وثائق سرية تكشف حيرة غربية بعد فوز زروال برئاسة الجزائر

30 سنة على مغامرة كسرت حاجز «الخوف من الإرهاب»... تردد فرنسي وبريطاني رغم «نزاهة» الاقتراع

الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)
TT

وثائق سرية تكشف حيرة غربية بعد فوز زروال برئاسة الجزائر

الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)

تمر اليوم ذكرى 30 سنة على فوز الرئيس اليمين زروال في انتخابات الرئاسة الجزائرية. شكّل الحدث تحولاً كبيراً في مسار الأزمة التي كانت تعيشها الجزائر منذ إلغاء المسار الانتخابي الذي فازت به جبهة الإنقاذ عام 1991. فحتى ذلك التاريخ، كان معارضو السلطات الجزائرية، المدعومة من الجيش، يعيبون عليها افتقارها إلى «الشرعية الشعبية». لكن زروال، بقراره اللجوء إلى صناديق الاقتراع، حرم المعارضة من هذه الورقة. كان قراره في الواقع مغامرة بكل معنى الكلمة. فالبلاد كانت غارقة في بحر من الدماء، والجماعات المسلحة التي كانت في أوج قوتها آنذاك، هددت صراحة أي ناخب يتوجه إلى صناديق الاقتراع. أما أحزاب المعارضة الأساسية (جبهة الإنقاذ وجبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية) فكانت كلها تدعو إلى المقاطعة.

رغم ذلك كله، خاض زروال التحدي. وفي الحقيقة، لم يكن فوزه بالرئاسة مفاجئاً. فهو الرئيس الانتقالي، وقد جاء من وزارة الدفاع ويحظى بدعم المؤسسة العسكرية القوية. المفاجأة كانت، في الواقع، في طريقة فوزه. فقد احتشد الناخبون أمام مراكز الاقتراع، رغم التهديدات، للتصويت له ولمنافسيه، كاسرين بذلك حاجز «الخوف من الإرهاب».

أعاد زروال للسلطات الجزائرية «شرعيتها»، وكان ذلك في واقع الأمر بداية النهاية لـ«عصر الإرهاب». مرّ ذلك، كما هو معروف، بمراحل عدة. ففي العام التالي نظّم زروال انتخابات تشريعية طوت صفحة فوز «الإنقاذ» بانتخابات 1991. وترافق ذلك مع ميل كفة الصراع المسلح لمصلحة الجيش الذي ألحق هزيمة بالجماعات المسلحة، وأرغم غالبية عناصرها على إلقاء السلاح والاستفادة من قانون العفو الذي أعلنه عبد العزيز بوتفليقة، خليفة زروال في رئاسة البلاد عام 1999.

الأجيال الشابة من الجزائريين لا تذكر، على الأرجح، تلك الحقبة الدموية من التسعينات، ولا تعرف بأهمية فوز زروال في مثل هذا اليوم قبل 30 عاماً. «الشرق الأوسط» تسلّط اليوم الضوء على انتخاب رزوال بالرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1995، من خلال عرض وثائق حكومية بريطانية محفوظة في الأرشيف الوطني.

تكشف الوثائق التي رُفعت عنها السرية عن أن فوز زروال تسبب في حيرة للدول الغربية التي امتنع بعضها، كفرنسا، عن توجيه «تهنئة» للرئيس المنتخب، فيما رأت وزارة الخارجية البريطانية أن من غير المناسب أن توجه الملكة إليزابيث الثانية رسالة تهنئة له رغم أن رئيس الوزراء سيبعث له برسالة بهذا المعنى.

توضح وثيقة بريطانية (من السفير في الجزائر بيتر مارشال) مؤرخة في 17 نوفمبر 1995 أن زروال حقق فوزاً ساحقاً في الانتخابات الجزائرية: «حقق اليمين زروال، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كمرشح النظام، انتصاراً حاسماً في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي جرت في 16 نوفمبر، حيث حصد 61.34 في المائة من الأصوات».

تضيف الوثيقة: «تحدّت الانتخابات، التي جرت على خلفية ثلاث سنوات من الإرهاب والقمع، التهديدات السابقة بالتعطيل من قبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة والجماعات الإسلامية المسلحة. وصلت نسبة الإقبال إلى 75 في المائة بشكل غير متوقع من أصل ستة عشر مليون ناخب مسجل في البلاد، وهو إنجاز كان النظام يجرؤ فقط على الأمل في أن يصل إلى 60 في المائة».

وتتابع: «يشير المراقبون إلى أن النتيجة تمثل تفويضاً قوياً ضد العنف بدلاً من أن تكون تأييداً لمرشح معين. وقد قدمت المشاركة المرتفعة بشكل ملحوظ، وخاصة من قبل النساء والشباب، رسالة واضحة للنظام مفادها أن (الأغلبية الصامتة الكبيرة تريد العيش بسلام في دولة علمانية)».

