وثائق سرية تكشف حيرة غربية بعد فوز زروال برئاسة الجزائر

30 سنة على مغامرة كسرت حاجز «الخوف من الإرهاب»... تردد فرنسي وبريطاني رغم «نزاهة» الاقتراع

الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)
TT

وثائق سرية تكشف حيرة غربية بعد فوز زروال برئاسة الجزائر

الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليمين زوال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أ.ف.ب)

تمر اليوم ذكرى 30 سنة على فوز الرئيس اليمين زروال في انتخابات الرئاسة الجزائرية. شكّل الحدث تحولاً كبيراً في مسار الأزمة التي كانت تعيشها الجزائر منذ إلغاء المسار الانتخابي الذي فازت به جبهة الإنقاذ عام 1991. فحتى ذلك التاريخ، كان معارضو السلطات الجزائرية، المدعومة من الجيش، يعيبون عليها افتقارها إلى «الشرعية الشعبية». لكن زروال، بقراره اللجوء إلى صناديق الاقتراع، حرم المعارضة من هذه الورقة. كان قراره في الواقع مغامرة بكل معنى الكلمة. فالبلاد كانت غارقة في بحر من الدماء، والجماعات المسلحة التي كانت في أوج قوتها آنذاك، هددت صراحة أي ناخب يتوجه إلى صناديق الاقتراع. أما أحزاب المعارضة الأساسية (جبهة الإنقاذ وجبهة التحرير وجبهة القوى الاشتراكية) فكانت كلها تدعو إلى المقاطعة.

رغم ذلك كله، خاض زروال التحدي. وفي الحقيقة، لم يكن فوزه بالرئاسة مفاجئاً. فهو الرئيس الانتقالي، وقد جاء من وزارة الدفاع ويحظى بدعم المؤسسة العسكرية القوية. المفاجأة كانت، في الواقع، في طريقة فوزه. فقد احتشد الناخبون أمام مراكز الاقتراع، رغم التهديدات، للتصويت له ولمنافسيه، كاسرين بذلك حاجز «الخوف من الإرهاب».

أعاد زروال للسلطات الجزائرية «شرعيتها»، وكان ذلك في واقع الأمر بداية النهاية لـ«عصر الإرهاب». مرّ ذلك، كما هو معروف، بمراحل عدة. ففي العام التالي نظّم زروال انتخابات تشريعية طوت صفحة فوز «الإنقاذ» بانتخابات 1991. وترافق ذلك مع ميل كفة الصراع المسلح لمصلحة الجيش الذي ألحق هزيمة بالجماعات المسلحة، وأرغم غالبية عناصرها على إلقاء السلاح والاستفادة من قانون العفو الذي أعلنه عبد العزيز بوتفليقة، خليفة زروال في رئاسة البلاد عام 1999.

الأجيال الشابة من الجزائريين لا تذكر، على الأرجح، تلك الحقبة الدموية من التسعينات، ولا تعرف بأهمية فوز زروال في مثل هذا اليوم قبل 30 عاماً. «الشرق الأوسط» تسلّط اليوم الضوء على انتخاب رزوال بالرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1995، من خلال عرض وثائق حكومية بريطانية محفوظة في الأرشيف الوطني.

تكشف الوثائق التي رُفعت عنها السرية عن أن فوز زروال تسبب في حيرة للدول الغربية التي امتنع بعضها، كفرنسا، عن توجيه «تهنئة» للرئيس المنتخب، فيما رأت وزارة الخارجية البريطانية أن من غير المناسب أن توجه الملكة إليزابيث الثانية رسالة تهنئة له رغم أن رئيس الوزراء سيبعث له برسالة بهذا المعنى.

توضح وثيقة بريطانية (من السفير في الجزائر بيتر مارشال) مؤرخة في 17 نوفمبر 1995 أن زروال حقق فوزاً ساحقاً في الانتخابات الجزائرية: «حقق اليمين زروال، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع كمرشح النظام، انتصاراً حاسماً في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي جرت في 16 نوفمبر، حيث حصد 61.34 في المائة من الأصوات».

