الجيش الجزائري يهاجم «خونة باعوا وطنهم» ويؤكد «الجاهزية» لمواجهة «المؤامرات»

الحكومة تعلن إطلاق «خط دفاع رقمي» يضم «مؤثرين» و«صنّاع محتوى»

رئيس الجزائر مع رئيس أركان الجيش (وزارة الدفاع)
رئيس الجزائر مع رئيس أركان الجيش (وزارة الدفاع)
TT

الجيش الجزائري يهاجم «خونة باعوا وطنهم» ويؤكد «الجاهزية» لمواجهة «المؤامرات»

رئيس الجزائر مع رئيس أركان الجيش (وزارة الدفاع)
رئيس الجزائر مع رئيس أركان الجيش (وزارة الدفاع)

بينما يتصاعد الخطاب الرسمي في الجزائر حول وجود «مؤامرات تستهدف البلاد»، بمشاركة واضحة من قيادة الجيش، أطلقت السلطات ما يمكن وصفها بـ«ذراع رقمية» تخدم هذا التوجه، تتألف من عدد كبير من «المؤثرين» و«صنّاع المحتوى»، وقد حدد لهم وزيرا الإعلام والشباب خريطة طريق تتضمن أهدافاً تتعلق بـ«التصدي لحملات التشويه».

في افتتاحية شديدة الحدة، أشارت مجلة «الجيش»، لسان حال وزارة الدفاع الجزائرية، في عددها لشهر أكتوبر (تشرين الأول)، إلى «الظرف الدولي والإقليمي المتسم بالاضطرابات والتوترات»، مؤكدة أنه «رغم المؤامرات والدسائس التي تُحاك ضد بلادنا، ورغم كل المحاولات اليائسة والفاشلة التي يقودها أعداؤها، المنزعجون من كون الجزائر تسير على الطريق الصحيح، والخونة الذين باعوا وطنهم وضميرهم بثمن بخس، ستظل الجزائر شامخة وعصية، بفضل وعي شعبها الأبي، وتلاحمه مع الجيش الوطني الشعبي، الوريث الشرعي لجيش التحرير الوطني... تلك هي الوحدة التي قدمت دروساً قاسية، وكبّدت الأعداء الهزيمة تلو الأخرى».

افتتاحية العدد الأخير من مجلة «الجيش»

جهتان معنيتان بهجوم «الجيش»

لم تُحدّد المجلة العسكرية من تقصد بالضبط، لكن الخطاب يوحي بأنه موجّه إلى جهتين أساسيتين. الأولى هي حكومات دول الساحل الأفريقي، ودول مجاورة على خلاف مع الجزائر، إضافة إلى فرنسا ولكن بدرجة أقل. وشهدت العلاقات بين الجزائر وجارتها مالي توتراً كبيراً في الفترة الأخيرة، بلغ حد التلويح بمواجهة عسكرية، لا سيما منذ حادثة إسقاط الطائرة المسيّرة المالية من قِبل سلاح الجو الجزائري، مطلع أبريل (نيسان) 2025. ووصفت باماكو إسقاط الطائرة بـ«إعلان حرب ضدها»، فيما أكدت الجزائر أن المسيّرة «كانت في منحى هجومي» عندما دخلت أجواءها، ما دفع قواتها الجوية إلى تحطيمها.

أما الجهة الثانية التي يُحتمل أن المجلة تقصدها، فهي فئة من المعارضين الجزائريين اللاجئين في أوروبا، ممن دأبوا على توجيه حملات ضد رموز السلطة عبر فيديوهات باتت مصدر إزعاج كبير للحكومة الجزائرية، ويستهدف جزء منهم الجيش وقياداته بشكل مباشر.

والمعروف أن النيجر وبوركينا فاسو أعلنتا تضامنهما مع مالي عقب «حادثة الطائرة» التي أدت إلى قطيعة تامة مع الجزائر. كما أن العلاقات مع المغرب مقطوعة منذ 2021 والحدود مغلقة منذ 31 سنة، على خلفية خصومتهما حول قضية الصحراء. والعلاقات مجمدة مع فرنسا منذ أكثر من عام بسبب انحياز باريس للرباط في نزاع الصحراء. وفي ليبيا تشهد العلاقة مع المشير خليفة حفتر، الذي يحكم سيطرته على معظم مناطق شرق البلاد وبعض أنحاء الجنوب، توتراً منذ سقوط نظام معمر القذافي.

