المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

قال لـ«الشرق الأوسط» إن عرض فيلمه في «برلين السينمائي» مفاجأة سعيدة

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان
TT

المخرج الصيني تان يوتشنغ: استلهمت لوحات إدوارد هوبر في «نيير»

يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان
يعرض الفيلم الصيني للمرة الأولى ضمن فعاليات مهرجان برلين - إدارة المهرجان

في فيلمه الروائي القصير، «نيير»، المشارك ضمن قسم «أجيال»، بالدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، يقدّم المخرج الصيني تان يوتشنغ عملاً يبدو بسيطاً، لكنه غني بالمعنى، يراهن على الصمت، والمراقبة، والتفاصيل الصغيرة، بوصفها أدوات سرد أساسية لفهم التحوّل الإنساني.

الفيلم، الذي يُعد التجربة الإخراجية الأولى للمخرج، يتتبع فتاة في السابعة عشرة من عمرها، تعيش حياة رتيبة بين فضاءين مغلقين؛ المنزل ومحطة الوقود حيث تعمل، لا أحداث كبرى، ولا صراعات معلَنة، بل ضغط غير مرئي يتراكم ببطء، ينعكس في نظرات البطلة، وحركتها المحدودة، وطريقة تفاعلها الصامت مع العالم من حولها.

ومنذ اللحظات الأولى، يفرض الفيلم إيقاعه الهادئ، معتمداً على لقطات ثابتة وطويلة، تضع المتفرج في موقع المراقب، لا الشاهد المنفعل، في خيار أسلوبي للمخرج جاء من رؤية إبداعية وقناعة بأن الصمت أحياناً يحمل من المعنى أكثر مما تحمله الكلمات، وأن ترك المساحة للمشاهد كي يملأ الفراغات بمشاعره وتجربته الخاصة هو جوهر الحكاية.

المخرج الصيني تان يوتشنغ - (الشرق الأوسط)

ضمن هذا العالم المحدود، تظهر شخصية سائقة الشاحنة، في حضور عابر زمنياً، لكنه بالغ التأثير، لا تقدّم الشخصية حلولاً، ولا تطلق خطابات، بل تمثل احتمالاً آخر للحياة، نموذجاً لامرأة اختارت مساراً مختلفاً، ودفعت ثمنه، هذا اللقاء القصير يصبح شرارة داخلية، لا تقود إلى تغيير فوري، بل تزرع بذرة وعي، كما لو أن الفيلم يقول إن التحولات الكبرى لا تبدأ دائماً من أحداث صاخبة، بل من لحظات صامتة.

يقول تان يوتشنغ لـ«الشرق الأوسط» إن اختيار فيلمه، «نيير»، للعرض في مهرجان «برلين» كان مفاجأة سعيدة له ولفريق العمل، موضحاً أن «هذا الاختيار أشعره بأن المهرجان يقدّر الجهد الحقيقي المبذول في صناعة الفيلم».

وأضاف أن المشاركة في المهرجان تحمل أهمية خاصة بالنسبة له كمخرج يقدم عمله الأول، لأنها تؤكد أن المهرجانات الكبرى يمكن أن تركز على جودة الفيلم نفسه، وليس على خلفية المخرج أو عدد أعماله السابقة، معتبراً أن ذلك يمثل اعترافاً معنوياً لكل من يؤمن بقيمة السينما الجادة.

تأثر المخرج بحكايات والدته في الطفولة - مهرجان برلين

وأوضح يوتشنغ أن اعتماده على الصمت داخل الفيلم جاء انعكاساً لطبيعته الشخصية، مشيراً إلى أنه يؤمن بأن الصمت أحياناً يحمل معاني أعمق من الكلمات، وأن اللحظات الهادئة تتيح للمشاهد أن يصنع مشاعره الخاصة بدلاً من فرضها عليه عبر الحوار المباشر.