تضيف الوثيقة: «تحدّت الانتخابات، التي جرت على خلفية ثلاث سنوات من الإرهاب والقمع، التهديدات السابقة بالتعطيل من قبل الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة والجماعات الإسلامية المسلحة. وصلت نسبة الإقبال إلى 75 في المائة بشكل غير متوقع من أصل ستة عشر مليون ناخب مسجل في البلاد، وهو إنجاز كان النظام يجرؤ فقط على الأمل في أن يصل إلى 60 في المائة».

وتتابع: «يشير المراقبون إلى أن النتيجة تمثل تفويضاً قوياً ضد العنف بدلاً من أن تكون تأييداً لمرشح معين. وقد قدمت المشاركة المرتفعة بشكل ملحوظ، وخاصة من قبل النساء والشباب، رسالة واضحة للنظام مفادها أن (الأغلبية الصامتة الكبيرة تريد العيش بسلام في دولة علمانية)».

وترى الوثيقة أن الانتخابات أظهرت رفضاً للمرشح الإسلامي المنافس لزروال و«فشل المقاطعة». توضح الوثيقة في هذا الإطار: «أبرز منافسي زروال، الشيخ الإسلامي المعتدل (محفوظ) نحناح، حصل على 25.38 في المائة من الأصوات، وهو ما يمثل أقل من 20 في المائة من إجمالي الناخبين، مما يعني ضمناً رفضاً حازماً للحكم الإسلامي من قبل غالبية الناخبين.

في الوقت نفسه، أوعزت أحزاب المعارضة الرئيسية، بمن في ذلك (جبهة التحرير الوطني) و(جبهة القوى الاشتراكية)، إلى جانب (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) المحظورة، لمؤيديها بمقاطعة العملية. ووفقاً للتحليل، فإن هؤلاء المعارضين (أخطأوا في تقدير مزاج الناخبين)، وربما تكون تكتيكاتهم المعرقلة قد خدمت مصالح النظام. تُعدّ الشرعية التي منحتها الانتخابات (أكثر صلابة مما كان يمكن توقعه). ومنذ التصويت، أصدر الحزبان الرئيسيان المقاطعان، (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) و(جبهة التحرير الوطني)، بالفعل تصريحات تصالحية».

وبحسب الوثيقة، «كان نجاح الانتخابات مرهوناً بمستويات أمنية غير مسبوقة. كان الوجود العسكري والشرطي واسع النطاق، وهو ما أتى ثماره فيما وُصف بأنه أحد أكثر الأيام سلمية التي شهدتها البلاد منذ الانتخابات الأخيرة. وعلى الرغم من أن البعض يزعم أن الانتخابات زُورت، تشير الأدلة إلى أن العملية (أُجريت بنزاهة وشفافية)، وأن الأرقام كانت (دقيقة إلى حد معقول)، وبالتالي كانت النتيجة صحيحة من الناحية الفنية. ومع ذلك، على الرغم من حالة النشوة في الجزائر العاصمة، يحذر المحللون من أن الجزائر لا تزال لديها نفس الرئيس المدعوم من نفس القوات العسكرية التي وضعته في منصبه في المقام الأول. لقد حقق النظام هدفه المتمثل في اكتساب درجة من الشرعية الديمقراطية، مما سيمكن الجنرالات من (الابتعاد عن الأضواء). ومع ذلك، هناك شكوك في أن زروال سيتمتع بأي حرية حركة أكبر مما كان يتمتع به من قبل، حيث ستستمر كلمة (زروال) كشكل مختصر لـ(النظام). يكمن الخطر الآن في أن النظام سيفسر النتيجة على أنها (دعم لسياسته السابقة وأقل كطلب للتغيير)».

نسخة من وثيقة بريطانية عن نتائج الانتخابات الجزائرية عام 1995 (الشرق الأوسط)

وتحت عنوان «التطلعات المستقبلية: حوار وتطرف مستمر»، جاء في الوثيقة: «من المتوقع أن يفي زروال بالتزامه الانتخابي بمواصلة سياسة ثنائية المسار تركز على الحوار والقضاء على الإرهاب، مع ميل طفيف نحو المسار الأخير. وقد يوفر وعده بإجراء انتخابات تشريعية، العام المقبل، حافزاً كافياً لمجموعات المعارضة المقاطعة لرفع موقفها. ولكن في أعقاب انتصاره، تبدو عملية إعادة تأهيل (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) (أكثر بعداً). تظل المخاوف قائمة بشأن الاستقرار على المدى الطويل، حيث إن (المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الهائلة) التي أدت في البداية إلى نشوء التطرف الأصولي لا تزال (عصية على الحل كالعادة). ومن (الصعب أن نرى) أن الجماعات المسلحة ستتخلى الآن ببساطة عن نضالها على الرغم من رفض الناخبين الواضح لها».