من اجتماع شبكة صنّاع المحتوى (مجلس الشباب)

وجاء في افتتاحية المجلة العسكرية الجزائرية، أن الجيش «على أتم الاستعداد لأن يكون حصناً منيعاً في وجه كل من تسوّل له نفسه المساس بأمن واستقرار وطننا وطمأنينة شعبنا». ولفتت إلى «النتائج الباهرة التي حققها (الجيش) في مجال تأمين حدودنا الوطنية ومكافحة الجريمة المنظمة، خاصة الإرهاب». ونقلت عن رئيس البلاد عبد المجيد تبون، بوصفه وزير الدفاع، قوله في خطاب سابق إن «جيشنا أصبح مرهوب الجانب لأنه تكيّف مع الظروف والعقيدة الدفاعية، ومع الحروب الهجينة، والحروب السيبرانية والذكاء الاصطناعي».

كما نقلت المجلة تصريحاً سابقاً لرئيس أركان الجيش الفريق أول سعيد شنقريحة، تضمن التأكيد أن «التجارب في التاريخ أثبتت أن الأمم التي تعتمد على قواها وإمكانياتها الذاتية، هي الأكثر قدرة على مواجهة التهديدات الخارجية».

«ناشطون رقميون» لدعم خطة السلطة

وفي إطار سردية «التصدي لمؤامرات الخارج»، أطلق وزيرا الشباب والإعلام، مصطفى حيداوي وزهير بوعمامة، الأحد، في العاصمة، «شبكة جزائرية لصانعي المحتوى»، خلال اجتماع بمشاركة 300 مختص في المجال الرقمي يُعرفون بـ«المؤثرين»، وهم ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي يقدمون فيديوهات تغطي مجالات متعددة. كما حضر الاجتماع ممثل عن وزارة الدفاع.

وزير الشباب الجزائري خلال الاجتماع بصنّاع المحتوى (مجلس الشباب)

وفي كلمة له بالمناسبة، أكد حيداوي أن تأسيس هذه الشبكة «يمثّل خطوة عملية لترجمة أهداف معسكر صنّاع المحتوى»، مشدداً على «ضرورة مرافقة المؤثرين والتكفل بانشغالاتهم». كما دعا إلى «تشكيل جبهة شبابية وطنية تسهم في الدفاع عن الهوية الوطنية، في ظل التحديات الرقمية المتسارعة». وقال إن «الجزائر الجديدة» (شعار أطلقه الرئيس تبون في بداية حكمه) «ليست مجرد شعار، بل مسار يتطلب الوعي واليقظة وتوحيد الجهود».

من جهته، وصف بوعمامة صانعي المحتوى بأنهم «خط الدفاع الأول في معركة الوعي، وهي معركة ذات بعد أمني واستراتيجي تمس المصالح الحيوية للجزائر». وأكد أن «صناعة المحتوى أصبحت اليوم تحدياً حقيقياً يجب خوضه بوعي ومسؤولية، من خلال إنتاج محتوى جزائري يخاطب المجتمع برؤية صادقة ومن منظور وطني أصيل».

وحول هذا المشروع، انتقد الباحث الجزائري المقيم بكندا أحمد ماحيجيبة، بحسابه بالإعلام الاجتماعي، محاولات تحويل «الفضاء الرقمي... إلى غرفة صدى مطيعة لا يتردد فيها سوى خطاب النظام وشعاراته الرسمية». ورأى الباحث، المعروف بحدة نقده لسياسات الحكومة الجزائرية، أن «الهدف ليس تقدير المحتوى، بل ترويض المؤثرين».