وأشار إلى أن استخدام مواقع تصوير محدودة كان قراراً عملياً وفنياً في الوقت نفسه، لكون أي مخرج في تجربته الأولى يواجه تحدي التوازن بين الطموح الفني والإمكانات المتاحة، لافتاً إلى أن فضاءَي المنزل ومحطة الوقود يعكسان الواقع اليومي للشخصية ويكشفان طبيعة القيود التي تعيش داخلها.

وكشف أن أكبر تحدّ إبداعي واجهه أثناء تنفيذ الفيلم كان اختيار الممثلة المناسبة لدور سائقة الشاحنة؛ إذ كان يبحث عن شخصية قادرة على ترك تأثير قوي على الشاشة، من دون أن تُفقد العمل طابعه الواقعي والشاعري، مشيراً إلى أن التحدي تمثل في تحقيق التوازن بين التعبير الفني والصدق الواقعي.

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في السينما - إدارة المهرجان

وأكد أن الفيلم تأثر جزئياً بتجربته الشخصية، حيث نشأ في أسرة أحادية العائل تقودها والدته، التي كانت تحكي له كثيراً عن انتقالها من الريف إلى المدينة، موضحاً أنه لم يدرك أهمية هذه الحكايات إلا لاحقاً عندما كبر، إذ شعر أنها زرعت داخله وعياً مبكراً بقضية استقلال المرأة والسعي لاختيار مصيرها.

وأضاف أن الأسلوب البصري للفيلم تأثر بلوحات الرسام الأميركي إدوارد هوبر، موضحاً أنه حاول تحويل الإطار السينمائي إلى ما يشبه لوحات تشكيلية تعبّر عن الوحدة والتوتر والضغط النفسي، كما أن اللقطات الطويلة والثابتة تساعد على جذب المشاهد إلى التفاصيل الصغيرة التي قد تمرّ دون ملاحظة في الحياة اليومية. وأشار إلى أنه لا يسعى إلى فرض تفسير محدد على الجمهور، مؤكداً أن الفيلم بعد عرضه يصبح ملكاً للمشاهدين وتجاربهم الخاصة، لكنه يرى أن الرسالة الأساسية للعمل هي الاحتفاء بكل شخص يمتلك الشجاعة لإعادة كتابة طريق حياته بنفسه.


مقالات ذات صلة

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

يوميات الشرق الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال.

أحمد عدلي (الجونة (مصر))
يوميات الشرق رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)

رشيد مشهراوي: «حرب غزة» غيّرت أولوياتي في صناعة السينما

قال المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي إن حرب إسرائيل على بلاده غيّرت أولوياته بصفته سينمائياً، فأرجأ جميع مشروعاته، لكنه على الطرف الآخر قاد مبادرات سينمائية عدة.

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق «كابونجا» يتوسط المخرج وفريق العمل في كواليس التصوير (الشركة المنتجة)

«عودة كابتن كابونجا» يوثق أحلام وخيبات «أقوى رجل في العالم»

يوثِّق فيلم «عودة كابتن كابونجا» أحلام وخيبات المصارع المصري أشرف محروس، الملقب بـ«أقوى رجل في العالم».

انتصار دردير (الجونة (مصر))
يوميات الشرق الفيلم السوري «حلفاء في المنفى» (إدارة مهرجان الجونة)

المشاهد الإنسانية في أفلام اللاجئين تلفت الأنظار في «الجونة السينمائي»

تُتيح المبادرة لصنّاع الأفلام المتأثرين بالنزوح فرصاً لتطوير مشروعاتهم وعرضها أمام مختصين في صناعة السينما.

انتصار دردير (الجونة)
يوميات الشرق لقطة من فيلم «تينزينغ» للمخرجة جينيفر بيدوم (أبل تي في)

«تينزينغ»... مَن الأبطال الحقيقيون لإيفرست؟

يتناول الفيلم قصة تينزينغ نورجاي، المتسلق النيبالي الهندي الذي أصبح - إلى جانب إدموند هيلاري - واحداً من أوائل الأشخاص الذين وصلوا إلى قمة جبل إيفرست عام 1953