وتحت عنوان «رد الفعل الدولي: راضٍ ولكنه حذر»، تشير الوثيقة إلى أن الشركاء الدوليين تفاعلوا مع الانتخابات «بتفاؤل حذر»:

أعرب الاتحاد الأوروبي عن (ارتياحه) لتنظيم الانتخابات وإجرائها دون عنف، وعن المستوى العالي للمشاركة. ويهدف الاتحاد الأوروبي إلى (مواصلة سياسته للتعاون ودعم برامج الإصلاح الاقتصادي)، مع الأخذ في الاعتبار العلاقة بين حل المشاكل السياسية وقابلية تلك الإصلاحات للاستمرار. وكرر الاتحاد الأوروبي مناشدته جميع الأحزاب السياسية التي تنبذ العنف لتكثيف حوارها السياسي.

قدمت فرنسا رد فعل رسمياً (هادئاً إلى حد ما). وفي حين أن الرئيس (جاك) شيراك سيرسل رسالة إلى زروال، فسيتم تعمّد عدم ظهور كلمة (تهنئة). وعلى الصعيد الخاص، فإن الحكومة الفرنسية (راضية عن النتيجة)، معتقدة أن الإقبال المرتفع أضعف بشدة جماعات مثل «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» و«جبهة القوى الاشتراكية». وستبحث فرنسا عن (أدلة مبكرة) على استعداد زروال للمضي قدماً في الانتخابات التشريعية.

أرسل قادة أوروبيون آخرون رسائل، بمن فيهم رؤساء فرنسا وألمانيا وروسيا واليونان وملك إسبانيا. ويعتزم رئيس الوزراء البريطاني إرسال رسالة تهنئة، والتي ستتضمن تذكيراً برغبة المملكة المتحدة في بدء حوار سياسي، وإشارة إلى المصالح التجارية البريطانية «تتقدم شركة (بي بي) بعطاء للحصول على عقد بمليارات الدولارات في الجزائر». ومع ذلك، لا تزال رسالة من الملكة تُعدّ غير مناسبة بالنظر إلى «سجل النظام العسكري الحافل بالوحشية».


مقالات ذات صلة

قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

شمال افريقيا من جلسة التصويت يوم الأحد على طلب رئيس الجمهورية الموافقة على إرسال قوة عسكرية إلى النيجر (البرلمان الجزائري)

قرار نشر قوات خارج الحدود يفجّر جدلاً في الجزائر

بينما أيّدت الأحزاب الداعمة للسلطة في الجزائر قرارَ البرلمان الموافقة على إيفاد وحدة عسكرية إلى النيجر، أظهرت أحزاب معارضة تحفظاً شديداً عن هذه الخطوة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مع كبار المسؤولين خلال ذكرى الاستقلال (الرئاسة)

تبون وشنقريحة يهاجمان «أعداء الجزائر» ويستعرضان مكاسب التنمية والردع

هاجم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون ورئيس أركان الجيش الفريق أول السعيد شنقريحة «أعداء وخصوم» الجزائر الذين ينكرون ما تحقق من مشاريع خدمية مهمة

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من عرض عسكري للجيش (وزارة الدفاع)

الجزائر تكرّس أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا وسط تصاعد التحديات الأمنية

خصصت الجزائر 25.4 مليار دولار لميزانيتها العسكرية في عام 2025، بزيادة بلغت 11 في المائة مقارنة بعام 2024، لتظل البلاد، وبفارق شاسع جداً، المستثمر العسكري الأول…

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الفريق أول سعيد شنقريحة (وزارة الدفاع)

قائد الجيش الجزائري: النصر في المعركة الحديثة يرتبط بمنظومة سلاسل الإسناد

أفرزت الحروب الحديثة والثورات الجديدة في الشؤون العسكرية سياقات عمل معقدة ومتغيرة تتطلب بناء استراتيجية مبتكرة بمجال الإسناد اللوجيستي

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قائد الجيش مع الوحدة العسكرية التي نفذت الكمين ضد المتشددين (وزارة الدفاع)