(صانعو المحتوى) هم خط الدفاع الأول في معركة الوعي، وهي معركة ذات بعد أمني واستراتيجي تمس المصالح الحيوية للجزائر

وزير الإعلام الجزائري، زهير بوعمامة


مقالات ذات صلة

قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

شمال افريقيا من جلسة التصويت يوم الأحد على طلب رئيس الجمهورية الموافقة على إرسال قوة عسكرية إلى النيجر (البرلمان الجزائري)

قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

بينما أيّدت الأحزاب الداعمة للسلطة في الجزائر قرارَ البرلمان الموافقة على إيفاد وحدة عسكرية إلى النيجر، أظهرت أحزاب معارضة تحفظاً شديداً عن هذه الخطوة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع كبار المسؤولين خلال ذكرى الاستقلال (الرئاسة)

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة «أعداء وخصوم» الجزائر الذين ينكرون ما تحقق من مشاريع خدمية مهمة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)

الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

خصصت الجزائر 25.4 مليار دولار لميزانيتها العسكرية في عام 2025، بزيادة بلغت 11 في المائة مقارنة بعام 2024، لتظل البلاد، وبفارق شاسع جداً، المستثمر العسكري الأول…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)

الجزائر: مقتل عسكريين على يد «بقايا الإرهاب» ينعش ذاكرة «العشرية السوداء»

العملية تذكّر بأن التهديد لم يختفِ تماماً، حسب مراقبين. فهو لا يزال موجوداً في شكل خلايا متفرقة تحاول البقاء في بعض المناطق الحدودية أو الجبلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقّعت النيجر بروتوكول اتفاق مع «القيادة العامة» التابعة للواء خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا، لتعزيز التعاون بينهما وفق ما أعلن رئيس وزراء النيجر خلال زيارة له إلى بنغازي الأحد.

وتعاني ليبيا انعدام الاستقرار منذ إطاحة معمر القذافي عام 2011، وهي منقسمة بين حكومة معترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس وإدارة منافسة في الشرق يدعمها القائد العسكري خليفة حفتر. وتمثّل هذه الزيارة تقاربا مع بنغازي رغم أن النيجر تقيم علاقات مع السلطتين في ليبيا.

وأعلن رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين عبر صفحته على فيسبوك أنه استُقبل الأحد من جانب صدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي ونجل خليفة حفتر. وقال على صفحته في فيسبوك «في إطار تعزيز علاقاتنا الثنائية وتوسيع تعاوننا في مختلف المجالات، قمنا بتوقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين ليبيا وجمهورية النيجر».

وفي أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، أُطلق سراح سويسرية ونمسوية كانتا قد خطفتا في شمال النيجر واحتُجزتا رهينتين في منطقة الساحل لأكثر من عام ونصف عام لدى جهاديين من تنظيم داعش، بعد تدخل من بنغازي.

كذلك، تربط النيجر علاقات بطرابلس. وفي منتصف يونيو (حزيران)، استقبل عبد الحميد الدبيبة الأمين زين وبحثا في «القضايا الأمنية والاقتصادية والإقليمية»، وفقا لوسائل الإعلام الرسمية في النيجر.

وعلى طول الحدود بين ليبيا والنيجر، تنشط جماعات متمردة مناهضة للعسكريين الذين وصلوا إلى السلطة في نيامي عبر انقلاب عام 2023، وتعلن هذه الجماعات دعمها للرئيس المخلوع محمد بازوم الذي لا يزال محتجزا لدى المجلس العسكري.

وشنّت هذه الجماعات هجمات ضد الجيش النيجري وخط أنابيب ضخم ينقل النفط الخام النيجري إلى أحد موانئ بنين.


غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
TT

غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأحد انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما بعد عدم اتفاق مجلس الأمن على تمديد مهمتها.

ورحب المغرب، الذي يقول إن الصحراء المغربية جزء من أراضيه، بهذا القرار في حين عبر خصومه في جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر عن قلقهم.

وتسعى جبهة البوليساريو إلى إقامة دولة مستقلة في الصحراء المغربية منذ انسحاب إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، في 1976. وتنتشر بعثة حفظ السلام في المنطقة منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 1991.

