«حَلَق» أمينة خليل يُجدد الجدل بشأن «التفاوت الطبقي» في مصر

لميس الحديدي تعجَّبت من تحول كلامها للفنانة المصرية إلى «تريند»

الفنانة المصرية أمينة خليل (قناة النهار)
الفنانة المصرية أمينة خليل (قناة النهار)
TT

«حَلَق» أمينة خليل يُجدد الجدل بشأن «التفاوت الطبقي» في مصر

الفنانة المصرية أمينة خليل (قناة النهار)
الفنانة المصرية أمينة خليل (قناة النهار)

«ناس عايشة... وناس كويس إنها عايشة»؛ واحدة من الجمل التي ترددت على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي بمصر، في ظل حالة الجدل المجتمعي التي أثارتها تصريحات الفنانة المصرية أمينة خليل للإعلامية لميس الحديدي في برنامجها «الصورة» على قناة «النهار»، وذلك على هامش فعاليات «مهرجان الجونة».

وفي حين أعربت الحديدي عن إعجابها بـ«حَلَق» أمينة، ردّت الأخيرة بأنّه من العلامة التجارية الشهيرة «زارا» (ZARA)، قائلة: «ده زارا عادي». وأبدت لميس الحديدي اندهاشها من أن فنانة كبيرة تختار إكسسواراتها من «زارا»، لتؤكد أمينة أنها لا تنشغل بالماركات، وأن الأهم بالنسبة لها هو أن تكون ملابسها متناسقة معاً.

انتقل السؤال وجوابه سريعاً إلى منصات التواصل الاجتماعي في مصر، ليثيرا جدلاً ونقاشاً واسعين بين المستخدمين حول التفاوت الطبقي في المجتمع المصري، معتبرين أن كلمة «عادي» تحمل نظرة «تقليل» لعلامة تجارية تُصنَّف، في نظر كثيرين، بأن أسعارها لا تتناسب مع المستهلك المصري.

وتعد «زارا» (ZARA)، سلسلة من المحلات التجارية التي تنتمي إلى المجموعة الإسبانية «إندتكس»، وتمتلك ماركات مثل «ماسيمو دوتي»، و«بول آند بر»، و«أويشو»، و«أوتيرك» (Uterqüe)، و«ستراديفاريوس»، و«بيرشكا».

وجاء الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي في أكثر من صورة؛ إذ رأى بعضهم أن كلمات الفنانة المصرية تعكس فجوة متسعة بين الطبقات في البلاد. كما انشغل آخرون في تحليل الموقف، معتبرين أنه يُعبّر عن خلل اجتماعي، وأن «كل طبقة لديها همومها».

واهتم آخرون بإظهار الفوارق الطبقية بين عالمين مختلفين، حيث تداول قطاع آخر من الرواد سعر القرط من ماركة «زارا»، لافتين إلى أن سعره لا يتجاوز 1500 جنيه مصري (نحو 31 دولاراً)، وهو ما عدّه بعضهم «غالياً جداً»، في حين رأى آخرون أنه «رخيص بالنسبة لفنانة مشهورة». وقد حلل آخرون هذا الموقف بأن الطبقة الاجتماعية تؤثر على نظرتنا للأشياء، حتى لو كانت مجرد إكسسوار بسيط.

الدكتور سعيد صادق، أستاذ علم الاجتماع السياسي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن ردود الفعل التي تلت التصريح تكشف عن واقع اجتماعي مُنقسم. مبيناً أن مصر لم تعد مجتمعاً واحداً بل يمكن وصفها بـ«شعبين»، فهناك فجوات طبقية حادة تلخصها عبارة «نحن شعب وأنتم شعب»، مؤكداً أن هذا الانقسام والتفاوت الطبقي العالي جعل الطبقات العليا لا ترى الطبقات الدنيا، والعكس صحيح، وهو ما أدى إلى وجود مجتمعين مختلفين، يتمثلان في «مصر» و«إيجبت».