الجزائر: مقتل عسكريين على يد «بقايا الإرهاب» ينعش ذاكرة «العشرية السوداء»

العملية تذكّر بأن التهديد لم يختفِ تماماً، حسب مراقبين. فهو لا يزال موجوداً في شكل خلايا متفرقة تحاول البقاء في بعض المناطق الحدودية أو الجبلية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

النيجر توقع بروتوكول اتفاق في ليبيا مع معسكر حفتر

رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين خلال مؤتمر صحافي في نيامي (أرشيفية - أ.ف.ب)

وقّعت النيجر بروتوكول اتفاق مع «القيادة العامة» التابعة للواء خليفة حفتر الذي يسيطر على شرق ليبيا، لتعزيز التعاون بينهما وفق ما أعلن رئيس وزراء النيجر خلال زيارة له إلى بنغازي الأحد.

وتعاني ليبيا انعدام الاستقرار منذ إطاحة معمر القذافي عام 2011، وهي منقسمة بين حكومة معترف بها من الأمم المتحدة في طرابلس وإدارة منافسة في الشرق يدعمها القائد العسكري خليفة حفتر. وتمثّل هذه الزيارة تقاربا مع بنغازي رغم أن النيجر تقيم علاقات مع السلطتين في ليبيا.

وأعلن رئيس وزراء النيجر علي الأمين زين عبر صفحته على فيسبوك أنه استُقبل الأحد من جانب صدام حفتر، نائب قائد الجيش الوطني الليبي ونجل خليفة حفتر. وقال على صفحته في فيسبوك «في إطار تعزيز علاقاتنا الثنائية وتوسيع تعاوننا في مختلف المجالات، قمنا بتوقيع بروتوكول اتفاق للتعاون الاستراتيجي بين ليبيا وجمهورية النيجر».

وفي أواخر أكتوبر (تشرين الأول)، أُطلق سراح سويسرية ونمسوية كانتا قد خطفتا في شمال النيجر واحتُجزتا رهينتين في منطقة الساحل لأكثر من عام ونصف عام لدى جهاديين من تنظيم داعش، بعد تدخل من بنغازي.

كذلك، تربط النيجر علاقات بطرابلس. وفي منتصف يونيو (حزيران)، استقبل عبد الحميد الدبيبة الأمين زين وبحثا في «القضايا الأمنية والاقتصادية والإقليمية»، وفقا لوسائل الإعلام الرسمية في النيجر.

وعلى طول الحدود بين ليبيا والنيجر، تنشط جماعات متمردة مناهضة للعسكريين الذين وصلوا إلى السلطة في نيامي عبر انقلاب عام 2023، وتعلن هذه الجماعات دعمها للرئيس المخلوع محمد بازوم الذي لا يزال محتجزا لدى المجلس العسكري.

وشنّت هذه الجماعات هجمات ضد الجيش النيجري وخط أنابيب ضخم ينقل النفط الخام النيجري إلى أحد موانئ بنين.


غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
TT

غوتيريش يعلن انتهاء ولاية بعثة الصحراء المغربية بعد 35 عاما

انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)
انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما (أرشيفية)

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش اليوم الأحد انتهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء المغربية (مينورسو) التي استمرت 35 عاما بعد عدم اتفاق مجلس الأمن على تمديد مهمتها.

ورحب المغرب، الذي يقول إن الصحراء المغربية جزء من أراضيه، بهذا القرار في حين عبر خصومه في جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر عن قلقهم.

وتسعى جبهة البوليساريو إلى إقامة دولة مستقلة في الصحراء المغربية منذ انسحاب إسبانيا، القوة الاستعمارية السابقة، في 1976. وتنتشر بعثة حفظ السلام في المنطقة منذ وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الأمم المتحدة عام 1991.

وقال غوتيريش في بيان إنه بحلول الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) تبدأ «مرحلة تصفية» البعثة بإعادة الأصول إلى الدول التي أسهمت بقوات. وتأتي نهاية عمل البعثة بعد عام من تبني مجلس الأمن الدولي قرارا صاغته الولايات المتحدة وافق فيه على خطة الرباط بمنح الإقليم حكما ذاتيا تحت السيادة المغربية باعتباره الحل «الأكثر قابلية للتطبيق» لهذا الصراع.

