TT

الجزائر تُفعّل «التسوية المشروطة» بديلاً لملاحقة المتورطين في قضايا فساد

وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة (الوزارة)
وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة (الوزارة)

شرعت الحكومة الجزائرية في اعتماد آلية قانونية تسمح بتأجيل الملاحقة القضائية لبعض الشركات مقابل استرجاع الأموال أو الأصول التي حوَّلتها أو تنازلت عنها خارج البلاد بطرق غير قانونية، فيما يُعرف باسم «مسار استرجاع الأموال المنهوبة»، والذي تم إطلاقه بعد سجن مسؤولين كبار عملوا في مرحلة الحكم السابقة.

وأعلن وزير العدل لطفي بوجمعة عن هذه الآلية خلال مؤتمر «الأمن القانوني كمحرّك للتنمية الاقتصادية» الذي انعقد بالعاصمة الجزائر، السبت، وشارك فيه الوزير الأول سيفي غريب وقضاة ومسؤولو الأجهزة الحكومية المكلفون بمحاربة الفساد.

الوزير الأول سيفي غريب ينتصف الصف الأول وعلى يمينه وزير العدل لطفي بوجمعة خلال مؤتمر الأمن القانوني والتنمية الاقتصادية (وزارة العدل)

وتتيح هذه الآلية، حسب بوجمعة، تسديد القروض البنكية وكل المستحقات والمبالغ التي تم الحصول عليها من ممارسات الفساد، بديلاً عن الملاحقة القضائية «مؤقتاً».

ولفت الوزير إلى أن ذلك لا يعني تخلي الدولة عن ملاحقة المتورطين في الفساد قضائياً، ولا إسقاط التهم عنهم، ولا منحهم عفواً، «بل هو تعليق مؤقت للإجراءات القضائية، ويبقى مشروطاً بالتزام الشركة محل شبهة فساد، بشكل كامل، بتنفيذ ما طُلب منها. وفي حال الإخلال بهذه الالتزامات تُستأنف المتابعة القضائية تلقائياً».

ويُعد هذا الإجراء بديلاً عن المتابعات الجزائية التقليدية، ويُطبق على الأشخاص المعنويين، أي الشركات، وليس بالضرورة على الأشخاص الطبيعيين؛ ويمكن متابعة المسؤولين بصفة فردية إذا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية في الفساد، حسبما صرَّح بوجمعة.

وأشار وزير العدل إلى أن هذا «لا يشمل كل الجرائم، وإنما يقتصر على جرائم مالية واقتصادية محددة، خصوصاً تلك المتعلقة بتحويل الأموال إلى الخارج أو التصرف غير القانوني في الأصول».

اجتماع برلمانيين جزائريين مع مسؤولين بوزارة الخزانة الأميركية سنة 2023 في إطار مساعي استرداد «الأموال المنهوبة» (البرلمان الجزائري)

وفي مقابل الاستفادة من هذا الإجراء، يتم إلزام الشركة إما بإعادة الأموال المحولة إلى الخارج، وإما استرجاع الأصول محل المخالفة، وإما دفع قيمتها المعادِلة إذا تعذر الإرجاع، إضافة إلى تسديد الغرامات والضرائب وكل الحقوق المالية المترتبة عن أفعال الفساد المنسوبة إليها.

وقال بوجمعة: «في سياق تنفيذ الأحكام الجديدة لقانون الإجراءات الجزائية، أعطينا توجيهات للنيابة العامة بضرورة التطبيق السليم والموحد لإطار تحريك الدعاوى العمومية ضد مسيري المؤسسات العمومية الاقتصادية، والمؤسسات الصناعية والتجارية العمومية».

استعادة الأموال «بسرعة»

إن الهدف من هذا التوجه، حسب قضاة مكلفين بملفات محاربة الفساد تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، هو تمكين الدولة من استرجاع الأموال بسرعة، والحفاظ على النشاط الاقتصادي ومناصب الشغل، وتشجيع الاستثمار، بدلاً من اللجوء إلى مسارات قضائية طويلة تؤدي في أحيان كثيرة إلى توقف المؤسسات وضياع الأموال خارج البلاد.