الإعلامية لميس الحديدي (حسابها الشخصي على فيسبوك)

ويشير صادق إلى أن الفجوة الطبقية العميقة تتجسّد في كل تفاصيل الحياة اليومية، بداية من نوعية الطعام والملابس، وصولاً إلى السكن والمصايف والتعليم. ويضيف أن هذا التناقض الاقتصادي خلق ثقافة مختلفة: ثقافة للأغنياء تترسخ في نوعية الملابس والسيارات، وثقافة أخرى للفقراء الذين لا يجدون ثمن الطعام أو المواصلات الأساسية.

ويرى أستاذ علم الاجتماع أن التعليقات الكثيرة والسخرية اللاذعة التي طالت الفنانة لم تكن مجرد نقد عابر، بل تعكس إحباطاً اجتماعياً متراكماً وغِيرة طبقية عميقة، مبيناً أن ردود الفعل تأتي كونها محاولة من الطبقة الدنيا لإحداث توازن اجتماعي بشكل رمزي عبر النقد أو السباب أو السخرية، لتعويض إحساسها بالنقص المادي.

ومع اعتلاء اسم المذيعة وضيفتها «التريند»، نال النقد الإعلامية لميس الحديدي، حيث عبّر بعضهم عن أن سؤالها ورد فعلها ينمّان عن انفصال متزايد بين الإعلام وواقع الناس.

هذا ما دفع الإعلامية للخروج مجدداً لتبدي تعجبها من تحول كلامها والفنانة المصرية إلى «تريند»، قائلة: «أنا وأمينة خليل و(زارا) عاملين تريند»، مشيرة إلى أن الأمر خرج عن سياقه الطبيعي، معدَّة أن الجدل الذي أُثير حوله يعكس مبالغة من رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

هنا، يشير الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي في جامعة القاهرة، إلى أن ردود الفعل العنيفة المصاحبة لواقعة المذيعة والفنانة تكشف عن مشكلة عميقة في الوعي الاجتماعي، هي «وهم المساواة»، موضحاً أن «جمهور وسائل التواصل الاجتماعي يتخيل أنه سواسية في القدرات والإمكانيات، متناسياً أننا خُلقنا درجات، وهناك فروق مادية واجتماعية ومهارية واسعة بين الأفراد، ويجب التسليم بهذا بدلاً من الشعور بالإحباط أو الحقد على الآخرين».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «كثيرين على منصات التواصل يُنصبّون أنفسهم أطباء نفسيين، حيث يأخذون الكلمات العفوية أو العادية (مثل «زارا عادي») ويحللونها تحليلاً مفرطاً، مما يؤدي إلى لوم الذات وإحباطهم لأنفسهم أكثر مما هم محبطون، ما جعل إجابة الفنانة تتحول إلى أزمة».

جانب من لقاء الإعلامية لميس الحديدي مع الفنانة أمينة خليل (قناة النهار)

ويرى «فرويز» أن جانباً من الأزمة يتمثل أيضاً في غياب الوعي لدى الجمهور في التعامل مع انفتاح وسائل الإعلام و«السوشيال ميديا»، «فالناس لم تتعوّد على الانفتاح الإعلامي، ولم يكتسبوا بعد الوعي والثقافة الكافيين لتمييز ما يجب تصديقه أو ما هو مجرد رأي عابر، أو مبالغة يستخدمها كثيرون للتباهي. وغياب هذا الوعي هو ما يخلق كل هذه المشكلات الاجتماعية».

وفي إطار النقد «السوشيالي»، لم تغب السخرية أيضاً في كثير من التعليقات، التي تناولت الفوارق الطبقية في مصر والتفاخر بـ«الماركات» عبر توظيف الفكاهة والتعليقات الطريفة.