واستخدمت روسيا، التي امتنعت عن التصويت في العام الماضي، حق النقض (الفيتو) هذا العام ضد قرار آخر مدعوم من الولايات المتحدة كان من شأنه ترسيخ تفضيل الأمم المتحدة للخطة المغربية مع تقليص قوة حفظ السلام. ثم رفض مجلس الأمن قرارا روسيا منافسا ليترك ولاية البعثة تنتهي دون تجديد.

وإلى جانب مراقبة وقف إطلاق النار، كُلفت البعثة بتنظيم استفتاء لم يُجرَ قط بسبب الخلافات حول أهلية الناخبين.

وقال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة لوسائل الإعلام الحكومية إن إشارة البعثة إلى الاستفتاء في اسمها «قواعد موروثة من حقبة أخرى». وأضاف أن الرباط كانت على علم بأن روسيا ستعترض على القرار الذي صاغته الولايات المتحدة، لكنها رأت في ذلك «فرصة باش (لأجل أن) نشوفو (نراجع) بعض قواعد اللعبة».

وذكر الديوان الملكي المغربي أن عدم تجديد ولاية البعثة «تطور هام وخطوة ذات دلالة كبرى في اتجاه الطي النهائي لملف الصحراء المغربية المغربية داخل أروقة الأمم المتحدة».

وعبرت وزارة الخارجية الجزائرية أمس السبت عن «بالغ أسفها» لعدم التجديد، وأنحت باللائمة على «الانحياز المفرط» للولايات المتحدة تجاه موقف المغرب. وعبرت جبهة البوليساريو في بيان عن «قلقها إزاء حالة الانسداد الذي ساد جلسة مجلس الأمن».


استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
TT

استطلاع رأي في مصر يعيد جدل «التهجير»

«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)
«الهلال الأحمر المصري» يستقبل عند معبر رفح دفعة من الجرحى والمصابين الفلسطينيين (الهلال الأحمر)

أعاد استطلاع للرأي أجراه مركز «بصيرة للاستشارات وبحوث الرأي العام» في مصر، بشأن أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة، الجدل حول قبول المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بعدما أظهرت إحدى نتائجه موافقة نحو 50 في المائة من أفراد العينة على «استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة»، لحين إعادة إعمار القطاع.

وأثارت عملية نشر النتائج تحفظات وردود فعل غاضبة على منصات التواصل الاجتماعي، في حين رأى مراقبون أنها «لا تشكل مؤشراً عملياً يمكن الاستناد إليه، ولا تعبّر عن حقيقة التوجهات المصرية في التعامل مع الملف»، وأشاروا إلى أن مصر، رسمياً وشعبياً، أعلنت مراراً «رفض أي سياسة من شأنها دفع الفلسطينيين إلى الهجرة خارج أراضيهم».

ووفقاً لنتائج استطلاع «بصيرة»، الذي أُجري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وأُعلنت تفاصيله في بيان، الأحد، فإن «نحو 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، بينما وافق 13 في المائة فقط، ولم يتمكن 14 في المائة من تحديد موقفهم».

وفي حين وافق 90 في المائة من أفراد العينة على «استقبال الفلسطينيين لعلاجهم في مصر» بوجه عام، أيد 50 في المائة استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة إعمار غزة، بينما رفض 38 في المائة ذلك، ولم يتمكن 12 في المائة من تحديد موقفهم. وأشارت النتائج إلى أن «57 في المائة من الموافقين على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة حاصلون على تعليم أقل من المتوسط».

يواصل «الهلال الأحمر المصري» وجوده على معبر رفح منذ اندلاع الأزمة (الهلال الأحمر)

وأُجري الاستطلاع خلال المدة من 4 إلى 6 أكتوبر الماضي، من خلال مقابلات هاتفية مع عينة من الجمهور بلغ حجمها 906 مواطنين، من الفئة العمرية 18 عاماً فأكثر، وشملت جميع المحافظات المصرية، وفقاً للمركز.

وأثارت هذه النتائج جدلاً في مصر؛ إذ تداول مدونون الأرقام بوصفها لا تعبر عن موقف المصريين، بينما تساءل كبير الباحثين بالمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، محمد مرعي، عن «الهدف من إجراء مثل هذا الاستطلاع في هذا التوقيت، وما إذا كان ذلك بمبادرة من المركز أم في إطار اتفاقيات تعاون مع جهة خارجية».

