لودفيغ فتجنشتاين... ثورة هادئة على الفلسفة التقليدية

المفكر النمساوي من البحث في الوجود إلى تحليل اللغة

لودفيغ فتجنشتاين... ثورة هادئة على الفلسفة التقليدية
TT

لودفيغ فتجنشتاين... ثورة هادئة على الفلسفة التقليدية

لودفيغ فتجنشتاين... ثورة هادئة على الفلسفة التقليدية

ضمن سلسلة «الفلسفة» التي تصدر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «لودفيغ فتجنشتاين» للباحث المصري الراحل د. عزمي إسلام (1931- 1987) والذي يتناول التأثير اللافت لهذا المفكر النمساوي على الفلسفة المعاصرة.

وُلد فتجنشتاين في فيينا لأسرة صناعية ثرية ومثقفة، ثم اتجه إلى دراسة هندسة الطيران في مدينة «مانشستر» الإنجليزية، قبل أن يتخلى عن هذا الاتجاه ويتحول تماماً إلى المنطق والرياضيات في جامعة «كامبريدج» متأثراً بالمفكر البريطاني برتراند راسل الذي أشرف على دراسته للفلسفة. تطوع في جيش بلاده خلال الحرب العالمية الأولى وأمضى فترة معلماً في قرية نمساوية، ثم عاد لاحقاً إلى بريطانيا كأستاذ.

ويعد كتابه «رسالة فلسفية منطقية» أبرز مؤلفاته والذي نُشر لأول مرة عام 1921 ويذهب فيه إلى أن حدود اللغة هي حدود عالمنا، وما لا يمكن التعبير عنه بها يجب الصمت عنه، أما «تحقيقات فلسفية» فنشر بعد وفاته عام 1951 ويؤكد فيه على أن المعنى الحقيقي للكلمات يكمن في سياقها الاجتماعي وليس في مدلولها الاصطلاحي البحت، وهي الفكرة التي كان لها تأثير بالغ على مجلات أخرى كالأدب وعلم النفس.

ويشير المؤلف إلى أنه حصل على أطروحة الدكتوراه في فلسفة المفكر النمساوي لأن أفكاره كانت نقطة تحول حاسمة في تاريخ الفكر الفلسفي الحديث ويرجع ذلك إلى أهمية المنهج الذي تبناه، وهو المنهج التحليلي المنطقي، يتناول عبارات اللغة التي نصوغ فيها الأسئلة والمشكلات الفلسفية، حيث أثبت أن معظم هذه المشكلات ليست بمشكلات حقيقية وأنها لم تنتج إلا عن سوء استخدام اللغة.

أصبح إسهام فتجنشتاين أشبه ما يكون بالثورة الهادئة على الفلسفة التقليدية، وذلك لأنها غيرت من مفهومها ومجالها ووظيفتها فأصبحت الفلسفة لديه عبارة عن تحليل للغة وانتقل مجال البحث فيها من البحث في الأشياء في ذاتها كالوجود من حيث هو موجود أو العلة أو المطلق أو الجوهر أو اللامتناهي أو العدم إلى البحث في العبارات والألفاظ التي يقولها الفلاسفة وتحليلها لبيان ما له معنى منها وما لا معنى له، أو لبيان الصحيح منها والخاطئ بناء على اتفاقها أو اختلافها مع قواعد الاستخدام العادي المنطقي. ومن ثم تغيرت مهمة الفلسفة فأصبحت تنصب على تحليل مشكلات الفلسفة بدلاً من إقامة أنساق فكرية أو ميتافيزيقية جديدة. وتأثر بأفكاره بشدة عموم التيار الفكري الوضعي التحليلي.

واعتمد المؤلف في دراسته لفلسفة فتجنشتاين على مؤلفاته نفسها فضلاً عن بعض محاضراته بالجامعة، وكذلك محاضراته الخاصة التي نشرت في الكتابين «الأزرق» و«البني»، وأيضاً ملاحظاته عن المنطق والرياضيات كما رجع كذلك إلى ما نشر من رسائله إلى براترند راسل، ولم يكن ذلك بالمهمة اليسيرة نظراً لصعوبة كتاباته وتعقيداتها حتى إن كثيرين من تلامذته والباحثين عموماً كانوا يصفونه بـ«الفيلسوف المتعب للغاية».

ولد لودفيغ يوهان فتجنشتاين في السادس والعشرين من أبريل (نيسان) 1889 وكان والده مهندساً مرموقاً يشغل منصباً قيادياً في صناعة الحديد والصلب بالنمسا، كما كان لأم فتجنشتين أثر بالغ في خلق الميل الفني القوي في الأسرة، فقد كانت هي وزوجها موسيقيين من الدرجة الأولى حتى لقد أصبح المنزل في وقت ما مركزاً لحياة موسيقية جميلة وخاصة حينما كان يتردد عليهم صديق الأسرة الحميم يوهان برامز، الموسيقار العالمي الشهير.