مقالات ذات صلة

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

يوميات الشرق الملصق الترويجي لمسرحية «ذات والرداء الأحمر»... وزارة الثقافة المصرية

«الملتقى العربي للعرائس» يستعيد نشاطه بعد توقف 8 سنوات

استعاد الملتقى العربي «للعرائس والدمى والفنون المجاورة»، نشاطه مجدداً بعد توقف دام 8 سنوات، منذ دورته الرابعة التي أقيمت عام 2018.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق الوزيرة لورا لحود تعلن برنامج «مهرجان البستان الدولي» لدورة عام 2026 (الشرق الأوسط)

«العائلة والأصدقاء»... عنوان النسخة 32 من «البستان الدولي»

مؤتمر صحافي عُقد في «فندق البستان» في بلدة بيت مري الجبلية، أُعلن فيه عن النسخة الـ32 من «مهرجان البستان الدولي»، التي تتضمن 16 حفلاً فنياً.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)

تونس تكسر غياب السينما العربية عن المسابقة الرسمية في برلين

تكسر السينما التونسية الغياب العربي عن مهرجان «برلين السينمائي» في مسابقته الرسمية بالنسخة الـ76.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق لقطة من حفل توزيع جوائز الدورة الـ24 من المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

مصر: «القومي للسينما» يعود بدورة استثنائية في الربيع

أعلنت وزارة الثقافة المصرية المنظمة للمهرجان القومي للسينما عن اختيار المنتج السينمائي هشام سليمان رئيساً للدورة الـ25.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فوز «الهاربات» بجائزة أفضل عرض مسرحي (وزارة الثقافة المصرية)

«الهاربات» تتوَّج أفضل عرض في مهرجان المسرح العربي

خلال حفل الختام الذي أُقيم بالمسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، كُرِّمت جميع العروض المسرحية المُشاركة في المهرجان.

داليا ماهر (القاهرة )

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
TT

«لا فابريك - المصنع»... منصة للإبداع الفني في الرياض

تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)
تتيح منصة «لا فابريك - المصنع» للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية (واس)

أطلق برنامج «الرياض آرت» بالشراكة مع المعهد الفرنسي في السعودية، مساء الأربعاء، «لا فابريك - المصنع»، وهي مساحة جديدة مخصّصة للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وذلك في حي جاكس، ضمن إطار الشراكة الثقافية الممتدة بين البلدين، وتستمر حتى 14 فبراير (شباط) المقبل.

ويأتي إطلاق «لا فابريك - المصنع» بوصفها منصة إبداعية مفتوحة صُممت لتكون مختبراً حياً يتيح للفنانين تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية تجمع ممارسات فنية معاصرة متعددة، تشمل فنون الأداء، والفنون الرقمية والتفاعلية، والتصوير الفوتوغرافي، والموسيقى، والسينما، وأخرى تفاعلية.

يُمكِّن المختبر الفنانين من تطوير أفكارهم واختبارها والعمل عليها ضمن بيئة تشاركية (واس)

وتتيح المساحة للجمهور فرصة التفاعل المباشر مع العملية الإبداعية أثناء تشكّلها، والاطلاع على مسارات إنتاج الأعمال الفنية وتطوّرها عبر الزمن، بما يُعزّز حضور الفن في الفضاء العام، ويقرّبه من المجتمع.

من جهته، أكد باتريك ميزوناف، السفير الفرنسي لدى السعودية، أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي بين البلدين، مشيراً إلى أن جمع الفنانين في فضاء إبداعي مشترك يفتح المجال لتبادل الخبرات وتلاقي الأفكار، وصناعة تعبيرات فنية معاصرة تعكس عمق الشراكة الثقافية، وتؤكد دور الفن بوصفه جسراً للتواصل وبناء الفهم المتبادل بين المجتمعات.

أكد السفير الفرنسي أن «لا فابريك - المصنع» تجسّد مرحلة جديدة في مسار التعاون الثقافي (واس)

بدوره، أوضح عمر البريك، مدير أول إدارة الفن العام في البرنامج التابع لـ«الهيئة الملكية لمدينة الرياض»، أن إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزامهم بدعم الممارسات الفنية المعاصرة، وتوسيع نطاق الوصول إلى مسارات التطوير الإبداعي، مبيناً أنه يوفّر منصة تعزّز العمل التشاركي، وتسهم في دعم المنظومة الثقافية بالعاصمة السعودية ومشهدها الإبداعي المتنامي.