وقال مرعي، في تدوينة على منصة «إكس»، إن «النتائج لا يمكن التسليم بها»، وإنها «لا تعكس أي حقائق، ولا موقف المصريين الصلب الرافض لمخطط التهجير».

وفي مواجهة موجة الانتقادات، أصدر المركز بياناً توضيحياً، الأحد، أشار فيه إلى أن هذه هي «المرة الثالثة التي يتم فيها إجراء مثل هذا الاستطلاع»، موضحاً أنه أُجري بمناسبة مرور 3 أعوام على اندلاع الحرب في قطاع غزة. وأضاف أن الاستطلاع نُفذ للمرة الأولى في أكتوبر 2023، ثم في مارس (آذار) 2025، وأخيراً في أكتوبر الماضي، بتمويل ذاتي من المركز، الذي «لم يحصل على أي تمويل مباشر أو غير مباشر في الدورات الثلاث».

وقالت نائبة المدير التنفيذي لمركز «بصيرة»، حنان جرجس، إن تكرار استطلاع آراء المصريين يعود إلى «التصريحات المتكررة لمسؤولين إسرائيليين بشأن تهجير الفلسطينيين إلى سيناء». وأضافت أن «الغاية هي توضيح مواقف الرأي العام من خلال عينة عشوائية يتم اختيارها وفقاً لمنهجية بحثية، بشأن هذه القضية».

وأوضحت جرجس، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجدل المثار بشأن موافقة 50 في المائة من أفراد العينة على استضافة فلسطينيين بصورة مؤقتة إلى حين إعادة الإعمار، لا يعني أن هذه النسبة توافق على التهجير، وإنما تؤيد استضافة الفلسطينيين، مثل غيرهم من الجنسيات الأخرى التي تقيم في مصر، وقدمت إليها من مناطق تشهد نزاعات وحروباً». وأشارت إلى أن «هذه النسبة لم تختلف كثيراً بين استطلاعات الرأي الثلاثة».

وأظهرت نتائج الدورة الثالثة من الاستطلاع أن 73 في المائة من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين، مقابل 79 في المائة عام 2025، و78 في المائة عام 2023، وفق بيانات مركز «بصيرة».

نتائج الاستطلاع تظهر أن 73 % من المصريين يرفضون تهجير الفلسطينيين (بصيرة)

في المقابل، رفض أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، طارق فهمي، النتائج التي خلص إليها الاستطلاع، وقال إنه «لا يمكن الأخذ بهذه النتائج بوصفها مؤشرات للرأي العام المصري، ولا الاستناد إليها في قياس حقيقة المواقف الشعبية من قضية التهجير». وأضاف أن «النتائج تستند إلى استطلاعات هاتفية لعينة محدودة، ومن الصعب التسليم بمصداقية آرائها ومواقفها».

ويعتقد فهمي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «ملف التهجير محسوم سياسياً وشعبياً في مصر»، وأن «المواقف المصرية واضحة وصلبة في هذا الملف، وتدعم حقوق الفلسطينيين في أرضهم، وهناك مواقف عديدة تؤكد أن هذا الملف خط أحمر بالنسبة لمصر».

وأشار إلى أن «دعم القاهرة للفلسطينيين سياسياً وإنسانياً لا يزال حاضراً ولم يتوقف، ويستهدف دعم بقائهم في قطاع غزة»، لافتاً إلى أن «الحكومة المصرية تعمل أيضاً مع الوسطاء، وبينهم الولايات المتحدة، على تنفيذ مراحل خطة السلام في غزة، بما في ذلك إعادة الإعمار».

وتحذّر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين منذ بداية الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023.

وتكررت تصريحات المسؤولين الإسرائيليين بشأن هذا المخطط؛ إذ تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في أكتوبر الماضي، عن أنه «يعمل شخصياً على تسهيل تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة»، مضيفاً أن «هناك محادثات تُجرى مع دول مستعدة لاستقبالهم».

ولم يفصح نتنياهو عن الدول التي يجري اتصالات معها، وزعم أن «نحو 150 ألف فلسطيني غادروا قطاع غزة خلال سنوات الحرب عليها». وسبق ذلك إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في سبتمبر (أيلول) الماضي، أن حكومته تمتلك «خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».