وقال أحد القضاة، مفضلاً عدم نشر اسمه: «يتمثل التوجه الجديد، حسب التوجيهات التي أسداها وزير العدل، في سعي الدولة إلى تحقيق توازن بين حماية المال العام، ومحاربة المخالفات من جهة، وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي، وعدم تعطيل المؤسسات المنتجة من جهة أخرى، مع التأكيد على أن هذا الإجراء يبقى مشروطاً بالالتزام الكامل، ولا يُعد تهاوناً مع الفساد».

وفي إطار التعاون مع دول غربية استقبلت أموالاً عامة حُوّلت من الجزائر، أفادت صحيفة إسبانية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي بأن فندقاً يقع في مدينة برشلونة كان مملوكاً لرجل الأعمال الجزائري علي حداد، المحكوم عليه في قضايا فساد، أصبح ضمن أملاك الدولة الجزائرية.

فندق «إل بالاس» في برشلونة الذي استعادته الجزائر (صحف جزائرية)

ويتعلق الأمر، حسبها، بفندق «إل بالاس دي برشلونة»، الذي انتقلت ملكيته إلى «الصندوق الوطني للاستثمار» الجزائري خلال شهر أغسطس (آب) الماضي، وذلك عبر آلية «الدفع مقابل الدين»، وفق ما أوردته الصحيفة.

وكان الفندق مملوكاً لحداد منذ سنة 2011، حيث اشتراه بمبلغ 40 مليون يورو، بحسب تحقيقات الأمن الجزائري. وصدر عليه حكم قضائي في 2020 بعقوبة سجن نافذة مدتها 10 سنوات بتهم تتعلق بـ«تبديد المال العام، وسوء استغلال النفوذ والفساد».

وسبق للقضاء الجزائري أن تقدم بطلب رسمي إلى السلطات القضائية الإسبانية لاسترجاع العقار، على أساس الاشتباه في أنه اقتُني بأموال تم تحويلها إلى الخارج بطرق غير قانونية.

إجراء «طوعي»

لم تنتقل ملكية الفندق عبر مسار قضائي أو تنفيذ حكم بالحجز، وإنما تم ذلك في إطار اتفاق رضائي مع علي حداد، وهو ما تؤكده طريقة التقييد في السجل العقاري بمدينة برشلونة، حيث سُجّل الإجراء على أساس «السداد مقابل الدين» وليس بوصفه تنفيذاً لأمر حجز صادر عن جهة قضائية.

وتعد آلية «السداد مقابل الدين» إجراءً طوعياً لا يتم إلا بموافقة جميع الأطراف المعنية.

وفي العاشر من أكتوبر الماضي، صرّح الرئيس عبد المجيد تبون خلال خطاب ألقاه أمام القيادة العسكرية بأن الجزائر نجحت في استرجاع أصول تُقدَّر قيمتها بنحو 30 مليار دولار، ملمّحاً إلى فندق «إل بالاس» من دون أن يذكره بالاسم، قائلاً: «في إسبانيا، تمكنت السلطات من استعادة فندق 5 نجوم جرى اقتناؤه بطرق غير مشروعة».

وزير الطاق السابق شكيب خليل (الشرق الأوسط)

كما وجّهت الجزائر خلال عام 2022 طلبات إنابة قضائية إلى عشرات الدول بهدف استرجاع ممتلكات تعود لرجال أعمال ووزراء ومسؤولين عسكريين من العهد السابق، من بينهم وزير الطاقة السابق شكيب خليل المقيم في الولايات المتحدة، ووزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب المقيم في فرنسا، إضافة إلى علي حداد.

وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، احتُجزت وديعة بقيمة 1.5 مليون يورو في بنك سويسري تعود لبوشوارب الذي يخضع لمذكرة توقيف دولية صدرت عقب إدانته غيابياً بالسجن 20 عاماً في قضايا فساد، غير أن القضاء الفرنسي رفض تسليم الوزير السابق إلى الجزائر، بدعوى «عدم توفر ضمانات كافية لمحاكمته، وفق شروط المحاكمة العادلة».