وترى الوثيقة أن الانتخابات أظهرت رفضاً للمرشح الإسلامي المنافس لزروال و«فشل المقاطعة». توضح الوثيقة في هذا الإطار: «أبرز منافسي زروال، الشيخ الإسلامي المعتدل (محفوظ) نحناح، حصل على 25.38 في المائة من الأصوات، وهو ما يمثل أقل من 20 في المائة من إجمالي الناخبين، مما يعني ضمناً رفضاً حازماً للحكم الإسلامي من قبل غالبية الناخبين.

في الوقت نفسه، أوعزت أحزاب المعارضة الرئيسية، بمن في ذلك (جبهة التحرير الوطني) و(جبهة القوى الاشتراكية)، إلى جانب (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) المحظورة، لمؤيديها بمقاطعة العملية. ووفقاً للتحليل، فإن هؤلاء المعارضين (أخطأوا في تقدير مزاج الناخبين)، وربما تكون تكتيكاتهم المعرقلة قد خدمت مصالح النظام. تُعدّ الشرعية التي منحتها الانتخابات (أكثر صلابة مما كان يمكن توقعه). ومنذ التصويت، أصدر الحزبان الرئيسيان المقاطعان، (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) و(جبهة التحرير الوطني)، بالفعل تصريحات تصالحية».

وبحسب الوثيقة، «كان نجاح الانتخابات مرهوناً بمستويات أمنية غير مسبوقة. كان الوجود العسكري والشرطي واسع النطاق، وهو ما أتى ثماره فيما وُصف بأنه أحد أكثر الأيام سلمية التي شهدتها البلاد منذ الانتخابات الأخيرة. وعلى الرغم من أن البعض يزعم أن الانتخابات زُورت، تشير الأدلة إلى أن العملية (أُجريت بنزاهة وشفافية)، وأن الأرقام كانت (دقيقة إلى حد معقول)، وبالتالي كانت النتيجة صحيحة من الناحية الفنية. ومع ذلك، على الرغم من حالة النشوة في الجزائر العاصمة، يحذر المحللون من أن الجزائر لا تزال لديها نفس الرئيس المدعوم من نفس القوات العسكرية التي وضعته في منصبه في المقام الأول. لقد حقق النظام هدفه المتمثل في اكتساب درجة من الشرعية الديمقراطية، مما سيمكن الجنرالات من (الابتعاد عن الأضواء). ومع ذلك، هناك شكوك في أن زروال سيتمتع بأي حرية حركة أكبر مما كان يتمتع به من قبل، حيث ستستمر كلمة (زروال) كشكل مختصر لـ(النظام). يكمن الخطر الآن في أن النظام سيفسر النتيجة على أنها (دعم لسياسته السابقة وأقل كطلب للتغيير)».

نسخة من وثيقة بريطانية عن نتائج الانتخابات الجزائرية عام 1995 (الشرق الأوسط)

وتحت عنوان «التطلعات المستقبلية: حوار وتطرف مستمر»، جاء في الوثيقة: «من المتوقع أن يفي زروال بالتزامه الانتخابي بمواصلة سياسة ثنائية المسار تركز على الحوار والقضاء على الإرهاب، مع ميل طفيف نحو المسار الأخير. وقد يوفر وعده بإجراء انتخابات تشريعية، العام المقبل، حافزاً كافياً لمجموعات المعارضة المقاطعة لرفع موقفها. ولكن في أعقاب انتصاره، تبدو عملية إعادة تأهيل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) (أكثر بعداً). تظل المخاوف قائمة بشأن الاستقرار على المدى الطويل، حيث إن (المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الهائلة) التي أدت في البداية إلى نشوء التطرف الأصولي لا تزال (عصية على الحل كالعادة). ومن (الصعب أن نرى) أن الجماعات المسلحة ستتخلى الآن ببساطة عن نضالها على الرغم من رفض الناخبين الواضح لها».

وتحت عنوان «رد الفعل الدولي: راضٍ ولكنه حذر»، تشير الوثيقة إلى أن الشركاء الدوليين تفاعلوا مع الانتخابات «بتفاؤل حذر»:

أعرب الاتحاد الأوروبي عن (ارتياحه) لتنظيم الانتخابات وإجرائها دون عنف، وعن المستوى العالي للمشاركة. ويهدف الاتحاد الأوروبي إلى (مواصلة سياسته للتعاون ودعم برامج الإصلاح الاقتصادي)، مع الأخذ في الاعتبار العلاقة بين حل المشاكل السياسية وقابلية تلك الإصلاحات للاستمرار. وكرر الاتحاد الأوروبي مناشدته جميع الأحزاب السياسية التي تنبذ العنف لتكثيف حوارها السياسي.