اهتم فتجنشتاين أثناء دراسته في «كامبريدج» بالفلسفة وبأسس الرياضيات الحديثة اهتماماً كبيراً كما استفاد من النشاط الفكري الضخم الذي كان موجوداً في الجامعة قبيل الحرب العالمية الأولى، إذ كان راسل في أوج تفكيره الفلسفي والمنطقي وأخرج هو وألفريد نورث هوايتهد كتابهما «مبادئ الرياضيات» الذي يعد أحد العلامات المميزة في تاريخ المنطق.

على الرغم من اكتساب فتجنشتاين في إنجلترا للجنسية الإنجليزية، فإنه لم يكن معجباً بأساليب الإنجليز في الحياة كما كان يكره الجو الأكاديمي في كامبريدج في ذلك الوقت وحينما انتهت مدة زمالته في كلية ترينتي عام 1930 فكر في زيارة الاتحاد السوفياتي وزاره بالفعل مع أحد أصدقائه. وحين توفي في 29 أبريل 1951 في منزل الطبيب الذي كان يعالجه في بريطانيا، كانت آخر عبارة قالها لزوجة الطبيب: «قولي لهم إنني قد عشت حياة رائعة».

مال إلى البساطة في كل شيء وكان ذلك واضحاً من ملابسه ومن أثاث حجراته في الجامعة، فلم يكن يتمسك في ملابسه بالطريقة التقليدية مثل الأساتذة بل كان يرتدي دائماً بنطلوناً خفيفاً وقميصاً مفتوح الصدر بلا رباط عنق. وتكشف طريقته في إلقاء محاضراته عن أكثر من جانب من جوانب شخصيته، مثل البساطة والجدية والإخلاص للعمل والحب الشديد للحق وأحياناً الخشونة والجفاء والقسوة.

يؤكد فتجنشتاين أن المعنى الحقيقي للكلمات يكمن في سياقها الاجتماعي وليس في مدلولها الاصطلاحي البحت

لم تكن محاضراته تأخذ الطابع التقليدي، وإنما كانت أشبه باجتماعات برغم إصراره على تسميتها بالمحاضرات. كان يتكلم بلغة إنجليزية وبلهجة الرجل الإنجليزي المثقف وكان صوته رناناً عالي النبرة، وإن لم يكن منفراً، ولم تكن الكلمات تخرج من فمه متدفقة، بل بعد جهد كبير. وجهه كان سريع الحركة بطريقة ملحوظة كما كان معبراً جداً أثناء الحديث وكانت عيناه عميقتين، وغالباً ما كانتا تحملان شيئاً من القسوة في التعبير.

لم تكن مؤلفات فتجنشتاين كثيرة متعددة حتى إنه لم ينشر في حياته إلا كتاباً واحداً هو «رسالة منطقية فلسفية» ومقالاً له بعنوان «بعض ملاحظات على الصورة المنطقية» وبقية ما نشر عدا ذلك كان كله بعد وفاته.

وأهم ما يلاحظ في كتاباته خلوها تماماً من كل زخرفة أدبية أو رطانة في الأسلوب، فنجدها بسيطة قوية تعتمد على خصوبة الخيال، وهو ما تأثر بها كثير من الأدباء لاحقاً. استخدم التحليل كمنهج في الفلسفة لا كغاية، فهو لا يستهدف التحليل لمجرد تقسيم العالم إلى مجموعة من الوقائع أو رد اللغة إلى عدة قضايا أو رد المعنى إلى طريقة استخدامنا للألفاظ، إنما هو يستخدمه لكي يوصله إلى غاية أبعد من ذلك، وهي توضيح المشكلات الفلسفية التي إذا ما وضع معظمها تحت مجهر التحليل زال عنها كل غموض، واتضح أنها مشكلات زائفة أو أنها ليست بمشكلات أصلاً، على حد تعبيره.

وقد عبر عن هذا المعنى تعبيراً دقيقاً بقوله: «إن معظم القضايا والأسئلة التي كُتبت عن أمور فلسفية ليست كاذبة، بل هي خالية من المعنى، فلسنا نستطيع إذن أن نجيب عن أسئلة من هذا القبيل، وكل ما يسعنا هو أن نقرر عنها أنها خالية من المعنى، فمعظم الأسئلة والقضايا التي يقولها الفلاسفة إنما تنشأ عن حقيقة كوننا لا نفهم منطق لغتنا، فهي أسئلة من نوع السؤال الذي يبحث فيما إذا كان الخير هو نفسه الشيء الجميل على وجه التقريب، وإذن فلا عجب إذا عرفنا أن أعمق المشكلات ليست في حقيقتها مشكلات على الإطلاق».


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).