إطلاق «لا فابريك - المصنع» يمثل امتداداً لالتزام البرنامج بدعم الممارسات الفنية المعاصرة (واس)

وتعد «لا فابريك - المصنع» منصة طويلة المدى تجمع الفنانين والمؤسسات والاستوديوهات الإبداعية من السعودية وفرنسا، عبر مشاريع فنية مشتركة وحوارات إبداعية تشمل الفنون البصرية، والصورة المتحركة، والإبداع الرقمي، بما يسهم في دعم تحوّل مدينة الرياض إلى وجهة ثقافية دولية، ويتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030»، ويعزّز الروابط الثقافية بين البلدين.


«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
TT

«عند باب المسجد»... لوحة استشراقية تتوج مزاد «بونامز» المقبل

لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)
لوحة «فتاة تقرأ القرآن» باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني (بونامز)

في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين شهدت بلاد الشرق توافداً من الفنانين الغربيين الذي تجولوا في المشرق العربي حاملين معهم أدواتهم لتسجيل تفاصيل ذلك العالم الجديد والمختلف بالنسبة إليهم، أخذوا من تلك التفاصيل وملامح الحياة في المدن وفي الصحراء مواد غنية للوحاتهم التي سمحت للشخص في الغرب برؤية ذلك العالم الغامض بالنسبة إليه. غير أن كثيراً من تلك اللوحات لجأت إلى الخيال في تفاصيل كثيرة، خصوصًا فيما يتعلق بعالم النساء، أو الحريم، كما ظهر في لوحات الفنانين العالميين وقتها.

تنتمي أعمال الفنان التركي عثمان حمدي بك إلى اللون الاستشراقي ولكن كانت لديه ميزة عن غيره من الفنانين الاستشراقيين وهي أنه كان يرسم تفاصيل عالمه الشرقي ولكن بالأسلوب الغربي الذي درسه في فرنسا واستلهمه من أهم الفنانين الاستشراقيين في بدايات القرن العشرين. تميزت لوحات حمدي بك بالأسلوب الهادئ الذي لا يبحث عن الإثارة عبر الخيال ولكنه اعتمد على مشاهد من الحياة حوله. وحمَّل لوحاته بالكثير من التفاصيل الجمالية للقصور والمساجد وأيضاً النساء، ولكن بأسلوب أكثر رقياً وأقل إثارةً عن لوحات الاستشراقيين. وكان حمدي بك من أوائل الفنانين العثمانيين الذين ربطوا بين عالمي الفن في تركيا وفرنسا، وقد عكست أعماله، في جوانب عديدة، المواضيع الاستشراقية التي لاقت رواجاً كبيراً في أوروبا آنذاك.

لوحة «عند باب المسجد» للفنان عثمان حمدي بك (بونامز)

عُرضت لوحات حمدي بك في أهم المتاحف، وحققت أرقاماً عالية في المزادات العالمية مثل لوحة «فتاة تقرأ القرآن» التي باعتها دار «بونامز» في عام 2019 بمبلغ 6.6 مليون جنيه إسترليني، واليوم تطرح الدار لوحة أخرى لحمدي بك تقدِّر لها سعراً مبدئياً يتراوح ما بين 2 و3 ملايين جنيه، معتمدةً على جاذبية لوحات الفنان التركي الشهير لهواة الاقتناء.

اللوحة التي تعرضها الدار في 25 من مارس (آذار) المقبل ضمن مزادها للوحات القرن التاسع عشر والفن الانطباعي البريطاني، تحمل عنوان «عند باب المسجد»، وتصور مشهداً لباب أحد المساجد بمدينة بورصة بتركيا. تعرض اللوحة تفاصيل المشهد أمامنا بدقة وبألوان دافئة، مما يمنح اللوحة عموماً إحساساً بالهدوء يزيده وجود الحَمَام في أكثر من مكان في اللوحة؛ فهناك حمامات تلتقط بعض البذور من الأرض، وهناك عدد آخر منها يجلس على عارضة معدنية أعلى باب المسجد. ولكن المشهد أمامنا يبدو غنياً بالحياة والتفاعل بين الشخصيات أمامنا. في المشهد وعلى عتبات مدخل المسجد نرى عدداً من الأشخاص، كل منهم له شخصية مميزة؛ فهناك رجل يشمِّر عن ذراعيه استعداداً للوضوء، وخلفه شخص آخر يبيع بعض الكتب، وشخص إلى جانبه يجلس في تأمل... لا يغيب عن نظرنا شخصان إلى يسار اللوحة أحدهما يرتدي جلباباً أصفر اللون وعمامة جلس إلى جانبه متسول يمد يده وعلى وجهه تعبيرات التوسل. إضاءة لطيفة: يبدو أن الفنان قد رسم نفسه في ثلاث شخصيات هنا؛ فهو الرجل ذو الجلباب الأصفر، والرجل في يمين اللوحة الذي يتهيأ للوضوء، وهو أيضاً المتسول.