مقالات ذات صلة

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

رياضة عالمية الجزائري محمد الأمين عمورة يحتفل بهدف نيس الثاني في مرمى ليل (أ.ف.ب)

«الدوري الفرنسي»: الجزائري عمورة يمنح نيس انتصاره الأول

سجّل المهاجم الجزائري محمد الأمين عمورة هدفاً ليمنح فريقه نيس أول انتصار له في الدوري الفرنسي لكرة القدم هذا الموسم بفوز ثمين على ليل.

«الشرق الأوسط» (نيس (فرنسا))
شمال افريقيا صورة لأستاذة اللغة الأمازيغية نادية موساوي نشرتها على حسابها على «فيسبوك» يوم 7 سبتمبر 2026

جدل واسع بالجزائر بعد حبس ناشطة انتقدت الانتخابات

أثار حبس ناشطة وأستاذة للُّغة الأمازيغية في الجزائر موجة جدل حقوقي وسياسي واسع، بعد احتجازها بسبب منشور متصل بالانتخابات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة السبعة الكبار بإيطاليا في يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

تقرير يكشف حجم تداعيات الأزمة الجزائرية - الفرنسية على العلاقات الاقتصادية

تتواصل الأزمة الجزائرية الفرنسية منذ أكثر من عامين، مخلّفة تداعيات مباشرة على العلاقات الاقتصادية، أبرزها تراجع حضور المؤسسات الفرنسية في السوق الجزائرية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

الكاتب صنصال يفجّر الجدل بإعلان مواقف تصعيدية ضد الجزائر

عاد الكاتب الفرنسي - الجزائري بوعلام صنصال إلى واجهة الجدل الإعلامي بتصريحات صحافية في فرنسا أعرب فيها عن رفضه القاطع للعفو الرئاسي الذي استفاد منه.

شمال افريقيا من أشغال بداية الدورة الأولى للبرلمان المنبثق عن تشريعية 2 يوليو الماضي (البرلمان)

«ملف حارق» يختبر التشريع الجديد أمام البرلمان الجزائري

يشرع البرلمان الجزائري الجديد، المنبثق عن الانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) الماضي، في أعماله اليوم الأربعاء ضمن دورته التشريعية الأولى

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يدعو إلى مراجعة النظام والمؤسسات السياسية في البلاد 

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)
الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

دعا الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، إلى إعادة النظر في النظام والمؤسسات السياسية في بلاده لمواءمتها مع متطلبات الحقبة الراهنة.

وقال في خطاب ألقاه في مدينة إطار، في مستهل زيارة لولاية آدرار، إن الحوار الوطني الشامل المرتقب يجب أن يفضي إلى «إجماع واسع» حول القضايا الوطنية الكبرى، وأن يسهم في تعزيز المواطنة والعدل والإنصاف وتقوية مؤسسات الدولة.

وأوضح أنه يأمل في أن «يوفق الحوار الوطني الشامل، الذي ينعقد قريبًا، في الخروج بإجماع واسع حول كبريات قضايانا الوطنية».

وجاءت دعوة الغزواني قبيل إنطلاق الحوار الذي يجري الإعداد له منذ أشهر، بعد اعتماد «الدليل العملي للحوار» الذي حدد أربعة محاور رئيسية للنقاش، تتعلق بالوحدة الوطنية والانسجام الاجتماعي، والنموذج الديمقراطي، والحوكمة، وإدماج الفئات الهشة والوقاية من المخاطر والتهديدات.

وقال ولد الغزواني إن الهدف من الحوار هو تعزيز «العقد الوطني» بما يجعله أكثر قدرة على استيعاب التحولات التي يشهدها المجتمع وأكثر تعبيرًا عن تطلعات الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن ذلك «لا يعني إعادة تعريف الوطن» أو المساس بأسسه ومبادئه الجمهورية وهويته الثقافية والحضارية.