وقال غوتيريش في بيان إنه بحلول الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) تبدأ «مرحلة تصفية» البعثة بإعادة الأصول إلى الدول التي أسهمت بقوات. وتأتي نهاية عمل البعثة بعد عام من تبني مجلس الأمن الدولي قرارا صاغته الولايات المتحدة وافق فيه على خطة الرباط بمنح الإقليم حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية باعتباره الحل «الأكثر قابلية للتطبيق» لهذا الصراع.

واستخدمت روسيا، التي امتنعت عن التصويت في العام الماضي، حق النقض (الفيتو) هذا العام ضد قرار آخر مدعوم من الولايات المتحدة كان من شأنه ترسيخ تفضيل الأمم المتحدة للخطة المغربية مع تقليص قوة حفظ السلام. ثم رفض مجلس الأمن قرارا روسيا منافسا ليترك ولاية البعثة تنتهي دون تجديد.

وإلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار، كُلفت البعثة بتنظيم استفتاء لم يُجرَ قط بسبب الخلافات حول أهلية الناخبين.

وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لوسائل الإعلام الحكومية إن إشارة البعثة إلى الاستفتاء في اسمها «قواعد موروثة من حقبة أخرى». وأضاف أن الرباط كانت على علم بأن روسيا ستعترض على القرار الذي صاغته الولايات المتحدة، لكنها رأت في ذلك «فرصة باش (لأجل أن) نشوفو (نراجع) بعض قواعد اللعبة».

وذكر الديوان الملكي المغربي أن عدم تجديد ولاية البعثة «تطور هام وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة».

وعبرت وزارة الخارجية الجزائرية أمس السبت عن «بالغ أسفها» لعدم التجديد، وأنحت باللائمة على «الانحياز المفرط» للولايات المتحدة تجاه موقف المغرب. وعبرت جبهة البوليساريو في بيان عن «قلقها إزاء حالة الانسداد الذي ساد جلسة مجلس الأمن».


استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
TT

استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)

أعاد استطلاع للرأي أجراه مركز «بصيرة للاستشارات وبحوث الرأي العام» في مصر، بشأن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة، الجدل حول قبول المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بعدما أظهرت إحدى نتائجه موافقة نحو 50 في المائة من أفراد العينة على «استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة»، لحين إعادة إعمار القطاع.

وأثارت عملية نشر النتائج تحفظات وردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، في حين رأى مراقبون أنها «لا تشكل مؤشراً عملياً يمكن الاستناد إليه، ولا تعبّر عن حقيقة التوجهات المصرية في التعامل مع الملف»، وأشاروا إلى أن مصر، رسمياً وشعبياً، أعلنت مراراً «رفض أي سياسة من شأنها دفع الفلسطينيين إلى الهجرة خارج أراضيهم».

ووفقاً لنتائج استطلاع «بصيرة»، الذي أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأُعلنت تفاصيله في بيان، الأحد، فإن «نحو 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بينما وافق 13 في المائة فقط، ولم يتمكن 14 في المائة من تحديد موقفهم».

وفي حين وافق 90 في المائة من أفراد العينة على «استقبال الفلسطينيين لعلاجهم في مصر» بوجه عام، أيد 50 في المائة استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة إعمار غزة، بينما رفض 38 في المائة ذلك، ولم يتمكن 12 في المائة من تحديد موقفهم. وأشارت النتائج إلى أن «57 في المائة من الموافقين على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة حاصلون على تعليم أقل من المتوسط».

يواصل «الهلال الأحمر المصري» وجوده على معبر رفح منذ اندلاع الأزمة (الهلال الأحمر)

وأُجري الاستطلاع خلال المدة من 4 إلى 6 أكتوبر الماضي، من خلال مقابلات هاتفية مع عينة من الجمهور بلغ حجمها 906 مواطنين، من الفئة العمرية 18 عاماً فأكثر، وشملت جميع المحافظات المصرية، وفقاً للمركز.