النساء في اللوحة أيضاً ظاهرات؛ نرى سيدة ترتدي رداءً ورديَّ اللون وهي تحمل مظلة بيضاء، لا نرى وجهها ولكنها فيما يبدو تنظر إلى كلب وقف يستجدي بعض الطعام من شخص جالس. تتلون أزياء النساء بألوان رائقة ومريحة للعين، فنرى سيدة ترتدي زياً باللون السماويّ، وأخرى باللون البرتقاليّ، وسيدة ترتدي زياً أبيض اللون بينما تحمل مظلة حريرية باللون الأخضر الفاتح. ما يميز المشهد هنا هو الحركة، تقع العين على سيدة تنظر إلى أخرى وهي مبتسمة كأنها تستكمل حديثاً بدأته منذ قليل، تقابلها سيدتان واقفتان أعلى الدرج؛ إحداهما تنظر أمامها بينما الأخرى تنظر إلى طفلة وطفل جالسين على الدَّرَج وعلى وجهها ابتسامة. تبدو الفتاة الصغيرة كأنها تنظر إلى المشاهد وتضع يداها على خصرها فيما يضحك الطفل إلى جانبها. التفاصيل كثيرة جداً هنا، ويتميز فيها أيضاً الاهتمام بتفاصيل البناء والزخارف على أعلى المدخل والستارة المطوية لتسمح للناس بدخول المسجد. تأخذ اللوحة عين الناظر لملاحظة نافذة مزخرفة أعلى البناء وقد تدلَّت منها سجادة مزخرفة بألوان جميلة.

حسب الدار؛ فاللوحة تُعرض في المزاد للمرة الأولى وتتمتع بسجل ملكية موثق ومتميز، إذ اقتُنيت مباشرةً من الفنان بعد أربع سنوات من إنجازها، حسب تصريح تشارلز أوبراين، مدير قسم لوحات القرن التاسع عشر في «بونامز» الذي يضيف أن اللوحة تُعد «مثالاً رائعاً على أعمال عثمان حمدي بك، أحد أبرز الشخصيات في المشهد الثقافي العثماني في مطلع القرن العشرين. إنها لوحة رائعة بكل المقاييس، من حيث الحجم والتفاصيل، وبوصفها من أوائل لوحاته ذات الأبعاد الضخمة، فهي تُعدّ مثالاً مثالياً على دمج مشهد شارع معاصر مع بعض السمات المعمارية لمسجد عثماني من القرن الخامس عشر."


الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)
TT

الفرنسيون يتراجعون عن المآدب المنزلية لصالح المطاعم

دعوة منزلية (أ.ف.ب)
دعوة منزلية (أ.ف.ب)

كشف التقرير السنوي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن أن نسبة الأوروبيين الذين يلتقون بأصدقائهم يومياً تراجعت من 21 في المائة عام 2006 إلى 12في المائة عام 2022. وتشير دراسة حديثة في فرنسا حول اتجاهات الطعام أجراها مرصد المجتمع والاستهلاك، إلى أن 43 في المائة من الفرنسيين يتناولون العشاء بمفردهم في المنزل، مقارنةً بنحو 29 في المائة قبل عشرين عاماً. لكن الظاهرة الأكثر لفتاً للانتباه هي التراجع عن دعوة المعارف لعشاء منزلي وتفضيل المطاعم، اختصاراً للجهد والقلق الذي يسبق الاستعداد لاستقبال الضيوف.