قدمت فرنسا رد فعل رسمياً (هادئاً إلى حد ما). وفي حين أن الرئيس (جاك) شيراك سيرسل رسالة إلى زروال، فسيتم تعمّد عدم ظهور كلمة (تهنئة). وعلى الصعيد الخاص، فإن الحكومة الفرنسية (راضية عن النتيجة)، معتقدة أن الإقبال المرتفع أضعف بشدة جماعات مثل «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» و«جبهة القوى الاشتراكية». وستبحث فرنسا عن (أدلة مبكرة) على استعداد زروال للمضي قدماً في الانتخابات التشريعية.

أرسل قادة أوروبيون آخرون رسائل، بمن فيهم رؤساء فرنسا وألمانيا وروسيا واليونان وملك إسبانيا. ويعتزم رئيس الوزراء البريطاني إرسال رسالة تهنئة، والتي ستتضمن تذكيراً برغبة المملكة المتحدة في بدء حوار سياسي، وإشارة إلى المصالح التجارية البريطانية «تتقدم شركة (بي بي) بعطاء للحصول على عقد بمليارات الدولارات في الجزائر». ومع ذلك، لا تزال رسالة من الملكة تُعدّ غير مناسبة بالنظر إلى «سجل النظام العسكري الحافل بالوحشية».


مقالات ذات صلة

الجيش الجزائري يهاجم «خونة باعوا وطنهم»

شمال افريقيا رئيس الجزائر مع رئيس أركان الجيش (وزارة الدفاع)

الجيش الجزائري يهاجم «خونة باعوا وطنهم»

بينما يتصاعد الخطاب الرسمي في الجزائر حول وجود «مؤامرات تستهدف البلاد»، أطلقت السلطات ما يمكن وصفها بـ«ذراع رقمية» تتولى مهمة «التصدي لحملات التشويه».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد الجيش مع عسكريين أثناء عملية عسكرية (أرشيفية - وزارة الدفاع الجزائرية)

الجيش الجزائري يعلن القضاء على 6 إرهابيين شرق البلاد

«تعزز هذه العملية حصيلة النجاحات التي تحقّقها قوات الجيش في مختلف مناطق البلاد، وتُبرز الإصرار الثابت على اجتثاث الإرهاب وتجفيف منابعه»...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الحاكم العسكري في مالي مستقبلاً وفداً دبلوماسياً وأمنياً جزائرياً في أبريل 2023 (الخارجية الجزائرية)

«أزمة إسقاط الطائرة المسيّرة»: الجزائر ترفض شكوى مالي أمام محكمة العدل الدولية

أعلنت الجزائر رفضها التعامل مع شكوى رفعتها حكومة مالي إلى محكمة العدل الدولية، تتهمها فيها بإسقاط طائرة مسيّرة تابعة لقواتها المسلحة مطلع أبريل (نيسان) الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا ملصق الاحتفالات المعتمد من طرف وزارة الدفاع (الوزارة)

الجزائر: احتفالات بـ«يوم الجيش» بعد أسبوع من دخول «التعبئة العامة» حيز التنفيذ

يأتي الاحتفال بعد أسبوع من دخول «قانون التعبئة العامة» حيز التنفيذ، وهو ينظم انتقال البلاد بمؤسساتها وأجهزتها المدنية والأمنية، من حالة السلم إلى حالة الحرب.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا المدير الجديد للأمن الداخلي الجزائري (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري يهاجم «الأعداء» ويتوعدهم بـ«الخيبة والهزيمة»

في العادة، يتحاشى المسؤولون الأمنيون في الجزائر الظهور الإعلامي، في مسعى لإضفاء طابع من السرية والهيبة على صورتهم.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

إدانات عربية لهجمات «الدعم السريع» في كردفان

نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

إدانات عربية لهجمات «الدعم السريع» في كردفان

نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)
نازحون سودانيون بالعراء بعدما فروا من بلدة هجليج التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» بغرب السودان إلى مدينة القضارف في الشرق 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

أدانت دول عربية الهجمات الإجرامية التي شنَّتها «قوات الدعم السريع» على مستشفى الكويك العسكري، وعلى قافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي، وعلى حافلة تقلّ نازحين مدنيين؛ ما أدى إلى مقتل عشرات المدنيين العزَّل، من بينهم نساء وأطفال، وإلحاق أضرار بمنشآت وقوافل إغاثية في ولايتَي شمال وجنوب كردفان بالسودان.

السعودية: هجمات إجرامية لا يمكن تبريرها

وأعربت السعودية أمس عن إدانتها واستنكارها الشديدين للهجمات الإجرامية. وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، السبت، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال، وتُشكِّل انتهاكات صارخة لجميع الأعراف الإنسانية والاتفاقات الدولية ذات الصلة. وطالبت بضرورة توقُّف «قوات الدعم السريع» فوراً عن هذه الانتهاكات، والالتزام بواجبها الأخلاقي والإنساني في تأمين وصول المساعدات الإغاثية لمحتاجيها، وفقاً للقوانين الدولية والإنسانية، وما ورد في «إعلان جدة» (الالتزام بحماية المدنيين في السودان)، الموقَّع بتاريخ 11 مايو (أيار) 2023.