وأضاف أن المطلوب هو أن تخرج المشاركات والنقاشات بما «يقوي لمة المجتمع، ويعزز رباط المواطنة، ويرسخ العدل والإنصاف، ويجعل مؤسساتنا أكثر قوة وانسجامًا وفعالية».

وشدد الرئيس على أن الحوار يجب أن يكون «شاملًا وجادًا»، وألا يخضع لمحظورات أو «توجيهات إملائية» من أي جهة، وأن تأتي مخرجاته حصراً من مداولاته.

وكانت المعارضة قد هددت بمقاطعة التحضيرات الجارية للحوار إذا تضمن النقاش المساس بمواد الدستور المحصنة التي تحظر على رئيس الجمهورية ممارسة أو البقاء في السلطة لأكثر من فترتين رئاسيتين متتاليتين مدة كل واحدة منهما خمس سنوات وهو ما تسعى أحزاب الموالاة إلى تعديله للسماح للغزواني بالترشح لولاية ثالثة.


تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
TT

تساؤلات حول تشكيل السلطة التنفيذية الجديدة في ليبيا بعد اتفاق «4+4»

المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)
المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه خلال اجتماعها مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة - 19 سبتمبر (البعثة الأممية)

تترقب الأوساط السياسية في ليبيا الخطوات المقبلة لتطبيق اتفاق «4+4» الذي وافق عليه مجلس النواب الأسبوع الماضي، وسط تساؤلات عن موعد وآلية تدشين السلطة التنفيذية الموحدة التي تقود البلاد نحو الانتخابات العامة، وإنهاء الانقسام السياسي والحكومي.

ووفق مسودة اتفاق «4+4»، الموقعة نهاية أغسطس (آب) الماضي، برعاية البعثة الأممية وممثلين عن شرق ليبيا وغربها، فإنه يتعين إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحدة، لكن الاتفاق لم يكشف تفاصيل آلية بناء هذه السلطة، وهل ستكون حكومة تكنوقراط، أم توافقية تضم شخصيات مقربة من القوى الفاعلة.

آلية لحسم الملف

يرى رئيس حزب «صوت الشعب»، فتحي الشبلي، أن البعثة لا تزال تحتاج إلى وقت للكشف عن تفاصيل خطتها لنقل الاتفاق من مرحلة التوقيع إلى التطبيق على الأرض، وإنهاء الانقسام الراهن، منوهاً بأن كيفية تشكيل السلطة التنفيذية وموعد انطلاقها أمر يحظى باهتمام من النخب السياسية التي سألت البعثة بدورها عن الأمر دون تلقِّي إجابة واضحة حتى الآن.

ويعتقد الشبلي بوجود «تضارب» بين حديث نائبة المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري، عن تشكيل حكومة جديدة، وما يتحدث عنه المقربون من حكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن سلطة تنفيذية تضم مجلساً رئاسياً وحكومة، وتقاسم مقاعد الأخيرة بشكل توافقي بين الطرفين، معبراً عن قناعته «بوجود مؤشرات قوية تدعم الطرح الأخير».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وأخرى برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وبعض مناطق الجنوب بتكليف من البرلمان ودعم من «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

نائبة المبعوثة الأممية ستيفاني خوري خلال لقاء مع مجموعة من فريق «الحوار السياسي والمصالحة» في ليبيا الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

بدوره، توقع المحلل السياسي الليبي حسام الدين العبدلي، أن تسعى البعثة الأممية إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تضم نحو 47 عضواً، بوصف ذلك آلية لحسم ملف السلطة التنفيذية، في تكرار لسيناريو اتفاقَي «الصخيرات» و«جنيف» اللذين رعتهما البعثة.

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن لقاءات البعثة الأخيرة مع قوى سياسية واجتماعية وممثلي مكونات ثقافية عززت توجهها نحو تشكيل تلك اللجنة، لكنه يعتقد أن الصياغة النهائية لشكل هذه اللجنة ومعايير اختيارها لم تحدد بعد.