ويبدو أن عادة «تناول العشاء في المنزل» وجميع أشكال التجمعات العفوية داخل المنازل تتراجع ببطء ولكن بثبات وهي قد تمضي نحو الانقراض. ويأتي ضيق مساحات المعيشة في مقدمة الأسباب الواردة في الدراسة. وفي المرتبة الثانية الإرهاق والضغط الاجتماعي لتقديم ضيافة مميزة.

وفي استطلاع حول الموضوع نشرته صحيفة «الفيغارو» الفرنسية، قالت إيميلي، وهي مهندسة معمارية تبلغ من العمر 37 عاماً، إن سنتين مضتا على آخر مرة دعت فيها أصدقاءها لتناول العشاء. كان ذلك في عيد ميلادها. وأضافت: «قضيت أسابيع في التفكير والقلق بشأن ما سأطبخه، وما إذا كانت شقتي واسعة ومريحة ونظيفة بما يكفي». لكن في طفولتها، كانت وجبات عشاء ليلة السبت في منزل والديها أمراً معتاداً. وهي تتذكر تلك الأمسيات الحميمة قائلة: «10 أشخاص حول المائدة وتأتي والدتي بالطبخة لتضعها على المائدة بينما يفتح والدي قنينة الشراب وينتهي الأمر».

في التقرير ذاته، يوضح جان بيير كوربو، الأستاذ الفخري لعلم اجتماع الغذاء والاستهلاك في جامعة تور، أن دعوة الناس تعني السماح لهم بالدخول إلى جزء من حياتك الخاصة، أي عالمك الحميم. وقد أصبحت هذه الحميمية أكثر هشاشة وانكشافاً، خصوصاً مع تقلص مساحات الشقق الحديثة. إذ ليس من الممكن دائماً الفصل بين ما يُعتبر لائقاً وما يرغب المرء في إخفائه. ويضيف: «عندما تُستخدم غرفة النوم غرفة معيشة أيضاً، وعندما يكون المطبخ مكشوفاً، فإن استقبال الضيوف يعني فضح كل شيء، وهذا ما لا يرغب به الجميع. إن دعوة شخص ما إلى المنزل ليست بالأمر الهين في أيامنا».

من الذين شملهم التقرير بائعة شابة تدعى نورا، تسكن في «ستوديو»، أي شقة من غرفة واحدة في باريس، وهي تشرح سبب تحرجها من دعوة زملاء العمل بقولها: «شقتي صغيرة وفوضوية بعض الشيء. إن فكرة استضافة زملائي تعني اضطراري إلى ترتيب كل شيء قبل ثلاثة أيام. وهو أمر يسبب لي التوتر. وحتى مع العائلة، أجد صعوبة في التخلي عن الفوضى وأخشى أنها تعطي انطباعاً سلبياً عني». ومثل نورا، صارت نسبة غالبة من الفرنسيين تفضل نقل التجمعات إلى أماكن محايدة، مثل المقاهي والمطاعم، حيث لا حاجة إلى التبرير أو التفسير. لكن هذا التغيير لا يقتصر على المساحة فحسب بل هو جزء من تحول أوسع في أنماط الحياة المعاصرة. ولاحظ مهندس معماري أن المساكن المعاصرة أصبحت هجينة. ولم تعد غرفة الطعام مكاناً أساسياً مثل السابق بل جرى اختصارها إلى طاولة مستديرة في زاوية غرفة المعيشة. وهذه الغرفة هي مساحة مختلطة تصلح للنوم والأكل والعمل وتصفح الهواتف.

وحسب مقياس «ألفابيت فرانس-إيفوب» لعام 2024، يقضي الفرنسيون ما يقارب 50 دقيقة يومياً في التنقل بين المنزل والعمل، مما يشكل ضغطاً على جداولهم الزمنية وتواصلهم الاجتماعي. فزملاء العمل موزعون في الضواحي ويستغرق الأمر ساعات لكي يعودوا للاجتماع في مكان واحد بعد الدوام. لقد أصبح المسكن، بالنسبة لكثيرين، ملاذاً حقيقياً ومكاناً للراحة النفسية. ومع تراجع الدعوات المنزلية صار اللقاء في المطعم هو الحل. وما يقال عن فرنسا يصلح لغيرها من الدول، حتى في عالمنا العربي.