وأثارت هذه النتائج جدلاً في مصر؛ إذ تداول مدونون الأرقام بوصفها لا تعبر عن موقف المصريين، بينما تساءل كبير الباحثين بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، محمد مرعي، عن «الهدف من إجراء مثل هذا الاستطلاع في هذا التوقيت، وما إذا كان ذلك بمبادرة من المركز أم في إطار اتفاقيات تعاون مع جهة خارجية».

وقال مرعي، في تدوينة على منصة «إكس»، إن «النتائج لا يمكن التسليم بها»، وإنها «لا تعكس أي حقائق، ولا موقف المصريين الصلب الرافض لمخطط التهجير».

وفي مواجهة موجة الانتقادات، أصدر المركز بياناً توضيحياً، الأحد، أشار فيه إلى أن هذه هي «المرة الثالثة التي يتم فيها إجراء مثل هذا الاستطلاع»، موضحاً أنه أُجري بمناسبة مرور 3 أعوام على اندلاع الحرب في قطاع غزة. وأضاف أن الاستطلاع نُفذ للمرة الأولى في أكتوبر 2023، ثم في مارس (آذار) 2025، وأخيراً في أكتوبر الماضي، بتمويل ذاتي من المركز، الذي «لم يحصل على أي تمويل مباشر أو غير مباشر في الدورات الثلاث».

وقالت نائبة المدير التنفيذي لمركز «بصيرة»، حنان جرجس، إن تكرار استطلاع آراء المصريين يعود إلى «التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين بشأن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء». وأضافت أن «الغاية هي توضيح مواقف الرأي العام من خلال عينة عشوائية يتم اختيارها وفقاً لمنهجية بحثية، بشأن هذه القضية».

وأوضحت جرجس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجدل المثار بشأن موافقة 50 في المائة من أفراد العينة على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة الإعمار، لا يعني أن هذه النسبة توافق على التهجير، وإنما تؤيد استضافة الفلسطينيين، مثل غيرهم من الجنسيات الأخرى التي تقيم في مصر، وقدمت إليها من مناطق تشهد نزاعات وحروباً». وأشارت إلى أن «هذه النسبة لم تختلف كثيراً بين استطلاعات الرأي الثلاثة».

وأظهرت نتائج الدورة الثالثة من الاستطلاع أن 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين، مقابل 79 في المائة عام 2025، و78 في المائة عام 2023، وفق بيانات مركز «بصيرة».

نتائج الاستطلاع تظهر أن 73 % من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين (بصيرة)

في المقابل، رفض أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، النتائج التي خلص إليها الاستطلاع، وقال إنه «لا يمكن الأخذ بهذه النتائج بوصفها مؤشرات للرأي العام المصري، ولا الاستناد إليها في قياس حقيقة المواقف الشعبية من قضية التهجير». وأضاف أن «النتائج تستند إلى استطلاعات هاتفية لعينة محدودة، ومن الصعب التسليم بمصداقية آرائها ومواقفها».

ويعتقد فهمي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ملف التهجير محسوم سياسياً وشعبياً في مصر»، وأن «المواقف المصرية واضحة وصلبة في هذا الملف، وتدعم حقوق الفلسطينيين في أرضهم، وهناك مواقف عديدة تؤكد أن هذا الملف خط أحمر بالنسبة لمصر».

وأشار إلى أن «دعم القاهرة للفلسطينيين سياسياً وإنسانياً لا يزال حاضراً ولم يتوقف، ويستهدف دعم بقائهم في قطاع غزة»، لافتاً إلى أن «الحكومة المصرية تعمل أيضاً مع الوسطاء، وبينهم الولايات المتحدة، على تنفيذ مراحل خطة السلام في غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار».

وتحذّر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023.

وتكررت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن هذا المخطط؛ إذ تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أكتوبر الماضي، عن أنه «يعمل شخصياً على تسهيل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة»، مضيفاً أن «هناك محادثات تُجرى مع دول مستعدة لاستقبالهم».

ولم يفصح نتنياهو عن الدول التي يجري اتصالات معها، وزعم أن «نحو 150 ألف فلسطيني غادروا قطاع غزة خلال سنوات الحرب عليها». وسبق ذلك إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن حكومته تمتلك «خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».