وقال: «إدراك البعثة تخوفات مجلسي (النواب) و(الأعلى للدولة) من تجاوز دورهما في المرحلة المقبلة قد يجعلهما، كعادتهما، يعرقلان أي توافق؛ وبالتالي خططت من البداية لعدم رهن تطبيق الاتفاق بمواقفهما».

واستبعد العبدلي وجود خلاف بين القوى الفاعلة في شرق ليبيا وغربها على مقاعد الحكومة المقبلة، معرباً عن قناعته بـ«تدخل دولي، تحديداً من أميركا، لحسم الحقائب السيادية، كالدفاع والداخلية والخارجية والمالية، في ظل تراجع الوضع الاقتصادي للبلاد».

واعتبر أن أي خلافات أخرى «لن تكون ذات جدوى، خصوصاً مع وجود تفاهمات ترضي الطرفين»، وسط توقعات بمنح القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» رئاسة المجلس الرئاسي، ووجود الدبيبة على رأس الحكومة الموحدة.

إلا أنه لفت إلى أن الخلاف قد ينشب إذا اقتصر الاتفاق على حكومة موحدة دون مجلس رئاسي جديد، ويرى أن ممثلي «الجيش الوطني» لن يرضوا بذلك.

لجنة للحوار السياسي

كانت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد بحثت مع أعضاء من المجلس الأعلى للدولة مستجدات الوضع السياسي والاقتصادي وسبل تنفيذ «خريطة الطريق» الأممية عقب اتفاق «4+4»، مؤكدة التزام البعثة بالعمل مع جميع الأطراف الليبية، وفق توصيات «الحوار المهيكل» لتهيئة الظروف الملائمة لإجراء الانتخابات الوطنية.

ورغم توافقه مع الآراء السابقة بشأن احتمالية توجه البعثة إلى تشكيل «لجنة حوار سياسي لإخراج السلطة التنفيذية الجديدة ومنحها غطاءً سياسياً»، توقع المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ أن يواجه ذلك عقبات.

ولفت محفوظ في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن البعثة قد تجري قريباً اجتماعات منفصلة مع الوفدين الممثلين لحكومة «الوحدة» و«الجيش الوطني» بشأن السلطة التنفيذية.

ولفت مراقبون إلى أن اجتماعات البعثة المقبلة قد تمتد إلى قوى إقليمية ودولية مؤثرة، كالقاهرة وأنقرة وموسكو، في ضوء مراقبتها الدقيقة لأي تحرك يمس مصالحها السياسية والاقتصادية.

وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، قد قال إن المبادرة التي طرحها بشأن ليبيا والمبادرة الأممية «مكملتان بعضهما لبعض»، ولفت إلى أن المبادرة الأميركية «ستركز على كيفية إدارة مرحلة العامين التحضيرية للانتخابات، تحديداً توحيد المؤسسات».


معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
TT

معلمو ليبيا يلوّحون بالإضراب العام

وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)
وزير التعليم بحكومة «الوحدة» محمد عبد السلام القريو مجتمعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقة الغربية والوسطى يوم الأحد (الوزارة)

تواجه حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة اعتصاماً جديداً يُضاف إلى سلسلة من الأزمات والاحتجاجات المتصاعدة في البلاد، مع تمسك المعلمين بمطالبهم ورفضهم ما وصفوه بـ«تحويل حقوقهم إلى وعود مؤجلة». ويأتي التحرك في وقت تواجه فيه السلطات ضغوطاً متزايدة على ملفات خدمية وأمنية ومعيشية عديدة.

جانب من اعتصام معلمي مدرسة شهداء الانتصار للتعليم الأساسي في «أبو سليم» بطرابلس يوم الأحد (من مقطع فيديو بثته النقابة العامة للمعلمين)

وأعلن رئيس «حراك المعلمين» في ليبيا، أشرف الهادي، استمرار الاعتصام السلمي المنظم الذي ينفذه المعلمون حتى انتهاء المهلة المحددة للحوار مع الجهات الرسمية، مؤكداً أن الهدف هو الوصول إلى حلول حقيقية وتنفيذ مطالب المعلمين، وليس تعطيل العملية التعليمية.