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أ.ف.ب)

وجدَّدت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، وضرورة الحفاظ على مؤسساته الشرعية، ورفضها التدخلات الخارجية، واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، على الرغم من تأكيد هذه الأطراف دعمها الحل السياسي، في سلوك يُعدُّ عاملاً رئيسياً في إطالة أمد الصراع، ويزيد من استمرار معاناة شعب السودان.

من جانبه أعرب جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، عن إدانته بأشد العبارات لاستهداف قافلة إغاثة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية شمال كردفان بالسودان، معتبراً هذا الاعتداء انتهاكاً جسيماً لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وتجاوزاً مرفوضاً لكافة القواعد والأعراف التي تكفل حماية العمل الإنساني.

وأكد البديوي أن استهداف قوافل الإغاثة والعاملين في المجال الإنساني يُعد عملاً مداناً يعرقل وصول المساعدات الضرورية للمتضررين، ويزيد من معاناة المدنيين، خاصة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يشهدها السودان.‏وأشار الأمين العام، إلى ما جاء في البيان الصادر عن المجلس الأعلى في دورته السادسة والأربعون، الذي أكد على دعم جهود تحقيق السلام في السودان بما يحفظ أمنه واستقراره وسيادته، ودعم الجهود السياسية للتوصل لوقف إطلاق النار، وتحقيق انتقال سياسي في السودان من خلال إنشاء حكومة مدنية مستقلة، بما يلبي تطلعات الشعب السوداني نحو تحقيق النمو والاستقرار والسلام.

مصر: استمرار خطير لاستهداف الممرات الإنسانية

ومن جانبها، أدانت مصر، اليوم (الأحد) الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية، والمنشآت الطبية، والنازحين في السودان، واصفة ذلك بأنه «استمرار خطير لاستهداف الممرات الإنسانية، وعرقلة لجهود الإغاثة».

وقالت وزارة الخارجية المصرية، في بيان، إن الهجوم الذي شهدته منشأة طبية في إقليم كردفان وأدى لسقوط عشرات القتلى والمصابين هو «انتهاك جسيم لأحكام القانون الدولي الإنساني».

وشدَّدت مصر في البيان على أن تكرار هذه الانتهاكات «يسهم في تعميق الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي يشهدها السودان». وأكدت، كذلك، على أهمية وصول المساعدات الإنسانية إلى الشعب السوداني دون عوائق.

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

وكانت «شبكة أطباء السودان» حمَّلت «الدعم السريع» المسؤولية الكاملة عن هذه «المجزرة وتداعياتها الإنسانية»، وشدَّدت على أن استهداف المدنيين العزل، خصوصاً الفارين من مناطق النزاع ووسائل نقلهم يعدّ جريمة حرب. وطالبت «شبكة أطباء السودان» المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية بالتحرك العاجل لحماية المدنيين، ومحاسبة قادة «الدعم السريع» المسؤولين عن هذه الانتهاكات بصورة مباشرة، مع الدعوة إلى تأمين طرق النزوح الآمنة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

قطر: انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني

وفي السياق، قالت وزارة الخارجية القطرية، في بيان لها اليوم: «تدين دولة قطر بشدة استهداف قافلة إغاثة تابعة لبرنامج الأغذية العالمي في ولاية شمال كردفان... وتعده انتهاكاً صارخاً لمبادئ القانون الدولي الإنساني». وأكدت الوزارة ضرورة حماية العاملين في المجال الإنساني بالسودان وضمان إيصال المساعدات بشكل مستدام للمحتاجين في الولاية.

وجدَّدت قطر «دعمها الكامل لوحدة وسيادة واستقرار السودان، ووقوفها إلى جانب الشعب السوداني لتحقيق تطلعاته في السلام والتنمية والازدهار»، بحسب البيان.

أبو الغيط: جريمة حرب مكتملة الأركان

كما أدان الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، اليوم، هجوم «قوات الدعم السريع» على قوافل المساعدات الإنسانية. وأكد متحدث باسم أبو الغيط، في بيان، أن الهجوم على قوافل المساعدات والعاملين بالمجال الإغاثي بولاية شمال كردفان يرقى إلى «جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للقانون الدولي الإنساني». وشدَّد على ضرورة محاسبة المسؤولين عن «هذه الجرائم، ووضع حدٍّ للإفلات من العقاب، مع توفير الحماية الكاملة للمدنيين والعاملين في الحقل الإنساني وفي مرافق الإغاثة في السودان»، وفق البيان.


24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.