وقال الهادي في تصريحات نقلتها وسائل إعلام محلية إن الإضراب العام «يظل أحد الخيارات المطروحة إذا انتهت المهلة دون استجابة جدية ونتائج ملموسة». وأضاف: «الحراك يُفضّل الحوار، لكنه يشترط أن يتحول إلى قرارات واضحة وجدول زمني وآليات محددة للتنفيذ».

وتشمل مطالب المعلمين معالجة المرتبات، وتسوية الفروقات والمستحقات المالية، وتوفير التأمين الصحي، وتحسين الوضع الوظيفي والمعيشي، وإصدار قانون لحماية المعلم.وفي السابع من سبتمبر (أيلول) الجاري، أعلن الحراك عن مهلة 15 يوماً لتنفيذ مطالب المعلمين.

وأوضح الهادي أن باب التفاوض مفتوح بشأن آليات التنفيذ، وليس حول أصل الحقوق، وأكد أن الحراك لم يتلقّ تواصلاً رسمياً مباشراً بالقدر المطلوب حتى الآن، داعياً الجهات صاحبة القرار إلى «فتح حوار جاد ومسؤول»، كما ناشد المعلمين الحفاظ على وحدتهم والالتزام بالسلمية والتنظيم خلال المرحلة المقبلة.

يأتي هذا في خضم موجة احتجاجات واعتصامات واسعة النطاق بدأت مع انطلاق العام الدراسي الجديد في منتصف الشهر الجاري، وامتدت من العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية مثل مصراتة وبني وليد وأبو سليم إلى بنغازي ومناطق أخرى في الشرق والجنوب.

وأعلنت نقابات معلمين في بلديات الغرب اعتصاماً مفتوحاً وإضراباً عن العودة إلى الدراسة، قائلة إنه جاء نتيجة «استمرار تجاهل حقوق المعلمين، وليس بهدف عرقلة التعليم».

وأدت هذه التحركات إلى إرباك انطلاق الدراسة في كثير من المدارس، حيث ظلت أبوابها مغلقة أو شبه فارغة في الأيام الأولى من العام الدراسي، فيما يشكو المعلمون من أن مرتباتهم، التي لا تتجاوز في كثير من الحالات 2000 دينار شهرياً، لم تعد تتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة، إضافة إلى تأخر صرف المستحقات وغياب التأمين الصحي الفعال. والدولار يساوي 6.33 دينار في السوق الرسمية، و9.56 دينار في السوق الموازية.

في مقابل ذلك عقد وزير التربية والتعليم بحكومة «الوحدة»، محمد عبد السلام القريو، اجتماعاً موسعاً مع عدد من مراقبي التربية والتعليم بالمنطقتين الغربية والوسطى، الأحد، لمتابعة انطلاقة العام الدراسي الجديد الذي بدأ في 13 من الشهر الجاري، والوقوف على جاهزية المؤسسات التعليمية.

وقالت الوزارة في بيان، الأحد، إن القريو أكد أن المعلم «يمثل الركيزة الأساسية للعملية التعليمية»، مشدداً على «التزام الوزارة الكامل بحماية حقوقه، وتحسين أوضاعه المهنية والمعيشية، وتمكينه من أداء رسالته بكفاءة».

كما أشار إلى أن «ضمان حق الطلاب في تعليم جيد وعادل وشامل، داخل بيئة آمنة ومحفزة، يُعد أولوية وطنية لا تنازل عنها»، منوهاً إلى أن استقرار المؤسسات التعليمية وانتظام الدراسة مسؤولية مشتركة تستوجب تكثيف المتابعة الميدانية، وترسيخ الانضباط والمساءلة، إلى جانب تفعيل منظومة الحوافز للقيادات والمدارس المتميزة.

ويحذر مراقبون من أن استمرار الاحتقان داخل صفوف المعلمين دون حلول ملموسة قد يؤدي إلى تصعيد أوسع يشمل إضراباً عاماً، مما يفاقم الضغط على العملية التعليمية في البلاد.